الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا، وتلك تشريفًا له صلى الله عليه وسلم وبخاصة مطلعها وهذه تضمنت تشريفًا له في مطلعها، إلى غير ذلك.
السبب العام لنزول هذه السورة:
قال القرطبي: قال العلماء: كان في العرب جفاءٌ وسوءُ أدب في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تلقيب الناس، فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق.
الأسباب الخاصة لنزول آياتها:
تشتمل هذه السورة على عدة أحكام وآداب، ولكل آية منها سبب اقتضى نزولها، وسنبين ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3))
المفردات:
(لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ): لا تقدموا أمرًا قبل أن يحكم الله فيه ورسوله.
(لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): لا تجعلوا أصواتكم أَعلى من صوته.
(وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) أي: ولا تساووه في الجهر كما يساوى بعضكم بعضًا فيه.
(أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أي: كراهت أن يبطل ثوابها وأنتم لا تدرون.
التفسير
1 -
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
تشتمل هذه الآية على صورة بلاغية، حيث استعير المتقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم في أَمر دون اقتداءٍ بكتاب الله وبرسوله، تصويرًا لشناعته بصورة المحسوس،
فمثله كمثل تقدم الخادم بين يدي سيده في مسيره، فالمراد من الآية: لا تقطعوا أمرًا، ولا تجرؤوا على ارتكابه قبل أن يحكم الله فيه ورسوله، فإن ذلك شديد القبح كالذى يسبق سيده في سيره.
سبب النزول:
اختلف الرواة في سبب نزول هذه الآية، فقد روى الواحدى بسنده عن ابن جُرَيْج قال: حدثني ابن أبي مُلَيْكَة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قَدِم ركبٌ من بني تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أَمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أَمِّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلَاّ خلافى، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله - تعالى -:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) إلى قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} ورواه البخاري عن محمَّد ابن الصباح.
وروى المهدوى بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على المدينة رجلًا إذا مضى إلى خيبر، فأشار عمر برجل آخر فنزل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ).
وروى الماوردى عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفد أربعة وعشرين رجلًا من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسَلمُوا، وانكفأوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم، فسألوهما عن نسبهما، فقالَا: من بني عامر لأنهم أعز من بني سليم فقتلوهما، فجاء نفرٌ من بني سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن بيننا وبينك عهدًا، وقد قتل منا رجلان، فوداهما النبي صلى الله عليه وسلم بمائة بعير في قتلهم الرجلين .. إلى غير ذلك من الأقوال، ولا نرى مانعًا من حدوث هذه الأسباب جميعًا قبل نزول الآية فلا تعارض بينها، فتكون الآية قد نزلت بشأنها جميعًا، ليلتزم أصحابها بالأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا يُحْدثوا أمرًا قبل سؤاله وحكمه.
ويقول بعض العلماء: لعلها نزلت من غير سبب، لتكون دستورا للمسلمين في أعمالهم وأقوالهم، فلا يقدموا طاعة عن وقتها، ولا يخالفوا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قوله فيها، فهو
إمام أُمته وأُسْوتها: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (1).
ويدخل في عموم هذه الآية - كما قال ابن كثير - حديث معاذ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: "بِمَ تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال:"الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله".
وقد ختم الله الآية بالتحذير من مخالفة هذا النهي فقال: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: وخافوا الله واجعلوا لأنفسكم وقاية من عقابه، فإنه سميع لأقوالكم عليم بها، وبأعمالكم، فيجزيكم اللائق بامتثالكم أو مخالفتكم.
المعنى الإجمالي للآية:
يا أيها الذين آمنوا اتَّبعُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، ولا تسبقوه بالحكم في أمر من أمور الدين أو سياسة الأُمة، فإن ذلك ليس من حقكم، بل انتظروه حتى يحكم فيه فهو إمام أُمته، إن الله عظيم السمع واسع العلم، فيسمع أقوالكم، ويعلم بها وبأعمالكم فيجازيكم بالخير إذا امتثلم، ويعاقبكم إذا خالفتم.
بعض ما يستنبط من أحكام الآية:
تعتبر الآية أصلًا في إيجاب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته في قوله أو فعله، فإنه كما قال - تعالى -: "وما ينطق عن الهوى
…
إن هو إلا وحيٌ يوحى" (2).
* ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: "مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس" فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف - أي: سريع البكاء -، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُر عمر فليصل بالناس، فقال صلى الله عليه وسلم:"مروا أبا بكر فليصل بالناس".
(1) سورة الأحزاب الآية: 21.
(2)
سورة النجم، الآيتان: 3، 4.
ويفهم من الآية أن كل عبادة مؤقتة بوقت لا يجوز تقديمها عليه، كالصلاة والصوم والحج.
واختلف في تقديم الزكاة عن وقت وجوبها، فأجازه قوم وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، ومنعه قوم منهم أشهب، فلا تقدم على وقتها لحظة واحدة.
وقد اعتمد الذين أجازوا تقديمها على وقتها - اعتمدوا - على فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد استعجل من العباس صدقة عامين، ولأنه صلى الله عليه وسلم قد أقر جمع زكاة الفطر قبل يوم الفطر، حتى تعطى لمستحقيها قبل يوم الوجوب، وهو يوم عيد الفطر، وبهذا القول نقول، فيجوز إعطاءُ الزكاة قبل تمام الحول، فإذا حال الحول وقد نقص المال فما دفعه من الزيادة عن الواجب عليه يعتبر صدقة تطوع، وإذا زاد كما في عروض التجارة، فإنه يستكمل الزكاة بإخراج نصيب هذا القدر الذي زاد.
وقد ختم الله الآية بقوله - سبحانه -: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: وخافوا الله واجعلوا لأنفسكم وقاية من عقابه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، إن الله سميع لأقوالكم عليم بها وبأعمالكم، فيجزيكم الجزاء اللائق بامتثالكم أو مخالفتكم.
2 -
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ):
سبب نزول الآية:
روى البخاري والترمذي بسنديهما عن أبي مُليْكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله، استعمله على قومه (1)، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله، فتكلما عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك - قال -: فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
…
) الآية، قال:
(1) أي: اجعله واليا وأميرا عليهم.
فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه. قال أبو مُلَيْكَة: وما ذكر ابن الزبير جده - يعني أبا بكر - فقد كان والد أُمه أسماء ذات النطاقين.
وسيأتي في أسباب نزول الآية التالية رواية تفيد أن أبا بكر رضي الله عنه قال: (والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السَّرار).
وهذه قد سبق مثلها في أسباب نزول الآية التي قبلها، فتكون قصة أبي بكر وعمر من أسباب نزول الآيتين، بل والآية التالية كما سيجيء - إن شاء الله تعالى - ويلاحظ على هذه الرواية أن الذي اقترح الأقرع بن حابس هو أبو بكر، في حين أن الرواية السابقة تفيد أنه اقترح تأمير القعقاع بن معبد، وأن الذي اقترح تأمير الأقرع بن حابس هو عمر.
وعلى أي حال فالواقعة صحيحة وإن اختلفت الروايتان في الشخص الذي اقترح كلاهما تأميره.
وروى الإِمام أحمد بسنده عن أنس قال: لمَّا نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
…
) إلى (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، وكان ثابت ابن قيس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحْبِطَ عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقَّدك رسول الله صلى الله عليه وسلم مالَكَ؟ قال: أنا الذي أرفع صوق فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وأجهر له بالقول حَبِط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال. فقال:"لا، بل هو من أهل الجنة" قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت ابن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه وقال:(بئسما تقودُون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل). وجاءت قصته في الصحيحين عن أنس نحو هذه الرواية.
وقال عطاء الخراساني: حدثتنى ابنة ثابت بن قيس قالت: لمَّا نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
…
) دخل أَبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأل ما خبره؟ فقال: أنا رجل شديد الصوت، وأنا أخاف أن يكون حُبِطَ عملي، فقال صلى الله عليه وسلم:"ليست منهم بل تعيش بخير". قالت: ثم أنزل
"إن الله لا يحِبُّ كل مُختال مخورٍ" فأغلق بابه وطفق يبكي، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمَال وأحب أن أسود قومى، فقال:"لست منهم، بل تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة" قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مُسَيلمة (1)، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا وقاتلا حتى قُتِلَا، وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمرَّ به رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائمٌ أتاه ثابت في منامه فقال له: أُوصيك بوصية، وإيَّاك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لمّا قُتلت أمس مَرّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعى، ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستَنُّ في طِوَله (2)، وقد كفأَ على الدرع بُرْمَة، وفوق البرمة رَحْل، فائت خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعى فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني أبا بكر - فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان، فأتى الرجل خالدًا فأخبر، فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته - قال -: ولا نعلم، أحدًا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت.
رأينا في تعدد أسباب للنزول:
لا نرى مانعًا من أن تكون الآية بسبب رفع الصوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل من أبي بكر وعمر وثابت بن قيس أو غيرهم؛ لتكون قاعدة عامة في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم توقيرًا له، ورفعًا لمقامه فوق كل مقام.
وكلُّ ما حدث من رفع الصوت على الرسول قبل نزول هذه الآية لا عقاب عليه، فلما نزلت وجب الالتزام بها.
معنى الآية:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: عظموا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثتموه، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، فإذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم الحد الذي يبلغه
(1) هو مسيلمة الذي ادعى النبوة كاذبا، وكان خالد بن الوليد قائدا للجيش الذي يقاتله.
(2)
أي: وعند خيمته فرس مربوط بحبل طويل يمرح فيه في المرعى.
بصوته، وأن تغضوا وتخفضوا منها، بحيث يكون كلامه غالبًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكيم واضحة، وسابقة ظاهرة، وامتيازُه بَيِّنًا، فلَا تغمروا صوته بلَغَطكم، ولا تبهروا منطقه بصخبكم، ولا تخاطبوه بيا محمَّد ويا أحمد، ولكن قولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله - انتهوا عمّا نهيتم عنه - لئلا يتأذى نفسيًّا برفعكم أصواتكم، واجتنابكم أسلوب التوقير له، فتحبط أعمالكم ويضيع ثوابكم، وأنتم لا تشعرون بذلك في دنياكم، بل تعلمونه في أُخراكم.
وإذا وصل الجهر بالصوت إلى حد الاستخفاف والاستهانة فذلك كفر - والعياذ باللهِ - فالغرض من الآية أن يكون صوت المؤمن عند خطابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خفيضًا مناسبًا لمقامه وهيبته، لكن بحيث يسمعه.
ولا يتناول النهي رفع الصوت الذي لا يتأذى به، وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو وما أشبه ذلك، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب لمَّا انهزم الناس يوم حنين:"اصرخ بالناس".
وكان العباس أكبر الناس صوتًا، روى أن غارة أتتهم، فصاح العباس: يا صباحاه فأُسقطت الحوامل لشدة صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة:
زَجْرَ أبي عُرْوَة السباعَ إذا
…
أشفق أن يختلطن بالغنم
وأبو عُروة كنية العباس رضي الله عنه.
وقد أثنى الله على من يخفضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدهم المغفرة والأجر العظيم فقال:
3 -
(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ):
أي: إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يكلمونه أو يكلمون غيره
بين يديه إجلالًا له، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة لذنوبهم، وأجر عظيم على خفض أصواتهم عنده.
ولفظ (امتحَنَ) من قولهم: امتحنْتُ الفضة، أي: اختبرتها حتى خَلَصتْ، وروى عن أبي هريرة أنه قال: لمّا نزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ
…
) قال أبو بكر: (والله لا أرفع صوتي إلا كأَخى السّرار) أي: إلا كصاحب المسارَّة، وقال عبد الله بن الزبير: لما نزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ .. ) ما حدث عمر عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه ممَّا يخفض، فنزلت:(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5))
المفردات:
(يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ): يرفعون أصواتهم من خارج حجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم طالبين خروجه إليهم، وسيأتي الحديث عنهم.
التفسير
4 -
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ):
كان الأعراب ذوى خشونة وجفاء في أخلاقهم وطباعهم قبل أن يدخلوا الإِسلام فيرقق طباعهم ويحسن أخلاقهم.
وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام القائلة - أي: نصف النهار - فجاء وفد من أعراب بني تميم يفادون أسراهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات أن يخرج إليهم دون أن ينتظروه حتى يخرج من حجرته، فأنزل الله عليه تلك الآية.
قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم؛ قَدِم الوفد منهم على النبي صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا فإن مدحنا زَيْنٌ وذمنَا شَيْنٌ، وكانوا سبعين قدموا لفداء ذرارى لهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم نَام القائلة.
وروى أن الذي ناداه منهم هو الأقرع بن حابس، وأنه هو القائل: إن مدحى زين وإن ذمى شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ذاك الله" رواه الترمذي عن البراء بن عازب، والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم:"ذاك الله" أن الذي مَدْحُهُ زين وذمه شين هو الله تعالى.
وفي رواية عن زيد بن أرقم قال: "أتَى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يك مَلِكًا نَعِشْ في جنابه فأَتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه: يا محمَّد، يا محمَّد.
وهناك روايات أُخرى لسبب النزول، وحَسْب القارئ ما تقدم.
والحجرات جمع حجرة (1) والمراد بها بيوت النبي صلى الله عليه وسلم التي أسكن فيها زوجاته، وقد بينت الآية أن أكثر هؤلاء المنادين لا يعقلون، ويفهم منها أن أقلهم يعقلون وهم الذين لم يوافقوا على ندائه قبل أن يخرج إليهم.
والمعنى الإجمالي للآية: أن الأعراب الذين ينادونك - أيها النبي - من وراء الحجرات وقت راحتك في النهار أو الليل، أكثرهم لا يعقلون، حيث لم يفرقوا بين ما يليق وما لا يليق وقد أوضح الله لهم ولغيرهم كيف يكون الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
5 -
(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمَّات نفسه، وذلك حقٌّ له، فمن سوء الأدب إزعاجه وقت راحته، وعلى من أراد لقاءه أن ينتظره حتى يخرج.
(1) والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحيط بها، وكل ما منعت أن يوصل إليه فقد حجرت عليه.
ومعنى الآية: ولو أن هؤلاء الذين نادوك من وراء الحجرات وأنت مستريح - لو أنهم - انتظروك حتى تخرج إليهم، لكان انتظارهم وصبرهم خيرا لهم في دينهم ودنياهم، والله - تعالى - واسع المغفرة شامل الرحمة، فيقبل التوبة ممن تاب وآمن، ومن هذا الأدب نعلم أنه ينبغي أن لا ينادى الناس بعضهم بعضًا من وراء مساكنهم، وأن لا يستأذنوا في أوقات الراحة، وينبغى أن يكون الاستئذان بالقرع الخفيف على الباب، وقد قام مقامه الضغط على (زر الكهرباء) ليصلصل الجرس، فإذا فتح للطارق سلم على من فتح له. أي: قال له: السلام عليك، ولا يدخل البيت إلا بإذن ممن له حق الإذن، وفي هذا يقول الله - تعالى -:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (1).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
(1) سورة النور، الآيتان: 27، 28.
المفردات:
(فَاسِقٌ): مرتكب للمعصية خارج عن الطاعة، من فَسَقت الرُّطبة: خرجت عن قشرها.
(بِنَبَإٍ): بخبر.
(فَتَبَيَّنُوا): فتثبتوا.
(أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ): لئلا تعتدوا على قوم بغير علم.
(لَعَنِتُّمْ): لأصابكم العنت وهو المشقة والإثم.
(أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ): أولئك هم المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد: وهي الصخرة.
التفسير
6 -
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ):
الخبر الكاذب تكون آثاره بعيدة عن الصواب مجانبة للحق، ولذا ينبغي التدقيق في التعرف على راوى الخبر، هل هو ممن عرف بالصلاح والصدق فيقبل خبره، أم هو ممن عرف بالفسق والكذب فيتحرى عن خبره ويتثبت منه.
ولهذا أنزل الله هذه الآية الكريمة لتوعية المسلمين بالتدقيق في تلقى الأخبار، لما يترتب على قبولها من الفساق من سيء الآثار.
سبب نزول الآية:
روى سعيد عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عُقْبَة مُصَّدِّقًا إلى بني المصطلق - أي: جابيًا للصدقة منهم وهي الزكاة - فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم لإحة كانت بينه وبينهم - كما جاء في بعض الروايات - فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأنهم قد ارتدوا عن الإِسلام، فبعث نبى الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، وانطلق خالد حتى أتاهم
ليلًا، فبعث عيونه - أي: جواسيسه - فلما جاءُوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإِسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أَتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت الآية، فكان نبي الله يقول:"التأني من الله والعجلة من الشيطان".
وجاء في رواية أُخرى أن وفدهم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا رسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما عندنا من الصدقة، فاستمر راجعًا، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل الله هذه الآية.
هل كان الوليد فاسقًا؟:
تقول الآية: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) وهي تشير إلى أن الوليد كان فاسقًا، فكيف يبعثه النبي لجلب الصدقة من المسلمين؟
والجواب: أنه لم يكن يعلم بحاله، فلما أرسله وحدث منه ما حدث ظهر فسقه، فنزلت الآية: للتحذير من قبول من يحتمل أنه فاسق حتى يتبينوا.
المعنى للإجمالى للآية:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: إن جاءكم من يحتمل فسقه بخبر خطير فتثبتوا من صدقه، لكي لا تصيبوا قومًا وتعتدوا عليهم وأنتم جاهلون للحقيقة، فتصبحوا نادمين على ما فعلتم من التسرع في الانتقام منهم، قبل التثبت من حال خبرهم، وذلك حين تظهر الحقيقة مخالفة للخبر بعد التورط في آثاره.
7 -
(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ):
المعنى: واعلموا يا صحابة رسول الله أن فيكم رسول الله فاصْدقوه ولا تكذبوه، وعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإن أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، فلو سارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر، لنالتكم المشقة والإثم،
فإنه لو قاتل الذين كذب عليهم الوليد بن عقبة، لكان خطأً كبيرًا، ولأصاب العنت، والإثم الوليد بن عقبة الذي أراد قتالهم ولأصاب من كان على رأيه منكم.
ثم خاطبهم الله مشيرًا إلى أنهم - مع خطئهم في المشورة في كثير من الأمور - مقيمون على الحق فقال: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ) أي: ولكن الله حبب إليكم الإيمان بالله ورسوله وحسَّنه في قلوبكم حتى اخترتموه (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) فرفضتموها (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) أولئك الموصوفون بهذه الصفات هم المستقيمون على طريق الحق مع تصلب فيه.
والرشد مأخوذ من الرشادة، وهي الصخرة، كما تقدم في المفردات.
8 -
(فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
أي: فعل الله ذلك بكم فضلا وإنعامًا منه، والله عليم بما يصلحكم، حكيم في تدبير أموركم.
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10))
المفردات:
(طَائِفَتَانِ): جماعتان.
(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا): فإن تعدت وظلمت.
(حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ): حتى ترجع إلى أمره.
(وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الإقساط (1): العدل أي: واعدلوا في الإصلاح بين الطائفتين إن الله يحب العادلين.
التفسير
9 -
(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) الآية:
مقدمة:
بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولا يتحقق ذلك إلا بالوحدة وعدم التفرق بين المسلمين، امتثالا لقوله - تعالى -:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .. } (2) فإذا وسوس الشيطان بين فريقين منهم حتى اقتتلوا، وجبت المسارعة إلى الإصلاح بينهما، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع مع أصحابه، وعلى الفريقين أن ينقادوا إلى الصلح حقًّا على الوحدة بين المسلمين، ومن أجل ذلك نزلت هذه الآية والتي تليها.
سبب النزول:
روى المعتمر بن سليمان عن أنس بن مالك قال: (قلت: يا رسول الله، لو أَتيت عبد الله بن أبَيٍّ - يعني ابن سلول رأس المنافقين - فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم فركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، قد أذاني نَتَنُ حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لَحِمَارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والأيدى والنعال، فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه الآية (3) وعلى أساسها أصلح النبي بينهم.
(1) إفعال من القسط - بكسر القاف - وهو العدل، أما القسط - بفتح القاف - فهو الظلم، ومنه قوله - تعالى -:{وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا} .
(2)
من الآية 103 من آل عمران.
(3)
رواه الإِمام أحمد بسنده عن معتمر، ورواه البخاري في الصلح عن مسدد، ورواه مسلم في المغازى بسنده عن محمَّد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان عن أبيه.
وقال مجاهد: نزلت في الأوس والخزرج، قال مجاهد: تقاتل حيَّان من الأنصار بالعصى والنعال فنزلت.
وتوفيقًا بين الروايتين نقول: إن عبد الله بن أُبي بن سلول والذين تعصبوا له أَوسيون والذين جابهوهم خزرجيون وعلى رأسهم عبد الله بن رواحة كما جاء في إحدى الروايات.
كيف يكون الإصلاح بينهما؟
يكون الإصلاح بين الطائفين المتقاتلتين من المؤمنين بالعدل وعدم التحيز إلى فئة على حساب الأُخرى، فإن دين الإِسلام دين مساوة، وبذلك ترضى نفوسهما ويزول ما بينهما، ومن وسائل الصلح التنازل عن حق الإمارة، فقد بويع الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد قتل أبيه، ثم تنازل عن حقه في الإمارة والخلافة، حقْنًا لدماء المسلمين وجمعا لكلمتهم وقد أَخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في طفولة الحسن.
روى الإِمام البخاري بسنده عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن عليٍّ، فجعل ينظر إليه مَرَّةً وإلى الناس أخرى ويقول:"إن ابني هذا سيِّدٌ، ولعل الله - تعالى - أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فكان كما قال صلى الله عليه وسلم فقد أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق، بعد الحروب المدمرة التي كانت بين أبيه وبين معاوية.
(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ):
أي: فإن تطاولت إحداهما على الأخرى ولم تستجب للصلح فهي باغية عليها، فيجب على المسلمين قتالها حتى ترجع إلى حكم الله في كتابه وسنة رسوله، فإن رجعت إليه فكُفُّوا عن قتالها، وأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.