المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مهمة النخبة الإفريقية - من أجل التغيير

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌مهمة النخبة الإفريقية

‌مهمة النخبة الإفريقية

(*)

على أثر انتهاء (القمة العربية) المصغرة التي عقدت مؤخرا في القاهرة. أجرى مراسل ال ( RTA) مقابلة مع الرئيس الأزهري حول موقف الدول الإفريقية في (هيئة الأمم المتحدة) أثناء مناقشة الاعتداء الإسرائيلي.

فشرح رئيس الدولة السوداني كيف أن هذا الموقف، مهما كان مخيبا لآمال العرب، إنما كان وليد تأثيرات الإمبريالية وإلحاحها ووعودها وضغوطاتها لدى تلك الدول.

ويأتي هذا الجواب في حينه لينور- كما أتمنى- قارئا من الجمهورية العربية كتب لنا تحت اسم (س. هـ) ليبلغنا مرارته من موقف المنظمة الإفريقية.

رغم ذلك، وبما أن هذا القارئ الصديق يخاطبني باسمي شخصيا حول نقطة دقيقة، وبما أنه فوق ذلك يريحنا بطلبه أن نكون (صريحين) فيما بيننا، فإن الحوار سيكون ولا شك ممتعا جدا.

ولكنني أميل- بادئ الأمر- إلى طرح سؤال عليه، قبل أن أجيب على سؤاله. فالحلم مزية الشباب، ولا شك. كما هو مزية الشعراء أيضا.

ولكن الإمبريالية سلبت العالم سحره وشاعريته. لقد سلبتنا بذلك حقنا في مزايا الشباب.

وعليه، من يسمح لإنسان من العالم الثالث أن يحلم، (بحلم الوحدة الإفريقية)، كما يقول صديقنا القارئ؟ إن كل وعينا ضروري في هذا الصراع المرير المفروض علينا. ولكنه ليس كافيا على الدوام.

(*)« La Mission des élites africaines» ، Révolution africaine، no 234، Semaine du 7 au 13 août 1967.

ص: 78

يجب علينا أن نستيقظ ونتساءل إذا كان حلمنا ذاته فخا؟ كذلك يجب أن نتساءل ما إذا كانت الإمبريالية تدفعنا إلى الحلم تماما، لكي تلفت انتباهنا عن بعض الوقائع الملموسة التي تعيق حساباتها؟

يخطر ببالي على وجه التحديد ذلك الواقع الإفريقي- الآسيوي الذي تجسد في (باندونغ) سنة 1955، وذلك الرعب الذي زرعه في المعسكر الإمبريالي. فالإمبريالية كانت تعرف حتى ما كان يمثله هذا الواقع على التمام.

كانت ترى فيه، على المدى القريب، القوة الهائلة لكل الدول النامية (بكل ما تملك من مقدرات اقتصادية) منظمة في نوع من النقابة ذات البعد السياسي والاجتماعي والأخلاقي في سبيل التعبير عنه حقوق البروليتاريا الآسيوية- الإفريقية، والمطالبة بها، وهي بروليتاريا تتكون من كامل شعوب تلك البلدان، أي من أكثر من مليار نسمة.

أما على المدى البعيد، فإنها ترى أكثر من ذلك.

هناك مراقب غربي لا نشك في تجرده يقيم هذه الواقعة بقوله: "

إن مؤتمر باندوخ لم يؤد إلى أي نتيجة مباشرة، ولكنه كان حافزا للقوى التي حددت مجرى التاريخ وصنعت العالم الذي نعيش فيه اليوم".

والواقع أنه من المنظور التاريخي، وإذا وضعنا أنفسنا في السنة 2000 كما فعل هذا المراقب الغربي، فإن هذا الحكم غاية في الدقة.

ولكن، هل ما يزال صالحا حتى يومنا هذا. هيهات! لقد عف الزمن على كل الأحكام التي أطلقت على مستقبل مؤتمر باندونغ، على المدى القريب وعلى المدى البعيد، لماذا؟

لكي نجاري العصر، لا بد من الإجابة بشكل آلي إلى أن ذلك يعود إلى الإمبريالية.

ص: 79

وعلى كل حال، يبقى الجواب صحيحا، ولكن يجب رغم ذلك ألا نخضع لآلية الجواب: بل يجب أن نفكر.

لا يجب أن نتهم، بل أن نفهم، لم تستطع الإمبريالية بضربة من عصا سحرية أن تحطم مشاريعنا المبشرة لنا بالخير أحيانا. وبالتالي الخطرة لها.

إنها لا تفعل أكثر من استغلال مواطن ضعفنا، إما في تصميم مشاريعها وإما في تنفيذها.

إن الظروف الاستثنائية للحرب الباردة هي التي أنجبت مشروع مؤتمر باندوخ. ويجب أن نعترف بكل تواضع أننا لم نفعل شيئا كثيرا لنساعد هذا المولود الجديد على النمو. هذا في البدء. ثم إنه يترتب علينا الاعتراف بأننا حتى أعقنا تطوره بالمبادرات الفجائية والإجراءات التي لا طائل تحتها.

في المؤتمر الإفريقي الآسيوي الثاني الذي عقد في القاهرة سنة 1957، رأينا مثلا (طه حسين) المؤثر يتكلم عن الثقافة الرائعة لبلده خلال آلاف السنين. فلو أن هذا حدث على منبر كلية جامعية أمام حشد من الطلاب، لكان الموضوع نفيسا حقا، ولكن من على منبر الشعوب الإفريقية الآسيوية؟ ألم يكن من الأفضل، لو تكلم عن مشروع ثقافة إفريقية آسيوية يوضع فورا قيد التنفيذ، لكي يقدم البناء المتين الضروري لمجتمع شمل القوى الهائلة، المشتتة نوعا ما، والمجتمعة في باندونغ؟

من الواضح أن هذا التناقض كان فوق ذلك مشتركا بين الجميع. اللهم إلا عند الوفد السوفياتي، الذي قام بشيء أشد فعالية، حين تكلم عن قواعد اقتصاد إفريقا آسيوي.

أما بالنسبة ل ( GPRA)، فإنها لم تجد أفضل من أن تعتالي منبر الشعوب الإفريقية الآسيوية لا لتسمع صوت الثورة الجزائرية، بل لتستشهد بأقوال الصحافة

ص: 80

التقدمية من أولها إلى آخرها، من (الأكسبريس) إلى (الأوبسيرفاتور).

هذا ولا نتكلم هنا عن الكتاب المزيفين الذين انتدبتهم ال ( GPRA) ليمثلوا الجزائر في المؤتمر الأول للكتاب الإفريقيين الآسيويين الذي عقد في طشقند في سبتمبر- أيلول سنة 1958.

لقد أعطى (بومارشيه) وصفا دقيقا لمثل هذا التناقض في عصره بقوله: "كنا بحاجة لمحاسب، فاتخذنا راقصا". وهذا على ما أعتقد ينطبق بعض الشيء على العديد من دول العالم الثالث.

باختصار، هذا هو عملنا من الداخل. ويجب الاعتراف بأننا بذلك نجعل مهمة الإمبريالية سهلة جدا من الخارج.

عندما نتكلم عن (العارضة poutre) فإننا نفكر بالضبط بهذا الأمر، وبالكثير مما يشابهه. إن الشعوب الإفريقية أو الآسيوية، إلا ما ندر منها، لا تحتاج لأن نضع عارضة في عينها: فهذه الأخيرة موجودة فيها بشكل طبيعي.

كان لمؤتمر الوحدة الإفريقية عارضته حين ولد: إن عارضتنا، عارضة إفريقية كلها، ستصبح انشقاقية، وستدير ظهرها لروح باندوخ، ثم سيدير ظهره لدستوره هو في آخر نقاش في الأمم المتحدة.

إن وجوده ذاته يشكل الانشقاق الأول في قلب العالم الثالث تاريخيا وسياسيا.

في آخر نقاش في الأمم المتحدة، لم تفعل الدول العربية وإفريقية ذاتها إلا أن قطفت الثمرة المخيبة لهذا الانحراف الانشقاقي.

ومن المؤكد، نستطيع أن نذكر هنا، ما لدى الإمبريالية من نوايا ميكيافيلية، ومناورات شيطانية.

ص: 81

ولكن، أهذا كل شيء؟ ألا يجب أن نذكر كذلك مسؤوليتنا نحن؟ في الواقع، يعود تاريخ قشرة الموز إلى زمن بعيد. إن المستوى الذي هيأ الاستعمار عليه الانشقاق الإفريقي هو مستوى الأفكار- إذ تم العمل بادئ الأمر على الصعيد الفكري. وفصل رجال النخبة الإفريقية بعضها عن البعض الآخر.

وعوارض الانشقاف ظهرت بادئ الأمر في مختلف مؤتمرات الكتاب السود، مثل ذلك الذي عقد في روما سنة 1959.

إن بعضهم يدعي أن تأسيس (منظمة الوحدة الإفريقية) جاء تلبية لذاتية إفريقية:

(الإفريقانية) كما يقال. ولكن مؤتمرات الكتاب السود هيأت لذاتية أخرى، هي ذاتية الزنجية ( négritude)، إذ نستعمل هنا الكلمة التي استعملت في هذه المؤتمرات.

هكذا، وضعت في النهاية ذاتية داخل الذاتية وخلق تمييز داخل التمييز. حيث إن منظمة الوحدة الإفريقية ليست سوى طابق ثان في صاروخ أطلق ضد وحدة العالم الثالث. لقد انسحبت النخبة الإفريقية في هذه اللعبة. وإذا كنا معجبين ب (أمية سيزار) المناضل ضد الإمبريالية، المتمس أشد الحماس والمخلص أشد الإخلاص، فإننا نجد أنفسنا مجبرين، للأسف، على أن نعده في الوقت ذاته كألمع ممثل للميول الانشقاقية التي ظهرت في الأمم المتحدة.

كذلك، عندما يظهر اسمه مصحوبا باستشهاد منه في مقدمة تقرير إذاعي حول بدء السنة الجامعية- كما حصل في جامعة الجزائر منذ سنتين- فإننا لا ندري إن كان يجب أن نرى فيه الخطأ السياسي، أم الخطأ في الأسلوب. الواقع أن الخطأ ارتكب، على أقل ما يمكن. ضد الذوق السليم. ربما جعلونا هنا ننزلق في صغائر الأمور!! ولكن هذا ليس عزاء لأحد. ألم يكن من غير اللائق كذلك كل هذا الهرج والمرج حول

ص: 82

شخص (جان بول سارتر)، لدى زيارته لجامعة عربية أخرى؟ خاصة إذا ما تذكرنا أن كاتبا عربيا وضع نفسه تحت تصرف الدولة ذاتها (في حال الاعتداء)، وذلك قبل الاعتداء الإسرائيلي بشهر واحد. لم يرسل إليه حتى إشعار بوصول تلغرافه.

يا له من مرض! إننا لا نفقه الفروقات الصغيرة. إننا بليدو الذهن. ومن المؤكد لا يترتب علينا- نحن العرب- أن نعطي للأخرين دروسا في الإخلاص في للمبادئ. فنحن ذاتنا نحتاج إلى مثل هذه الدروس!

هنا يكمن على ما يبدو فحوى سؤال الصديق (س. هـ) كنت أتمنى رغم ذلك أن يطرح سؤاله بشكل أشد وضوحا، خاصة فسما يتعلق بتلك (المساومات) التي كنا ضحيتها كما يقول.

ومهما يكن من أمر، فإننا يجب ألا نرى في هذا مسألة مصادفة، أو مجرد حادث في الطريق، أو مشهد من مشاهد الحياة السياسية.

المشكلة أعمق من ذلك.

إن منظمة الوحدة الإفريقية لم تفعل ما فعلته في الأمم المتحدة إلا ما كان يتحتم عليها أن تفعله، بالمصادفة أم بغيرها.

يجب فحص الأشياء بعمق شديد، حين يسجل شعب من شعوب العالم الثالث، في نهاية معركته البطولية، كلمة (السيادة) في مطلع دستوره، فهذا ليس في كل شيء. إن الإمبريالية لا تختفي بذلك من الوجود- إنها تترك بكل بساطة وسائل ظاهرة في سبيل التمسك بوسائل أخرى، قد تكون غير مرئية (ولكن ليس على الدوام). ولكنها أشد مرونة وأشد فعالية. وتقدم المناقشة الأخيرة في الأمم المتحدة مثالا واضحا جدا لهذه الظاهرة، يجب على العمل الثوري إذن أن يتضمن مبدأ عاما هو: لكي ننزع الاستعمار عن الأرض، يجب أن ننزععه عن الأذهان.

ص: 83

ولكن إذا كانت علينا بعض الظروف الخاصة ترغمنا على اتباع عكس في ذلك، فإنه من واجبنا على الأقل أن ننزع الاستعمار عن الأذهان بعد نزعه عن الأرض.

لقد ترك لنا (غاندي) درسا حول فحوى التحرير في بلد مستعمر، في سنة 1917، وبمناسبة استئناف الدروس في المعهد الذي أسسته (الآنسة أني بوسانت) أو (بمناسبة افتتاحه)، توجه إلى مواطنيه بقوله:"إن الهند لا تستحق الاستقلال، ما دام المار في أحد شوارع بومباي أو كالكوتا معرضا لأن يتلقى بصقة على رأسه من إحد في النوافذ".

وفي زمن أقرب إلينا، عندما سحق الشعب الصيني الإمبريالية في سنة 1948، لم ينقض على (الأموال السائبة) في بكين للمتاجرة بها. بل كان أول همه أن يشمر عن ساعديه ليخلص عاصمة إمبراطورية الشمس القديمة من أطنان النفايات التي كانت تغرق تحتها.

إن مشروع قنبلة هيدروجينية (وهذا ليس سوى مثل) لا يمكن أن يدرك ولا أن يحقق فوق كومة من الأوساخ. تلك هي الانتصارات التي تحرر الفكر، ويأتي حتما تحرير الأرض بالسلاح بعدها أو قبلها.

إن شعبا يناضل ضد الإمبريالية يجب ألا ينام على أكاليل انتصاره الأول.

فالديموقراطية لا تكمن في كلمة تسجل في مطلع الدستور. بل تحول الإنسان هو الذي يخلقها. المواطن هو الذي يحملها في أحشائه، وبالأحرى حين يتعلق الأمر بالنخبة من المواطنين.

بذلك فقط، تصبح النخبة الإفريقية غير قابلة للتأثر بإيحاءات الإمبريالية على الصعيد الفكري، وغير قابلة للخضوع لمشاريعها على الصعيد السياسي.

بذلك فقط تستحق إفريقية، ونحن جزء منها، أن تنال استقلالها، كما يقول

ص: 84

غاندي. وعلى الأخص، طالما أن منظمة الوحدة الإفريقية موجودة كما هي، فإننا لا نستطيع أن نبني تاريخا من الماضي.

ولكن رجال النخبة الإفريقية يستطيعون أن يغيروها بتغيير أنفسهم، أي بأن يعوا تمام الوعي رسالتهم في صفوف المعركة الكبرى التي يخوضها العالم الثالث. إنها معركة شاملة.

على تلك النخبة أن تقوم بثورتها الخاصة، لكي لا تستمر في الوقوع في أحابيل الإمبريالية، فبها تتعلق- على الأخص- إعادة التفكير بمسألة الانشقاق الإفريقي الذي أدخل في وسط نضال العالم الثالث، لكي تتبدد قواه التي تجمعت في باندونغ.

إذا كان على وفد جزائري أن يذهب إاى أديس أبابا، فإن عليه أن يضطلع بدور عظيم. ونتمنى أن يضم الملف الذي سيحمله الوثائق المقنعة في سبيل نفخ روح جديدة في منظمة الوحدة الإفريقية، وأن يتذكر الوفذ في تلك اللحظة ويذكر كلمات الرئيس (الأزهري).

ص: 85