الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة القمر
هذه السورة مكية، وآياتها خمس وخمسون
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
{السَّاعَةُ} : القيامة.
{سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} : دائم.
{وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} : وكل أمر من الأمور منته إلى غاية يستقر عندها.
{مُزْدَجَرٌ} : ازدجار ومنع من القبائح.
{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} أي: واصلة إلى غاية الأحكام.
{فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} : فما يفيد المنذرون لهؤلاء، والنذر: جميع نذير، بمعنى منذر، وكلمة {مَا} في قوله تعالى:{فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} إمَّا نافية فتكون حرفًا، أو استفهامية للإنكار والتوبيخ فتكون اسمًا.
التفسير
1 -
{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} :
هذه السورة تبين مواقف الكفار في مواجهة الحق مثل التي قبلها، والمراد من اقتراب الساعة شدة قربها، وذلك بنسبة ما بقي من عمر الدنيا إلى ما مضى منه، فالباقى منها قليل وإن مضى أكثر من أربعة عشر قرنًا بعد نزول هذه الآية، والله - تعالى - هو وحده الذي يعلم مقدار ما مضى من عمرها منذ إنشاء الخليقة، فقد يكون ملايين السنين، وقد جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى ذلك، روى قتادة عن أنس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال: "ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا ما بقي من هذا اليوم" وما نرى من الشمس إلا يسيرا. ولا صحة لما روي عن كعب ووهب، وهو أن عمر الدنيا ستة آلاف سنة، مضى منها خمسة آلاف وستمائة، فهذا رجم بالغيب ولم يُرْوَ عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ولأن الباقي من عمرها على ما قالوا هو أربعمائة سنة، مع أنه قد مضى بعد نزول الآية أكثر من أربعة عشر قرنًا، وذلك يوضح كذب هذا الخبر.
وانشقاق القمر حقيقة وقعت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس: (أن أهل مكة سألوه عليه الصلاة والسلام أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما).
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة على الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اشهدوا".
ومن حديثه أيضًا: "انشق القمر على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقال رجل: انتظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السُّفار فأخبروهم بذلك" رواه أبو داود الطيالسي
وفي رواية البيهقي: فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه، فقالوا: رأيناه: فأنزل الله - تعالى -: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} .
وقد أجمع جمهور المحدثين والمفسرين على أن الانشقاق حقيقة، قال القرطبى، ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره، من حديث ابن مسعود وابن عمر، وأنس، وجبير ابن مطعم، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - ثم قال: وقال قوم: لم يقع انشقاق القمر بَعْدُ، وهو منتظر، أي: قرب وقوعه، يقول الماوردي تقريرًا لعدم وقوعه: إنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه لأنه آية، والناس في الآيات سواء.
وقيل معناه: وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح. ثم قال القرطبي: قلت: قد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس في رؤيته، لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم من الله عند التحدى
…
(1) إلى آخر ما قاله القرطبي.
ونحن نقول: إنه آية وحقيقة مرئية، بدليل قوله - تعالى - عقب ذلك ما يلي:
2 -
{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} :
فهذه الآية ناطقة بأنهم رأوا انشقاق القمر، ووصفوه بأنه سحر مستمر. أي: متتابع، وهو ظاهر في ترادف معجزاته صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في تفسير كلمة {مُسْتَمِرٌّ} فقيل: معناه دائم، وقيل: معناه ذاهب، قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء وغيرهم، واختاره النحاس، وهو يفيد أنهم يتعللون بذهابه تسلية لأنفسهم، وقال أبو العالية والضحاك معناه: محكم قوي شديد، من المِرَّة، وهي القوة، وقيل غير ذلك، والمعنى: وإن تُشاهد قريش علامة وبرهانًا على صدق محمَّد صلى الله عليه وسلم يعرضوا عن الإيمان بنبوته، ويقولوا: هذا سحر؛ فإنه لا بقاء له، مع أن هذه الآية من أقوى الأدلة على نبوته، وإن مثلها كمثل
(1) ويجاب أيضًا بأن الانشقاق في وقت الغفلة، فلم يكن مهتما بأمره سوى قريش، وقد ذهب الناس إلى مضاجعهم فقريش هم الذين رأوه وقت التحدي، ولأن زمن الانشقاق كان قليلًا، ورؤية القمر في بلد لا تستلزم رؤيته في غيره، لاختلاف المطالع، فقد يكون القمر مرئيا في بلد ولكنه لا يرى في بلد آخر، لأن الأرض كروية، إلى غير ذلك مما ذكره الآلوسي، فارجع إليه فإنه وفى المقام حقه.
انشقاق البحر لبني إسرائيل حتى عبروا على أرض يابسة، والماء على أيمانهم وشمائلهم، لا يصيبهم منه شيء، وكذلك شأن آيات المرسلين، فهي خارقة للعادة، لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، حتى تكون آية ومعجزة أيدهم الله بها، للدلالة على صدقهم.
3 -
{وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} :
وكذبت قريش هذه الآية، واتبعوا أهواءهم في تكذيبهم إياها، مع أنها واضحة الدلالة على صدقه، وكل أمر من الأمور منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة، ومن حجتها أمر النبي صلى الله عليه وسلم فسوف يمضي إلى غاية يتبين عندها حقيقته وعلو شأنه، ولن ينجح عنادهم في إبطال أمره، ومنع استقراره.
4، 5 - {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}:
أي: وبالله فقد جاء قريشًا في القرآن من أخبار الأولين وأخبار الساعة، ما فيه ازدجار وانتهاء عمَّا هم فيه من الضَّلَال والقبائح. هو حكمة واصلة إلى غاية الأحكام لا خلل فيها {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (1) ولكنهم أصروا على الكفر والتكذيب، فأيَّ إغناء تغنيه النذر عنهم، وأية فائدة تحصل لهم.
والنُّذُر: جمع نذير، بمعنى منذر.
(1) سورة النساء، من الآية:82.
المفردات:
{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} : فأَعرض عنهم.
{الدَّاعِ} الداعى: هو إسرافيل عليه السلام وقيل: غيره.
{إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ} المنكر: بمعنى المنكر الفظيع، وهو أهوال يوم القيامة.
{خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} أي: ذليلة، والمراد ذليلة نفوسهم؛ لأن خشرع الأبصار ناشئ عن خشوع النفوس، فهو غاية عنه.
{الْأَجْدَاثِ} : القبور، وهو جمع جَدَث.
{مُهْطِعِينَ} : مسرعين مادين أعناقهم.
التفسير
6 -
الأَمر في قوله - تعالى -: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} مترتب على ما قبله من عدم إفادة النُّذُر لهم، ولذا قُرِن بالفاء التي هي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وكأَنه قيل: إذا كانت النذر لا تغنى عنهم ولا تفيد فأعرض عنهم واترك الاهتمام بهم، والأَسى على عدم إيمانهم، فقد أديت الرسالة ووفيت الأمانة فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
وليس الغرض منه الأَمر بترك تبليغ الرسالة لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم ظل يدعوهم إلى الحق قبل الهجرة وبعدها، حتى آمنوا جميعًا في العام الهجرى الثامن، فالغرض منه أَن لا يبالي بكفرهم، وقد عقَب الله هذا الأمر بوعيدهم بعذاب الآخرة بقوله:{يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ} أي: اذكر لهم يوم ينادى المنادى إلى شيء منكر فظيع، قال الآلوسي: يكنى بالنُّكر عن الفظيع {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} ذليلة نفوسهم، يخرجون من القبور كأنهم في كثرتهم وانتشارهم في كل مكان - {كَأَنَّهُمْ} - جراد منتشر - يخرجون - مسرعين إلى الداعى، مادين أعناقهم خوفًا وهلعًا، يقول الكافرون من شدة الهول وسوء المنقلب - يقولون -: هذا يوم صعب شديد. نسأَل الله السلامة.
المفردات:
{وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} أي: وصفوا نوحًا عليه السلام بالجنون وزجروه عن التبليغ بأنواع الأَذية والتخويف.
{فَانْتَصِرْ} : فانتقم لي منهم. {بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} : كثير متتابع، يقال: همره يهمِره ويهمُره بكسر ميم المضارع وضمها: صبّه. فهمر وانهمر.
{عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: قد قضاه الله أزلا، وهو هلاكهم بالطوفان.
{عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} . على سفينة ذات ألواح عريضة ومسامير تثبت بها تلك الأَلواح، ودسر جمع دِسار أو دَسْر: وهو المسمار.
{بِأَعْيُنِنَا} : بكلاءَة وحفظ منا:
{وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً} أي: أبقينا خبرها أمرا داعيا للعظة والاعتبار.
{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: فهل من معتبر بتلك الآية؟ والأَصل مدتكر: أبدلت التاء دالا وأَدغمت الدال في الدال، وقيل غير ذلك في أصلها.
التفسير
9 -
شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأَنباءِ الموجبة للازدجار، وتفصيل لها، وبيان عدم تأَثرهم بها تقريرًا لما يشير إليه قوله - تعالى -:{فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} .
والمعنى: كذب قبل أهل مكة قومُ نوح فكذبوا عبدنا نوحًا عليه السلام تكذيبًا إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذّب جاءَ عقيبه منهم قرن آخر مكذب مثله.
وقيل: معنى {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ابتدأَت التكذيب، ومعنى {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} أَتموه وبلغوا نهايته. أو: لما كانوا مكذبين للرسل جاحدين للنبوة رأسًا كذبوا نوحًا لأَنه من جملة الرسل، والفاء - عليه - للسببية، وفي ذكر عليه السلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له وتشنيع على مكذبيه الذين لم يقتصروا على مجرد التكذيب، ولم يقنعوا به بل دفعهم حقدهم وسوء طويتهم إلى أَن ينسبوه إلى الجنون حيث قالوا عنه: إنه مجنون؛ يقول ما لا يقبله عاقل، وزجرره عن تبليغ الرسالة بأَنواع الأَذية والتخويف، والوعيد الشديد فقالوا له:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} (1).
ولما استحكم يأْسه من استجابتهم له بعد أن دعاهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وعلنا لجأ إلى ربه فدعاه قائلا:{أَنِّي مَغْلُوبٌ} من جهة قومي، ما لى قدرة على الانتقام منهم {فَانْتَصِرْ} لي
(1) سورة الشعراء، الآية:116.
بإعانتى عليم وتمكينى من الإيقاع بهم، وذلك بعد أن صبر على إيذائهم له طويلا.
روى أَن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخرّ مغشيًّا عليه ويقول: اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون. وقد استجاب سبحانه وتعالى لدعائه بما أَشار إليه قوله - جل وعلا -: ({فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ} - أي: السحاب - بماءٍ منهمر) أي: كثير منصب، وهذا كناية عن كثرة الأَمطار وشدة انسيابها من السحاب حتى كأَنها أنهار تفتحت بها أبواب السماء، وإلى ذلك ذهب الجمهور، ومما يدعو إلى العجب أَنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأَهلكهم الله بما طلبوا جزاء تمردهم والتمادى في تكذيبهم للرسل، وكما فتحت أبواب السماء بماءٍ منهمر استجابة لدعوته عليه السلام كذلك فجرت الأَرض عيونًا بأَن جعلت كلها كأَنها عيون متفجرة، وهذا أَبلغ في الدلالة على كثرة الماءِ وغزارته. وقد اشتد بهم الهول، وعظم الفزع حينما التقى ماء السماء وماء الأَرض على حال قدرت وسويت، وهي قدر ما أَنزل على قدر ما أَخرج، كما قال - سبحانه -:{فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر، أو المعنى: فالتقى الماء على أمر قدره الله في اللوح المحفوظ وهو إهلاك قوم نوح بالطوفان. وهذا المعنى خير من سابقه وأَظهر.
{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} أي: وحملنا نوحًا ومن أمن معه على سفينة ذات ألواح عريضة شد بعضها إلى بعض بمسامير، وقال الليث: الدسار: خيط من ليف تشد به أَلواح السفينة، ولعله بعض الحشو الذي يوضع بين الأَلواح، ثم يطلى بالقار ليمنع دخول الماء. {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} وقدرنا لهذه السفينة أن تجرى في ذلك الماء المتلاطم الأَمواج بحفظنا ورعايتنا وجعلنا ذلك جزاءً وثوابًا لنوح عليه السلام، لأَنه كان نعمة ورحمة لقومه كفروها وجحدوا فضلها. وقرىءَ: جزاءً لمن كان كَفَر، بالبناء للفاعل، أَي: الإغراق جزاء للكافرين {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً} أي: أبقينا خشب السفينة على الجودى زمنًا طويلًا حتى رآها أوائل هذه الأُمة كما روى عن قتادة والنقاش، أو أبقينا خبرها أو جنسها بإبقاء السفن، كقوله - تعالى -:{وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} (1). وذلك للعظة والاعتبار. وجوز أن يكون الضمير في
(1) سورة يس، الآيتان 41، 42.
قوله: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً} للفعلة التي فعلناها، وهي إنجاء نوح ومن معه وإهلاك الكافرين {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: فهل من متعظ يتعظ ويعتبر بتلك الآية الجديرة بالاعتبار والاتعاظ {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} استفهام تعظيم وتعجيب، بمعنى كان عذابي الواقع بهم وإنذارى لهم على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف، وذلك لتكذيبهم رسلى وإنكارهم آياتى.
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} جملة قسمية وردت في آخر هذه القصة والقصص الثلاث التي تليها (1) تقريرًا لمضمون ما سبق من قوله - تعالى -: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} وتنبيهًا على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الادكار كافية في الازدجار، ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار، أي: وتالله لقد سهلنا هذا القرآن على قومك حيث أنزلناه بلسانهم وجمعنا فيه أنواع المواعظ الشافية، والعبر الزاجرة، والوعد والوعيد للتذكر والاتعاظ. ومع كل هذه الدوافع الداعية إلى الاهتداء أعرضوا عنها وضلوا ضلًالا بعدًا، ويشير إلى في لك قوله - تعالى -:{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: فلا يوجد في قريش من يتعظ ويتذكر، فالاستفهام هنا للإنكار والنفى على أبلغ وجه وآكده. وقيل في معنى هذه الآية: ولقد سهلنا القرآن للحفظ وأعنَّا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟
روى أن أهل الأَديان لا يتلون كتبهم مثل التوراة والإنجيل والزبور إلا نظرا، ولا تحفظ في الصدور، وعلى الألسنة كالقرآن، وعن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله تعالى.
(1) قصة عاد، وقصة ثمود، وقصة قوم لوط.
المفردات:
{رِيحًا صَرْصَرًا} أي: ريحًا باردة، وقيل: هي الشديدة الصوت، قال صاحب القاموس: وريح صر وصرصر: شديدة الصوت، أو الباردة.
{فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} أي: في يوم شؤم عليهم وشر استمر فيهم بنحوسته وعذابه حتى الهلاك.
{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} أي: أُصول نخل بدون فروع، منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض، يقال: قعر النخلة - كمنع -: قلعها من أصلها فانقعرت. والنخل: اسم جمع يذكر ويؤنث.
التفسير
18 -
شروع في قصة أُخرى، ولم تعطف، وكذا ما بعدها من القصص إشارة إلى استقلال كل قصة في القصد والاعتبار والاتعاظ، ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم قصدًا إلى الاختصار ومسارعة إلى بيان ما فيه الازدجار من العذاب، وقوله - سبحانه - في بدءِ القصة: {فَكَيْفَ كَانَ
عَذَابِي وَنُذُرِ} لتوجيه السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى عليهم في تعذيب عاد قبل ذكره كأنه قيل: كذبت عاد، فهل سمعتم؟ أو فاسمعوا يا أَهل مكة كيف كان عذابى وإنذارى لهم بالعذاب. ثم بين ما أجمل في عقابهم بقوله - تعالى -:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} أَي: أَرسلنا عليهم ريحًا باردة - كما روى عن ابن عباس وقتادة والضحاك - وقيل: أرسلنا عليهم ريحًا شديدة الصوت، وكان ذلك في يوم شؤم مستمر، والمراد به مطلق الزمان لقوله - تعالى -:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} (1) وقوله تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} (2) وقد استمر هذا الشر حتى أَهلكهم جميعًا، ولم تبق منهم باقية، وقد روى أَنهم دخلوا الشعاب والحفر وأَمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح وصرعتهم موتى، كأَنهم أصول نخل بدون فروع منقلع عن مغارسه وملقى على الأرض، وقد شبهوا بأَعجاز النخل لطول قاماتهم {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} تهويل وتعظيم للعذاب والنُّذُر، وتعجب من أمرهما بعد بيانهما. فليس فيه شائبة تكرار مع ما سبق في هذه القصة.
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
…
} الآية، أي: سهلناه للتذكر والاتعاظ، أَو للحفاظ. وقد سبق.
(1) سورة فصلت، من الآية:16.
(2)
سورة الحاقة، من الآية:7.
المفردات:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} أي: بما سمعوه من نبيهم من الإنذارات والمواعظ.
{وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} أَي: واحدًا من آحادهم لا من أشرافهم.
{لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} أي: لفى بعد بين عن الحق. وسُعُر: جمع سعير وهي النَّار المشتعلة أَو الجنون.
{بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} أي: بل هو شديد الكذب متكبر بطر، والبطر: دهش يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها.
التفسير
23 -
استئناف لبيان قصة صالح عليه السلام.
والمعنى: كذبت ثمود بالإنذارات والمواعظ التي سمعوها من نبيهم، أو كذبوا بالرسل عليهم السلام فإِن تكذيب أَحدهم وهوصالح تكذيب لجميعهم لاتفاقهم على أُصول الشرائع، وعلى هذا فالنذر جمع نذير، بمعنى منذر، ثم تعجبوا من إلقاءِ الوحى عليه خاصة دونهم فقالوا إنكارًا له: أبشرًا من جنسنا نتبعه، متفردًا ليس له أَتباع ولا نصراء يشدون أَزره ويدفعون عدوه، أو واحدًا من آحادنا لا من أَشرافنا كما يفهم من التنكير، فإذا اتبعناه مع كونه بشرًا واحدًا ونحن أُمة جمة إنا إذا اتبعناه وهو على هذا الحال لفى بُعْد واضح عن الصواب، وجنون بيَّن لأن ذلك بمعزل عن مقتضى العقل، أو كنا في ضلال وسعر، أي: نيران، جمع سعير، وهي النار، يقصدون المبالغة، وروى أن صالحًا كان يقول لهم: إن لم تتبعونى كنتم في ضلال عن الحق وسعر، أَي: نيران، فعكسوا عليه لغاية عتوهم فقالوا: إن اتبعناك كنا إذًا كما تقول، ثم زادوا في إنكارهم وجحدهم لرسالته وتكذيبهم له حيث قالوا: أألقى عليه الكتاب والوحى من بيننا وفينا من هو أحق وأولى منه بالنبوة؟! وهو استفهام معناه الإنكار، ومرادهم
أن الأَمر ليس كذلك، بل هو متجاوز الحد في الكذب شديد البَطَر. وهو على ما قاله الراغب: دَهَشٌ يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها، ويقاربه في المعنى: الطرب، وهو خفةٌ أَكْثَرُ ما تعترى الإنسان في الفرح، والتعبير بالإلقاء يتضمن العجلة في ادعائه النبوة دون تدرج، وقوله تعالى:{سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} حكاية لما قاله سبحانه لنبيه صالح عليه السلام وعدًا له، ووعيدًا لقومه، أي: سيعلمون عن قريب عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة من هو الكذاب الأَشر الذى حمله أَشره وبطره على ما ادَّعاه، أَهو صالح أَم من كذبه؟ والمراد أَنهم سيعلمون لا محالة أنهم هم الكذابون الأَشرون وقد أُورِدَ لك مورد الإبهام إيماء بأنه لا يكاد يخفى.
والإتيان بالسين في قوله: {سَيَعْلَمُونَ} لتقريب مضمون الجملة وتأكيده.
المفردات:
{إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ} أي: مخرجوها وباعثوها في الصخرة الملساء {فِتْنَةً لَهُمْ} : ابتلاءً واختبارًا.
{فَارْتَقِبْهُمْ} : فانتظر ما يؤول إليه أمرهم.
{وَاصْطَبِرْ} : اصبر على أَذاهم حتى يأْتي أمر الله.
{كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} : كل حصة ونصيب من الماء يحضرها من كانت له.
{فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} أي: فتناول السيف فعقر الناقة بضرب قوائمها. قيل: لا يطلق العقر في غير ضرب القوائم، وربما قيل: عقره: إذا نحره.
{صَيْحَةً وَاحِدَةً} : هي صيحة جبريل عليه السلام.
{كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} أي: كالعشب اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاءِ، وقيل: الهشيم: ما تساقط وتفتت من الشجر الذي أُقيمت به الحظيرة وهي التي تقيمها العرب وأهل البوادى للمواشى والسكنى من القصب وأَغصان الشجر.
التفسير
27 -
استئناف لبيان حصول الموعود به حتمًا.
والمعنى: إنا باعثو الناقة ومخرجوها ناقة عشراءَ من الصخرة الصماء كما سألوا - إنا باعثوها - لتكون حجة وآية على صدق صالح عليه السلام فيما جاءَهم به واختبارًا لهم، وقد سأَلوا ذلك على سبيل الاستهزاء، فانتظرْ يا صالح ما يؤدى إليه أَمرهم وتبصَّر عواقبهم. ولا تعجل حتى يأْتي أَمر الله وهو ناصرك عليهم، وأعلمهم بأَن ماء البئر التي لهم يكون بينهم وبينها كل نصيب وحظ منه محضور يحضوه صاحبه في نوبته، فتحضره الناقة يوم وردها، ويحضرونه يوم وردهم. وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها. قال ابن عباس: إذا كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئًا من الماء وتسقيهم لبنًا وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئًا واستمروا على هذه الوتيرة من القسمة وقتًا، ولكنهم ملُّوها وأرادوا التخلص منها، فنادوا صاحبهم وهو قُدار بن سالف، قال ابن إسحاق: فكمن لها في
أَصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فخرت، ورغت رغاءً شديدا تَحدَّر سقَبها (1) من بطنها ثم نحرها، ويشير إلى ذلك قوله - تعالى -:{فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} أي: فاجترأَ على الأَمر العظيم أشقى قومه غير مكترث به فأحدث العقر بالناقة وتناوله. وقيل: فتعاطى الناقة فعقرها أو السيف فقتلها. والتعاطى: تناول الشيء مطلقًا أو بتكلف، وإنما قيل في آية أُخرى:{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} (2) بإسناد العقر إليهم جميعًا لرضاهم به، أو لأَنه بمعونتهم.
وقوله - سبحانه -: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} لتوجيه قلوب السامعين إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره، وقد مر نظيره. وقد أشار التنزيل إلى تنكيل الله بهم، وإهلاكه إياهم فقال:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} هي صيحة جبريل عليه السلام في طرف منازلهم، فأَهلكهم الله بها فصاروا هشيمًا مفتتا كالعشب اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء، أو كالورق المتساقط ممَّا يعمل به صاحب الحظيرة حظيرته من قصب وأَشجار، وصاحب الحظيرة هو المحتظر. قال ابن عباس: المحتظر: هو الرجل الذي يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك: فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم. والحظيرة (الزريبة) التي يقيمها العرب وأَهل البوادى للسكنى ولمنع البرد والسباع عن الغنم والإبل، وهي من الحظر وهو المنع، ثم أقسم سبحانه على أنه سهل القرآن للتذكر والاتعاظ.
{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} : إنكار ونفى للمتعظ من قريش على أبلغ وجه. وقد سبق مثل ذلك مفصلًا.
(1) السقب: ولد الناقة.
(2)
الشمس من الآية: 14.
المفردات:
{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا} أي: ريحًا شديدة تثير الحصباء وهي الحمى الصغيرة.
{نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} : هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر حيث يختلط سواد الليل ببياض النهار.
{فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} أي: شكُوا فيما أَنذرهم به الرسول ولم يصدقوه.
{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ} : أرادوا منه تمكينهم ممن كان عنده من الملائكة في هيئة الأَضياف طلبًا للفاحشة، والضيف يطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره لأنه مصدر في الأَصل ويجوز المطابقة فيقال: ضيف وضيفة وأضياف وضيفان.
{فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} أي: سوَّينا أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق.
{وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً} أي: أتاهم العذاب وقت الصباح في البكرة وهي أول النهار.
التفسير
33 -
الآيات استئناف أخبر به - سبحان - عن قوم لوط بأَنهم ساروا على سنن المكذبين لرسلهم من الأَقوام الماضية، فعاقبهم بأَن أَرسل عليهم ملكًا - يرميهم بالحصى والحجارة، أو أَرسل عليهم حاصبًا وهو اسم للريح الشديدة أَو الباردة التي كانت ترميهم بالحصباء وهي الحصى أو ترميهم بالحجارة كما قال أبو عبيدة، وقال ابن عباس: هو ما حُصبوا به من السماء من الحجارة في الريح، وعليه قول المتنبي:
مستقبلين شمال الشام تَضْرِبنا
…
بحاصب كنديف القطن منثور
بمعنى أرسلنا عليهم حصى وحجارة نزلا من السماءِ في الريح، وحينما نزل بهم عذاب الله أهلكهم (1) إلَاّ آل لوط. قيل: المراد بهم: ابنتاه ومن آمن معه، وقيل: المراد ابنتاه لأَنه لم يكن على دينه أحد سواهما حتى ولا امرأَته التي أصابها ما أَصاب قومها؛ هؤلاء الآل نجيناهم بسحر من الأَسحار حينما خرجوا آخر الليل في الوقت الذي يختلط فيه سواد الليل ببياض النهار، وكانت تنجيتنا للوط وابنتيه أَو له ولابنتيه ولمن آمن معه إنعامًا منا عليهم، ومثل ذلك الجزاء الكريم نجزى من شكر نعمتنا بالإيمان والطاعة.
ثم حكى - سبحانه - موقف لوط منهم وموقفهم منه قبل حلول عذاب الإبادة بهم فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} أي: أخذتنا الشديدة لهم بالعذاب، فما التفتوا إلى ذلك ولا اهتموا به، بل شكوا فيه، وكذَّبوا بكل ما أنذرهم به. كما حكى - سبحانه - أيضا ما وقع منهم من أنهم راودوه عن ضيفه من الملائكة الذين حضروا إليه في صورة شباب مُرْد حِسَان محسنة من
(1) وقد فصلت بعض أنواع العذاب التي عوقبوا بها في سورة الحجر.
الله فأَضافهم لوط عليه السلام فبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها فأعلمتهم بالأضياف فأَقبلوا يُهرعون من كل مكان طلبا للفجور بهم، فطمس الله أعينهم، وذلك بمسحها وتسويتها كسائر الوجه لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفى عليها من التراب. وكان لوط يدفعهم ويمانعهم دون أضيافه، وروي أن جبريل عليه السلام استأْذن ربه - سبحانه - ليلة جاءُوا وعالجوا الباب ليدخلوا عليهم فصفقهم بجناحه فتركهم عميانًا مع بقاء أَبصارهم فلم يروهم ولم يهتدوا إلى طريق خروجهم حتى أخرجهم لوط عليه السلام فخرجوا يتحسسون بالحيطان ويتوعدون لوطًا بالانتقام منه في الصباح. وقيل: الطمس مجاز عن حجب الإدراك، وذلك أنهم حينما دخلوا المنزل ونظروا لمن فيه لم يروا شيئًا فجعل ذلك كالطمس فعُبِّر به عنه:
وقلنا لهم على أَلسنة الملائكة: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} ويراد من الأَمر الخبر، بمعنى فأذقناهم عذابى الذي أنذرهم به لوط عليه السلام وهو الطمس لأَنه من جملة ما أُنذروه من العذاب، أما عذاب الإبادة الذي أُهلكوا به فقد صبحهم بكرة كما قال تعالى:{وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً} أي: أتاهم في الصباح أول النهار كما تشير إلى ذلك {بُكْرَةً} وهي أخص من الصباح فليس في ذكرها زيادة، بل هي كالتأْكيد. وكان هذا العذاب دائمًا مستقرًا لا يفارقهم ولا ينفك عنهم حتى يسلمهم إلى النار في الآخرة، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أَن ما قبله من عذاب الطمس ينتهى إلى الإبادة، وقوله - تعالى -:{فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} حكاية لما قيل لهم من جهته - تعالى - تشديدًا للعذاب الواقع بهم، وفائدة تكرير {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} ، وتكرير {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
…
} الآية. في هذه القصص أن يجدد المشركون عند استماع كل نبأ من أنباء الأَولين ادِّكارًا واتعاظًا. وأَن يستأْنفوا تنبهًا واستيقاظًا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه. وهذا حكم التكرار في قوله - تعالى -: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} عند كل نعمة عدها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أَنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب مصورة للأَذهان مذكورة غير منسية في كل أوان.
المفردات:
{آلَ فِرْعَوْنَ} المراد بهم: القبط وهم أهله وشيعته بمصر.
{النُّذُرُ} : الإنذارات المتكررة، أو النذر: موسى وهارون إطلاقًا للفظ الجمع على الإثنين.
{عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} : لا يغالب ولا يعجزه شيءٌ.
التفسير
41 -
{وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} :
صُدِّرت قصة آل فرعون بالتوكيد القسمى لإبراز كمال الاعتناء بشأْنها لعظم ما فيها من الآيات، وهول ما لاقوه من العذاب، وقوة إيجابها للاتعاظ، والاكتفاء بذكر آل فرعون عن ذكره للعلم بأَن نفسه أَولى بذلك، لأنه رأس الفساد وقمة الضلال.
والمعنى: وبالله لقد جاءَ آل فرعون الإنذارات المتكررة بما سيلقونه من عذاب ونكال أو فقد جاءَهم الرسل يوسف وغيره إلى أَن جاء موسى وهارون، وقد كان منهم ما حكاه الله بقوله:
42 -
{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} :
هذا استئناف مبنى على حكاية مجىء النذر، كأنه قيل: فماذا فعل آل فرعون حينئذ؟ فقيل: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا} أي: بمعجزاتنا الدالة على توحيدنا، ونبوة أَنبيائنا؛ فإن تكذيب البعض تكذيب للكل، أَو المراد بالآيات كلها معجزات موسى عليه السلام وهي
الآيات التسع: العصا واليد والسنون والطمسة والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وكان جزاؤهم أَن قهرناهم بسبب تكذيبهم فأَخذناهم أَخذ عزيز لا يغالب ولا يدافع، مقتدر على الانتقام منهم وفق إرادته لا يعجزه شيءٌ عن تنفيذ ما يريد.
المفردات:
{خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} أي: من الكفار السابقين مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون.
{أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} أي: أَلكم براءَة وسلامة من العذاب في الكتب المنزلة على الأَنبياء.
{وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} أي: ينصرفون منهزمين، ويراد من الدبر الأَدبار.
{أَدْهَى وَأَمَرُّ} أي: في أقصى غاية الفظاعة من الداهية، وهي الأمر الشنيع الذي لا يهتدى للخلاص منه، وفي نهاية المرارة التي لا يستساغ احتمالها، ولا يتسنى الصبر عليها.
التفسير
43 -
{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} :
الاستفهام للإنكار ومعناه النفى.
والمعنى: أكفاركم يا أهل مكة أو يا أُمة العرب أقوى وأشد وأكثر عددا أو أقل كفرًا
وعنادًا وأقرب طاعة وانقيادًا من كفار الأُمم المعدودين الذين أُهلكوا بسبب كفرهم، وهم قوم نوح وقوم وهود وقوم صالح وقوم لوط وآل فرعون - أكفاركم خير من أَولئكم - ليكون ذلك سندًا وحجة لهم من أَن يحل بهم مثل عذاب السابقين؟ ولأَن الاستفهام في قوله: {أَكُفَّارُكُمْ
…
} إلخ انكارى في معنى النفى فكأَنه قيل: ليس كفاركم خيرًا من أُولئك الكفار في الدنيا وزينتها ولا ألين منهم شكيمة في الكفر والعصيان، بل هم دونهم في القوة وغيرها ممَّا تستدعيه مباهج الحياة، وأَسوأ حالًا منهم في الكفر والعناد، وقد أصاب من هم أقوى منكم ما أصابهم فلم لا تخافون أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم من العذاب الذي أهلكهم، وتركهم أثرًا بعد عين مع أنكم دونهم قوة وبأْسًا، وأكثر منهم كفرا وعتوًّا.
وقيل: أكفاركم، ولم يقل أَأَنتم، للتنصيص على كفرهم المقتضى لهلاكهم.
{أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} : إضراب وانتقال من التبكيت بما ذكر إلى التبكيت بوجه آخر، فكأنه قيل: بل أَلكفاركم براءَة وأمن من تبعات ما يعملون من الكفر والمعاصي فيما نزل من الكتب على الأَنبياء أو في اللوح المحفوظ كما يرى ابن عباس، فلذلك تصرون على ما أنتم عليه ولا تخافون.
44 -
{أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} :
إضراب وانتقال إلى وجه آخر من التبكيت، والالتفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بإفضاء حالهم إلى الإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم.
والمعنى: بل أَيقول هؤلاء الكفار - واثقين بشوكتهم وغلبتهم على جند الله -: نحن أُولو حزم وعزم أمرنا مجتمع متحد لا يضام ولا يرام، أو منتصر بمعنى ممتنع على محمد وصحابته أو نحن جمع منتصر، أَي: متناصر ينصر بعضنا بعضًا ويعاونه، وروى أن أبا جهل ضرب فرسه يوم بدر فتقدم الصف وقال: نحن نَنْتَصر اليوم من محمد، أَي: نغلبه وننتقم منه، وكان الظاهر أن يقال: نحن جميع منتصرون إلَاّ أَنه أُفرد نظرًا للفظ جميع فإنه مفرد لفظًا جمع معنى، ورجح جانب اللفظ لخفة الإفراد مع رعاية جانب الفاصلة.
45 -
{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} :
رد لقولهم السابق، والإتيان بالسين للتأْكيد.
والمعنى: سيهزم جمع مشركى مكة، أَو الكفار لا محالة ويولون الأدبار منهزمين.
قال سعيد بن جبير: قال سعد بن أبي وقاص: لما نزل {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} كنت لا أَدرى أَي الجمع ينهزم فلما كان يوم بدر رأَيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: "اللَّهُمَّ إن قريشًا جاءَت تحادُّك، وتحادّ رسولك بفخرها فأَخِنْهم - أي: أَهْلِكْهُم - الغداةَ. ثم قال: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فعرفت تأْويلها. وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن غيب فكان، كما أخبر. قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. فالآية مكية. وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبرانى في الأَوسط وابن مردويه عن أبي هريرة قال: أنزل الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة قبل يوم بدر {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} وقال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله أيّ جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مُصْلِتًا بالسيف (1) وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} . فكانت ليوم بدر، وقيل: ويولون الدبر ولم يَقُل: الأدبار إما لإرادة الجنس الصادق على الكثير مع رعاية الفواصل، أو لإرادة أن كل واحد منهم يولى دبره، وقد كان كذلك يوم بدر وغيره.
46 -
{بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} :
إضراب انتقالى لبيان أن ما وقع لهم ببدر ليس نهاية عذابهم، بل الساعة موعد عذابهم الأَصلى، وهذا من طلائعه وبوادره، وعذاب الساعة أشد وأنكى ممَّا لحقهم يوم بدر من الهزيمة والقتل والأَسر، و"أدهى" مبالغة: من الداهية، وهي الأَمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، و"أَمَرُّ" مبالغة في شدة المرارة عند الذوق على سبيل الاستعارة لصعوبتها على النفس، وإظهار الساعة في موضع الإضمار لشدة تهويلها وبث الحزن في نفوسهم.
(1) ممسكا به: وهو يقاتلهم.
المفردات:
{فِي ضَلَالٍ} أي: في بعد عن الحق في الدنيا.
{وَسُعُرٍ} أي: واحتراق في نيران جهنم. وسعر: جمع سعير.
{ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} أي: يقال لهم: ذوقوا آلام سقر، و {سَقَرَ} علم لجهنم ولذلك لم تصرف.
{خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} أي: مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ قبل وقوعه.
التفسير
47 -
{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} :
أي: إن المجرمين من الأولين والآخرين في بعد عن الحق في الدنيا وفي نيران مسعرة في الآخرة لما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفِرَق، وقال ابن عباس - رضى الله عنهما -: في خسران وجنون.
48 -
{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} :
أي: يوم يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم - تقريعًا وتوبيخًا -: ذوقوا أيها المكذبون مس سقر، بمعنى قاسوا حرها وألمها، وهو المراد من المس فإنه سبب للتألم بها وتعلق الذوق بمثل ذلك شائع في الاستعمال، وفي الكشاف {مَسَّ سَقَرَ} كقولك: وجد مس
الحمى وذاق طم الضرب؛ لأن النار إذا أصابتهم بحرها، ولحقتهم بإيلامها فكأنها تمسهم بذلك مسًّا، والكلام على المجاز.
49 -
{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} :
أي: إن كل شيءٍ من الأشياء خلقناه مقدرًا بقدر معلوم اقتضته الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين، أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ قبل وقوعه قد علمنا حاله وزمانه. وحَمْل الآية على القَدَر الذي يقابل القضاء هو المأثور عن كثير من السلف، وروى الإِمام أحمد، ومسلم والترمذى وابن ماجه عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم القدر فنزلت وقال أبو ذر رضي الله عنه: قدم وفد نجران علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؟ فنزلت الآية {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . فقالوا: يا محمَّد، يَكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ قال: أنتم خصماء الله يوم القيامة.
وفي صحيح مسلم أن ابن عمر تبرأ منهم ولا يتبرأ إلَاّ من كافر، ثم أكَّدَ هذا بقوله: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
وروى مسلم عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيءٍ بقدر.
وسمعت ابن عمر يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيءٍ بقدر حتى العَجْز والكَيْس، أو الكيسُ والعجز. وهذا إبطال لمذهب القدرية (1) والآية من باب {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} وهذا هو المقصود من قوله - تعالى -:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .
(1) الذين يقولون: لا قدر وأن الخير والشر بأيدينا.
المفردات:
{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ} أي: ما أمرنا إلا كلمة واحدة، وهي قول الله - تعالى -: كُنْ {كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} في السرعة واليسر؛ لأن اللمح: النظر بسرعة، وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة.
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ} : أشباهكم في الكفر من الأُمم السابقة، أو أتباعكم.
{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} أي: في اللوح المحفوظ؛ أو في كتب الحفظة.
{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} أي: مسطور ومكتوب في اللوح المحفوظ على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، يقال: سطره يسطُره سطرا: كتبه، واستطر مثله.
{فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} أي: في جنات وضياء، ومنه النهار؛ لضيائه.
{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} : في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة.
{عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} أي: عند مليك عظيم الملك كامل القدرة، يفعل ما يشاء.
التفسير
50 -
{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} :
أي: وما شأننا إلَاّ فعلة واحدة على نهج لا يختلف ووتيرة لا تتعدد وهو الإيجاد بلا معالجة ومشقة، أو: وما أمرنا في خلق الأشياء إلا كلمة واحدة سريعة التكوين، فإذا قصدنا شيئًا نريد إيجاده قلنا له: كن، فيكون. وهذا الأمر الصادر منا في اليسر والسرعة كلمح بالبصر لأن اللمح هو النظر بخفة وسرعة على قدر ما يلمح أحدكم ببصره، والمراد: التقريب للعقول في سرعة تعلق القدرة بالمقدور وفق الإرادة الأزلية. وقيل: هذا في قيام الساعة، فهو كقوله - تعالى -:{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَر أو هو أقرب} (1).
51 -
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} :
أي: والله فقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر والضلال من الأمم السابقة،
{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: من متعظ يتعظ ويعتبر بذلك؟ بمعنى أنه لا معتبر ولا متعظ من قريش حيث بالغوا في الإعراض فلا يسمعون ولا يبصرون.
52 -
{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} :
أي: وكل شيءٍ مفعول في الدنيا لهؤلاء الكفار من النظراء والأتباع مكتوب عليهم على التفصيل ثابت في ديوان الحفظة. وأجمعت القراء على رفع كلمة (كل) في الآية ليستفاد منها المعنى المراد، وهو أن كل ما فعلوه من الكفر والمعاصي مكتوب في صحف أعمالهم صغيرًا كان أو كبيرًا.
(1) سورة النحل، من الآية:77.
53 -
{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} :
أي: وكل صغير وكبير من الأعمال كما روى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ..
وقيل: من الأعمال ومن كل كائن إلى يوم القيامة، كل ذلك مسطور في اللوح المحفوظ بتفاصيله مثبت فيه. ومسطور من السطر بمعنى الكَتْب. وقال صاحب اللوامع: يجوز أن يكون من طرّ النبات والشارب: ظهر، وعليه يكون المعنى: وكل صغير وكبير ظاهر في اللوح مثبت فيه.
54، 55 - {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}:
ولما كان بيان سوء حال الكفرة بقوله - تعالى -: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ} إلخ مما يستدعى بيان حسن حال المؤمنين ليتكافأ الترغيب والترهيب بين سبحانه ما لهم من حسن الحال بطريق الإجمال فقيل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} الآية ..
والمعنى: إن الذين اتقوا الله فابتعدوا عن الكفر والمعاصى، في جنات عظيمة الشأن رفيعة المقدار، وأنهار لها صفاؤها وتدفقها، وأفردت الأنهار اكتفاء بالجنس مراعاة للفواصل، وعن ابن عباس تفسير النهر بالسعة، والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: بما يعمهما.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن محمَّد بن كعب قال: ونَهَر، أي: في نور وضياء، وهو على الاستعارة بتشبيه الضياء المنتشر بالماء المتدفق من منبعه. وجوز أن يكون بمعنى النهار على الحقيقة، أي: أنهم لا ليل ولا ظلمة عندهم في الجنات.
وكما أنهم في جنات ونهر فهم في مجلس صدق، ومكان مرضى. قال جعفر الصادق رضي الله عنه: مدح المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق وهو المقعد الذي يتصدق الله - تعالى - فيه مواعيد أوليائه بأنه يبيح لهم عز وجل النظر إلى وجهه الكريم، وإفراد المقعد لإرادة الجنس، هذا المجلس عند مليك لا يقادر قدر ملكه وسلطانه، فلا شيء في الكون إلا وهو تحت ملكوته - سبحانه - ما أعظم شأنه، ويشير إلى ذلك الإتيان بصيغة المبالغة في {مَلِيكٍ}
والتنكير فيه وفي {مُقْتَدِرٍ} كما يشير إلى أن قربهم منه - سبحانه - بمنزلة من السعادة والكرامة بحيث يتحقق لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت مما يجل عن البيان، وتكل دونه الأذهان فالعندية عنده - جل شأنه - عندية منزلة وكرامة لا مسافة ولا مماسة.
قال عبد الله بن بريدة: روى أن رسول الله قال: إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الله تبارك وتعالى فيقرأُون القرآن على ربهم، وقال ثور بن يزيد عن خالد بن معدان: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقول المؤمنون: إنكم تذهبون بنا إلى غير بغيتنا فيقولون: فما بغيتكم؟ فيقولون: مقعد صدق عند مليك مقتدر وفي رواية فيقولون: بغيتنا المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: دخلت المسجد وأنا أرى أني أصبحت فإذا أنا على ليل طويل وليس فيه أحد غيرى فنمت فسمعت حركة خلفى ففزعت فقال: أيها الممتليء قلبه (فَرَقًا) لا تفرق، أي: لا تفزع. وقيل: اللهم إنك مليك مقتدر، ما تشاء من أمر يكون ثم سل ما بدا لك قال: فما سألت الله - تعالى - شيئًا إلا استجاب لي، وأنا أقول: اللهم إنك مليك مقتدر ما تشاءُ من أمر يكون، فأسعدني في الدارين، وكن لي ولا تكن عليّ، وانصرني على من بغى عليّ، وأعذني من هم الدَّيْنِ وقهر الرجال وشماتة الأَعداء.
طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
رئيس مجلس الإدارة
رمزى السيد شعبان
رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1988
الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
2478 س 1988 - 25004