الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
سورة الذاريات
"
سورة الذاريات مكِّية، وآياتها ستون آية باتفاق، وقد بدأت بالقسم على تحقيق الوعيد الذي ختمت به السورة قبلها لرعاية التناسب بين ختام السورة السابقة وابتداء السورة اللاحقة.
مقاصد السورة:
ابتدأ الله سبحانه وتعالى السورة الكريمة بالقسم على صدق البعث وتحقيق وقوعه، ووقوع الجزاء - أقسم سبحانه - بمخلوقات من مخلوقاته لها آثارها الواضحة، وظواهرها الشاهدة، ومنافعها التي لا ينكرها أحد، ولا يجحد عقْلٌ فضلها على الإنسان والحيوان، والنبات، فإن الرياح تسوق الأمطار إلى جميع الأقطار، وتدفع السفن في البحار تحمل الأمتعة والأثقال والمسافرين، وتمخر عباب البحار، فتسهل كل صعب وتقرب كل بعيد، كل هذا مما يقع تحت العيان، ولا يستطيع أَن ينكره إنسان، كما أَن ما يتفاوت الناس فيه من أحوال وما يجرى عليهم من أحداث، وما يختلفون فيه من منازل وأرزاق مما يكون في الأبناء دون الآباء، أو في الآباء دون الأبناء، أو يحظى به العاجز الضعيف، ولا يدركه المتجبر العنيف، لا يكون إلَاّ بتقدير، وبتسخير من الحكيم الخبير.
وبعد أَن تؤكد الآيات أمر البعث والجزاء تكشف حال المنكرين للبعث والجزاء، وتسفه أقوالهم في الدنيا، وتصور مآلهم في الآخرة:(يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
ثم تخلص الآيات من هذا وذاك إلى المتقين فتشيد بما ينتظرهم في الآخرة من جميل النعيم في جنَّات وعيون، لقاء أعمالهم الصالحة في الدنيا من طاعة الله، والسهر في عبادته، والإنفاق الدائم في سبيله، متوخين الإحسان في كل أعمالهم، وسائر أحوالهم:(كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).
ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن دلائل القدرة، بأقوى ما يشد الانتباه، ويثير الفكر من نظر الإنسان في نفسه، وما أُودع فيه من عجائب الصنع، وبدائع الخلق، وتفكره فيما يحوى هذا الكون في سهوله ووهاده في أرضه وسمائه، وما يقدّر على الإنسان من أرزاق تقضى بها حكمة الكريم الرزاق، معقبة ذلك بما لا يدع مجالًا لمن ينكرون أو يتشككون:(فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).
ثم تستهدف الآيات غرضًا آخر فتذكر طرفًا من قصص الرسل والأنبياء، وأحوالهم مع أقوامهم إعجازًا للقرآن الكريم بإخباره عن أحوال الغابرين، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بذكر ما جرى لإخوانه من الرسل السابقين.
واختصت هنا طائفة من الرسل اشتدت معاناتهم مع أُممهم وأقوامهم، فذكرت إبراهيم وموسى عليهما السلام وعرضت للأمم التي أوغلت في الطغيان، وأغرقت في التجبر من أمثال عاد وثمود وقوم نوح، فلاقت أشد النكال وأسوأ المآل.
ثم عرضت الآيات إلى الحديث عن مظاهر القدرة ببناء السموات وامتدادها، وفرش الأرض وبسطها وتمهيدها، وتعدد المخلوقات وازدواجها مما لا يتحقق إلا بقدرة لا يقادر قدرها، وحكمة لا يدرك كنهها، ويقين يدفعنا إلى صدق الإيمان، ويسوقنا إلى الفرار إلى الله، والاعتماد عليه دون سواه.
ثم تختم السورة بالغرض الأسمى، والمقصد الأعلى، والغاية العليا من خلق الإنسان والجان، وهي توحيد الله - تعالى - وعبادته:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ثم تهدد الكافرين بسوء المصير: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ).
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6))
المفردات:
(الذَّارِيَاتِ): الرياح تذرو الغبار وغيره.
(فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) أي: فالحاملات السحب المثقلة بمياه الأمطار.
(فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا): فالسفن التي تجرى في البحار والأنهار في يسر وسهولة.
(فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا): فالملائكة التي تنفذ أوامر الله وقضاءه.
(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ): إنما البعث الذي توعدونه لصادق.
(وَإِنَّ الدِّينَ): الجزاء يوم القيامة.
(لَوَاقِعٌ): حاصل.
التفسير
1 -
6 - (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)):
اختتمت سورة (ق) بالتذكير بالوعيد، والتخويف من وقوعه. وافتتحت سورة الذاريات بتأكيد خبره، وصدق وقوعه إبداعًا في الإعجاز، وإحكاما للتنسيق بين السورتين.
والمعنى: أقسم بالرياح التي تذرو الغبار، وتطيّر التراب والرمال، وتهب بين الزروع فتلقح الأشجار، وتدفع السفن في البحار والأنهار، وتسوق السحب إلى حيث يشاء الله بالأمطار، وأقسم بالسحب المثقلة الموقرة بالمياه التي تفرغها في الفيافى والقفار، وتجرى بها القنوات والأنهار، فيشربها الإنسان والحيوان، ويُروى بها الزروع والأشجار، ويعيش عليها جميع الكائنات، وأقسم بالسفن التي تمخر عباب المياه في يسر ورخاء تحمل الأمتعة والأحمال، وتعين على الترحل والانتقال، وتمكِّن من الانتفاع بخيرات البحار، وتربط بين الأقطار، في أمن وسلامة من البحار وأمواجها، وأقسم بالملائكة تنزل بأوامر الله وأقضيته فتجريها على الخلق كلّ بما قدر له رزقًا وحرمانًا وإحياءً وإماتةً، وإقامة وسفرًا، وصحة ومرضًا، وإنجابًا وعقمًا، وغير ذلك ممَّا يجرى على الإنسان بقضاء الله.
وقد ثبت من غير وجه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألونى عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن رسوله صلى الله عليه وسلم إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكوَّاء فقال: يا أمير المؤمنين
…
ما معنى قوله - تعالى -: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا؟) فقال على رضي الله عنه: الريح. قال: (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا؟) قال: السحاب. قال: (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا). قال: السفن. قال: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) قال: الملائكة، ذكره ابن كثير، ومثله في الكشاف.
وقد أقسم الله بهذه الأشياء لكثرة ما فيها من المنافع، والمشاهد الواقعة بين الناس بحيث لا ينكرها أحد، ولما تتضمنه من الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وتناهى قدرته، وبدائع صنعته.
وفي هذا القسم إشعار بأن لله - تعالى - أَن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأنه يجوز للمخبر بأمر أو المتحدث عن شأن أَن يقسم على صدقه، وإن كان من القداسة أو المنزلة بحيث لا يتطرق إلى خبره شك تأكيدا للخبر، واهتمامًا بشأْنه. وقوله - تعالى -:(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) هو المقسم عليه، أي: إن الذي توعدونه من أمر البعث والثواب والعقاب والجنة والنار لصادق ثابت لا مجال فيه لريب، وإنَّ الجزاء على الأعمال لحاصل وواقع لا فوت منه، ولا مفرّ عنه فافعلوا فعلكم، وانتظروا جزاءكم.
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14))
المفردات:
(الْحُبُكِ) المراد من الحبك هنا: طرائق النجوم. وقال ابن عباس وغيره: ذات الخَلْق المستوى الجيد، من قولهم: حبكت الشيء: أحكمته وأحسنت عمله.
(مُخْتَلِفٍ): متخالف متناقض.
(يُؤْفَكُ عَنْهُ): يصرف عنه.
(الْخَرَّاصُونَ): الكذابون المقدرون ما لا صحة له.
(غَمْرَةٍ): في لُجَّة تغمرهم من الجهل والضلال.
(يَوْمُ الدِّينِ): يوم الجزاء وهو يوم القيامة، من: دِنْتُه، أي: جازيته.
(يُفْتَنُونَ): يعرضون على النار للحرق. وأصل الفتنة: عرض المعدن على النار لتظهر جودته، ثم استعمل في الإحراق.
التفسير
7 -
14 - (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ):
أكد القسم في الآيات السابقة صدق البعث والقيامة ووقوع الجزاء، ثم جاءت هذه الآيات وأنشأت قَسَمًا آخر يسفِّه عقول المشركين ويندد بغوايتهم وجهلهم فقال - تعالى -:(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).
والمعنى: وأقسم بالسماء ذات الطرائق المختلفة لمسيرة النجوم في خَلْق مستو وزينة منتثرة في نواحيها، إنكم أيها المشركون لفى قول متخالف متناقض متدافع فتعتقدون وجود الله، وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه سبحانه، وتقولون في الرسول تارة: إنه مجنون، وأخرى إنه ساحر أو شاعر، والساحر لا يكون إلا عاقلًا حرِّيفًا، والشاعر لا يكون إلا موهوبًا متصرفًا وتقولون في شأن القيامة لا حشر ولا حياة بعد الموت، وتزعمون أَن أصنامكم شفعاؤكم عند الله يوم القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة، والآراه المتضادة.
ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافى أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف هيئاتها، وقوله - تعالى -:(يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) معناه: يصرف عن القرآن أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم من صرف عن الخير إذ لا صرف أفظع وأشد منه، وقيل: يصرف عنه من صرف في علم الله وقضائه.
ويجوز أَن يكون الضمير في (عَنْهُ) للقول المختلف على معنى: يصدر إفك من إفك عن القول المختلف وبسببه.
وقوله - تعالى -: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) دعاءٌ عليهم كما في قوله - تعالى -: (قتل الإنسان ما أكفره) وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى لُعن، أي: أُبعد الكذابون المقدرون لما لا يكون ولا صحة له عن رحمة الله، وهم أصحاب القول المختلف الذين هم في غمرة وشدة من الجهل والضلال غافلون ساهون عما أُمروا به:(يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) أي: متى وقوع يوم الجزاء؟ لا يقصدون بالسؤال استعلامًا، ولكن يسألون سخرية واستبعادًا. وقول - تعالى -:(يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) جواب لسؤالهم بما يسوءهم من الجزاء الذي لا محالة نازل بهم، أي: يكون هذا الجزاء يوم يعذبون ويحرقون بالنار - قال عكرمة: ألم تر أَن الذهب إذا أُدخل
النار قيل: فُتِنَ، فهؤلاء يفتنون بالإحراق كما يفتن الذهب لإظهار حقيقته، ويقول لهم خزنة جهنم امتهانًا وتبكيتًا: ذوقوا فتنتكم وعذابكم بالإحراق، هذا الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا تكذيبًا وإنكارًا قد وافاكم، وحاق بكم فوقعتم فيه، وعرفتم صدقه.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23))
المفردات:
(آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ): قابلين ما أعطاهم ربهم راضين به.
(يَهْجَعُونَ): ينامون. والهجوع: النوم ليلًا.
(الْأَسْحَارِ): جمع سَحَر، وهو الوقت الذي قبيل الصبح.
(حَقٌّ): نصيب وافر استوجبوه على أنفسهم.
(لِلسَّائِلِ): للمستجدى الذي يسأل الناس.
(الْمَحْرُومِ): المحتاج المتعفف الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن أحد لحاله فيحرم الصدقة.
(آيَاتٌ): دلائل واضحات.
التفسير
15، 16 - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)):
انتقلت الآيات بعد شرح أحوال المشركين، وعرض ما يستحقون من العذاب، وما أعدَّ لهم من سوء الجزاء إلى وصف أحوال المتقين وما ينتظرهم من نعيم لقاء ما أخذوا به أنفسهم في الدنيا من الإحسان، وقاموا عليه من الطاعة والانهماك في العبادة وبذل الصدقات، في سبيل الله عن رضًا وسخاء.
والمعنى: إن المتقين الذين سلكوا الطريق السَّوى فلزموا الطاعة ووقوا أنفسهم من مهالك الشرك، ومهاوى المعاصي سيسعدون في الآخرة بألوان مختلفة من النعيم في جنات متعددة الأشجار والثمار، تزيدها العيون الجارية فيها بالماء جمالًا وبهجة، وتزيد المتقين نعيمًا ومتعة، ويتلقون هذا النعيم راضين حامدين - وكيف لا يرضون وكل ما آتاهم حسن مرضى يُتَلقى بحسن القبول، وعظيم الرضا والشكر، فإن عملهم الصالح في الدنيا لا يساوى شيئًا بجانب هذا النعيم.
17، 18، 19 - (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ):
هذه الآيات بيان لأعمالهم الصالحة، وتعداد لصور من إحسانهم. أي: ومن جملة إحسانهم أنهم كانوا يسهرون ليلهم في العبادة، ولا ينامون من الليل إلا قليلًا، ومع طول السهر في العبادة وقلة الهجوع كانوا يداومون الاستغفار في السحر قبيل الفجر، ويحرصون على ذلك فلا يفوتهم. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار.
(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ): وفي أموالهم نصيب وافر استوجبوه على أنفسهم لكل محتاج مستعرض للمسألة أو متعفف لا يسأل أحدًا ولا يفطن الناس له فيحرم من الإحسان والصدقة. والمقصود من هذا الحق الصدقة، لا الزكاة، لأن السورة مكية والزكاة مدنية، وقيل: المحروم هو الذي لا سهم له في الغنيمة، أو الغارم، والأصل هو أَن المحروم الممنوع الرزق لترك السؤال أو ذهاب المال أو غير ذلك ممَّا يصير به الإنسان فقيرًا ولا يتعرض للمسألة.
وفرَّق قوم بين الفقير والمحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك الإعطاء وقد يحرم نفسه بترك السؤال، فإذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك السؤال، وإذا لم يسأل فقد حرم نفسه ولهم يحرمه الناس.
20، 21، 22 - (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ):
في هذه الآيات توجه إلى التدبر في آيات ومظاهر قدرته - تعالى - للانتفاع بذلك في ترسيخ العقيدة، وتعميق الإيمان، فإن من ينظر في آثار قدرة الله على الأرض التي تقلُّه، وفي نفسه وتكوين خلقه وجسمه، وفي السماء التي تظلُّه - إن من ينظر في ذلك كله - يجد من دلائل القدرة ما يدعم الإيمان، ويؤكد اليقين بالصانع الحكيم.
والمعنى: وفي الأرض التي تعيشون عليها، وتمشون في مناكبها دلائل على الصانع وحكمته وعلى الخالق وقدرته من حيث إنها كالبساط لما فوقها كما قال - تعالى -:{الذى جعل لكم الأرض مهدا (1)} وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها، وهي متنوعة بين سهل وجبل، وصلبة ورخوة، وخصبة وسبخة، ويتعدد فيها أنواع النبات وتسقى بماء واحد فتأتى بالثمار مخلتفة، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، وكلها موافقة لحوائج الناس ومنافعهم في صحتهم واعتلالهم، وحلهم وترحالهم، وفيها من العيون المتفجرة والمعادن
(1) سورة طه من الآية: 53.
المتنوعة، والدواب المنبثة، والحشرات المختلفة في برها وبحرها المتعددة الصور والأشكال والحركات والأفعال من الوحشى والإنسيِّ، والنافع والمؤذى - في هذا كله آيات للموقنين الموحدين الذين يلتمسون سبل الهداية والسلوك السوى الموصل إلى المعرفة، فهم ينظرون بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأوّلها فازدادوا إيمانًا على إيمانهم.
(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أي: وفي خلقكم آيات ودلائل، أي: وفي حال ابتداء خلقها، وتنقلها من حال إلى حال ما تتحير في تصوّره الأذهان - وحسبك بالقلوب - وما ركب فيها من عقول، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة، وناهيك بما سوّى في الأعضاء من المفاصل فإذا تعطل شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذُّل؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقوله - تعالى -: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ): أغفلتم فلا تنظروا في أنفسكم فتبصروا هذا كلَّه بعين البصيرة وتقدروا نفعه لكم، وآثاره في حياتكم فيزداد إيمانكم، ويعظم شكركم.
وهو تعنيف على ترك النظر في الآيات الأرضية والنفسية.
(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) أي: وفي السماء تقدير رزقكم وتعيينه، أو أسباب رزقكم من المطر، والشمس والقمر والمطالع والمغارب التي تختلف بها الفصول فتختلف المحاصيل، وتتنوع الأرزاق.
وذهب غير واحد إلى أَن المراد بالسماء السحاب، وبالرزق المطر، ومعنى قوله - تعالى -:(وَمَا تُوعَدُونَ) أي: الذي توعدونه من خير وشر، وثواب وعقاب، أو جنة ونار لأن الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء.
23 -
(فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ):
هذا القسم لتأكيد المقسم عليه وتحقيقه، والأرجح في ضمير (إنَّهُ لَحَقُّ) أَن يكون راجعًا إلى كل ما تقدم من أول السورة.
والمعنى: فورب السماء والأرض إن كل ما تقدم في هذه السورة من أخبار وأحوال، وأوصاف وتذكير حقٌّ واقع وأمر ثابت لا يرقى إليه شك، ولا يختلف في أحقيته أحد، وكما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي ألا تشكوا في حقيته، فهو كما نقول: إن هذا حق مثل (1) أنك تبصر وتسمع.
روى في الأصمعى قال: أقبلت من جامج البصرة، فطلع أعرابيّ على قعود له.
فقال: مَن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟
قلت: من موضع يتلى فيه كتاب الرحمن. قال: اتلُ عليّ، فتلوت (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا
…
) فلما بلغت قوله - تعالى -: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ). قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولَّى.
فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف بالبيت، فإذا بمن يهتف بى بصوت دقيق فالتفت فإذا هو الأعرابى قد نحل واصفر فسلَّم عليَّ واستقرأنى السورة فلما بلغت الآية صاح وقال:{قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا} . ثم قال: وهل غير هذا؟ {فوربِّ السماء الأرض
…
} فصاح وقال: يا سبحان الله. من الذي أغضب الجليل حتى حلف. لم يصدقوه بقوله: حتى ألجأوه إلى اليمين. قالها ثلاثًا، وخرجت معها نَفْسه.
(1) وكلمة مثل منصوبة على أنها صفة لمحذوف تقديره: إنه لحق حقا مثل ما أنكم تنطقون، أو منصوبة على أنما حال، وتوغلها في الإبهام يمنع تعرفها بالإضافة، ويصح أَن تكون صفة لكلمة حق في محل رفع، وبنيت على الفتح لإضافتها لغير متمكن، كما في قوله تعالى:{لقد تقطع بينكم} .
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)
المفردات:
(ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) الضيف: النازل على محلة قوم وليس منهم، ويقال للواحد والجمع، ويجمع على ضيوف، وضِيفَان وأضيَاف، واختلف في عددهم، قيل: ثلاثة، وقيل: تسعة، وقيل: اثنا عشر.
(مُنْكَرُونَ): مجهولون.
(فَرَاغَ): مال في خفية.
(فَقَرَّبَهُ): قدّمه.
(فَأَوْجَسَ): أحس في نفسه.
(صَرَّةٍ): صيحة وضجة.
(فَصَكَّتْ): ضربت.
(عَقِيمٌ): عاقر.
التفسير
24، 25 - (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ):
هذه الآيات شروع في مقصد آخر من مقاصد هذه السورة يتمثل في عرض طائفة من القصص والأخبار الصادقة ليتسلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتأسى بما لاقاه الأنبياء السابقون عن عنت أقوامهم، وعانوا من عنادهم وكفرهم وبما وقع للأمم التي أغرقت في العناد وأسرفت في الفساد، وأمعنت في الضلال والإضلال.
وقد بدأت هذا المقصد بحديث ضيف إبراهيم الذين استضافوه من الملائكة، واستهلته بالاستفهام المشوق إلى طرافة الحديث، المؤذن بأنَّهُ حديث تستلذه الأسماع، وتطيب بسماعه النفوس؛ لأنه مما لا يعلمه الرسول إلا بطريق الوحى.
والمعنى: هل أتاك - أيها الرسول - حديث ضيف إبراهيم الذين استضافوه من الملائكة المكرمين عند الله في المنزلة وفي شرف الوفادة، وعند إبراهيم عليه السلام حيث قام على خدمتهم بنفسه وزوجه.
وقوله - تعالى -: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) توقيت للحديث أي: هل أتاك هذا الحديث وقت دخلوا عليه بيته فبادروه بقولهم: نؤمنك أمانا ونسلم عليك سلاما حتى لا يروعك ولا يخيفك دخولنا، قال ردًّا عليهم: عليكم سلام دائم، أو أمرى معكم سلام. وقوله: قوم منكرون، أي: أنتم قوم مجهولون عندي لا معرفة لي بكم، ولا عهد لي معكم، والظاهر أَن هذا خاطر حدَّث به نفسه، لأنه ليس من كرم الضيافة أَن يقول المضيف مهما كان لمضيفه: أنا لا أعرفك فضلا عن أَن يكون القائل إبراهيم، المضياف الكريم.
26، 27، 28، 29 - (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ):
المعنى: فمال إلى أهله فور دخولهم عليه في خفية منهم فإن من حسن أدب المضيف أَن يبدأ ضيفه بالقرى، وأن يبادره به حذرًا من أَن يكفه ويمنعه، أو يعذره أو يصير منتظرًا، وقوله - تعالى -:(فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) أي: مكتنز لحمًا وشحمًا غير مهزول جاء به بسرعة.
(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) أي: فقدم الطعام إلى الضيف وطلب إليهم تناوله يقوله: ألا تأكلون؟ فهو بمثابة قولنا للضيف عند إحضار الطعام: تفضل لتناوله. ولم يقبل الضيف على الطعام، ولم يتقدموا للأكل (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) فأحس في نفسه خيفة وإشفاقا منهم، وعرفوا في ذلك منه (قالوا لا تخف) فقالوا له مطمئنين: لا تخف، وكشفوا عن حقيقتهم (وبشروه بغلام عليم) يشب ويكبر حتى يدرك مدارك الرجال، ويصير من أهل العلم والمعرفة، وهو إسحاق عليه السلام لقوله تعالى -:{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (1)} والظاهر أَن زوجه كانت تقف قريبًا من إبراهيم وضيفه بحيث تسمعهم ولا يرونها، فلما سمعت البشارة دهشت، ونسيت ما ينبغي منها (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) أي: فأقبلت عليهم في صيحة وضجة، وضربت جبهتها بأصابعها على عادة النساء إذا سمعن أمرا عجيبًا، وقالت: أنا عجوز عاقر، فكيف تتأتى هذه البشارة؟!! وكيف ألِد؟!!
30 -
(قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ):
قالت الملائكة: الأمر كما سمعت، أو مثل ذلك القول الكريم قال ربّك، وإنما نحن معبّرون بخبرك به - عنه تعالى - لا أنَّا نقول ذلك من تلقاء أنفسنا، إنَّه هو الحكيم الذي يضع الأمر في موضعه وضعًا متقنا، العليم الذي يكون قوله حقا لا محالة.
وقد تعددت رواية هذه القصة هنا وفي سورة هود وسورة الحجر، واختلفت أساليبها فبرز في كل واحدة من هذه الروايات جانب لم يظهر في الموقع الآخر على أسلوب القصص القرآنى إذا تعددت رواياته.
(1) سورة الصافات الآية: 112.
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37))
المفردات:
(فَمَا خَطْبُكُمْ): فما شأنكم الخطير الذي جئتم من أجله.
(مُسَوَّمَةً): معلَّمة، من السُّومة - بالضم - وهي العلامة، أو مرسلة - من: أُسِيمت الإبل في المرعى إذا: أرسلت.
(لِلْمُسْرِفِينَ): للمُجاوزين الحدّ في الفُجُور.
(آيَةً): علامة دالة على ما أصابهم من عذاب.
التفسير
31 -
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ):
قال إبراهيم عليه السلام لضيوفه المكرمين لما علم أنهم ملائكة وهم لا ينزلون إلا بإذن الله لأمر خطير ويفعلون ما يؤمرون: فما شأنكم العظيم الذي أرسلتم إليه غير البشارة بالغلام؟ وفيم جئتم؟.
32، 33، 34 - (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ):
قالت الملائكة لإبراهيم: إنا أرسلنا من قبل الله إلى قوم مفرطين في العصيان، وهم قوم لُوط؛ لنُلقى عليهم حجارة من طين لا يعلم كنهها إلَاّ الله، وهذه الحجارة مسومة، أي: معلمة بما
يدل على أنها ليست من طين أرضنا، وقيل: مسومة، أي: مرسلة، من: أُسيمت الإبل إذا أرسلت من (عند ربك للمسرفين) أي: أنها معدَّة في علم الله للمُجاوزين الحدّ في الفجور، التَّاركين ما أحل الله لهم من الطيبات، المقبلين على ما حرّم الله من الخبائث، حيث كانوا يأتون الذُّكران من العالمين مع كفرهم وشركهم.
ووضع الظاهر موضع ضميرهم في قوله - تعالى -: (للمسرفين) ذمًّا لهم بالإسراف بعد ذمّهم بالإجرام وإشارة إلى علَّة الحكم.
35، 36 - (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ): هذا الكلام حكايته من جهته - تعالى - لما جرى على قوم لوط عليه السلام بطريق الإجمال بعد حكايته ما جرى بين الملائكة وبين إبراهيم عليه السلام من الكلام، والفاء مفصحة عن جُمَل لم تذكر اكتفاء بذكرها في مواضع أخر، كأنه قيل: فقاموا من عنده وجاءوا لوطا فجرى بينهم وبينه ما جرى، فباشروا ما أُمِرُوا به فذلك قوله - تعالى -:(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) أي: فأخرجنا من كان في قرى قوم لوط ممن آمن بلوط عليه السلام فما وجدنا فيها غير أهل بيت من المسلمين، والمراد بهم - كما أخرج ابن المنذر عن مجاهد - لوط وابنتاه، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: كانوا ثلاثة عشر. "آلوسى".
واحتجّ بهذه الآية من ذهب إلى رأى المعتزلة الذين لا يفرقون بين الإِسلام والإيمان لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين؛ لأن المعنى: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فلم يكن المُخرَج إلَاّ أهل بيت واحد. وبهذا الرأى أخذ بعض أهل السنة ومنهم البخاري. قال ابن كثير: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قومًا مؤمنين. وعندنا: أَنَّ كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتَّفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال. اهـ: ابن كثير ص 236.
والوجدان في قوله - تعالى -: (فما وجدنا) معناه: العلم - على ما قاله الراغب - وذهب بعض الأجِلَّةِ إلى أنه لا يقال: ما وجدت كذا إلَاّ بعد الفحص والتفتيش، وحُمِل عليه معنى الآية، أي:
فأخرج ملائكتنا (من كان فيها من المؤمنين) فما وجد ملائكتنا فيها (غير بيت من المسلمين).
37 -
(وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ):
أي: وتركنا في القرى التي أهلكناها وهي قُرى قوم لوط "وإضمارها بغير ذكر لشهرتها" - تركنا فيها - علامة دالَّة على ما أصابهم من العذاب الأليم وما نزل بهم من العقاب؛ ليكون ذلك عبرة بالغة وعظة نافعة للذين من شأنهم أَن يخافوا العذاب الأليم لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم، وهم المؤمنون، دُون من عداهم مِن ذوى القلوب القاسية فإنَّهُم لا يعتدون بها ولا يعتبرون بهذه الآيات، والمراد بها تلك الأحجار التي أهلكوا بها، وقيل: ماء مُنْتِن، قال الشهاب: كأنه بحيرة طبرية.
(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46))
المفردات:
(بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): بدليل واضح له سلطان على القلوب، وهو ما ظهر على يديه من المعجزات.
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ): فأعرض فرعون بِقُوَّته وسلطانه عن الإيمان، ومنه قوله - تعالى -:"أوْ آوى إلى ركن شديد" وستأتى في الشرح معان أخرى.
(مُلِيمٌ): آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان.
(الرِّيحَ الْعَقِيمَ): الشَّديدة التي لا خير فيها فقد دمرتهم.
(كَالرَّمِيمِ): كالشيء البالى الهالك المتفتِّت من عَظْم أو نبات أو غير ذلك.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ): فأهلكتهم الصّيحة، أو نار من السّماء.
التفسير
38 -
(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ):
وفي قصة موسى عظة وعبرة إذ أرسلناه إلى فرعون مؤيدًا منَّا بسلطان مبين وهو ما أظهرناه على يده من معجزات باهرة وحجج واضحة ودلائل ظاهرة.
39 -
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ):
أي: فازْوَرَّ فرعون وأعرض عن الإيمان بما جاء به موسى من الحقّ المبين استكبارًا وعنادًا - على أَن رُكْنه جانب بدنه وعِطْفِه - والتَّولِّى به كناية عن الإعراض كِبرا وخيلاء وعجبًا، وقيل: تولى بما كان يتقوّى به من قومه وجنوده وملكه وسلطانه، والرّكن يستعار للقوة وقال فرعون عن موسى: لا يخلو أمره فيما جاءنا به من أَن يكون ساحرًا أو مجنونًا، كأن فرعون جعل ما ظهر على يديه عليه السلام من الخوارق العجيبة منسوبة إلى الجن، وتردد في أنه حصل باختياره فيكون سحرًا، أو بغير اختياره فيكون جنونًا.
وقال أبو عبيدة: (أو) بمعنى الواو؛ لأن القرآن حكى عن اللعين "فرعون" أنه قال "الأمرين" قال عن موسى مرة: {إن هذا لساحر عليم} (1) وقال مرة أخرى: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (2) وهكذا كان يتلون تلون الحرباء.
40 -
(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ):
فأخذنا فرعون ومن اعتز بهم وتقوّى من جنوده وأعوانه فطرحناهم في اليم غير مقدِّرين لهم، ورميناهم في البحر غير مبالين بهم - فعلنا بهم ذلك - وفرعون مُرتكب ما يلام عليه من الكفر والطغيان لتكذيبه بالرّسول وادِّعائه الألوهية، وشاركه في ذلك جنوده فأُغرقوا معه، وفي الكلام من الدلالة على غاية عظيم شأن القدرة الربانية ونهاية قماءة فرعون وقومه وذلتهم أمام قدرة الله.
41 -
(وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ):
وفي قصة عاد وإهلاكهم عبرة وعظة إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم، وهي الشديدة التي لا خير فيها، فهي لا تُلقح شيئًا - كما أخرجه جماعة عن ابن عباس وصححه الحاكم - وفي لفظ: هي ريح لا بركة فيها ولا منفعة ولا ينزل منها غيث ولا يلقح بها شجر، كأنه شبّه عدم تضمن المنفعة بعقم المرأة.
وهذه الريح كانت "الدّبور" لما صحّ من قوله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
42 -
(مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ):
أي: ما تدع من شيء مرّت عليه هذه الريح إلَاّ صيرته كالرميم، أي: كالشيء البالى المتفتِّت من عظم أو نبات أو غير ذلك، فالرميم من: رمّ الشيء، أي: بلى.
(1) سورة الشعراء، من الآية:34.
(2)
سورة الشعراء، الآية:27.
وفسره السدى هنا بالتراب، وفسره ابن عيسى بالمنسحق الذي لا يُرَم، أي: لا يصلح، والشيء هنا عام مخصوص، أي: ما تذر الريح من شيء أراد الله تدميره وإهلاكه من ناس أو ديار أو شجر أو غير ذلك إلَاّ جعلته كالرميم، روى أَن الريح كانت تمر بالناس فيهم الرجل من عاد فتنتزعه من بينهم وتهلكه.
43، 44 - (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ):
وفي قصة ثمود وإهلاكهم آيات، أي: عظات وعبر. إذ قيل لهم: تمتعوا في دياركم إلى وقت معلوم وهو وقت انقضاء آجالهم وفناء أعمارهم، فاستكبروا عن امتثال أمر ربهم وتعالوا عن الاستجابة لما دعاهم إليه الرسول فأهلكتهم الصاعقة وهي نار من السماء، وقيل: صيحة منها فهلكوا وهم ينظرون إليها ويعاينون وقوعها بهم؛ لأنها كانت نهارا.
وقال مجاهد: (وهم ينظرون) بمعنى ينتظرون، أي: وهم ينتظرون الأخذ والعذاب، وانتظار العذاب أشد من العذاب.
45 -
(فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ):
أي: فما تمكن أهل ثمود من النُّهوض للهرب حين نزول العذاب بهم ووقوعه عليهم، وما كانوا قادرين على الانتصار بدفع العذاب عنهم بغيرهم بعد أَن عجزوا عن دفعه بأنفسهم.
46 -
(وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ):
أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء المذكورين؛ لأنهم كانوا قومًا خارجين عن طاعة الله لما كانوا فيه من الكفر والمعاصي.
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51))
المفردات:
(بِأَيْدٍ): بقوة.
(وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ): لقادرون، من الوُسْع: بمعنى الطاقة والقدرة.
(وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا): والأرض مهّدناها وبسطناها كالفراش للاستقرار عليها.
(زَوْجَيْنِ): صِنْفَين مزدوجين ونوعين مختلفين.
(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ): فالجأوا إليه وسارعوا إلى طاعته.
التفسير
47، 48 - (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)):
يقول الله - تعالى - منبها على خلق العالم العلوي والسفلى؛ ليفكر الناس في بديع صنعه وعظيم خلقه فيعبدوه ولا يشركوا به شيئًا - يقول -: والسماء أحكمنا خلقها وجعلناها سقفًا محفوظًا بقوة عظيمة، وإنا لقادرون على أكثر من هذا، فقد وسعت قدرتنا كل شيء فضلا عن السماء، أي: قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد.
والآية الكريمة تشير إلى أَن التوسعة مستمرة على الزمن، وهو ما أثبته العلم الحديث، وعرف بنظرية التَّمدد التي أصبحت حقيقة علمية في أوائل هذا القرن، أشار إليها القرآن الذي
أُنزل على النبي الأُمي محمد صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنًا (اهـ: المنتخب بتصرف) والأرض هيَّأنَاهَا وبسطناها لتستقروا عليها وتصلح لحياتكم فوقها، فنعم المهيِّئون لها نحن ونعم الجاعلون لها كالمهاد.
49 -
(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ):
أي: ومن جميع المخلوقات خلقنا أزواجًا: سماء وأرضًا، وليلا ونهارًا، وشمسًا وقمرًا، وبرًّا وبحرًا وضياءً وظلامًا، وإيمانًا وكفرًا، وموتًا وحياةً، وشقاءً وسعادة، وجنة ونارًا، حتى الحيوانات والنباتات خلقنا في كل صنف منها الذكور والإناث، ولهذا قال - تعالى -:(لعلكم تذكَّرون) أي: فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج كى تتذكروا فتعرفوا أنه عز وجل الرب القادر الذي لا يعجزه شيءٌ فتعملوا بطاعة الله ولا تعبدوا سواه، وقيل: المراد بجميع ما ذكر الاستدلال على قدرة الله على البعث والحشر والنشر؛ لأن من قدر على إيجاد ذلك فهو قادر على إعادة الأموات يوم القيامة.
50، 51 - (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ):
ثم فرّع على قوله - تعالى -: (لعلكم تذكرون) فقال: ففرُّوا إلى الله، أي: قل لهم يا محمد: فسارعوا إلى طاعته وثوابه وفروا من معصيته وعقابه، وهو تمثيل للاعتصام به - سبحانه - واللُّجوء إليه والاعتماد في الأمور عليه، إنِّي لكم من عقابه المعد لمن لم يفر إليه - سبحانه - ولم يوحّده نذير مبين، بيَّنه الله - سبحانه - بالمعجزات، أو مبين ما يجب أن يحذر منه.
(وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر
…
) إلخ عطف على الأمر السابق في قوله - تعالى -: (فَفِرُّوا إلى الله) وهو نهى صريح عن الإشراك بالله، على نحو: وحدوه ولا تشركوا به.
والمعنى: ولا تشركوا به شيئًا إنِّي لكم من الله ندير مبين عاقبة الإشراك، وكرّر قوله تعالى:(إني لكم منه نذير مبين) في الآيتين السابقتين لاتِّصال الأول بالأمر والثانى بالنهي والغرض من ذلك كله الحث على التوحيد والمبالغة في النصيحة والتأكيد، وعلل لذلك
الآلوسي فقال: المنساق إلى الذهن - على تقدير كون المراد بالفرار إلى الله تعالى العبادة - أنه تعالى أمر بها أوّلا وتوعَّد تاركها بالوعيد المعروف له في الشَّرع وهو العذاب دون خلود، ونهى - جل شأنه - ثانيًا أَن يشرك بعبادته، وتوعَّد المُشرك بالوعيد المعروف له وهو الخلود، في النار، وعلى هذا يكون الوعيدان مختلفين متغايرين، وتكون الآية في تقديم الأمر على النهي فيها نظير قول - تعالى - (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (1) وقوله:(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا شَيْئًا)(2).
(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60))
المفردات:
(طَاغُونَ): متجاوزون الحدّ في الكفر.
(بِمَلُومٍ): بفاعل ما يلام عليه.
(1) سور الكهف، من الآية:110.
(2)
النساء، من الآية:36.
(لِيَعْبُدُونِ): ليخضعوا لي ويتذللوا، أو ليعرفونى.
(الْمَتِينُ): شديد القوة.
(ذَنُوبًا)(1): نصيبًا من العذاب.
(فَوَيْلٌ): فهلاك، أو حسرة، أو شدة عذاب.
التفسير
52 -
(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ):
يقول الله سبحانه وتعالى مسليًا لنبيه عليه الصلاة والسلام: مثل هذا الشأن كان شأن الأمم السابقة مع رسلهم: فكما قال لك هؤلاء المشركون من أهل مكة قال مثله المشركون الأوَّلون لرسلهم، فهذه شِنْشِنَةُ المكذبين وتلك سمة الكافرين.
وفي البحر: (أو) للتفصيل، أي: قال بعضهم: هو ساحر، وقال بعض: هو مجنون، وقال بعض: هو ساحر ومجنون، فجمع القائلون في الضمير، ودلَّت (أو) على التفصيل.
واستشكلت الآية بأن قوله - تعالى -: (إلَاّ قالوا) يدل على أَن الّذين من قبلهم كلهم كذبوا مع أنه ما من رسول إلا آمن به قوم، وأجاب الإِمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على إرادة الكثير بل الأكثر، وذكر المكذب فقط؛ لأنه الأوفق بغرض التسلية.
53 -
(أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ):
المعنى: أتواصى الأوَّلون والآخرون بهذا القول؟ أي: أوصى بعضهم بعضًا بهذا القول حتى قالوه جميعًا متفقين عليه؟
وهؤلاء وأولئك لم يتواصوا به في الحقيقة؛ لأنهم لم يلتقوا في زمن واحد بل هم قوم طغاة متجاوزون للحدّ خارجون عن طاعة الله تشابهت قلوبهم. فقال متأخرهم كما قال متقدمهم، جمعهم المقصد الواحد وتلاقوا في الطَّعن علي الرسل، والحامل لهم على هذا القول هو الطغيان والعناد والتَّمرُّد والتكذيب لرسالات السماء.
(1) أصل الذنوب: الدلو العظيمة الممتلئة ماء، أو القريبة من الامتلاء، قال الجوهرى: لا يقال لها ذنوب وهي فارغة، وتذكر وتؤنث، وجمعها أذنبة وذنائب فاستعيرت للنصيب مطلقا شرا كان النصيب أو خيرا، وفي الكشاف: هذا تمثيل، أصله في السقاة يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب (1هـ: آلوسى ص 24).
والضمير في (به) للقول السابق، ومقصود الاستفهام في (أتواصوا به) التعجيب من إجماعهم على هذا القول الكاذب.
54 -
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ):
أي: فأعرض - يا محمد - عن جدال هؤلاء المعاندين فقد كَرّرت عليهم الدعوة ولم تأل جهدًا في البيان فلم يستجيبوا، وعرفت منهم العناد واللَّجاج فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلَّغت الرسالة وأديت الأمانة وبذلت مجهودك في التبليغ والدعوة، وما أنت بملوم على عدم استجابتهم إن عليك إلَاّ البلاغ، وإنما أنت منذر. وقد فعلت.
55 -
(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ):
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقى في الشُّعَب وجماعة من طريق مجاهد عن عليّ - كرّم الله وجهه - قال: لما نزلت (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) لم يبق منا أحد إلَاّ أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أَن يتولَّى عنّا، فنزلت (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) فطابت أنفسنا.
عن قتادة: أنهم ظنُّوا أَن الوحى قد انقطع وأن العذاب قد حضر فأنزل الله (وذكِّر) الخ، والمعنى: دُمْ على التذكير والموعظة ولا تَدَعْ ذلك: فالأمر بالتذكير للدوام عليه، فإنَّ الذكرى تفيد وتُجْدى مع الذين قدّر الله هدايتهم وعلم أنَّهم سيدخلون في ساحة الإيمان لاختيارهم ذلك، أو مع المؤمنين بالفعل: فإنها تزيدهم بصيرة بالدين وقوّة في اليقين.
56 -
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ):
استئناف مؤكد للأمر الذي قبله مقرِّر لمضمون تعليله؛ فإن خلهقم للعبادة مما يدعوه صلى الله عليه وسلم إلى تذكيرهم، ويوجب عليهم التذكر والاتعاظ، ولعل تقديم الجن في الذكر لتقدّم خلقهم على خلق الإنس في الوجود، ولم يذكر الملائكة لاستغنائهم عن التذكير والموعظة؛ لأنهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والمعنى: وما خلقت الجن والإنس لشيء يعود عليّ بالنفع، وإنما خلقتهم لتكون غايتهم العبادة (والعبادة غاية التذلل) أي: خلقتهم مهيئين صالحين للعبادة حيث ركبت فيهم عقولًا وجعلت لهم حواس يدركون بها الطاعة والمعصية حتى لا يكون للعصاة حجة على الله.
وقال ابن جريج ومجاهد: (إلا ليعبدون) أي: ليعرفونى، وهو مجاز مرسل من إطلاق اسم المسبب على السبب، ولعلَّ السِّرَّ فيه: التنبيه على أَن المعتبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى لا ما يحصل بغيرها كمعرفة الفلاسفة، قيل: وهو حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم عز وجل لم يعرف وجوده وتوحيده سبحانه وتعالى وهذا إشارة إلى ما صححوه عن رسول الله فيما رواه عن ربه: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أَن أُعرف فخلقت الخلق لأُعرف".
قال الآلوسي: والذي ينساق إليه الذِّهن: أَن الحصر الوارد في الآية حصر إضافي، أي: خلقهم للعبادة دون ضدها أو دون طلب الرزق والإطعام؛ أخذا من تعقيب ذلك بقوله تعالى: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ).
57 -
(مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ):
هذه الآية الكريمة لبيان أَن شأنه - تعالى - مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم؛ لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معاشهم وأرزاقهم أو للقيام على خدمتهم ورعايتهم ففيها نفى أَن يكون ملكه إياهم لذلك، فكأنه سبحانه وتعالى قال: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعن ملَّاك العبيد بعبيدهم، وما أريد منهم تحصيل رزق؛ فأنا الرزاق الغنى عن العالمين وما أريد أَن يطعمونى؛ فأنا أطعم ولا أطعم، غنى عنهم وعن مُرافقتهم، فليشتغلوا بما ينفعهم ويسعدهم وما خلقوا لأجله بن عبادتى وطاعتى والخضوع لي.
وفي الآية الكريمة لطائف:
الأولى: أنّه سبحانه وتعالى كرر نفى الإرادتين؛ لأن السيد قد يطلب من العبد التكسب له وهو طلب الرزق وقد لا يطلب؛ لأنه غنى، ولكن يطلب قضاة حوائجه من حفظ المال وإحضار الطَّعام، فنفى الإرادة الأولى لا يستلزم نفى الإرادة الثانية؛ فكرر النفى على معنى لا أريد هذا ولا أريد ذلك.
الثانية: أَن ترتيب النفيين كما تضمنّه النظم الجليل من باب الترقى في بيان غناه عز وجل فكأنه - سبحانه -: لَا أريد منهم رزقًا ولا ما هو دون ذلك من تقديم الطعام.
الثالثة: أنه سبحانه وتعالى قال: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) دون ما أُريد منهم أَن يرزقون؛ لأن المقصود عين الرزق لا الفعل.
وقال - سبحانه - (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) دون: وما أريد من طعام؛ لأن المقصود نفى الفعل نفسه - وهو تقديم الطعام - والمراد أَن الله - تعالى - غنى عن أَن يقدم عباده له رزقًا أو يقوموا على خدمته.
58 -
{(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ):
أي: إن الله هو الرزاق الذي يرزق جميع خلقه - لا غيره سبحانه - وهو ذو القدرة شديد القوة لا يعجز عن شيء، والجملة تعليل لنفى الإرادة فيما تقدم في قوله - تعالى -:(مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) قال الإِمام: كون - تعالى - هو الرزاق ناظر إلى عدم طلب الرزق؛ لأن من يطلبه يكون فقيرًا محتاجًا وكونه (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ناظر إلى عدم طلب العمل المراد من قوله - سبحانه -: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)؛ لأن من يطلبه يكون عاجزًا لا قوة له، فكأنّه قيل: لا أريد منهم من رزق؛ لأنِّي أنا الرزاق، وما أريد منهم من عمل كالإطعام؛ لأنى قوى متين.
وكان الظَّاهر أن يأتى السياق الكريم (إني أنا الرزاق) كما جاء في قراءة له صلى الله عليه وسلم لكن التفت إلى التصريح بالاسم الجليل لبعث الهيبة في النفوس وأنه هو الرازق وحده دون سواه.
59 -
(فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ):
أي: إذا ثبت أَن الله - تعالى - ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه وأنه سبحانه ما يريد منهم من رزق إلى آخر ما تقدم، فإن للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة
وإشراكهم بالله عز وجل وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أهل مكة وأحزابهم من الكفار قد أعد الله لهؤلاء نصيبًا من العذاب مثل نصيب نظرائهم من الأمم السَّابقة، وعن قتادة: سجْلا (1) من العذاب مثل سَجْل أصحابهم، فلا يطلبوا مني أَن أعجل في الإتيان بالعذاب قبل أوانه، فهو لاحق بهم لا محالة.
60 -
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ):
أي: فهلاك وعذاب شديد للذين كفروا من يومهم الذي يوعدونه لما ينالهم فيه من الشَّدائد والأهوال وما يلاقونه فيه من عذاب وعقاب، وفي الآية بعض اللطائف:
1 -
وضع الموصول موضع الضمير فجاء النَّظم (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) بدل فويل لهم؛ تسجيلا عليهم بما في حيِّز الصِّلة من الكفر، وإشعارا بعلة الحكم.
2 -
الفاء في قوله: (فويل) لترتيب ثبوت الويل لهم على أَن لهم عذابًا عظيمًا.
3 -
المراد بذلك اليوم، قيل: يوم بدر، ورُجِّح بأنه الأوفق لما قبله من حيث إنه ذنوب من العذاب الدنيوى، وقيل: يوم القيامة، ورجح بأنه الأنسب لما في صدر السورة الكريمة الآتية: والله أعلم.
(1) السجل: الدلو المليئة (المختار).