المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مقاصد هذه السورة الكريمة: - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ سورة الشورى

- ‌أهم مقاصد السورة:

- ‌ سورة الزخرف

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌ سورة الدخان

- ‌أهم أهداف السورة:

- ‌ سورة الجاثية

- ‌أهدافها:

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌هذه السورة مكية وآياتها خمس وثلاثون

- ‌صلتها بما قبلها

- ‌بعض مقاصد هذه السورة:

- ‌سبب تسمية السورة بهذا الاسم:

- ‌سورة محمد

- ‌أهم أهداف السورة:

- ‌سورة الفتح

- ‌(وهي مدنية وآياتها تسع وعشرون)

- ‌مناسبتها لما قبلها

- ‌مقدمة:

- ‌سورة الحجرات

- ‌مدنية وآياتها ثماني عشرة

- ‌مجمل معانيها:

- ‌وجه ارتباطها بما قبلها:

- ‌السبب العام لنزول هذه السورة:

- ‌الأسباب الخاصة لنزول آياتها:

- ‌قتال علي ومعاوية:

- ‌رأى علي فيمن قاتلوه:

- ‌كيف تكون التوبة من الغيبة

- ‌من لا غيبة لهم:

- ‌صور مشرقة من محو الفوارق الطبقية في الزواج:

- ‌سورة ق

- ‌مكية وآياتها خمس وأربعون

- ‌مجمل معانيها:

- ‌مقدمة:

- ‌ سورة الذاريات

- ‌مقاصد السورة:

- ‌تفسير سورة الطور

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة والنجم

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة القمر

- ‌مقاصدها:

- ‌تفسير سورة القمر

- ‌هذه السورة مكية، وآياتها خمس وخمسون

- ‌ سورة الرحمن

- ‌آياتها ثمان وسبعون

- ‌مقاصد هذه السورة الكريمة:

- ‌ سورة الواقعة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌المعنى العام للسورة:

- ‌ سورة الحديد

- ‌هذه السورة الكريمة من السور المدنية وآياتها تسع وعشرون آية

- ‌سبب التسمية:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌ما جاء في فضلها مع أخواتها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

الفصل: ‌مقاصد هذه السورة الكريمة:

التكرار، قال الآلُوسيُّ: ولا يرد علي ما ذكره أن هذه الآية قد ذكرت بعد ما ليس نعمة، لما ستعلمه إن شاء الله في محله: ونحن سنبين ذلك - إن شاء الله تعالى -.

‌مقاصد هذه السورة الكريمة:

بينت هذه السورة أنه - تعالى - علَّم نبيه القرآن وأوحاه إليه، وأنه خلق كل إنسان وعلمه كيف يُعبِّر عن مقاصده ويبينها، وأنه سيَّر الشمس والقمر بحساب دقيق، بحيث لا يعتريهما خلل في ذاتهما أو في دورانهما، وأن النجم من النبات - وهو ما ليس له ساق، - والشجر - وهو ماله ساق - يخضعان لإرادته وتكوينه - تعالى - وأنه رفع السماء، وشرع الميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنه جعل الأرض مقرًّا للناس، وأنبت لهم فيها أشجار الفاكهة وحبوب الطعام كالحنطة والشعير، وأنبت لهم مصادر العطر كالريحان، وأنه خلق الإنسان من طين جاف كالفخار، وخلق الجن من لهيب النار، وأنه رب المشرقين والمغربين، أنه أرسل البحرين - المالح والعذب - وجعلهما يلتقيان، ومع هذا لا يبغى أحدهما على الآخر فيبطل خاصيته وصفاته بحاجز وحائل من قدرة الله - تعالى -، وأنه يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وسيأتي شرح ذلك بمشيئة الله - تعالى - وأن لله السفن الجارية في البحر، ولها قلاع مرفوعة كأنها أعلام - أي جبال - وأن كل من على الأرض فإن ويبقى الله ذو الجلال والإكرام، وأنه تعالى: له شئون كثيرة في خلقه كل يوم، فلذا يسأله من في السموات والأرض ما هم بحاجة إليه، وأنه - سبحانه - سيقصد مجازاة خلقه يوم الدين، وليس له شاغل يشغله عن ذلك، وهناك ينادى المنادي:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} هربًا من الحساب والعقاب {فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} ولا سلطان لكم، فالملك يوم القيامة والحكم لله الواحد القهار، يُرسَل على الكفار يومئذ لهبٌ من النار فلا ينصر بعضهم بعضًا، فإذا انشقت السماء وانصدعت يومئذ، وكان لها لون أحمر كحمرة الورد، وكانت صافية كالدهن المذاب {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} لأن هذا وقت صدور أمر الله بعذابهم، بعد أن شهدت عليهم جوارحهم ورأوا ذنوبهم واضحة في كتبهم.

ص: 1198

ثم بين الله حال المؤمنين، فذكر أنهم صِنْفَان، أحدهما أرفع درجة من الآخر.

فأولهما: له جنتان في أعلى درجات الجنان، وثانيهما: له جنتان أدنى من السابقتين، ووصف هذه الجنان وصفًا رائعًا يبين ما فيهن من جلائل النعم التي يتنعم بها هؤلاء وأولئك، جعلنا الله - تعالى - منهم، وختم السورة بقوله - جل وعلا -:{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .

ص: 1199

بسم الله الرحمن الرحيم

{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)}

المفردات:

{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} : علَّمه النطق المعرب عما في الضمير.

{بِحُسْبَانٍ} : بحساب وتدبير.

{يَسْجُدَانِ} : يخضعان لتدبيره - تعالى -.

التفسير

1 -

6 - {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} :

ذكر الله - سبحانه - في هذه السورة كثيرًا من نعمه وآياته، وأول ما بدأ به منها القرآن العظيم؛ لأنه أعظم النعم شأنًا وأرفعها مكانة، فعليه قدر السعادة الدنيوية والأخروية فما من غاية تنتهى إليها آمال الأمم إلا موجودة وسائلها فيه، وهو منهج الحق وصراطه المستقيم، وآية الآيات علي نبوة نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولذا تكفل الله بحفظه فقال - جل وعلا -:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (1).

(1) سورة الحجر الآية: 9.

ص: 1200

وقد أُسندت نعمة تعليم القرآن وغيرها من النعم إلى (الرحمن) الذي هو أحد أسماء الله الحسنى؛ لأنها من رحمته - تعالى - بعباده.

ولم يذكر في الآية مَن الذي علمه الرحمن القرآن، قيل: هو الإنسان، فإن تعليمه من نعمه - جل وعلا - على البشر جميعًا، فمن حفظه ووعاه فإنه يعلمه غيره، وهكذا إلى أن تقوم الساعة؛ لأن الله - تعالى - تعهد بحفظه.

وقيل: المراد بالإنسان محمَّد صلى الله عليه وسلم، فإنه أول من تعلمه من البشر، وهذا مآله إلى الرأى السابق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علمه الصحابة، والصحابة علَّمُوه من بعدهم، وهكذا.

والمراد من تعليم القرآن: تعليم ألفاظه ومعانيه على وجه يعتد به، وقد يصل العلم بمعانيه إلى العلم بالحوادث الكونية من إشاراته ورموزه، فإنه - تعالى - لم يغفل شيئًا فيه، أخرج أبو الشيخ في كتاب (العظمة) عن أبي هريرة مرفوعًا "إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرَّة والخردلة والبعوضة".

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم: عن ابن مسعود: أنزل الله في هذا القرآن علم كل شيءٍ، ولكنَّ علمنا يقصر عما بين لنا فيه.

وقال أبو العباس المرسى: جَمَعَ القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط به علمًا إلا المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر الله به - سبحانه -.

وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله - تعالى -.

وقال الفخر الرازى: المراد بتعليم القرآن جعل الشخص بحيث يعلم القرآن. فهذه الآية كقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} (1).

والنعمة التالية لتعليم القرآن أنه تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} وقدم تعليم القرآن على خلق الإنسان وتعليمه البيان، للإِشارة إلى أنه أفضل النعم، وأنه يبين الغاية من خلق

(1) سورة القمر من الآية: 17.

ص: 1201

الإنسان - وهي عبادة الله - قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1).

والمراد من الإنسان: الحنس، وبخلقه: إنشاوه على ما هو عليه من القُوى الظاهرة والباطنة، والمراد من تعليمه البيان: تمكين الإنسان من التعبير عما في نفسه وفهم بيان غيره، وهو الذي يدور عليه تعليم القرآن، وقيل تعليمه البيان: تعليمه التكلم بلغات مختلفة. وقيل المراد بالإنسان: آدم، وبتعليمه البيان تعليمه الأسماء كلها، أو علم الدنيا والآخرة، والنعمة الثالثة جاءت في قوله - تعالى -:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي: الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق في مداريهما وبروجهما ومنازلهما، فتختلف بذلك الفصول والأوقات، وتُعلَم السنون، والشهور، والأيام، والليالى، وتنتظم بذلك أمور أهل الأرض.

ويرى علماءُ الفلك أن القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض تدور حول الشمس، وأن الشمس تدور حول شيءٍ لم يعلم حتى الآن.

والنعمة الرابعة جاءت في قوله - تعالى -: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} والمراد بالنجم: النبات الذي ينجم ويظهر فوق الأرض، وليس له ساق كالبقول، والمراد بالشجر: ماله ساق تحمله كالنخل والتفاح ونحوهما، والمراد بسجودهما: خضوعهما لله - تعالى - فيما أراده منهما تكوينا وإثمارا، ويعزى هذا الرأى إلى ابن عباس وابن جبير وأبى رُزين.

وقال مجاهد وقتادة: النجم: نجم السماء، وسجود مع الشجر خضوعهما لأمر الله - تعالى - وإرادته فيما أراد منهما.

والرأى الأول أحسن وأحرى بالقبول، فإن ذكر النجم مع الشجر يستدعى أن يكون النجم من النبات، وهو الأجدر ببلاغة القرآن (2).

(1) سورة الذاريات الآية: 56.

(2)

واعلم أن لفظ "الرحمن" مبتدأ، والجمل التي بعده أخباره، ويقدر ضمير في كل من (الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان) ليرتبطا بالمبتدأ، والتقدير: الشمس والقمر يجريان بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له.

ص: 1202

{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)}

المفردات:

{وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} : وشرع العدل، يقال: وضع الله الشريعة - أي شرعها.

{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} : لئلا تتجاوزوا فيه الحق.

{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} : واجعلوا وزنكم بالعدل.

{وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} : ولا تنقصوه.

التفسير

7 -

9 - {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} :

المراد من السماء هنا: ما جعلت الكواكب زينة لأولاها، كما في قوله تعالى:{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} (1) والمراد من رفعها: الرفع الحسِّي بحيث نراها فوقنا بعيوننا أو الحسى والمعنوى - أي الرتبيّ - فمرتبة السماء ومقامها عال؛ لأنها منشأُ أحكامه - تعالى - وأوامره، ومسكن ملائكته عز وجل فما أعظم ملكوت القادر العليم.

(1) سورة الملك من الآية: 5.

ص: 1203

والمراد من وضع الميزان: شرع العدل في الأمر كله، والعدل هنا: هو تقويم الأُمور وجعلها متلائمة متعادلة لا إفراط فيها ولا تفريط، لا تفاوت يُخل بها ويفسدها، وهو بهذا المعنى يشمل خلق السموات والأرض وغيره، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم:"بالعدل قامت السموات والأرض"(1) فأنت ترى السموات متلائمة في تكوينها لا عيب فيها، وفي ذلك يقول الله - سبحانه -:{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} (2) أي: هل ترى في خلقها من شقوق وعيوب تخل بها؟

ويقول الآلوسي في تفسيرها: أي: شرع العدل وأمر به، بأَن وفر على كلِّ مُستَعِدٍّ مُستَحقَّه، ووفَّى كل ذي حق حقه، حتى اننظم أمر العالم واستقام، ثم قال:

فالمراد عدل الله عز وجل وإعطاؤه - سبحانه - كل شيءٍ خلقه. ثم قال: هذا المعنى مروى عن مجاهد والطبرى والأكثرين.

وقال الحسن بن الفضل: معناه وشرع القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، وعن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك أن المراد بالميزان: ما يعرف به مقادير الأشياء، من الآلة المعروفة والمكيال المعروف ونحوهما، فمعنى {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}: خلقه مخفوضًا على الأرض، حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم المنزلة من السماء، وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وعطائهم.

ونرى أن المعنى الأَول هو المناسب، حتى لا يتكرر مع قوله - تعالى -:{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} كما أنه هو المناسب لما قبله من رفع السماء، أما ميزان الناس فلا يناسب ما قبله، والفجوة واسعة بينهما.

(1) انظر تفسير روح المعانى للآلوسى، ج 9 ص 101 تفسير قوله تعالى:{وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} فقد ورد الحديث بلفظه.

(2)

سورة الملك الآية: 3.

ص: 1204

ومعنى قوله: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} وشرع الجدل في الأمر كله؛ لئلا تجوروا على الناس في أموركم المختلفة.

ومعنى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} ، أقيموا وزنكم في بيعكم وشرائكم بالعدل، ولا تبخسوا في الكيل والميزان.

{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُوالْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)}

المفردات:

{وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا} : خلقها موضوعة مخفوضة عن السماء حسبما يشاهد.

{لِلْأَنَامِ} : للإنس، أو لهم وللجن.

{ذَاتُ الْأَكْمَامِ} : صاحبة الأكمام، وهي أوعية الطلع، مفردها كِمّ بكسر الكاف.

{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ} أي: ذو التبن.

{وَالرَّيْحَانُ} : هو على وزن فَعلان من لفظ الرِّيح، ويطلق على كل مشموم طيب الريح عن النبات، كما يطلق على الريحان المعروف وعلى الرزق.

{آلَاءِ} : الآلاء النعم، واحدها ألى بفتح الهمز وقد يكسر، مثل مِعًى وأَمعاء.

ص: 1205

التفسير

11 -

13: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُوالْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)} :

المراد بالأنام: الناس في رواية عن ابن عباس، وفي رواية أُخرى عنه وعن قتادة وابن زيد وغيرهم: الأنام: الحيوان كله - كما في مجمع البحرين. وقال الحسن: الإنس والجن. والظاهر أنها مخلوقة للإِنس والجن والحيوان والسمك، فإنهم جميعًا يعيشون فيها، وينتفعون بخيراتها، وقال صاحب القاموس: الأنام: الخلق.

وقد عقب الله هذه الآية بقوله: {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)} ففيهما تقرير للآية التي قبلها، من أن الأرض موضوعة للأنام، فقد تضمنت بعض النعم التي أعدها الله في الأرض لمنفعتهم، من فاكهة كثيرة يتفكهون بها، ونخل ذات أكمام - أي: أوعية تشتمل على الطَّلْع الذي يحوله الله إلى بلح فرطب فتمر، فيتغذون بثمارها ويتفكهون، وحَبٍّ ذي تبن وريحان، فالحب: القمح والشعير والذرة وغيرها، وهو غذاء للإنس والجن والحيوان، والتبن لغذاء الحيوان، والريحان: كل مشموم طيب الريح من النبات، منعش للنفوس كالورد والياسمين، كل ذلك وغيره أعده الله لمنفعة الأنام، فما أعظم نعم الله على خلفه وأحقه بالشكر عليها، وبذل الوسع في طاعته، ثم يخاطب الله الكافرين من الثقلين الداخلين في عموم الأَنام بقوله موبخا لهم ومنكرًا عليهم {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الفاء في قوله {فَبِأَيِّ آلَاءِ} لترتيب التوبيخ والإِنكار بعدها على كفرهم بالنعم التي قبلها، مع أنها من موجبات الإيمان، أي: إذا كانت هذه نعمًا عليكم أيها الثقلان، فبأى نعم الله الذي رباكما تكفران، بإنكار كونها من نعم الله عليكما، أو إنكار دلالتها علي وجود الله ووحدانيته، أخرج ابن جرير والخطيب في تاريخه وغيرهما بسند صحيح: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال:"ما لى أسمع الجن أحسن جوابًا لربها منكم؟ ما أتيت على قوله - تعالى -: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا: لا بشيءٍ من نعمك ربنَّا نكذِّب فلك الحمد".

ص: 1206

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23)}

المفردات:

{صَلْصَالٍ} : طين جاف له صلصلة - أي صوت - إذا نقر.

{كَالْفَخَّارِ} : الفخار: الخزَف، وهو ما أحرق من الطين حتى تحجر.

{مِنْ مَارِجٍ} : من لهب خالص، وسيأتي بسط الآراء فيه.

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} : أرسل البحرين العذب والملح.

{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} : رب مشرقى الشمس ومغربيها - صيفًا وشتاءً.

{بَرْزَخٌ} : حاجز.

{اللُّؤْلُؤُ} : صغَار الدر.

{وَالْمَرْجَانُ} كبار الدُّر، وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه.

ص: 1207

التفسير

14 -

16 - {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

الآيتان الأُوليان تمهيد لتوبيخ الثقلين على إخلالهما بموجب شكر النعمة المرتبطة بذاتى كل واحد منهما، والمراد بالإنسان: آدم عليه السلام وقيل الجنس الشامل لاولاده، أنهم مخلوقون من الصلصال تبعًا لأَبيهم.

والصلصال: الطين اليابس الذي له صلصلة - أي: صَوْت - إذا نُقِر، وقيل: هو الطين المنتن، من صَلَّ اللحم إذا أنتن، والفخار: هو ما أحرق من الطين حتى تحجر، ويسمى الخزف.

واعلم أن أصل آدم ومنشأَه هو التراب، ثم تحول التراب إلى طين، ثم إلى حمأ مسنون - أي: طين يابس منتن، ثم إلى صلصال كالفخار، ولهذا ترى منشأه يختلف باختلاف الآيات، فتراه في بعضها التراب، وفي أخرى الطين أو الحمأ المسنون أو الصلصال فلا تعارض بينها؛ لأن كلا منها يتكلم على طور من أطوار خلقه، ولا عجب في أن يكون منشأ الإنسان ما ذكر، فإن الله على كل شيءٍ قدير، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون.

وجاء في الآية الثانية: أن الجانَّ خلق من مارج من نار، فالجانُّ أبو الجن، وهو إبليس كما قاله الحسن، وقال مجاهد: هو أبو الجن وليس إبليس، كما جاءَ فيها أنه خلق من مارج من نار، ولفظ (من) في قوله تعالى:{مِنْ مَارِجٍ} يشير إلى مبدأ خلقه، وفي قوله:{مِنْ نَارٍ} يبين المراد من مارج، فإن أصله من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط، فيصدق على النار وغيرها، فجاء قوله:{مِنْ نَارٍ} ليبينه، ومعناه كما قال الجوهرى في الصحاح: نار لا دخان لها خلق منها الجان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: أنه اللهب الذي يعلو النار، يختلط بعضه ببعض، أحمر، وأصفر، وأخضر - كما نقله القرطبى.

ص: 1208

وقد عقب الله هاتين الآيتين باستفهام إنكارى توبيخي، وذلك في قوله تعالى:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: فبأى نعم ربكما تكذبان أيها الثقلان؟، أتكفران بمنشأ خلقكما، أم تكفران بغيره؟.

17 -

18 - {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

المراد بالمشرقين: مشرق الشمس شتاءً وصيفًا، وبالمغربين: مَغْرِباها كذلك، وقيل: المشرقان مشرق الشمس ومشرق القمر، والمغربان كذلك، وهذه الآية كناية عن أنه - تعالى - ربها ورب ما بينها من الكائنات.

والمعنى: الذي أبدع ما مرّ من النعم هو مالك المشرقين والمغربين وما بينهما، لا يشاركه في خلقها أحد، وحيث كانت المشارق والمغارب وما بينها من إبداعه - تعالى - وداخلة في ملكوته، فمن حقه أن يُعبد ولا يُجحد ولا تُكذب آلاؤُه ونعمه، ولهذا أنكر على المشركين تكذيبهم لآلائه ونعمه، ووبخهم على هذا التكذيب بقوله - جل وعلا - بعد هذه الآية -:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أَتكذبان بخلقه المشارق والمغارب وما بينها من الكائنات واختلاف الفصول وما يترتب عليه من المنافع والمصالح، أم تكذبان بغير ذلك؟ اللهم لا بشيء من آلائك نكذب، سبحانك ذلك الحمد.

19 -

23 - {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

قال الآلوسي في معنى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي: أرسلهما وأجراهما، من مرجت الدابة في المرعى، أي: أرسلتها فيه، أي: أرسل الله البحر الملح والبحر العذب.

ونقول: إن هذا هو التفسير الموافق لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} (1) ولقوله: {وَمَا يَسْتَوِي

(1) سورة الفرقان الآية: 53.

ص: 1209

الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} (1).

أما قول الحسن: إنهما بحرا فارس والروم، فإنه مخالف لصريح الآيات المذكورة، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.

وقد ذكر الله أن هذين البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان، فأما التقاؤُهما فيكون عند مصاب الأنهار فيها، وأما البرزخ الذي بينهما فهو القدرة الإلهية التي منعت أن يبغى الماءُ الملح على العذب فيحوله إلى ملح، وأن يبغى العذب على الملح فيحوله إلى عذب، فبقى كلاهما يؤدى وظيفته التي خلق لها.

وهل هذا الحاجز هو أنه - تعالى - خلق الأرض كروية، وأن الارتفاع الكروى هو الذي يمنع أن يبغى أحدهما على الآخر، ويدل على ذلك أن الشمس تشرق في أرض قبل أخرى، وتغرب في أرض قبل أخرى، بسبب هذا التكوير، فيبقى كل منهما في مكانه لا يبغي على الآخر، ولا يمنع لقاؤهما في طرفيهما من أن يبقى ما وراء هذا اللقاء حافظًا لخواصه، فتبارك الله أحسن الخالقين.

ولا شك في أن جاذبية الأرض تبقى كل شيءٍ في مكانه، من جبال ورمال وإنسان وحيوان وغير ذلك، مع سرعة الأرض الخارقة في دورانها، ولو كانت الأرض مسطحة لبقيت الشمس مشرقة فيكون الوقت كله نهارًا لا ليل فيه، ولا بقي شيءٌ من البحرين محافظًا على خواصه، فإنه يندمج كل منهما في الآخر.

وقيل: إن البرزخ الذي بينهما هو الأرض اليابسة التي بينهما، وحينئذ يكون المراد من لقائهما تقابلهما وتجاورهما، والذي قلناه هو المتعين، وفيه من الدلالة على قدرة الله ما فيه، ويلاحظ أنه لا توجد أرض يابسة عند مصاب الأَنهار كما زعموا،

(1) سورة فاطر من الآية: 12.

ص: 1210

وذكر الله - تعالى - أنه يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، يقول بعض المفسرين: إن اللؤلؤ صغار الدر، والمرجان كباره، ونقل ذلك عن الإِمام علي رضي الله عنه وقيل: عكس ذلك، وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وروى عن ابن مسعود أن المرجان الخرز الأحمر، وعلى هذا يكون اللؤلؤ شاملا لكباره وصغاره، وهذا هو المتعارف بين الناس.

وجاء في الآية أن كليهما يخرج من البحرين الملح والعذب، مع أن المعروف هو وجودهما في الملح دون العذب، وأجاب القرطبي عن ذلك بقوله: إن العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما، كقوله - تعالى -:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} وإنما الرسل من الإنس دون الجن: قاله الكلبي وغيره: وقال الزجاج: قد ذكرهما الله، فإذا أخرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} (1) ولكن أجمل ذكر السبع، فكان ما في إحداهما فيهن، إلى غير ذلك مما ذكره القرطبى.

والحق أنه يخرج من كليهما كما أظهره العلم الحديث، فقد جاءَ في هامش التفسير المنتخب الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية؛ تعليقًا علي قوله تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} (2) - جاء في الهامش - "أن اللؤلؤ كما يستخرج من أنواع معينة من البحر الملح، يستخرج أيضًا من أنواع أخرى صدفيات من الأنهار، فتوجد اللآلىء في المياة العذبة في انجلترا واسكتلاندا وويلز وتشيكوسلوفاكيا واليابان" إلخ بالإضافة إلى مصايد اللؤلؤ البحرية المشهورة، ويدخل في ذلك ما تحمله المياه العذبة من المعادن العالية، كالماس الذي يستخرج من رواسب الأنهار الجافة المعروفة بالبرقة، ويوجد الياقوت كذلك في الرواسب النهرية.

(1) سورة نوح الآيتان: 15 و16.

(2)

سورة فاطر من الآية: 12.

ص: 1211

ومن الأحجار شبه الكريمة التي تستعمل في الزينة حجر التوباز، ويوجد في الرواسب النهرية في مواقع كثيرة ومنتشرة في البرازيل وروسيا (الأورال) وسيبريا - ثم قال: ويغلب أن يكون أصفر أو بنيًّا، إلى آخر ما جاءَ في الهامش المذكور من الأحجار الكريمة التي تستخرج من الرواسب النهرية.

والمعنى الإجمالي للآيتين: أرسل الله - تعالى - البحرين الملح والعذب، وجعلهما يلتقيان في أطرافهما، وهذا الالتقاء والتمازج في الأطراف لم يجعل أحدهما يبغى على الآخر بإيصال خاصيته في داخله؛ لأنه - تعالى - جعل بينهما حاجزًا يمنع التمازج الكلى بينهما، وهذا الحاجز هو تدرج أجزاء الأرض إلى الارتفاع الكروى، وهذه الكروية مع سرعة دورانها الرهيبة تبقى كليهما في داخله محافظًا على خاصيته، ومثل ذلك كمثل الشمس تشرق في أرض قبل أُخرى وتغرب كذلك، وهذا بسبب الارتفاع الكروى الذي يحجز إشراقها أو غروبها في أرض قبل أخرى، بالإضافة إلى جاذبيتها الشديدة، فهي تجذب كل ما فوقها إليها، حتى لا يفارق مكانه بسبب سرعتها، ولو كانت غير كروية لاختلط الملح بالعذب، وأبطل كل منهما خاصية الآخر، ولأشرقت الشمس على جميع بقاعها في وقت واحد، فيبقى الزمن كله نهارًا لا ليل له، وكل ذلك بقدرة الله الذي أحسن كل شيء خلقه، فتبارك الله أحسن الخالقين.

ومن العلماء السابقين من قال: إن الحاجز بين البحرين هو الأرض اليابسة بينهما، وجعل التقاءَهما تقاربهما، وهذا غير متيسر في كل الأَنهار، بل المشاهد هو التلاقى الامتزاجى في الأطراف، حتى لا يكون الماء العذب آسنا متغير الطعم واللون، فما قلناه أولًا هو الحق، وصدق الله - تعالى - إذ يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ

} (1).

ويعقب الله - تعالى - هاتين الآيتين بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ممّا لكما في ذلك من المنافع، وبقوله:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: يخرج من البحرين الملح والعذب اللؤلؤ والمرجان، على ما تقدم بيانه، فكما جعل الأرض

(1) سورة فصلت من الآية: 53.

ص: 1212

تنبت لنا الزروع والأشجار، والحب ذا العصف والريحان، جعل البحرين لنأكل منهما لحمًّا طريًّا، ونستخرج منهما حلية نزدان بها، فكل من البرِّ والبحر أساس حياتنا وزينتنا، وكل ذلك آلاء ونعم لا يمكن تكذيبها وإنكارها، فبأَيهما تكذبان أيها الثقلان.

{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)}

المفردات:

{وَلَهُ الْجَوَارِ} : وله السُّفُن - جمع جارية.

{الْمُنْشَآتُ} : المرفوعات الشرع كما قال مجاهد، من أنشأه بمعني رفعه، ويدخل في هذه الجوارى السفن التي تدار بمحركات آلية، فهي له - سبحانه -.

{كَالْأَعْلَامِ} : كالجبال المرتفعة، جمع علم وهو الجبل الطويل.

{فَانٍ} : هالك.

{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} : ويبقى ذاته، وسيأتي بيانه في موضعه.

{كُلَّ يَوْمٍ} : المراد باليوم: الزمان مطلقًا، فيصدق على كل وقت ولحظة.

{هُوَ فِي شَأْنٍ} أي: في أمر من الأُمور العظيمة، ويجمع على شئون.

ص: 1213

التفسير

24 -

25 - {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

ولله من النعم على عباده السفن التي تجرى في البحر، تحمل الناس وما يتَّجرون فيه من قطر إلى قطر، ومن مكان إلى مكان، وهذه السفن منشآت - أي: مرفوعات كالجبال فوق ظهر الماء بقدرته - تعالى - فهي ملك له - جل وعلا - فهو الذي خلق ما صنعت منه، وهو الذي يجريها فوق سطح الماء ويحفظها من الغرق في رحلاتها الطويلة والقصيرة، فيسلم أهلها وتجارتهم، فهي لله خلقًا وملكًا أو تصرفا، ولا يمنع ذلك ملك الناس لها، فهو الذي أرشدهم إلى كيفية صناعتها وإجرائها في مختلف البحار، فكل أمورها ترجع إلى الله - تعالى - فهي وأهلها لله رب العالمين، فبأى نعم الله في شأن السفن الجوارى تكذبان يا معشر الثقلين.

26 -

28 - {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

الضمير في عليها يرجع إلى الأرض التي وضعها الله للأنام، والمراد من وجه الله: ذاته - جل وعلا - فإضافة لفظ "وجه" إلى لفظ "رب" إضافة بيانية، فكأنه قيل: ويبقى ربك، واستعمال الوجه بمعنى الذات مجاز مرسل، ومثل ذلك شائع في لغة العرب، وهذا هو تفسير الخلف، مَنْعًا لاعتقاد أن لله وجهًا يشبه وجه الإنسان، وأنه جزءٌ من ذاته، فإن ذلك كفر، قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .

أما السلف فيقولون: إن لله وجهًا لا كوجه الإنسان، فالمماثلة للخالق ممنوعة، وذهب بعض العلماء إلى تأويلات أخرى، وحسب القارئ ما تقدم.

وجلالُ الله عَظَمته، وإكرامه - تعالى - هو تنزيهه عمَّا لا يليق به من الشرك وسواه من صفات النقص، كما تقول: أنا أكرمك عن كذا أي: أنزهك عنه، والله - تعالى - متصف بهما، سواءٌ أجلَّه ونزهه الناس، أم لم يفعلوا ذلك.

والله - تعالى - يعدد في هذه السورة آلاءَه ونعمه، فما وجه ذكر الفناء للخلق في آلائه - تعالى -؟ والجواب: أن الفناءَ باب للبقاء والحياة الأبدية في جنة عرضها السموات

ص: 1214

والأرض، وقال الطيبى: المراد من قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ملزوم معناها؛ لأنها كناية عن مجىء وقت الجزاء، وهو من أَجَلِّ النعم على المؤمنين، ولذلك خص الجلال والإكرام بالذكر، لأنهما يدلان على الإثابة والعقاب، تبشيرًا للمؤمنين، وتحذيرًا للعباد من ارتكاب ما يترتب عليه العقاب، ولذلك رتب عليها بالقاء قوله تعالى:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .

29 -

30 - {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (1) (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

المراد بمن في السموات والأرض: أهلهما من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن لا يعلمهم إلا الله - تعالى - فالله سبحانه وتعالى لم يجعل الجنة كعرض السموات والأرض لأهل هذه الأرض، بل لهم ولغيرهم من المكلفين فيهما ممن نعلمه ومن لا نعلمه، فقد جاء في القرآن أن الأرض سبع كالسموات، قال تعالى في آخر سورة الطلاق:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} وكان ابن عباس يرى أن الأرضين الأخرى بها مكلفون مثلنا، كما أن سكان السماء لا نستطيع القطع بأنهم الملائكة فحسب، فقد يكون فيهن سكان عقلاء مكلفون، فلهذا جعل الله الجنة كعرض السماء والأرض، لكي تتسع للمكلفين فيهن، والله - تعالى - أعلم.

والمراد من كل يوم كل وقت من الأوقات، ولحظة من اللحظات، والمراد من الشأن الشئون المختلفة، فهو مفرد في معنى الجمع، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي: أطفالًا.

وشئون الله تعالى في كل لحظة لا تعد ولا تحصى، كما أن كلامه لا يعد ولا يحصى، قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} (2)، ومن شئونه - جل وعلَا - أنه ينشيء أشخاصًا ويفنى آخرين، ويغفر

(1) كل يوم هو في شأن كلام مستأنف، وكل ظرف لما بعده.

(2)

سورة لقمان من الآية: 27.

ص: 1215

ذنوبًا ويفرج كروبًا، ويرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويجيب دعاء بعض الداعين، ولا يجيبه لآخرين، ويعز ويذل، ويرزق ويمنع، إلى غير ذلك من شئون الكون.

وقال الكلبي: شأنه سوق المقادير إلى المواقيت، وروى أن عبد الله بن طاهر، دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت على ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قوله تعالى:{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} وقد صح أن الندم توبة، وقوله:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ، وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأُمة، ويكون توبة في هذه الأُمة؛ لأن الله - تعالى - خص هذه الأُمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم، وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، وأما قوله:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فإنها شئون يبديها ولا يبتديها (1)، وأما قوله:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} فمعناه: ليس له إلَاّ ما سعى عدلًا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلًا، فقام عبد الله وقبل رأسه وسوَّغ خراجه، أي: أَمر بعطائه والإنعام عليه.

وبعد هذا نقول: إن تلك الأراء ما هي إلَاّ نماذج من شئونه - تعالى - وشئونه لا تحصى والمعنى الإجمالي للآيتين: يسأل الله أهل السموات وأهل الأرض عن حاجاتهم وضروراتهم؛ لأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يجيب مسألتهم، كل وقت هو - سبحانه - في شئون كثيرة لا تحصى من شئون ملكوته، ومن جملتها سماع أسئلة عباده والبت في أسئلتهم، إيجابًا أو سلبًا، فالله - سبحانه - لا يغفل عن ملكوته طرفة عين، فلهذا لا ترى نقصًا في سمواته وأرضه، فهو {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} (2)، فبأى نعمة من نعم ربكما تكذبان أيها الثقلان، وهو الذي تسألونه فيحقق أسئلتكم.

(1) أي شئون مما كتبه الله - تعالى -، يظهرها في الحين الذي قدر ظهورها فيه، ولا يبتدئ إرادتها والعلم بها.

(2)

سورة الملك الآيتان: 3 و 4.

ص: 1216

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)}

المفردات:

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} : سَنَأُخذ في جزائكم فقط أيها الإنس والجان.

{أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : أَن تخرجوا من جوانبها.

{إِلَّا بِسُلْطَانٍ} : إلَاّ بقوة وقهر.

{شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} أي: لهب من نار ونحاس مذاب يصب فوقكم.

{فَلَا تَنْتَصِرَانِ} : فلا تمتنعان من العقوبة بهما، وسيأتي في الشرح بيان ما تقدم.

التفسير

31 -

32 - {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

جاءَ في الآية السابقة أنه - تعالى - {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} أي: كل وقت هو في شئون ملكوته التي لا تحصى ولا تعد، ومن جملتها شئون الثقلين، وجاءَت هذه الآية لتبين أنه - سبحانه - سيفرغ من شئونهم الدنيوية من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير

ص: 1217

سائر أحوالهم - سيفرغ من ذلك كله - إلى شأن واحد هو جزاؤهم يوم القيامة على أعمالهم في الدنيا.

ويجوز أَن يكون المعنى: سنفرغ من شئون الدنيا كلها - ومنها شئون الثقلين فيها - إلى جزائهم في الآخرة فإنه - سبحانه - سيبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتبرز الخلائق وتظهر بالبعث والحشر بعد موتهم وفنائهم، أي: سيحيون لجزائهم منه - تعالى -.

ومعلوم من الدين بالضرورة أنه - تعالى - وقد انتهي من شئون الدنيا - فإنه معنى بشئون الآخرة - وما أكثرها - فليس شأنه في الآخرة مقصورًا على جزاء الثقلين، فلهذا تعتبر الآية من قبيل الوعيد للإنس والجن بأنه - تعالى - سيعاقبهم إن كفروا وعصوا ربهم، وبهذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما.

وقيل: إنَّ فرغ قد تكون بمعني قصد، وهو المراد هنا، ونقل هذا عن الخليل والكسائى والفراء، وعلى هذا يكون المراد حينئذ: تعلق الإرادة بجزائهم تعلقًا تنجيزيًّا.

وقد عبر الله عن الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما، ولذا يقال: العظيم القَدْر ثَقَلٌ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"إني تارك فيكم الثقلين - كتاب الله وعِتْرتى"(1)، وقيل: لأنهما مثقلان بالتكاليف.

والمعنى الإجمالي للآيتين: سنقصد تنجيز عقابكم يوم القيامة، ونريد تحقيق ما أردناه لكما أزلًا أيها الثقلان إن لم تؤمنوا، فبأي نعمة من نعمى التي من جملتها التشبيه علي ما ستلقونه يوم القيامة، لعلكم تتقونه بإيمانكم - فبأي نعمة منها - تكذبان.

33 -

34 - {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

(1) انظر: مسند الإِمام أحمد ج 3 ص 14، والطبرانى ج 5 ص 190 حديث،4980 الحاكم ج 3 ص 148.

ص: 1218

المعشر: الجماعة، وقد ذكر الله في الآية السابقة ما يفيد أنه سيعاقب الجن والإنس إن كفروا، وجاءت هذه الآية لتعجيزهم عن الهَرَب للتخلص من عقابه.

والمعنى: يا جماعة الجن والإنس أنتم راجعون إلينا بعد الموت لعقابكم على كفركم ومعاصيكم، فإن قدرتم على الهرب والتخلص منه بالخروج من جوانب السموات والأرض، فاخرجوا منها وخلصوا أنفسكم من عقابى، لا تخرجون منها إلَاّ بسلطان وقوة وقهر، أنتم لا تقدرون على ذلك، عاجزون عن تحقيقه؛ لأنكم لا سلطان ولا قدرة لكم على تحقيقه، فأنتم محصورون في ملكوتى في حين لا ملكوت لغيرى حتى تخرجوا إليه - إن قدرتم - فبأَي نعمة من نعم ربكما تكذبان وتكفران، ومنها تحذيركم من العقاب لتتقوه.

35 -

36 - {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

شواظ النار: لهيبها الخالص من الدخان، وبهذا المعنى أخذ ابن عباس، وقيل: هما جميعًا، حكاه الأخفش عن بعض العرب، والنحاس: هو دخان النار على القول الأول، وقيل: هو النحاس المعروف. سمى الصُّفْر، يذاب ويصب على رءُوسهم، وروى هذا: مجاهد وقتادة، وكذا ابن عباس في رواية عنه.

وهذه الآية جواب عن سؤال مقدر عن الداعى للفرار أو عمَّا يصيبهم.

والمعنى: يرسل عليكما أَيها الثقلان لهب شديد من نار، كما يرسل عليكما نُحاسٌ مذاب يصب فوق رءُوس الكافرين منكما، فلا تمتنعان من العذاب، ولا تستطيعان الهرب منه لو أردتموه، فبأى نعم ربكما تكذبان، ومنها تنبيهكم إلى أنكم لا تستطيعون الفرار من العذاب إن بقيتم على كفركم.

ص: 1219

{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)}

المفردات:

{فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} أي: كالوردة في الحمرة، لامعة كالدهان، والدهان قيل أنه مفرد كالدهن، وقيل: إنه جمع دهن، وقال الحسن: أي كالدهان المختلفة؛ لأنها في الإعراب خبر ثان لكانت أو نعت لوردة.

{يَطُوفُونَ} : يترددون.

{حَمِيمٍ آنٍ} : ماءٌ شديد الحرارة.

{بِالنَّوَاصِي} : جمع ناصية وهي: مقدم الرأس.

37 -

42 - {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42)} :

ص: 1220

انشقاق السماء: انصداعها يوم القيامة، وبعد انشقاقها تكون حمراء كالوردة، لامعة كالزيت، أو صافية كصفائه.

وجواب إذا تقديره. كان ما كان مما يعجز عنه البيان.

ومعنى هذه الآيات: فإذا تصدعت السماءُ، فصارت حمراء كالورد. صافية كالزيت، يكون من الأهوال ما لا يقدر على وصفه البيان، فبأى نعمة من نعم ربكما تكذبان، ومنها ما تقدم من ذكر أهوال يوم القيامة، توعية للثقلين لحملهما على الوقاية من تلك الأهوال بالإيمان، فيوم تكون السماءُ كذلك لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، كما قال تعالى:{وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} (1) لأن الله حفظها عليهم وسطرتها الملائكة في كتبهم.

يعرف هؤلاء المجرمون بعلاماتهم، من سواد الوجوه وزرقة العيون، كما قال تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} (2)، وكما قال - سبحانه -:{وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} (3) فتأخذ الملائكة بشعور مقدم رءُوسهم وبأَقدامهم، فيقذفونهم في نار جهنم فبأى نعمة من نعم ربكما تكذبان يا معشر الثقلين.

وجعل ذلك من نعم الله عليهم من جهة أن فيه تحذيرا لهم من هذا المصير، وحملًا لهم على الإيمان.

فإن قيل: إنه قد جاءَ في القرآن أنهم يُسألون، كقوله تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (4)، فالجواب: أن في يوم القيامة الطويل مواقف، ففي بعضها يسألون، وفي آخر لا يسألون، وقال ابن عباس: حيث ذكر السؤال فهو سؤال توبيخ، وحيث نفى فهو استخبار محض، يعني: أن سؤالهم لمعرفة أخبار جرائمهم لا يحصل؛ لأن الله وملائكته يعلمونها، ولأَنها مكتوبة في صحائفهم، ولسان أعضاءهم تشهد عليهم.

(1) سورة القصص من الآية: 78.

(2)

سورة آل عمران من الآية: 106.

(3)

سورة طه من الآية: 102.

(4)

سورة الحجر الآيتان: 92 و93.

ص: 1221

43 -

45 - {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

{هَذِهِ جَهَنَّمُ} : مقول لقول مقدر، وهذا المقدر معطوف على قوله تعالى:{يُؤْخَذُ} أَي: ويقال للمجرمين، أو مستأنف جوابًا لسؤال مقدر، أَي: ماذا يقال لهم حينئذ، والذي يقول لهم هذا هم الملائكة الذين وكل إليهم تعذيبهم.

والمعنى: يقول الملائكة الذين وكل إليهم عقابهم توبيخًا وتأنيبًا ومضاعفة لآلامهم - يقولون لهم - حين يأخذون بنواصيهم وأقدامهم ويلقونهم في النار: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون أمثالكم يترددون بينها وبين شراب شديد الحرارة يقطع أمعاءَهم، فبأى نعم ربكما تكذبان أيها المكذبون من الإنس والجن.

واعتبر هذا القول نعمة من نعم الله في الدنيا للثقلين؛ لأنه ربما دعاهم إلى الإيمان ليتقوا هذا العذاب.

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)}

ص: 1222

المفردات:

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي: خاف قيام ربه وهيمنته عليه، فمقام: مصدر ميمى مضاف إلى الفاعل، فالقيام هنا مثله في المعنى قوله - تعالى: - {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} (1) وللكلام بقية في شرحها.

{جَنَّتَانِ} : بستانان.

{أَفْنَانٍ} : جمع فَنٍّ بمعنى: نوع، أو جمع فَنَن وهو ما دقَّ ولان من الأغصان.

{زَوْجَانِ} : صِنفان، وسيأتى بيان ذلك في موضعه من الشرح.

{مُتَّكِئِينَ} : الاتكاءُ الاعتماد والتحمل، والتُّكَأَةُ العصا وما يتكأُ عليه، ومنه بمعنى الجلوس قوله صلى الله عليه وسلم:"أنا لا آكل متكئا"(2) أي: جالسًا على هيئة المتمكن المتربع المستدعية لكثرة الأكل، بل كان قعوده مستوفزًا (3).

{إِسْتَبْرَقٍ} : ديباج ثخين، والديباج الحرير المنقوش، وهو فارسيٌّ مُعَرّب.

{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ} أي: ما يجنى ويؤخذ من ثمار أشجارها.

التفسير

46 -

49 - {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

ذكر الله فيما مضى من الآيات أحوال أهل النار، وجاءت هذه الآيات وما بعدها لتبين الآلاء والنعم التي أعدها الله لعباده المؤمنين الأبرار، وهم الذين خافوا مقام ربهم يوم الحساب.

وهذه الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه روى عن ابن الزبير وابن شوذب وابن أبي حاتم عن عطاء، أنه رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار، وصفوف الملائكة وطى السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار

(1) سورة الرعد من الآية: 33.

(2)

رواه البخاري.

(3)

ومن معانى الاتكاء: الاضطجاع على الجنب. انظر: لفظ "وكأ" ولفظ "ضجع" في القاموس.

ص: 1223

الكواكب، فقال: وددت أني كنت خَضِرًا من هذه الخضر، تأتى عليَّ بهيمة فتأكلنى وأنى لم أُخلق، فنزلت:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وهي وإن نزلت بسبب خوف أبي بكر الصديق رضي الله عنه فالعبرة بعموم اللفظ لكل خائف، لا بخصوص السبب.

ومقام مصدر ميمى معناه: قيام، وهو مضاف إلى الفاعل، أي: ولمن خاف قيام ربه وهيمنته عليه يوم القيامة، وذلك هو المقصود من قوله تعالى:{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} (1) وهذا المعنى مروى عن مجاهد وقتادة، أو هو اسم مكان، والمراد به: مكان وقوف الخلق وقيامهم عند ربهم يوم القيامة للحساب والجزاء، وإضافته للرب لأنه لا سلطان فيه لغيره - جلَّ وعلَا - وهذا المعنى موافق للمراد من قوله تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (2) أي: يوم وقوف الناس وقيامهم في أَماكنهم منتظرين قضاء رب العالمين.

والجنتان لكل واحد من المتقين، إحداهما منزله ومحل زيارة أجابه، والأُخرى منزل أزواجه وخدمه، كما يفعله الرؤساء والمترفون في الدنيا، وإلى هذا ذهب الجبائى، وقيل: بستانان، أحدهما: داخل قصره والآخر: خارجه.

والخوف من الله - تعالى - هو خوف من حسابه وعقابه على فعل المعاصي وترك الطاعات، فيحمله هذا الخوف على تقوى الله - تعالى - وقال مجاهد: هو الرجل يريد الذنب فيذكر الله - تعالى - فيدع الذنب، وما قاله مجاهد مثال لباعث من بواعث الخوف من الله تعالى، فالخوف من الله - تعالى - أوسع من ذلك، فمن أطاع الله وترك المعاصي يعد خائفًا منه - جلَّ وعلَا - سواءٌ حملته النفس على معصيته فكف عنها خوفًا منه تعالى، أو لم تحمله، ولكنه دأب على طاعته وترك معصيته، خوفًا منه، حتى أصبح ذلك خلقا له.

وقد وصفت الجنتان بأنهما ذواتا أفنان، وما بينهما جملة اعتراضية للتنبيه على أن التكذيب بالموصوف أو بالصفة موجب للإنكار والتوبيخ، وأفنان إمّا جمع فَنٍّ بعض النوع،

(1) سورة الرعد من الآية: 33.

(2)

سورة المطففين الآية: 6.

ص: 1224

أي: صاحبتا أنواع من الأشجار والثمار، وروى ذلك عن ابن عباس وابن جبير والضحاك، وعليه قول الشاعر:

ومن كل أفنان اللذاذة والصبا

لهوتُ به والعيش أخضر ناضر

وإمَّا جمع فَنَن، وهو ما لَان ودق من الأغصان، كما قاله مجاهد وابن الجوزى وعلى تفسيرها بمعنى الأغصان يكون تخصيصها بالذكر مع أنها ذواتا جذوع وأوراق وثمار أيضًا لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجنى الثمار، فكأنه قيل: ذواتا ثمار وظلال، فالأَغصان كناية عن ذلك.

50 -

55 - {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

المعنى: في الجنة لكل خائف مقام ربه عينان تجريان بالماء الزلال، إحداهما بالنسيم والأخرى بالسلسبيل، وروى هذا عن الحسن، وقال عطية العوفى: عينان: إحداهما من ماءٍ غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، فبأى نعم ربكما تكذبان أيها الثقلان، في الجنتين من كل فاكهة صنفان: صنف معروف لهم في الدنيا، وصنف آخر غريب لم يعرفوه، أو صنف يابس، وآخر رطب، فبأى نعم ربكما تكذبان، معتمدين على فرش من ديباج ثخين، سواءٌ كان الاعتماد جلوسًا عليها أو نومًا أو اضطجاعًا إذا كانت الفرش بطائنها من إستبرق فكيف بالظواهر، وقيل لابن عباس: بطائنها من إستبرق فما الظواهر؟ قال: ذلك مما قال - تعالى -: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (1).

وثمر الجنتين قريب، يناله القائم والقاعد والمضطجع، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولى الله - تعالى - إن شاء قائمًا وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا: فبأى نعم ربكما كذبان أيها الثقلان.

(1) سورة السجدة من الآية: 7.

ص: 1225

{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)}

المفردت:

{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} : نساءٌ قصرن أبصارهن على أزواجهن، وسيأتى في الشرح مزيد بيان.

{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} : لم تفتض بكارتهن.

التفسير

56 -

61 - {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

المعنى: في هذه الجنات المعدة لمن خافوا مقام ربهم فاتقوه وكانوا من الأبرار - فيهن - نساءٌ قاصرات أبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن سواهم، أخرج ابن مردويه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك:"لا ينظرون إلا إلى أزواجهن" أو قاصرات أَبصار أزواجهن عليهن، فلا ينظرون سواهن، لم يفتض بكارتهن ولم يجامعهن إنس ولا جان قبل هؤلاء المتقين، فبأَى نعم ربكما تكذبان، كأنهن في صفائهن الياقوت وفي حمرتهن المرجان (1)، فبأَى نعم ربكما تكذبان، هل جزاءُ الإحسان في الطاعة إلَاّ الإحسان في الثواب، فهؤلاء

(1) ذكر هذا المعنى قتادة - كما في البحر.

ص: 1226

الخائفون أحسنوا فتركوا المعاصي وأقبلوا على الطاعات، فأحسن الله إليهم هذا الإحسان الذي تقدم بيانه.

{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69)}

المفردات:

{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} : ومن تحت هاتين الجنتين السابقتين في المنزلة والقدر جنتان أُخريان.

{مُدْهَامَّتَانِ} : شديدتا الخضرة.

{نَضَّاخَتَانِ} : فوارتان بالماء، صيغة مبالغة من النضخ، وهو فوران الماء.

التفسير

62 -

69 - {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} :

تحكى هذه الآيات نعيمًا آخر، لصنف آخر ممن خاف مقام ربه، فهاتان الجنتان لأصحاب اليمين، والجنتان السابقتان للسابقين - كما قاله ابن زيد والأكثرون - وقال

ص: 1227

الحسن: الأوليان السابقين والأُخريان التابعين، وهو بذلك يجعل أصحاب اليمين من جملة السابقين، وهذا القول روى موقوفًا، وصححه الحاكم عن أبي موسى.

ومعنى هذه الآيات: وأقل من الجنتين السابقتين جنتان لصنف آخر ممن خاف مقام ربه، وقد وصف الله هاتين الجنتين بأَوصاف فصل بينهما بقوله تعالى -:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إيذانًا بالإنكار والتوبيخ على تكذيب كلّ من الموصوف وصفته.

وأول هذه الأوصاف أن الجنتين {مُدْهَامَّتَانِ} أي: خضراوان - كما روى عن ابن عباس وغيره، وأصل هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الطبرانى وابن مردويه عن أبي أيوب رضي الله عنه قال:"سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى - {مُدْهَامَّتَانِ} فقال: "خضراوان" والمراد أنهما شديدتا الخضرة من كثرة الرى، حتى أصبح لونهما يميل إلى الدهمة وهي السواد، وَوَصْف هاتين الجنتين بذلك دون السابقتين، للإيذان بأن الغالب فيهما النبات والرياحين المنبسطة على الأرض، أما وصف السابقتين بأَنهما {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} ، فللإيذان بأن الغالب فيهما الأشجار، فإنها هي التي توصف بأنهما {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} والنبات يوصف بالخضرة الشديدة.

وثاني هذه الأوصاف {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي: فوارتان بالماء، قال البراءُ بن عازب فيما أخرجه عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم: العينان اللتان تجريان في خير من النضاختين.

وثالث هذه الأوصاف {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} وقد عطف نخل ورمان كل فاكهة مع أنهما منها، للإيذان بفضلهما، وقيل: إنهما لم يخلصا في الدنيا للتفكه، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاءٌ، والرمان فاكهة ودواءٌ، فكأنهما جنس آخر فعطفا على الفاكهة، ولهذا قال أبو حنيفة: من حلف أن لا يأكل فاكهة فأكل رُمَّانًا أو رُطبا لم يحنث، وخالفه صاحباه.

ص: 1228

{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)}

المفردات:

{خَيْرَاتٌ} : جمع خَيْرة، وصف بني على فعلة من الخير، كما قالوا شَرَّة من الشر، قاله أبو حيان، وقال الزمخشرى: أصله خيِّرات بالتشديد فخفف: كما قال صلى الله عليه وسلم - هيْنُون لَيْنُون - بإسكان بدل تشديدها.

{حُورٌ} : جمع حوراء، أي: بيض كما روى عن ابن عباس، وقال ابن الأثير: الحوراءُ هي شديدة بياض العين، شديدة سوادها، وزاد في القاموس أن تستدير حدقتها وترقُّ جفونها ويبيض ما حولها.

{مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} : مُخَدَّرات ملازمات لبيوتهن، لا يطفن في الطرق.

{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} : لم يطأهن، فهن أبكار.

{رَفْرَفٍ} : قال الجبانى: هي الفُرُش المرتفعة، وسنزيده بيانًا في الشرح.

{حِسَانٍ} حملا على المعنى.

{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} : تنزه وتقدس.

ص: 1229

التفسير

70 -

78 - {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} :

في هذه الآيات الكريمة بقية أوصاف الجنتين الأخيرتين، وبدأت بالوصف الرابع لهما وهو {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} والتعبير بالجمع في قوله:{فِيهِنَّ} مع أنهما جنتان باعتبار جميع الجنان التي يمنحها الله لهؤلاء الأبرار.

والمعنى: في هذه الجنات نساء مختارات حسان الخَلْق والخُلُق، وقال قتادة: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.

وهؤلاء الخيرات الحسان حور مقصورات في الخيام غير نساء الدنيا، وهن مخدَّرات أي: ملازمات لبيوتهن لا يطفن بالطرق، عاكفات على أزواجهن، وقد وصفهن بالحُور، وهو شدة بياض بياض العيون، وشدة سواد سوادها، مع استدارة الحدقة ورقة الجفون وبياض ما حولها.

وقد وصفت هذه الحور بأنهن أبكار لم يطأهن إنْسٌ ولا جان قبل أزواجهن ممن خافوا مقام ربهم.

ووصف أصحاب هذه الجنان بأنهم يعتمدون على رفرف خضر وعبقرى حسان جلوسًا أو اضطجاعًا أو نومًا، والرفرف جمع رفرفة، ولهذا وصف بخضر جمع أخضر، وهو ما يطرح على ظهر الفرش للنوم، وهذا التفسير لابن عباس وغيره، وقال الجبانى: هي الفرش المرتفعة، وقال الحسن: هي البُسُطُ.

ص: 1230

كما يتكئون على عبقرى حسان، والعبقرى لفظ يطلق على الشيء العجيب النادر.

والمراد به: الجنس ولذا وصف بالجمع.

وفسره أبو عبيدة بأنه ما كلُّه وشْيٌ - أي: نقش - من البسط، وفسره مجاهد بأنه الديباج الغليظ، وقيل غير ذلك.

ثم ختمت السورة بقوله تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)} :

أي: تعالى الله صاحب العظمة والتكريم ومنزه عن أن يكون له شريك في هذا الإنعام وفي هذا الملكوت العظيم.

ص: 1231