المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أهم أهداف السورة: - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ سورة الشورى

- ‌أهم مقاصد السورة:

- ‌ سورة الزخرف

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌ سورة الدخان

- ‌أهم أهداف السورة:

- ‌ سورة الجاثية

- ‌أهدافها:

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌هذه السورة مكية وآياتها خمس وثلاثون

- ‌صلتها بما قبلها

- ‌بعض مقاصد هذه السورة:

- ‌سبب تسمية السورة بهذا الاسم:

- ‌سورة محمد

- ‌أهم أهداف السورة:

- ‌سورة الفتح

- ‌(وهي مدنية وآياتها تسع وعشرون)

- ‌مناسبتها لما قبلها

- ‌مقدمة:

- ‌سورة الحجرات

- ‌مدنية وآياتها ثماني عشرة

- ‌مجمل معانيها:

- ‌وجه ارتباطها بما قبلها:

- ‌السبب العام لنزول هذه السورة:

- ‌الأسباب الخاصة لنزول آياتها:

- ‌قتال علي ومعاوية:

- ‌رأى علي فيمن قاتلوه:

- ‌كيف تكون التوبة من الغيبة

- ‌من لا غيبة لهم:

- ‌صور مشرقة من محو الفوارق الطبقية في الزواج:

- ‌سورة ق

- ‌مكية وآياتها خمس وأربعون

- ‌مجمل معانيها:

- ‌مقدمة:

- ‌ سورة الذاريات

- ‌مقاصد السورة:

- ‌تفسير سورة الطور

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة والنجم

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة القمر

- ‌مقاصدها:

- ‌تفسير سورة القمر

- ‌هذه السورة مكية، وآياتها خمس وخمسون

- ‌ سورة الرحمن

- ‌آياتها ثمان وسبعون

- ‌مقاصد هذه السورة الكريمة:

- ‌ سورة الواقعة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌المعنى العام للسورة:

- ‌ سورة الحديد

- ‌هذه السورة الكريمة من السور المدنية وآياتها تسع وعشرون آية

- ‌سبب التسمية:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌ما جاء في فضلها مع أخواتها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

الفصل: ‌أهم أهداف السورة:

"‌

‌ سورة الدخان

"

هذه السورة مكية وآياتها تسمع وخمسون، وسميت بسورة الدخان لقوله - تعالى - فيها:{يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} وهي تناسب ما قبلها في أنه عز وجل ختم ما قبل بالوعيد والتهديد حيث قال تعالي: (وقل سلام فسوف يعلمون) وافتتح هذه بالحديث عن القرآن الكريم ثم عقب بالإنذار الشديد لهؤلاء المشركين بقوله تعالى: (إنا كنا منذرين) وقوله - سبحانه -: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)} كما ذكر - تعالى - هناك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) وهنا نظيره فيما حكى عن موسى عليه السلام (فدعا ربه أن هؤلاء قوم لا يؤمنون) إلى غير ذلك من المناسبات بين السورتين.

‌أهم أهداف السورة:

تحدثت عن نزول القرآن الكريم في ليلة مباركة وهي ليلة القدر، وبينت شرف تلك الليلة العظيمة التي تُفصل فيها أمور الخلق وتقدر، وقد اختارها الله لإنزال آيات التنزيل هُدًى لعباده ورحمة بهم وذكرت آيات التوحيد، والآيات التي تكشف عن أحوال الكفار، وعرضت حديث موسى وبنى إسرائيل وفرعون. وكشفت عما حل بقوم فرعون وبينت عاقبة أمرهم وردت على منكرى البعث من مشركى قريش. وأشارت إلى أن هؤلاء الكذبين ليسوا بأكرم على الله من الأمم الطاغية التي تعرضت لانتقام الله وإهلاكه جريا على سنته - سبحانه - مع الطغاة المجرمين، ثم أكدت أن يوم القيامة هو موعد الفرق بين جميع الخلائق، وختمت السورة بتسجيل ذل الكفار بالعقوبة وبيان ما يحيق بهم. وعزّ المؤمنين في الجنة بتفصيل ما ينالونه من نعمة وكرم، ومنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرفه بتيسير القرآن على لسانه في قوله - تعالى -:(فإنما يسرناه بلسانك) كما بدأت بالحديث عنه.

ص: 842

بسم الله الرحمن الرحيم

{حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)}

المفردات:

{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي: والقرآن الواضح للمتدبرين، من أبان: بمعنى اتضح.

{فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} : كثيرة البركة، هي ليلة القدر على الأصح.

{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا} أي: يفصل ويبين كل أمر ذي حكمة وهو ما قضاه الله من أحوال العباد وحاجاتهم في هذه الليلة المباركة ، ومن أعظمها نزول القرآن.

(إن كنتم موقنين) أي: تريدون اليقين وتطلبونه. كما يقال: فلانٌ يُتْهِمُ أي: يريد تِهَامة.

(بل هم في شك يلعبون) أي: في تردد ولعب فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار بأن الله خالقهم.

ص: 843

التفسير

1 -

(حم) سبق الحديث مفصلًا عن حروف المعجم التي افتتحت بها أوائل بعض السور ولا سيما أول سورة البقرة.

2، 6 - {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)}:

أقسم الله سبحانه بالقرآن المظيم تشريفا له وتنويها بعلو قدره حيث قال: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} وأشار جواب هذا القسم إلى أن إنزاله في ليلة ذات فضل وبركة لما ينزل الله على عباده فيها من البركات والخيرات بنزوله المستتبع للفوائد الدينية والدنيوية بأجمعها حيث قال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وهي ليلة القدر على الأصح بدليل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1) وقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (2) ويراد من إنزاله فيها أنه ابتدئ إنزاله كما قيل، أو أُنزل جملة فيها إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ، ثم نزل به جبريل عليه السلام على الرسول منجما في ثلاث وعشرين سنة علي حسب الأسباب، وقيل: كان ينزل منه في كل ليلة من ليالى القدر إلى سماء الدنيا ما ينزل في سائر السنة.

وفي تعيين هذه الليلة من شهر رمضان أقوال كثيرة، أشهرها: أنه أنزل في إحدى ليالى الوتر من العشر الأخير منه، ومنهم من قال: إنها ليلة السابع والعشرين منه، وهو المشهور بين الناس. ومن العلماء من قال: إن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وقال القرطبي نقلا عن الزمخشرى: وليس في ليلة النصف من شعبان حديث في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها، وفي البحر قال الحافظ أبو بكر ابن العربي: لا يصح فيها شيء ولا نسخ الآجال فيها، وعلق الآلوسي على ذلك بأنه لا يخلو من مجازفة ، والله أعلم.

(إنا كنا منذرين): استئناف مبين لما يقتضي الإنزال كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا ألا نترك الناس دون إنذار وتحذير من العذاب رحمة بهم لنلزمهم الحجة

(1) سورة القدر، الآية الأولى.

(2)

سورة البقرة، من الآية:185.

ص: 844

{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} : استئناف كالذى قبله، فإن كونها مفرق الأُمور المحكمة يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها، ومعنى يفرق أنه يكتب ويفصل فيها كل أمر حكيم بمعنى محكم أو منزل على ما تقتضيه الحكمة من بيان أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، فهي مبتدئة من هذه الليلة إلى الليلة الأخرى من السنة القابلة. وهذا الأمر لا يغيّر ولا يبدل بعد إبرازه للملائكة، بخلافه قبله وهو في اللوح المحفوظ، فإن الله يمحو منه ما يشاءُ ويثبت، قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ربيعة بن كلثوم قال: كنت عند الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد ليلة القدر في كل رمضان هي؟ قال: إي والله إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضى الله تعالى كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها، وروى هذا التعميم عن غير واحد من السلف، قال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا} منصوب علي الاختصاص، أي: أعنى بهذا الأمر أمرا عظيما حاصلا من عندنا. والمراد بالعندية أنه أمر على وفق الحكمة والتدبير، فهو بيان لفخامته الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بقوله - سبحانه -:{كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} .

وحاصل المعنى: أن جميع ما نقدره في تلك الليلة، وما نوحى به إلى الملائكة من شئون العباد أمر من جهتنا علي مقتضى حكمتنا وتدبيرنا. فزاد بذلك فخامة وجلالا.

{إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بدل انتقال من (إنا كنا منذرين) لتفصيله أي: إنا أنزلنا القرآن؛ لأن من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل إفاضة رحمتنا عليهم، أو لاقتضاء رحمتنا بهم التي سبقت إرسالهم بالشرائع، ووضع الرب موضع الضمير فقيل: رحمة من ربك. ولم يقل مِنَّا للإيذان بأن الربوبية تقتضى الرحمة على المربوبين وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه.

{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي: إنه هو السميع لكل مسموع من أقوال العباد، العليم بكل معلوم من أحوالهم وذلك تحقيق لربوبيته وأنها لا تكون إلا لمن هذه أوصافه.

ص: 845

وحاصل المعنى للآيات السابقة: أنه تعالى أنزل القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر المباركة التي يبين فيها للملائكة كل أمر حكيم من الأمور المتعلقة بعباده، التي تصدر من جهته - تعالى - وفق الحكمة والتدبير، ومن أجلِّها وأعظمها القرآن، وقد أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة بالعباد جريا على سنته في خلقه حيث أرسل الرسل بالكتب لإفاضة رحمته سبحانه بهم، وهو يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم.

7 -

{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)} :

أي: إن كنتم موقنين في اعترافكم بأنه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما وخالقهن، إذا سئلتم من خلقهن يلزمكم الاعتراف بأن من حقه إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لإرشاد الخلق بأنه لا معبود سواه، ولذا عقبه بقوله:

8 -

{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)} :

الآية مستأنفة مقررة لما قبلها، أي: لا رب غيره، ولا معبود سواه يحيى الأموات ويميت الأحياء وهو خالقكم وخالق من تقدم من آبائكم. وإليه المرجع والمآب، فإذا كان هذا شأنه فما لكم أيها المشركون لا تتقون تكذيب محمَّد صلى الله عليه وسلم حتى لا ينزل بكم العذاب الأليم حيث تفقدون الولى والنصير.

90 -

{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)} :

إضراب إبطالي أبطل به إيقانهم المزعوم في قوله تعالى: (إن كنتم موقنين) لعدم جريانهم على مقتضاه، أي: ما قالوا ذلك عن جد وإذعان، وإنما قالوه تقليدا لآبائهم، وهم في شك مما ذكر من شئونه تعالي، لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وقيل: يلعبون. يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاءً. شأنهم شأن الصبى الذي يلعب فيفعل ما لا يدرى عاقبته.

والالتفات عن خطابهم إلى الغيبة إعراض عنهم لفرط عنادهم وعدم التفاتهم.

ص: 846

{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوالْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)}

المفردات:

{فَارْتَقِبْ} أَي: فانتظر أَيها النبي.

{بِدُخَانٍ مُبِينٍ} أَي: واضح بيّن، ويراد به الغبار المتصاعد بسبب الجَدْب.

{يَغْشَى النَّاسَ} أي: يشملهم ويحيط بهم.

{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} أَي: من أَين لهم الاتعاظ بشىءٍ مما شاهدوه، والذكرى والذكر بمعنى واحد.

{ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ} : أَعرضوا مكذبين.

{يَوْمَ نَبْطِشُ} أي: نعاقب بشدة، من بَطَش يبطِشُ - بكسر الطاءِ وضمها - إذا أَخذه بعنف وقوة.

التفسير

10، 91 - {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}:

تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد ووعيد للمشركين. والفاءُ في قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ} لترتيب الارتقاب أَو الأَمر به على ما قبلها. فإن كونهم في شك ولعب مما جاءَهم به رسولهم

ص: 847

يقتضي ترقب عذابهم، والمعنى: فانتظر أَيها النبي عذابهم يوم تأتي السماءُ بجدب ومجاعة، فإن الجائع جدا يرى بينه وبين السماءِ كهيئة الدخان، وهي ظلمة تعرض للبصر لضعفه، فيتوهم ذلك، فهو كناية عنه، وفسر أَبو عبيدة الدخان به، وبعض العرب تسمى الشر الغالب دخانا، ووجه ذلك أَن الدخان مما يتأَذى منه فأُطلق على كل مؤذ.

وسبب نزول الآية: أَن قريشا لما استعصت على الرسول صلى الله عليه وسلم وأبى أكثرهم الإسلام. دعا عليهم فقال: "اللهم أَعِنى عليهم بسبع كسبع يوسف". فأَصابهم قحط شديد وبلاءٌ حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام. وكنى عنه بالدخان لِمَا تقدم بيانه، وكلما اشتد الجدب اشتد الدخان تكاثفًا. فكان الرجل يحدث الرجل فيسمعه ولا يراه وذلك قوله - سبحانه -:{يَغْشَى النَّاسَ} أي: يضمهم ويحيط بهم. وقيل: هو يوم فتح مكة كما في البحر عن عبد الرحمن الأعرج أَنه قال: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ} هو يوم فتح مكة، ويُروى عن أبي هريرة أَنه قال: كان يوم فتح مكة دخان وهو قول الله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} وقال الآلوسي: يحسن على هذا القول أن يكون كناية عما حلَّ بأَهل مكة في ذلك اليوم من الخوف والذل ونحوهما، وقيل: إنه دخان يأْتي من السماء قبل يوم القيامة، وهو شَرَط من أشراطها. قاله عليّ - كرم الله وجهه - وابن عمر وابن عباس وغيرهم {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: يقول الله لهم ذلك تهويلا وتقريعا. وقيل: إن الناس هم القائلون لذلك حينما يرون الدخان، أَي: أَنه عذاب شديد الأَلم بالغ الأَثر. والإِشارة بهذا للدلالة على قرب الوقوع وتحققه.

12 -

{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} :

الآية - كما صرح به غير واحد من المفسرين - وعد منهم بالإيمان إن كشف عنهم - جل وعلا - العذاب، وكأَنهم قالوا: ربنا إِن كشفت عنا العذاب آمنا. ولكنهم عدلوا عنه إلى ما في النظم الكريم حيث قالوا: {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} إظهارا لمزيد الرغبة في الإِيمان. كما في بعض الروايات أَنه لما اشتد القحط بقريش مشى أَبو سفيان ومعه نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -

ص: 848

يناشدونه الله تعالى والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وزال عنهم ما بهم أَن يؤْمنوا، وذلك قولهم:{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} وهذا قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وبه أخذ مجاهد ومقاتل وهو اختيار الفراء والزجاج.

13، 14 - {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}:

رد لكلامهم بنفى صدقهم في الوعد بالإيمان. حيث إن غرضهم هو كشف العذاب عنهم والخلاص منه فحسب، أَي: من أَين لهم التذكر والاتعاظ والوفاءُ بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم {وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} أي: والحال أَنهم شاهدوا من دواعى التذكر، وموجبات الاتعاظ ما هو أعظم وأَدخل في الادكار من كشف العذاب، حيث جاءَهم رسول بَيِّن الرسالة مؤَيد بالآيات الواضحة. والمعجزات القاهرة التي تخر لها صم الجبال، لبيان مناهج الحق وشواهد التوحيد، ومع هذا لم يؤْمنوا به بل كذبوه {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} أي: ثم انصرفوا عن ذلك الرسول المؤَيد من الله وظلوا كافرين بعد ما شاهدوا منه ما شاهدوه من العظائم الموجبة للإقبال عليه، والتعبير بثم للاستبعاد أو التراخى الرُّتْبى، ولم يكفهم التولى عنه، والإعراض عن اتباعه، بل بهتوه {وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} يعلمه غلام أعجمى لبعض ثقيف، كما قالوا عنه: مجنون لا يعى ما يقول، فهل يتوقع من قوم هذه طبيعتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟!.

15، 16 - {إِنَّا كَاشِفُوالْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}:

والمعنى: أَننا نكشف عنكم العذاب كشفا قليلًا، أَو زمانا قليلًا، لأَنكم عائدون إلى ما كنتم عليه من العتو والثبات على الكفر، وقد تحقق كلاهما حيث كشف الله عنهم العذاب بدعاءِ النبي صلى الله عليه وسلم، فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، ومن قال إن الدخان يكون قبل يوم القيامة وهو شَرَط من أَشراطها قال بإمكان الكشف وعدم انقطاع التكليف.

ص: 849

{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} أي: واذكر يوم نبطش بالكفار البطشة الكبرى حيث يؤْخذون بقوة وشدة. أخرج ابن جرير وعبد بن حميد بسند صحيح عن عكرمة قال: قال ابن عباس: البطشة الكبرى: يوم بدر لما وقع فيه من قَتْلٍ وأَسْر وتَشْريد لمشركى قريش، واختار ابن كثير أَنها يوم القيامه وكونها يراد منها يوم القيامة هو الأَنسب. قال الرازى: القول الثاني أَصح؛ لأَن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف به هذا اليوم العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل فيه. ولمّا وصفت البطشة بأَنها الكبرى وجب أَن تكون أَعظم أَنواع البطش على الإِطلاق، ولا شك أَنها لا تكون إلا يوم القيامة {إنَّا مُنْتَقِمُونَ} أي: يومئذ ننتقم من هؤلاء المشركين انتقامًا قويا شديدا يظهر أَثره فيهم.

{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ}

المفردات:

{فَتَنَّا} : اختبرنا وامتحنا.

{أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} : أن أسلموا لي بني إسرائيل. أَو أَجيبوا دعوتى وصدقوا رسالتى.

{وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ} : ألَاّ تتجبروا وتتكبروا على الله بالاستهانة بوحيه ورسوله.

{بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} : حجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها.

{عُذْتُ بِرَبِّي} : التجأْت إليه، وتوكلت عليه.

ص: 850

{أَنْ تَرْجُمُونِ} : أَن تقتلوني رجمًا بالحجارة؛ أَو بغير ذلك.

{فَاعْتَزِلُونِ} : فخلونى واتركونى كفافا لا لِيَ ولا عليّ.

التفسير

17 -

{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} :

حكت الآيات السابقة على هذه الآيات أحوال مشركى مكة، وما كان منهم من معارضة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتورطهم في العناد وإلحاق العذاب بالمؤمنين، وتماديهم في ذلك حتى استحقوا ما وقع عليهم من عذاب أَليم، بدخان مبين غشيهم من كل صوب وناحية، واضطرهم أَن يلجئوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم برفع العذاب عنهم فقد آمنوا وتابوا؛ وقد كشف الله عنهم العذاب قليلا، وهو عليم بحقيقتهم. وسوء طويَّتهم إمهالًا لهم إلى الانتقام الأَعظم والبطشة الكبرى يوم القيامة إِن أَصروا على كفرهم {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} وجاءت هذه الآيات تقرِّر أن فتنة مشركى مكة لم تكن بدعا من النفوس البشرية ولا حَدَثا فريدًا في الطبيعة الإنسانية، وإنما جرت فيهم على سنن ما جرت عليه في قوم فرعون وغيرهم من الأُمم السابقة.

والمعنى: ولقد امتحنا واختبرنا قبل مشركى مكة قومَ فرعونَ بإرسال موسى عليه السلام إليهم فلم يكن منهم إلَاّ التمرد والعصيان، وأَصل الفتنة: وضع المعدن في النار وَصَهْرُه لِتُعرف جودته وينفى خبثه، أَي: عاملناهم معاملة المختبر الممتحن ليظهر حالهم، وتتضح حقيقتهم، فأمهلناهم، ووسعنا عليهم في الرزق ووفرة النعمة، فيكون معنى الفتنة ما يفتن به الشخص ويغترَّ به فيصرفه عما فيه صلاحه، كما في قوله - تعالى -:{أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (1) ومعنى {وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي: وشاهدوا من دواعى التذكر، وموجبات الاتعاظ ما يوجب السمع والطاعة حيث جاءَهم موسى عليه السلام وهو كريم على الله، كريم في نفسه، متصف بالخصال الحميدة، والصفات الجليلة حسبًا ونسبًا،

(1) سورة التغابن، من الآية:15.

ص: 851

لأَن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلَاّ في أَحساب قومه، وأَشرف أَنسابهم، جامعًا لأَنواع المحامد، وكريم المنافع.

18، 19 - {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}:

هذا مقول على لسان موسى عليه السلام لفرعون وقومه.

والمعنى {وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} وطلب منهم فقال: {أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} أَي: أَطلقوا معى بنى إسرائيل، وخلصوهم من الاستعباد والذُّل، والعذاب والتسخير، فهو كقوله تعالى:{فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (1) والتعبير عنهم بعباد الله للإشارة إلى أَن استعبادهم ظلم وطغيان، ويجوز أَن يكون المعنى: أَدوا إلي ما آمركم به، وأَدعوكم إليه من الإيمان. وقبول الدعوة، فيكون المقصود بعباد الله قوم فرعون.

وقوله - تعالى -: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} تعليل لوجوب المأْمور به، أَي: أَدوا إِلي مما أَدعوكم إليه، فإِني رسول من الله، أمين على ما أُؤَديه، وأدعوكم إليه، قد ائتمننى ربي - جل شأْنه - على وحيه وصدقنى بالآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة.

{وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي: أَدُّوا إلى عباد الله ولا تتجبروا ولا تتكبروا على الله بالاستعلاء على أَمره، والاستهانة بوحيه ورسوله، لأَنى آتيكم من جهته - تعالى - بسلطان مبين، وحجة واضحة في ذاتها. موضحة صدق دعواى لا سبيل إلى إنكارها، ولا إلى الإنكار عليّ في تبليغها.

وقال قتادة: "لَا تبغوا عَلَى الله" وقال ابن عباس: "لا تفتروا على اللهِ" والفرق بين البغى والافتراء أَن البغْىَ بالفعل والافتراءَ بالقول.

وفي ذكر الأَمين بعد الأَمر بالأَداءِ، والسلطان بعد النهي عن العلو والاستكبار - فيه - من روعة الأُسلوب وجزالة التنسيق ما لا يخفى.

(1) سورة الأعراف، من الآية:105.

ص: 852

20، 21 - {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ}:

قيل إنه لمَّا قال: {وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} توعدوه بالقتل فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي .. } الآية.

أي: التجأْت إليه وتوكلت عليه ليحفظنى من شركم، ويعصمنى من كيدكم، فلا ينالنى منكم أذى من شتم أَو ضرب أَو رجم بالحجارة، وإِن دمتم على كفركم، وعنادكم؛ ولم تؤمنوا لي وتصدقوا دعوتى فاعتزلونى واجتنبونى وامنعوا عني شركم وكفوا أَذاكم فليس ذلك جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلا حكم.

{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}

المفردات:

{فَأَسْرِ} : أمر من أَسْرَى، أَي: فَسِرْ بهم ليلًا، وسرى من غير همز بمعنى سار ليلًا.

{رَهْوًا} : مفتوحا، ويصح أن يكون {رَهْوًا} بمعنى (ساكنًا) أَي: اترك البحر ساكنا على هيئته بعد ما جاوزته، من رها البحر: إذا سكن، وبابه عدا.

{جَنَّاتٍ} : بساتين.

ص: 853

{وَعُيُونٍ} : جمع عين، والمراد عين الماء.

{وَنَعْمَةٍ} النعمة - بالفتح -: التنعيم، يقال: نَعَمَ الله فلانا فتنعم، والنِّعمة - بالكسر -: ما أنعم الله به عليك، واليد والصنيعة والمنة، وكذلك النُّعمى.

{فَاكِهِينَ} : متنعمين، (وقرئَ فَكِهِينَ) بمعنى أشِرِين بطرين لا تؤَدون حق النعمة.

التفسير

22 -

{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} : لما أَدرك موسى عليه السلام تناهى قومه في الكفر وإصرارهم على التكذيب واستيأَس من هدايتهم، وانقطع رجاؤُه في إيمانهم، مع تماديهم في الإيذاء، دعا ربَّه أن يعذبهم وينتقم منهم وينزل بهم ما يستحقون، وقوله تعالى:{أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} تعريض بالدعاء عليهم بذكر سبب ما يستحقون العقاب، ولذلك سُمِّى دعاء، أَي: دعا رَبَّه بأَن هؤُلاء قوم مجرمون يستحقون تعجيل العذاب، قيل: كان دعاؤُه: "اللهم عجل لهم ما يستحقون بإجرامهم" وقيل: هو قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (1){وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} (2).

23، 24 - {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ}:

قوله - تعالى - فأَسر بعبادى على تقدير جملة قولية بعد الفاء، أَي: فقال له ربه عند دعائه: أَسر بعبادى ليلًا، وهم بنو إسرائيل، أَو على تقدير القول قبلها، أي: إذْ كان الأَمر كما تقول فأَسر ببنى إسرائيل ليلا، فقد دبَّر الله أَن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده فينجى الله

(1) سورة يونس من الآية: 85.

(2)

سورة يونس آية: 88.

ص: 854

المتقدمين، ويغرق التابعين، فمعنى (متبعون): يتبعكم فرعون وجنود، ليلحقوا بكم فيغرقوا، فإن الله - تعالى - قدر عليهم الغرق، قال القرطبي: وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترًا مسدلا فهو من أستار الله تعالى، وإما من خوف المشقة على الدواب والأَبدان بحرٍّ أو جدب فيتخذ السرى لذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسرى ويُدلج، ويترفق ويستعجل بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا سافرتم في الخِصْب فأَعطوا الإبل حظَّها من الأَرض، وإذا سافرتم في السَّنةِ (1) فبادروا بها نِقْتها (2)، ولهذه المعانى ذكر الليل، مع أَن السرى لا يكون إلَاّ ليلًا، وليدل ذكره على أَن ذلك كله وقع في جزء من الليل. {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} هذا تعليم لموسى عليه السلام بما يفعله في سيره قبل أن يسير، وقبل أَن يلج البحر، وعبارة الخطيب: "واترك البحر" أَي: إذا سرت بهم، وتبعك العدوّ ووصلت البحر، وأَمرناك بضربه بالعصا ودخلتم فيه ونجوتم منه فاتركه بحاله، ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل أَبقه على حاله ليدخله فرعون وقومه فينطبق عليهم، وقيل: كان ذلك الأَمر بعد أن خرج من البحر وأَراد أَن يضربه ليلتئم.

والمعنى: واترك البحر بعد ولوجك فيه وخروجك منه - اتركه - مفتوحًا أَو ساكنًا ثابتا على هيئته عند دخولك فيه، ليلجه فرعون وقومه خلفكم فيغرقوا {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} أَي: أَنهم جماعة قدر الله عليهم الغرق في البحر، عقوبة لهم على عنادهم وإصرارهم على الكفر، وتماديهم في التجبر والضلال.

27،26،25 - {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}:

هذه الآيات انتقال بالحديث عما وقع لفرعون وقومه من عذاب وجزاء بالإغراق - انتقال من ذلك - إلى خسارتهم ما كانوا فيه من نعمة وشرف، تعظيمًا لعقابهم.

(1) السنة: الجدب.

(2)

نقتها - بكسر النون وسكون القاف منها - ومعناه: أسرعوا في السير بالإبل لتصلوا إلى المقصد وفيها بقية من قوتها.

ص: 855

والمعنى: كثيرًا جدًّا كانت لهم أَموال وخيرات متعددة الأَصناف والأَنواع تركوها في مصر من بساتين كثيرة وجميلة، وعيون ثَرَّة يجرى ماؤُها في قنواتٍ بين الزروع والأَشجار فتزيدها بهجة وروعة، وكم تركوا فيها من زروع مختلفة الأَلوان والمطاعم متفاوتة الأشكال والمظاهر، ومجالس شريفة، ومحافل غاصّة، ونواد خاصّة، وغير ذلك من صنوف النعم وأَلوان الخيرات التي كانوا يتنعمون بها فاكهين متمتعين مسرورين لا يزعجهم إقلال ولا يخافون حرمانا، وقريءَ (فَكِهِينَ) بمعنى أَشِرِين بطرين لم يشكروا هذه النعم ولم يَحمْدُوا عليها.

28، 29 - {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}:

أَي: مثل ذلك التنعيم نعمناهم وأَترفناهم فلم يقيموا لها وزنًا فحرمناهم من هذه النعم كلها وأورثناها قومًا آخرين وهم بنو إِسرائيل كما في قوله تعالى في سورة الشعراء: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (1) أَي: أَنهيناها إليهم سهلة سائغة في غير جهد ولا مشقة، وصارت لهم بعد أَن كانوا مستعبدين فيها، وصدق الله العظيم:{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (2).

والمقصود من هذه الآية أَنهم ورثوا من ملك فرعون في أَرض الشام، التي هاجروا إليها وكانت متابعة لمصر في عهد فرعون، ولم يثبت تاريخًا أَنهم عادوا إلى مصر بعد أَن هاجروا إلى الشام، {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} المعنى: أَنزلنا بفرعون وقومه ما أَنزلنا من إِهلاك وإِغراق واستئصال أموال وأحوال، وأَورثنا ما كان لهم من جنات وعيون وزرع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين أورثناها قوما ليسوا منهم في دين ولا قرابة ولا ولاء، فما بكت عليهم أَرض ولا سماء، لظلمهم وعدوانهم، والمقصود من عدم بكائهما عليهم هوانهم على الله وسائر العالمين، فالآية تمثيل للمبالغة في تهوين شأنهم وتحقير أَمرهم

(1) الآية: 59.

(2)

سورة الأعراف آية: 137.

ص: 856

وقوله - تعالى -: {وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} معناه: وما كان فرعون وقومه ممهلين ولا مؤَجَّلِين من وقوع العذاب بهم حين جاءَ حينه وحضر وقته - ما كانوا مؤجلين - إلى وقت آخر أَو إلى يوم القيامة بل عُجِّل لهم عذاب الاستئصال في الدنيا لشدة جرمهم.

{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ}

المفردات:

{الْعَذَابِ الْمُهِينِ} : العذاب البالغ الحد في الإهانة.

{عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} : متكبرا من المسرفين في الظلم.

{عَلَى عِلْمٍ} : على معرفة بحالهم.

{الْآيَاتِ} : المعجزات.

{بَلَاءٌ مُبِينٌ} : امتحان كاشف واختبار واضح.

التفسير

30، 31 - {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ}:

هذه الآيات تمثل مرحلة أُخرى من قصة قوم فرعون تقرر معانى الآيات السابقة. وتصرح بمفهومها؛ فإن هلاك فرعون وقومه، ومآل ملكهم إلى بنى إسرائيل نجاة أَية نجاة لهم.

ص: 857

والمعنى: ولقد كان في إهلاكنا فرعون وقومه أَن نَجَّينا بنى إسرائيل، وخلصناهم من الاستعباد والتسخير والعذاب الممعن في المهانة بقتل الأَبناء واستخدام البنات وغير ذلك مما كان يقع عليهم من فرعون ذلك الطاغية المتجبِّر المتناهى في الشدة، المسرف في صنوف الإجرام.

وفي التصريح باسم فرعون ما يشعر بأَن مجرد ذكره كاف في تصور ما يصدر منه من العنت والفساد، والتجبر والطغيان.

32، 33 - {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ}:

تضيف هذه الآيات إلى بني إسرائيل فضلا آخر زائدا على فضل إنجائهم من عذاب فرعون.

والمعنى: لم يقف أمرنا مع بني إسرائيل على تخليصهم من فرعون، بل اصطفيناهم واخترناهم عالمين استحقاقهم لذلك بما يصدر عنهم من العدل والإحسان، والفهم والإيمان بعد أَن استقام أَمرهم في أَواخر عهد موسى وفي عهد يوشع بعده، حيث فتح بهم أَريحا، وأَطاح بالشرك في هذا الإقليم، وغير ذلك من حسن السيرة، ولكنهم لم يحافظوا على هذه الاستقامة التي تأَدبوا بها بعد عقابهم في التيه أَربعين عاما، فبغوا في الأرض فسلط عليهم غيرهم، ومعنى {عَلَى الْعَالَمِينَ} أَي: عالمى زمانهم، فلا يلزم اصطفاؤهم على أُمة سيدنا محمَّد عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (1) وقوله - تعالى -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (2).

وقيل: اصطفيناهم على العالمين بكثرة أَنبيائهم.

{وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ} أي: وأَنزلنا عليهم من المعجزات والبراهين كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغيرها من الآيات ما فيه بلاء مبين

(1) سورة آل عمران من الآية: 110.

(2)

سورة البقرة من الآية: 143.

ص: 858

أَي: اختبار ظاهر وامتحان واضح من النعمة أَو الشدة؛ لأَن البلاءَ يكون بالشدة والرخاء، والحرمان والعطاء {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (1) وما كان من هذه الآيات لموسى عليه السلام فهو لهم، أيضًا، ومن أَجل هدايتهم وإِيمانهم، فهو من جملة ما أُوتوه في الجملة.

وهكذا عرضت الآيات الشريفة في ثنايا الكلام عن مشركى مكة فتنة قوم فرعون - ونظمتها - في مراحل ثلاث:

(الأُولى): إرسال موسى عليه السلام إِليهم ودعوته إِياهم من قوله تعالى: {وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} إلى قوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} .

(الثانية): دعاؤه عليهم بعد أَن استيأَس من طاعتهم، وضاق بعنادهم وكفرهم واستئصالهم بالغرق وانتقال أَموالهم إلى بنى إسرائيل، من قوله تعالى:{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} إلى قوله تعالى: {وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} .

(الثالثة): ما كان نتيجة طبيعية لهلاك فرعون وقومه من نجاة بني إسرائيل واصطفائهم على عالمى زمانهم أَو بكثرة أَنبيائهم، وإيثارهم بملك فرعون في الأرض المباركة بالشام على علم وبصيرة بأَحوالهم. من قوله - تعالى -:{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} .

{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}

(1) سورة الأنبياء من الآية 35.

ص: 859

المفردات:

{هَؤُلَاءِ} : مشركى مكة.

{مَوْتَتُنَا الْأُولَى} : الموتة التي نموتها في الدنيا ثم لا نحيا ولا نبعث بعدها.

{بِمُنْشَرِينَ} : بِمُعادين ولا مبعوثين مرة أُخرى.

{تُبَّعٍ} : لقب لملك سبأ كلقب كسرى لملوك الفرس، ولقب قيصر لملوك الروم والمراد تبع الحميرى الأكبر.

التفسير

34، 35 - {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ}:

عادت الآيات إلى ما بدأت به في أَول السورة من الحديث عن مشركى مكة وعنادهم بعد أَن ذكرت طرفا من أَحوال قوم فرعون، ومعارضتهم لموسى عليه السلام ومناهضتهم لدعوته، وما حاق بهم من عذاب، تحذيرًا لقريش أَن يصيبهم بسوء صنيعهم ما أَصاب قوم فرعون، وتأسية للرسول صلى الله عليه وسلم فهي موصولة بقوله تعالى:{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} قبلها، وبقوله:{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} بعدها.

والمعنى: إن هؤلاء الشركين من قريش ومن غيرهم ليصرون على الكفر والعناد وينكرون في إصرار أَمْرَ البعث والجزاء ويقولون: {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ} أَي: ما العاقبة وما نهاية أَمرنا إلا الموتة الأُولى أَي الوحيدة بعد حياتنا والتي نفارق بها الدنيا ثم لا نعود بعدها، ولا يكون لنا نَشْرٌ ولا عود كما يخبر المؤْمنون وصاحبهم، فالمقصود بقولهم الموتة الأُولى: الموتة الوحيدة التي لا تتكرر، ولا يقصدون إثبات موته ثانية.

36، 37 - {فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}:

قوله تعالى: {فَأْتُوا بِآبَائِنَا} استمرار في الحديث عن إنكارهم البعث، قيل: إن مشركى مكة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام تصديقا لأَخبار البعث أَن يدعو

ص: 860

الله ليُحيى لهم قصى بن كلاب - وكان في أَيامه كبيرهم ومستشارهم في النوازل - ليشاوروه في صحة النبوة والبعث، فيدل ذلك على صدقكم إِذا أَحييتموه، أَو إِذا سأَلناه فصدقكم، والخطاب في قوله:{فَأْتُوا بِآبَائِنَا} لمن وعدوهم بالبعث والنشور من الرسول والمؤمنين، أي: فأَحيوا لنا مَنْ مات مِن آبائنا إن كنتم صادقين في دعوى قيام الساعة وبعث الموتى.

ولما كان قولهم هذا ينطوى على جهل، وتجبر واستعلاء بعيدًا عن الحجة جاءَ قوله تعالى:{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} يهددهم بأَنهم ليسوا أَعظم قوة ولا أَعز منعة من هؤُلاء الأَقوام الذين أَهلكهم الله بسبب إجرامهم.

والمعنى: أَهؤُلاء المشركون المنكرون للبعث خير في القوة والمنعة والجاه والسلطان، أَم قوم تبع الأَكبر الحميرى من أَهل سبأَ الذين كانت بساتينهم عن يمين وشمال والذين من قبلهم من عاد وثمود وأَضرابهم.

وقوله تعالى: {أَهْلَكْنَاهُمْ} استئناف لبيان عاقبة أَمرهم، ونهاية بغيهم، كما أَن قوله تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} تعليل لإهلاكهم ليعلم أَن أَولئك حيث أُهلكوا بسبب إجرامهم مع ما كانوا فيه من غاية القوة والمنعة فأَنتم بالاستئصال أَهون منهم، لأنكم أَضعف منهم قوة، وأَوهن شأْنًا.

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}

ص: 861

المفردات:

{لَاعِبِينَ} : لاهين عابثين.

{يَوْمَ الْفَصْلِ} : يوم القيامة الذي يفصل الله بين عباده فيه.

{مِيقَاتُهُمْ} : موعدهم.

{مَوْلًى} : صاحب يتولى معونة صاحبه، أَو ولى يتصرف في أُمور وليه، من الولاية.

{الْعَزِيزُ} : الغالب الذي لا يعجزه شيء.

{الرَّحِيمُ} : الواسع الرحمة.

التفسير

38، 39 - {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}:

هذه الآيات دخول في بيان حكمة البعث، وإيضاح غايته تعميقا لإيمان المؤْمنين وتسفيها لإِنكار المنكرين.

والمعنى: وما خلقنا السموات والأَرض وما بينهما من عوالم - ما خلقناهما - لاهين بخلقهما لغير غرض، عابثين به في غير غاية - ما خلقناهما وما بينهما - إلا بالحق. ملتزمين بصدق الغاية وتحقيق الحِكمة، وهو أَن ينال كل إنسان جزاء عمله، الخير بالخير والشرّ بالشرّ {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ، ولكن أَكثر الناس من الجهل وسفاهة العقل لا يعلمون أن الأمر كذلك فينكرون، مع أَنهم يعلمون أَن الله خالق كل ذلك وأَنه حكيم، وليس من الحكمة أَن لا يبعث الخلائق حتى يأْخذ للمحق حقه، ويعاقب المسىء.

ويجوز أن يكون الاستثناء من عموم الأَسباب، والمعنى: ما خلقنا السموات والأَرض وما بينهما بسبب من الأَسباب إلا بسبب الحق، وهو عبادة الله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ثم بعثهُم وحسابُهم وجزاؤُهم.

ص: 862

40، 41، 42 - {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}:

هذه الآيات تهديد بملاقاة الجزاء بعد تقرير إمكان البعث، وأَنه سيكون، أي: إن يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الحق والباطل، وبين الحق والبطل، هو موعد الخلق وميقاتهم أجمعين، المؤْمن والكافر، والبر والفاجر، ليواجه كلٌّ جزاءَ ما قدم فإما نارًا وزقومًا وإما جنات ونعيما.

{يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} أي: يوم الفصل هذا يوم لا يغنى صاحب عن صاحبه، ولا يعين قريب قريبه، ولا يغنى والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا يدفع حليف عن حليفه، ولا تتعصب قرابات، ولا تتناصر صلات {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} (1) لا تجد نصيرًا ولا مجيرًا {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}:

أي: لا يمنع من عذاب يوم الفصل شيء، ولا يمتنع عليه أحد إلا من يتجلَّى الله عليه بالرحمة والعفو وقبول الشفاعة فيه من المؤْمنين، إن الله هو العزيز الغالب الذي لا ينصر أَحدٌ من أَراد عذابه، الواسع الرحمة لمن أَراد أَن يرحمه.

وفي هذا الاستثناء تنفيس لهول الكربة، وانفراج لِبَابِ الرحمة حتى لا ييئس عائذ، ولا ينقطع رجاء لائذ.

(1) سورة عبس الآيات من 37 - 40.

ص: 863

{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)}

المفردات:

{شَجَرَتَ الزَّقُّومِ} : شجرة مرة.

{الْأَثِيمِ} : كثير الإثم، والمراد: الكافر.

{الْمُهْلِ} : ما يمهل ويصهر في النار حتى يذوب، وقيل: دُرْدِىُّ الزيت.

{فَاعْتِلُوهُ} : فجروه بعنف ومهانة.

{سَوَاءِ الْجَحِيمِ} : وسط النار.

{تَمْتَرُونَ} : تشكُّون.

التفسير

43، 44، 45، 46 - {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}:

هذه الآيات تصوير لنوع من العذاب الذي يتجرعه الكافر في نار جهنم.

والمعنى: إن شجرة الزقوم هذه الشجرة المرة التي تنبت في أَصل الجحيم، طلعها كأَنه رءُوس الشياطين، إن هذه الشجرة طعام الكافر كثير الإثم يطعمها فتنزل في جوفه

ص: 864

غاية في الحرارة كدُرْدِيِّ الزيت، أَو دردى القطران يغلى في جوفه كغلى الماء الذي بلغ أَعلى درجات الحرارة فيقطع أَمعاءَه.

47، 48 - {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ}:

يقال لزبانية جهنم: جرّوه في عنف وشدة واحتقار ومهانة فارموه وسط النار، ثم ضاعفوا عليه العذاب فصبوا فوق رأْسه من هذا العذاب ما يحرق جلده، فيجتمع عليه من العذاب عذاب الباطن والظاهر.

49 -

{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} :

وقولوا له - زيادة في الامتهان، وإمعانا في الإِذلال والتقريع والتوبيخ -: ذق وتجرع من صنوف العذاب وألوانه، فلطالما ادّعيت لنفسك في كفرك وغُلَوَائك أَنك أَنت العزيز الذي لا يُذل، الكريم الذي لا يُمتهن ولا يبتذل.

روى أن أبا جهل عمرو بن هشام قال لرسول صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أَعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربّك أَن تفعلا بى شيئًا. فقد علمت أَنى أمنع أَهل البطحاء وأَنا العزيز الكريم، فنزلت:

50 -

{إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} :

أي: إن هذا العذاب الذي تقاسون، والجزاء الذي تلاقون، إن هذا ما كنتم تنكرون وتشكُّون فيه، وعدل الأُسلوب من الإِفراد إلى الجمع باعتبار المعنى؛ لأَن المراد جنس الأَثيم.

ص: 865

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}

المفردات:

{أَمِينٍ} : يأمن صاحبه الآفات، أَو فناءَ نعيمه ونعمه.

{سُنْدُسٍ} : هو الحرير الرقيق.

{وَإِسْتَبْرَقٍ} : هو الديباج الغليظ شديد البريق.

{حُورٍ} : جمع حَوْراء، من الحور: وهو شدة سواد العين في شدة بياضها.

{عِينٍ} : جمع عيناء وهي واسعة العينين.

{وَوَقَاهُمْ} : وحفظهم.

{فَضْلًا} : تفضلا.

التفسير

53،52،51 - {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ}:

حكت الآيات السابقة عذاب الآثمين الكافرين، وعددت ألوانه وصوره، وجاءَت هذه الآيات تعرض نعيم المتقين وهناءَتهم، لتتأَلف سورة متكاملة تمثل هوان الآثمين في

ص: 866

عذابهم وذلِّهم ومهانتهم، وبهجة المتقين في نعيمهم وعزّهم ومكانتِهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.

والمعنى: إن المؤمنين المتقين الذين حققوا لأنفسهم الأمن، وزكوها بعمله الصالحات الباقيات فَوَقَوْها من العذاب - إن هؤُلاء المؤمنين - ينزلون يوم القيامة في مقام أمين يأمنون فيه من الآفات والمنغصات، ومن كل ما يكرهون، لا يخافون من حرمان أو إقلال أَو فوات.

وقوله: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} بيان للمقام الأمين، وما يحتويه من ألوان النَّعِيم من بساتين مثمرة مورقة، وعيون من الماءِ ثرة، بين الأشجار والزهور دافقة، وملابس متنوعة متفاوتة من رقيق الحرير، وغليظ الديباج الأَخاذ البرّاق مما كانوا يتحاشون استعماله في الدنيا طاعة، وتواضعا، وعزوفًا عن نعيمها، وهم بين هذا كله يتنعّمون بالجلوس على الأرائك متقابلين ينظر بعضهم وجوه البعض ولا يُعْرِض عنه، زيادة في التكريم والنَّعيم.

54، 55 - {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55)}:

لا تزال الآيات موصولة في وصف نعيم التقين، أَي: الأَمر كذلك، أَو مثل هذه الإِثابة أَثبناهم، وقَرَنَّاهم زيادة في النعيم بحور عين كثيرات، من حور الجنة الجميلات اللاتى ترغب النفس في النظر إلى وجوههن وعيونهن الجميلة.

وقوله تعالى -: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} إشارة إلى أن نعيمهم لا يقف عند ما بين أيديهم وتحت نظرهم،، إنما هو شامل لكل ما يخطر ببالهم من كل ما يشتهون، أَي: يدعون ويطلبون كل ما يحبون وما يشتهون من كل فاكهة فتتوفّر لهم، لا يتخصص شيء منها بزمان أو مكان، آمنين لا يخافون من تعاطيها مضرَّة أَو وجعا أَو قلة أَو نفادا.

56، 57 - {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}:

ص: 867

أَي: ومن جملة ما يتنعمون به الخلود الدائم في الجنَّة لا يذوقون فيها الموت، ولا يلحقهم إلا الموتة الأُولى التي فارقوا بها الحياة لينعموا بعدها بنعيم الآخرة، والمقصود أَنهم لا يذوقون فيها الموت أَبدا، ولفظ (إلَاّ) بمعنى لكن، أَي: لكن يذوقون الموتة الأولى فحسب.

{وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} أي: حقق الله لهم هذا النعيم كله وحفظهم من العذاب وجنبهم دار الجحيم، وفيه الإشارة إلى أَن وقايتهم من عذاب جهنم وحدها أعظم نعمة، وأجلّ تكريم، فكيف إذا انضم إليها كل هذا النعيم.

وإنما خصمهم بذلك، وإن كان أهل الآخرة كلهم لا يموتون، لما في ذلك من البشارة لهم بالحياة الهنيئة في الجنة، فأَمّا من يكون في النار، وفيما هو فيه من الشدة والهول فإنه لا تطلق عليه هذه الصفة؛ لأَنه يموت موتات كثيرة بما يقياسيه من أَهوال، وما يعانيه من عذاب ونكال، ثم يحيى بعد كل موتة ليعود إليه العذاب، وقوله تعالى:{فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} معناه: هذا الذي نالوه من ألوان النعيم في الجنة نالوه وأعطوه تفضلا من الله وتكرُّمًا، فإِن جمع أعمالهم الصالحة لا تكافيءُ أَبسط نعم الله عليهم في الدنيا. ذلك الذي نالوه هو الفوز المظيم الذي لا فوز وراءَه، لأنه خلاص من المكاره والمعاطب، وتحقيق للمطالب والرغائب.

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)}

المفردات:

{يَسَّرْنَاهُ} : سهلناه.

{بِلِسَانِكَ} : بلغتك العربية.

{فَارْتَقِبْ} : فانتظر.

ص: 868

التفسير

59،58 - {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ}:

تنتهى هذه السورة المباركة بمثل ما بدأت به من الحديث عن القرآن الكريم وإنزاله في ليلة مباركة، ليكتمل فيها شرف البدء والختام بالحديث عن أَعظم كتاب وأَصدق كلام.

أي: فإنما أَنزلنا الكتاب المبين بلغتك وسهَّلناه بنزوله قرآنًا عربيا بلسانك ولسان قومك ليسهل فهمه وتدبّره لكي يتذكروا، وينتفعوا بهديه، فيعملوا بموجبه، وإن لم يستجيبوا ويتعظوا فانتظر عاقبة أمرهم، وما يحلّ بهم، فإنهم منتظرون عاقبة أمرك وما يحل بك، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والعاقبة عند ربك للمتقين.

وفي الآية تكريم للرسول والعرب بنزول القرآن بلسانهم أي تكريم.

ص: 869