الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
سورة الجاثية
"
سورة الجاثية من جملة سور "آل حم" لباب القرآن وعرائس آياته، وهي سورة مكية، وآياتها سبع وثلاثون آية.
نزلت بعد سورة الدخان على ما هو معروف من نزول سور "آل حم" جملةً مرتبة متتابعة.
وسميت سورة الجاثية لقوله - تعالى - فيها: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} أَي: باركة على الرُّكب مستوفرة، وتسمّى أَيضا سورة الشريعة، وسورة الدهر لذكر هذه الألفاظ فيها، والأصل أن تسمى السورة باسم أَمر ذي بال مذكور فيها، وغلب عليها هذا الأمم لما جاء فيها من الأهوال التي يلقاها الناس يوم الحساب حيث تجثو الخلائق على الرّكب في انتظار الحساب، ويغشاهم من الفزع ما لا يخطر على بال.
وبدأت بالحديث عن القرآن جريا على أسلوب السور التي تبدأُ بِسَرْدِ حروف المعجم، وليتصل أَولها بآخر السورة التي قبلها.
أهدافها:
تناولت هذه السورة العقيدة الإسلامية، وأفاضت في الحديث عنها، والتوسع في تحقيقها، فتكلمت عن الإِيمان، والوحدانية، والرسالة المحمدية، والقرآن والبعث والجزاء.
وقد بدأَت كغيرها من سور "آل حم" بالكلام عن القرآن، وإِنزاله من العزيز الحكيم، ثم غرضت لذكر آيات الله في خلق السموات والأرض، وما بثَّ فيهما من إنسان وحيوان، وبدائع صنع، وروائع حكمة، وتجلَّى هذا في اختلاف الليل والنهار، وتسخير الرياح والأمطار، وإنبات الزرع والأَشجار، وجرى البحور والأَنهار، ثم عرضت لأَحوال الكافرين الذين يصمّون أسماعهم، ويعطلون عقولهم، فلا يتدبرون في هذه الكائنات ولا يتَّعظون بهذه الآيات، ثم تنتقل إلى الحديث عن نعم الله تعالى على العباد، وتسخير ما في السموات وما في الأرض جميعا لتيسير حياتهم، وتسهيل معاشهم، وتُعَقِّب ذلك بأَن لكل واحد جزاءه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} .
ثم تتحدث عن بني إسرائيل وما أَفاء الله عليهم من النبوات والحكمة، وما يسّره لهم من الطيبات، وآتاهم من البينات والآيات فلم يكن منهم إلا الخلاف، والاندفاع في الطغيان والانحراف.
ثم تتجه الآيات إلى نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأنها جاءت على منهاج واضح، وشريعة مستقيمة يجب اتباعها، والسلوك على هديها، والبعد عن الأَهواء وسلوك سبيل الطغاة الجاحدين الذين لا يفلتون من عذاب الله، ولا يكونون أَبدا كالذين آمنوا وعملوا الصالحات.
ثم خوّفت الآيات في أسلوب شديد من اتباع الهوى والضلال على علم؛ فيختم على السمع والقلب، ويغشى النظر فلا يكون لصاحبه هداية، ويندفع ضلاله فينكر البعث والجزاء، وإذا تتلى عليه آيات الله ولَّى مستكبرا معرضا عن الاتعاظ والاعتبار خلودا إلى الدنيا، وغرورا بها، وكفرا بالله الذي خلقهم، وأحياهم ثم يميتهم ويجمعهم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، وتدعى كل أُمة إلى كتابها لتلقى جزاءَها، فأَما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته، وأَما الذين كفروا فيقال لهم: أَلم تكن آياتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم مجرمين. فاليوم جزاؤُكم جهنَّمُ لا تخرجون منها ولا تستعتبون.
ثم تنتهى آيات السورة بإثبات الحمد والكبرياء لله ربِّ السموات والأرض العزيز الحكيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)}
المفردات:
{حم} : حرفان من المعجم.
{الْكِتَابِ} : القرآن.
{الْعَزِيزِ} : القوى الغالب.
{الْحَكِيمِ} : العالم المتقن للأُمور الذي يضع الشيءَ في موضعه.
التفسير
1، 2 - {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}:
ختمت سورة الدخان بقوله - تعالى -: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} ثم بدأت هذه السورة بالحديث عن القرآن أَيضا تنويها بفضله، وإبرازا لمنزلته ومكانته، وقوله تعالى:{حم} سرد لحرفين من المعجم لا تشكيل على أَواخرهما، والكلام عنهما مثل الكلام عن سوابقهما من السور المبدوءة بحروف المعجم معنى وموقعا وإعرابا وبخاصة سورة البقرة.
{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} : أضاف الله سبحانه وتعالى تنزيل القرآن إلى نفسه في مواضع من السور استفتاحا بتعظيم شأْنه، وتفخيم قدره، وما اقتضى هذا المعنى لا يكون تكريرا.
المفردات:
{يَبُثُّ} : ينشر ويفرّق.
{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} : وتعاقبهما وتفاوت أَحوالهما.
{رِزْقٍ} : مطر يتسبب عنه الرزق.
{أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ} : أحياها بالزروع.
{مَوْتِهَا} : جفافها ويبسها.
{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} : اختلاف أحوالها.
التفسير
3 -
{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} :
كلام مستأْنف مسوق للتنبيه على الآيات التكوينية، الآفاقية والنفسية، أي: إِن في خلق السموات وما حوت من كواكب وأَفلاك، وفي خلق الأَرض وما يجرى في جوّها من طيور وسحب، وما يختلف عليها من صحو وغيم، وما يسمع فيها من رعد، ويُرى من برق، وفي خلق الأرض وبسطها وما بث فيها من خلائق وأَجرى فيها من أنهار، وأنبت من زروع، وأَرسى من جبال، وأَبدع من عجائب - إن في هذا كله - لآيات وحججا تدل
على أَن لها خالقا قادرا. ومدبّرا حكيما، وعالما بصيرا - لآيات - ينتفع بها الذين يطلبون الإِيمان، وينشدون الهداية، ويحسنون التدبّر في الآيات، والإِذعان للمعجزات.
4 -
{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} :
المعنى: وفي خلق الله إياكم، وما ينطوى عليه هذا الخلق من بدائع الصنعة، وعجائب الخلقة، واختلاف الأشكال والأَلوان، والأَلسن والأَجناس، وما يتعاقب عليكم من أحوال وأطوار، منذ أول نشأَتكم، وأَنتم أَجنَّة في بطون أُمهاتكم حتى انتهاء آجالكم، وفي خلق ما يبثّ من دابة، وما ينتشر على الأَرض من أَجناس الحيوانات، وأَصناف الحشرات مما يمشي على بطنه، وما يمشي على رجليه، وما يمشي على أربع أو أكثر، مع اختلاف منافعها، والمقاصد المطلوبة منها - إن في هذا كلِّه - دلائل وبراهين لقوم يطلبون الاطمئنان على وجود الصانع الحكيم، وينشدون اليقين والاستقرار ليصل بهم ذلك إلى الإيمان والتوحيد، والتزام الطاعة، والسلوك السديد.
5 -
أَي: وفي اختلاف أَحوال الليل والنهار من التعاقب والطول والقصر، والحرّ والقرّ والنور والظلمة، وما يتبع ذلك من تغاير الفصول، واختلاف المنافع، والمقاصد، وفيما ينزل من السماء من مطر تحيا به الأَرض بعد يبسها وجفافها، فينبت الزرع، ويَحْفُل الضرع، وتجرى الأَرزاق، وتعمر الآفاق، وفي تصريف الرياح فتهب مرة جنوبا وأُخرى شمالا، وحينًا صَبًا بالرحمة وماءِ السحاب، وحينًا دَبُورا تبعث العذاب، وفيما تؤَديه من تزاوج النبات، وتيسير سير السفن في الأَنهار والمحيطات - إن في هذا كله - شواهد صدق وآيات حق لقوم يعقلون الآيات والأدلة، ويحسنون الانتفاع بالعقل فيديرون فيها الفكر والرأْى، ليعلموا أن لهذه الأشياء صانعا حكيما، وخالقا قادرا عظيما.
وفي تنكير الآيات في المواضع الثلاثة تنبيه إلى كثرتها، تفخيمها كمًّا وكيفا،
المفردات:
{وَيْلٌ} : هلاك، وهي كلمة تقال للعذاب، كما يقال: وَيْحٌ للرحمة.
{أَفَّاكٍ} : كثير الكذب.
{أَثِيمٍ} : مذنب كثير الإثم.
{يُصِرُّ} : يستمسك ويدوم.
{فَبَشِّرْهُ} البشارة في الأَصل: الخبر المغير للبشرة خيرا كان أَو شرًّا، وخصها العرف بالخبر السار، واستعمالها في الشر تهكم.
{مُسْتَكْبِرًا} : متعاليًا عن الإيمان بما سمع.
{هُزُوًا} : سخرية واستهزاء.
{مِنْ وَرَائِهِمْ} الوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف وقدام.
{الرِّجْزُ} : أشد العذاب - ويطلق أَيضًا على القَذر كالرجس.
التفسير
60 -
هذه الآيات وعيد لمن لم يصدق الآيات السابقة فلا يؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر، وبكل ما تجىء به والنبوات من الشرائع.
والمعنى: تلك الآيات من القرآن أَو السورة أَو ما ذكر من السموات والأَرض وما فيهما الناطقة بالبراهين على وجود الله ووحدانيته، وكمال قدرته نقرؤها عليك ونتلوها مقرونة بالصدق، لتبلِّغها وتقرأها عليهم، فلا ينبغي أَن يكون منهم إلَاّ تصديقها والإيمان بها، فإنه ليس وراءها غاية، ولا بعدها بيان، وإذا لم يؤمنوا بها فبأَى حديث بعد حديث الله وآياته المفصلات يؤْمنون ويصدقون، فإنه لا أَبين من هذا البيان، ولا آيات أَوضح من هذه الآيات في صدق الدلالة ونصوع البرهان.
فالمقصود بالحديث القصص القرآنى الذي يستخرج منه عبر تميز الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، عن إلالهيات وأَحوال الآخرة.
7، 8 - {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}:
أَيْ: هلاك وعذاب لكل مبالغ الكذب دائم عليه، كثير الإثم ملازم للمعصية.
وقوله - تعالى -: {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ} بيان لحال الأَفاك المستحق للويل، أو صفة له، أَي: يسمع هذا الأَفاك الأَثيم آيات الله من القرآن الكريم تتلى عليه وتقرأ ثم لا يلبث بعد سماعها أَن يغلبه جهله ويشده عناده وكفره فيعرض عنها ويصرّ على إنكارها، ويقيم على هذا الكفر ويلازمه مستكبرا عن الإيمان بما سمعه متعظَّما في نفسه عن الانقياد للحق مثل غير السامع أَصلًا.
{فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أَي: فأَخبره ساخرا مستهزئا بعذاب بالغ أَقصى غايات الإيلام والإيجاع على إصراره ذلك.
9، 10 - {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}:
كان النضر بن الحارث يشترى أحاديث الأعاجم يلهى بها عن القرآن، ويعارضه، ولما سمع أبو جهل قوله - تعالى -:{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)} سخر واستهزأ، وأحضر تمرا وزبدا فجمع بينهما، وأَكل منهما وهو يقول في سخرية: هذا هو الزقوم الذي يخوفنا محمَّد به، نحن نتزقمه، أَي: نملأ به أفواهنا، والمعنى: وإذا علم هذا الأَفاك الأَثيم وبلغه شيء من آياتنا من حجج أَو وعيد بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على الاستهزاء بما علمه.
أولئك الكذابون الآثمون لهم عذاب بالغ المهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم، وقوله - تعالى -:{مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} الآية:
أَي: من قدامهم جهنَّم؛ لأَنهم متوجهون إليها، وإلى ما أُعدَّ لهم فيها، أو من خلفهم بعد موتهم، فإِن الوراءَ اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أَو من قدّام، ولا يغنى عنهم ما كسبوا من الأولاد والأموال ولا يدفع شيئا من عذاب الله، كما لا يغنى عنهم ما اتخذوا من دون الله من الأصنام شيئًا، وإن زعموا غير ذلك. ولهم عذاب عظيم لا يقادر قدره، واختلاف الفواصل للترقى في وصف العذاب تبعًا لتعاظم الذنب، فالعذاب الأليم جزاءُ الإِصرار على الإِعراض عن الآيات، والعذاب المهين جزاء للاستهزاء بها أَشد وأَبلغ، والعذاب العظيم جزاء أَوفى لاتخاذ آلهة غير الله.
11 -
{هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)} :
بهذه الآية تختم آيات الوعيد.
والمعنى: أن القرآن الكريم في غاية الكمال من الهداية كأَنه الهداية نفسها، والذين كفروا به وبآياته لهم عذاب بن أَشد العذاب وأَقساه وقعا وأَلما.
وتنكير عذاب في المواقع الثلاثة للتهويل، وزيادة التخويف، كما أن وضع آيات ربهم موضع الضمير لزيادة تشنيع كفرهم، وتفظيع حالهم مع التنويه بمنزلة القرآن الكريم.
المفردات:
{سَخَّرَ} : ذلَّل.
{بِأَمْرِهِ} : بإذنه وتسخيره.
{يَغْفِرُوا} : يعفوا ويصفحوا.
{لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} : لا يتوقَّعون وقائعه بأَعدائه ونقمته فيهم.
{لِيَجْزِيَ قَوْمًا} : لِيُكَافِىء المؤمنين الغافرين
{وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} أي: ومن أساء فعلى نفسه أَساء.
التفسير
12 -
بعد أن ساق القرآن فيما تقدم من الآيات أَدلَّة كونية وعقلية على عقيدة الإيمان وتوعد المخالفين الآثمين بما توعّد. ذكر هُنَا بعض نِعَم الله وآلائه، وفضله الَّذى
منَّ به على عباده، ليشكروه على ما به أَنعم، وليتفكَّروا في بديع صُنْعه، وعظيم قُدرته فقال - سبحانه -: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ
…
} إلخ.
والمعنى: الله وحده - لا شريك له - هو الَّذى ذلَّل لكم البحر وهيأَه وأَعده سائلا يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب، لِتَسير السفن فيه مَاخِرَة عُبَابه، حاملة النَّاس وأَرزاقهم ومتاعهم بأمره - سبحانه - وإذنه، ولتطلبوا من فضله من خيرات البحر ومنافعه بالتّجارة والصيد واستخراج المعادن، ولكى تشكروه على حصول المنافع المجلوبة لكم من الأَقاليم النَّائية، فتُخْلِصُوا له الدين والعبادة.
13 -
أي: وذلَّل لكم ما في السموات من شمس وقمر ونجوم لتنتفعوا بحرارتها وضوئِها، وسخر لكم ما في الأرض من دابة وشجر وزرع وبحار وأَنهار وغيرها من جميع ما تنتفعون به ويُسَهِّل لكم سُبُل الحياة، هذه الأَشياء وغيرها كائنة منه، وحاصلة من عنده، فهو مُكَوِّنها ومُوجِدها بقدرته وحكمته ثم سخَّرها لخلقه.
إنَّ فيما ذُكر من نِعَمٍ لآيات عظيمة الشأْن كثيرة العدد لقوم يتفكَّرون ويتدبرون في بدائع صنعه تعالى وعظائم شئونه - جلَّ شأْنه - فإنَّ ذلك يدعوهم إلى الإيمان به والشُّكر له.
14 -
سبب النزول:
حكى النَّحاس والمهدوى عن ابن عباس أَنَّها نزلت في عمر رضي الله عنه شتمه مُشرك من غفَارٍ (1) بمكة قبل الهجرة فهم أَنْ يَبْطِش به فنزلت، ورُوِى ذلك عن مقاتل، وهذا ظاهر في كونها مكِّية كأخواتها من آيات السورة (ذكر ذلك الآلوسي والزمخشرى).
وقيل: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نزلوا في غزوة بنى المُصطَلِق على بئر يقال لها (المُرَيْسِيع) فأَرسل ابن أُبيٍّ غلامه ليستقى فأَبطأَ عليه، فلما أَتاه قال له: ما حبسك؟
(1) غفار: اسم قبيلة.
قال: غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أَحدا يستقي حتى مَلأَ قِرَبَ النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أَبي بكر، فقال ابن أُبي: ما مثلُنا ومثل هؤُلاء إِلا كما قيل: سَمِّن كلبك يأْكُلْك فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فأَنزل الله الآية، وحكاه الإِمام عن ابن عباس أيضًا، وهو يدل على أَنَّها مدنية، وكذلك ما روى عن ميمون بن مهران قال: لما أنزل الله قوله - تعالى -: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
…
} إلخ قال فِنْحَاصُ اليهودى: آحتاج رب محمد؟ فسمع بذلك عمر فاستلَّ سيفه وخرج فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده، ونزلت الآية. (ذكره الآلوسي).
والمعنى: قل - أيها النبي الكريم - للمؤمنين: اغفروا لمن أَساءَ إليكم فيغفروا ويصفحوا عن الأَذى الذي أَصابهم من الذين لا يتوقعون وقائع الله تعالى، ولا يخافون نقمته عليهم لكفرهم، ولو عقلوا لخافوها وبدلوا بكفرهم إيمانا حتى لا تنزل بهم وقائعه ونقمه، وقد أَمر الله رسوله أن يبلغ المؤمنين أمره - تعالى - بأَن يغفروا لمن أَساءَ إليهم حتى لا يشغلوا أَنفسهم بقتالهم قبل أَوانه ويتركوا أَمر عقابهم لله تعالى فيجزيهم بما كانوا يكسبون.
15 -
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} :
الآية مستأْنفة لبيان الجزاء المذكور في الآية السابقة: والمعنى: من عمل صالحًا فلنفسه الأَجر والثواب على عمله، ومن أَساءَ بفعل القبائح وعمل السيئات فَعَلَى نَفْسِه أَسَاء، فعليه وزْرُ عمله وقُبْح فعله، ثم إلى مُرَبِّيكم وخالقكم ومالك أُموركم تُرجعون وتعودون يوم القيامة فيُجَازيكم على أعمالكم خيرًا على الخير، وشرًّا على الشَّر.
المفردات:
{الْكِتَابَ} : التَّوراة، أَو هي والزَّبور والإنجيل.
{وَالْحُكْمَ} : والقضاءَ بين الناس، أَو الفقه في الدين.
{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} : وفضَّلناهم بكثير من نِعَم الدنيا على العالمين، أَو فضَّلناهم في الدين على عَالَمِى زمانهم الوثنيين.
{بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ} : أَدلَّة في أَمر الدِّين ويندرج فيها المعجزات.
{بَغْيًا بَيْنَهُمْ} : ظلما وعداوة وحسدا.
{شَرِيعَةٍ} : منهاج وطريقة.
{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} : ولا تَتَّبع ما لا حجة عليه من آراء الجهال التابعة للشهوات.
{هَذَا} أَي: القرآن.
{بَصَائِرُ} : بينات واضحات.
التفسير
16 -
والمعنى: ونقسم لقد أَعطينا بنى إسرائيل التَّوراة والزَّبور والإِنجيل والقضاءَ بين النَّاس والحكم بما في هذه الكتب، والنُّبوة المُعْطاةَ من عند الله، حيث أَرسل فيهم كثيرًا من الأَنبياء عليهم السلام لكثرة أَمراضهم الخلقية وشدة مُخالفتهم، ورزقناهم من المُسْتَلَذَّات والخيرات المتنَوِّعة كالمنِّ والسلوى وغيرهما من خيرات الشام، وفضَّلناهم بكثير من النِّعم في الدنيا - فضلناهم - على العالمين حيث آتيناهم ما لم نُؤْت غيرهم من فلق البحر وإظلال الغمام ونظائرهما، فما رَعَوا هذه النِّعم حق رعايتها، وما شكروا الله عليها، فالمراد تفضيلهم على العالمين من بعض الوجوه، فلا ينافى ذلك تفضيل أُمَّة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم عليهم من جهة المرتبة والشَّرف والثَّواب، قال - تعالى -:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (1) وقيل: المراد بالعالمين عَالمُو زمانهم.
17 -
وأعطيناهم دلائل ظاهرة وحججًا واضحة في أمر الدين كمعجزات موسى عليه السلام وعن ابن عباس: آيات من أَمر النَّبي صلى الله عليه وسلم وعلامات مبيِّنة لصدقه، ككونه يُهَاجر
(1) سورة آل عمران من الآية: 110.
من مَكَّة إلى يثرب ويكون أَنصاره أَهلها إلى غير ذلك مِمَّا ذكر في كُتُبهم، فما وقع بينهم اختلاف في ذلك الأَمر إِلَاّ من بعد ما جاءَهم العلم، فجعلوا ما يُوجب زوال الخلاف مُوجبا لحُدُوثه وحصوله ظلما وعداوة وحسدا منهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول الله - تعالى - في سورة البينة:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} إنَّ رَبك - أَيْهَا الرسول - سيفصل بينهم يوم القيامة بحكمه العدل فيما كانوا فيه يتنازعون ويتفرقون من أمر الدين، وسينال كل ما يستحقُّه من الجزاء، وفي هذا تحذير لأُمَّة محمَّد أَنْ تسلك مَسْلكهم وتنهج منهجهم لئلَاّ يصيبها ما أَصابهم وما سيُصيبهم، ولهذا قال سبحانه.
18 -
ثم جعلناك - أَيهَا الرسول، بعد اختلاف أَهل الكتاب - على طريقة واضحة، ومنهاج قويم من أَمر الدِّين الَّذِي شرعناه لك ولِمَنْ سَبَقَك مِنْ رُسلنا، فاتَّبع ما يُوحى إليك مِنْ ربِّك وهو شريعتك الحقَّة الثَّابتة بالدلائل والحُجَج، ولا تتَّبع ما لا دليل عليه مِنْ آراء الجهال في دينهم الباطل المبنيِّ على البدع والأَهواء.
قيل: المرُاد بهم بنو قريظة والنَّضير، وقيل: رؤساء قريش كانوا يقولون له صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى دين آبائك، واللَّفظ عام يصدق على كل مُعَوِّق طريق الحقِّ مُضِلِّ عن الصِّراط المستقيم.
ولقد جاءَ في البحر: الشَّريعة في كلام العرب: الموضع الذي يَرد منه النَّاس في الأَنهار ونحوها، فشريعة الله حيث يرد النَّاس منها أمر الله - تعالى - ورحمته والتقرب منه عز وجل:(ذكره الآلوسي).
19 -
الجملة مستأْنفة وهي تعليل للنَّهى السابق في قوله - تعالى -: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أَي: أَنَّ الطَّامِعِين في اتِّباعك لهم، الباذلين في سببيل ذلك كل نفيس، لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا لو اتَّبَعْتهم، وإِنَّ الظَّالمين المتجاوزين حدود الله
بعضهم أَنصار بعض وأَعوان لهم على الباطل، فلا تُوَالهم باتِّباع أَهوائهم، ودم على ما أَنت عليه مِنْ مُوَالَاتك لله - سبحانه - والإعراض عمن سواه واتِّباع شريعته، فذلك خُلُق المتقين وأنت قدوتهم وإمامهم، والله ناصرهم وَوَلِيهم، وشَتَّان بَيْنَ مَنْ كان وليُّه الشَّيطان ومَنْ كان وليّه الرَّحمن وما أَبْيَن الْفَرْق بين الولايتين.
20 -
{هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} :
أَي: هذا القرآن الَّذى أُنزل عليك معالم للنَّاس ودلائل تبصِّرهم بالدِّين الحقّ، وهو هُدى يعصمهم من الضَّلالة ويُرْشدهم إلى طريق الخير ومسالك البرّ، ورحمة من العذاب لقوم يطلبون اليقين، فإذا عرفوا دليل الحق آمنوا به ولم يجادلوا فيه.
المفردات:
{اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} : اكتسبوا الكفر والمعاصي.
والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أَهله، أَي: كَاسِبُهم.
{سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} : قَبُح ما يقضون به.
{أَفَرَأَيْتَ} أَي: أَنظرت من هذه حالُه فرأَيت (1).
{مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} : من اتخذ هواه معبودًا له فخضع له وأَطاعه.
{وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} أَي: تخلى الله عن هدايته لعلمه أَنه يستحقُّ ذلك، لاخياره له بعد بلوغ العلم إليه وإعراضه عنه.
{وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} : وأَغلق سمعه فلا يقبل ما ينفعه، وختم على قلبه فلا يعتقد حقا لإصراره على كفره.
{وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} : غطاءً أو ظُلْمَةً فلا يُبصر دواعى الهدى.
{فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} : فيمن يهديه من بعد إعراض الله عنه؟ أَي: لا أَحد يهديه.
{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أَي: أَتتبركون النظر فلا تتعظون.
التفسير
21 -
استئناف مسوق لاستنكار التَّسوية بين حال المسيئين والمحسنين.
سبب النزول:
جاءَ في البحر عن الكلبي أَن عُتبة وشيبة والوليد بن عُتبة قالوا لعليّ - كرم الله وجهه - ولحمزة رضي الله عنه وللمؤمنين: والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقًّا لَحَالُنَا أَفضل من حالكم في الآخرة كما هو أَفضل في الدَّنيا، و (أَمْ) في الآية بمعنى بل والهمزة لإنكار الحسبان، أي: بل أحَسِب.
(1) أبو حيان جعل (أفرأيت) بمعنى أخبرني.
والمعنى: بل أَحسب الَّذين اكتسبوا ما يسىء إليهم من الكفر والآثام أن نُصَيِّرهم كالذين آمنوا وعملوا الصَّالحات ونُسَوِّى بين الفريقين بعد الممات بالجنة ونعيمها كما يزعم الكافرون؟! قَبُحَ ما يَقْضُون به مِن الحُكْم الجائر الَّذى يُسَوِّى بين المحسنين والمسيئين، فإنهم وإن تساووا محيا في نحو الرزق والصحة لا يستوون مماتا، فالمؤمنون في روضة يحبرون، والكافرون في النار خالدون، وقال الزَّمخشرى: المعنى إنكار أَن يستوى المحسنون والمسيئون محيا وأَن يستووا مماتا لافتراق أَحوالهم في ذلك، والآية مُتَضَمِّنة للرد على الكفَّار كما يُعرف بأدنى تدبّر؛ لأَنَّ الله إِذا أَنكر عليهم المُساواة فكيف بالأَفضليّة؟! قال ابن عطيّة: إنَّ لفظ الآية يعطى أنَّ اجتراح السيئات هو اجتراح الكفر لمعادلته بالإيمان.
22 -
الآية الكريمة دليل على إنكار حسبانهم السابق؛ لأَن خلق العالم بالحقّ المقتضى للعدل يستدعى انتصاف المظلوم من الظَّالم والتَّفَاوت بين المسىء والمحسن، وإذا لم يكن في الْمَحْيَا كان بعد الممات حقًّا، والمعنى: وخلق الله السَّموات والأرض بالحكمة والصّواب دون العبث والباطل، وأَقام نظامهما على العدل والإِنصاف لتظهر دلائل أُلوهيته وأمارات قدرته وحكمته، ولتُجْزى كلّ نفس بما فعلت من خير أَو شرّ وهم لا يُظْلمُون بنقص ثواب أَو زيادة عقاب، وذلك منه تفضُّل وكرم؛ لأَنَّ الخلق عبيده يفعل بهم ما يشاء، ولكن شاءَت حكمته وعدله ذلك ووعد به، ووعده لا يتخلَّف.
23 -
هذا القول الكريم تَعْجِيب مِنْ حال مِنْ ترك مُتَابعة الهُدى إلى مُطاوعة الْهَوَى فكأَنه يعبد الهوى، فالكلام على التَّشبيه.
والمعنى: أَنظرت فرأَيت - أَيها الرسول - حال من اتَّخَذَ إِلهه هواه، فهو مطواع لهوى النَّفس، يتبع ما تدعوه إليه، فكأَنَّه يعبده كما يعبد الرجل إلهه: وقرىء (آلِهَةً هَوَاهُ) لأَنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإِذا وجد ما هو أَحسن منه رفضه إليه أَو أَبقى عليه فكأَنَّه اتَّخذ هواه إلها أو آلهةً شَتَّى يعبد كلّ وقت واحدا منها، وأَضلَّه الله فصرفه عن الهداية وخذله عن طريق الحقّ على علم منه - تعالى - بذلك؛ لأَنَّه علم أَنَّ ذلك اختياره وإِرادته وإصراره علية، أَو أَضلَّه الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه وأَغلق الله سمعه وقلبه فَحِيلَ بينه وبين أَن يسمع ما ينفعه مِنَ الهُدَى، أَو يَعى شيئًا بعقله ويهتدى به، وجعل على بصره غطاء وغشاوة، فلا يُبصر الحقّ ولا يرى حجّةً يستضىء بها؛ لأَنه محجوب عن الاستبصار والاعتبار، والكلام على التمثيل كما يُقرِّر ذلك العلَاّمة الآلوسي، فمن يهديه من بعد إِضلال الله إياه وإعراضه عنه وخذلانه له لاستحقاقه ذلك بإِصراره على الكفر؟ أَي لا أحد يهديه، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أَي: أَتتركون التفكر والنَّظر فلا تتذكَّرون ولا تتعظون؟.
المفردات
{ما هي إلا حياتنا الدنيا} : ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نحياها.
{نموت ونحيا} : يموت بعض ويولد آخرون ولا معاد ولا قيامة، وسيأتي في التفسير زيادة إيضاح.
{وما يهلكنا إلا الدهر} : وما يهلكنا إلَاّ مرور الزمان.
{إن هم إلا يظنون} أي: ما هم إلَاّ قوم يتوهمون.
{مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ} أي: ما كان قولهم الذي ساقوه مساق الحجّة وليس بحجة.
{ائْتُوا بِآبَائِنَا} : أحضروا آباءنا أحياء في هذه الدنيا بعد أن ماتوا.
{قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ} : يُخرجكم إلى الوجود بعد أن كنتم نطفا.
{ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : ثم يجمعكم أحياءً في يوم القيامة لا في هذه الدنيا.
التفسير
24 -
وقال المشركون: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ولا حياة سواها.
{نموت ونحيا} أي: تموت طائفة وتحيا أُخرى ولا حشر أصلًا، وقيل المعنى: نحيا ونموت، يزعمون أن الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة بالبعث، وقيل: أرادوا بالحياة بقاء النَّسل والذرية مجازًا، كأنهم قالوا: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارينا، وقيل: نكون مواتا نُطفا في الأصلاب ونحيا بعد ذلك. {وما يهلكنا إلا الدهر} أي: وما يفنينا إلَاّ طول الزمان ومرور الليالي والأيام، وينكرون بذلك ملك الموت وقَبْضَه الأرواح بأمر الله.
وما يقولون ذلك القول وهو قصر حياتهم على الحياة الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر، ما يقولونه عن علم صحيح ويقين معتمد على عقل أو نقل ولكن عن ظن وتخمين وتوهم وتخيُّل.
25 -
أي: وإذا قرئت عليهم آيات الله واضحات الدلالة على قدرته تعالى على البعث ما كانت حجتهم في رد البعث إلا قولهم ائتوا بآبائنا أحياء في هذه الدنيا إن كنتم صادقين في أننا نُبْعَثُ بعد الموت، وتسمية القرآن قولهم هذا حجة لسوقهم إياه مساق الحجة، وعلى سبيل التهكم بهم، أي: ما كان حجتهم إلَاّ ما ليس بحجة، والخطاب في قوله تعالى:{ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} للرسول والمؤمنين، إذ هم قائلون بمقالته من البعث طالبون من الكفرة الإقرار به، ويجوز أن يكون للرسول وللأنبياء قبله الّذين يقولون مقالته.
26 -
أي: قل - أيها الرسول - لهؤلاء المنكرين للبعث: الله يحييكم ابتداءً كما تشاهدون ذلك إذ يُخرجكم من النُّطف إلى هذا الوجود، ثم يُميتكم عند انقضاء آجالكم - لا الدهر كما تزعمون - ثم يجمعكم أحياء في يوم القيامة للحساب، لا شك في هذا الجمع.
ودليل إمكانه: أنَّ من قدر كل الخلق ابتداء قادر على الإعادة، وهي عليه أهون، ودليل وقوعه وحصوله: أن البعث أمر ممكن - كما قدّمنا - وتقتضيه الحكمة لإعطاء كل ذي حق حقه، وأخبر به الرسول الصادق، وكل ما هو كذلك واقع لا محالة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون قدرة الله على البعث لإعراضهم عن التفكُّر في الدّلائل، والقادر على البعث قادر على الإتيان بآبائكم، وهو من تمام الكلام الذي أُمر به الرسول، أو كلام مسوق من جهته تعالى تحقيقًا للحقّ، وتنبيهًا لهم على أنَّ ارتيابهم لجهلهم وعجزهم عن النظر والتّفكّر.
المفردات:
{الْمُبْطِلُونَ} : أهل الباطل وهم الكفار.
{جاثية} : باركة على الرُّكب مستوفزة، وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة، وعن السّدى جاثية: خاضعة بلغة قريش.
{كتابها} : صحيفة أعمالها، وأفرد على الجنس. {ينطق}: يشهد.
{نستنسخ} : نستكتب الملائكة أعمالكم.
التفسير
27 -
بيان للاختصاص المطلق والتصرف الكلي في السموات والأرض وفيما بينهما بالله عز وجل إثر بيان تصرفه تعالى بالإحياء والإماتة والجمع والبعث للمجازاة؛ فهو تعميم للقدرة بعد تخصيص، يخبر الله تعالى أنه - وحده - مالك السموات والأرض والحاكم فيهما والمسيطر عليهما في الدنيا والآخرة، ولذا قال:{ويوم تقوم الساعة} أي: وفي هذا اليوم - وهو يوم القيامة - يخسر أهل الباطل وهم الكافرون بالله المكذِّبون بما أنزله على رسله من الآيات، المنكرون للبعث.
28 -
وترى - أيها المكلف - كل أمة عن الأمم المجموعة باركة على ركبها متحفزّة وهي هيئة المذنب الخائف المنتظر لما يكره، وذلك من عظم الموقف وهول المحشر، كل أمة تُدعى إلى صحيفة أعمالها التي كتبها الحفظة لتحاسب على ما فيها، ويقال لهم: اليوم تستوفون جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شرّ، ففي الدنيا كان العمل، واليوم يوم الجزاء في هذا العمل، والمراد من كتاب كل أُمة: كتاب كل واحد من مكلفيها.
29 -
هذا القول من تمام ما يقال لم حينئذ.
والمعنى: ويُقال لهم: هذا كتابنا الذي سجّلنا فيه أعمالكم، يشهد عليكم بالعدل وينطق بالصّدق، ويستحضر جميع ما عملتم من غير زيادة ولا نقصان، وعلَّل لشهادته عليهم بالحق فقال:
{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: إنا كنا نأمر الملائكة الحفظة أن تكتب أعمالكم لتحاسبوا عليها.
المفردات:
{في رحمته} : في جنته. {ما الساعة} : أي شيء الساعة؟ ما حقيقتها؟.
{وحاق بهم} : وأحاط بهم ونزل. {ننساكم} : نترككم في العذاب ترك المنسى.
{كما نسيتم لقاء يومكم هذا} : كما تركتم الاستعداد للقاء ربكم في هذا اليوم بالإيمان، والعمل الصالح.
{آيات الله} : القرآن. {هُزُوًا} : سخريا.
{وغرَّتكم الحياة الدنيا} : وخدعتكم فاطمأننتم إليها. {ولا هم يستعتبون} : ولا هم يُطلب منهم العُتبى وهي أن يرضوا ربهم بالتوبة والاعتذار.
{العالمين} : ما سوى الله، وجُمع لاختلاف أنواعه.
{وله الكبرياء} : وله وحده العظمة والجلال والسلطان.
التفسير
30 -
هذه الآية والتي بعدها تفصيل للجزاء المترتب على قوله - تعالى - فيما تقدم: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} أو {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} : لما فيه من الوعد والوعيد.
والمعنى: فأما الّذين آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة الموافقة للشرع فيُدخلهم ربهم في رحمته وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة:"أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" ذلك الجزاء وهو الإدخال في الجنة هو الفوز الظاهر كونه فوزا لا فوز وراءه.
31 -
أي: وأما الذين كفروا فيقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتِّباعها، وأعرضتم عن سماعها، وتعاليتم عن قبولها، وكنتم قومًا كافرين لتكذيبكم إياها؟!
32 -
وإذا قال لكم رسول الله المبلِّغ عن ربه - أيها المنكرون للبعث -: إن ما وعدكم الله به من البعث والجزاء حقٌّ ثابت وواقع، والساعة لا شك في مجيئها ووقوعها قُلتم استغرابًا، وتكذيبا: ما نعلم ما الساعة؟ أي شيء هي؟ وما حقيقتها؟ ما نتوهَّم وقوعها إلَاّ توهمًا مرجوحًا وما نحن بمتحققين أنها آتية.
وقيل: المعنى: وما نحن بمستيقنين إمكان الساعة، أي: لا نتيقن إمكانها أصلًا فضلًا عن تحقق وقوعها المدلول عليه بقوله - تعالى -: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا} فقولهم هذا ردٌّ لذاك.
قال الآلوسي: ولعل المُثْبتين لأنفسهم الظن من غير إيقان بأمر الساعة غير القائلين: {إن هي إلا حياتنا الدنيا .. } الآية فإن ذلك ظاهر في أنهم منكرون للبعث جازمون بنفي الساعة، فالكفرة صنفان: صنف جازمون بنفيها كأئمتهم، وصنف مترددون متحيرون فيها، فإذا سمعوا ما يُوثر عن آبائهم أنكروها، وإذا سمعوا الآيات المتلوة تقهقر إنكارهم فترددوا، ويحتمل اتحاد قائل ذاك وقائل هذا إلا أن كل قول في وقت وحال، فهو مضطرب مختلف الحالات، تارة يجزم بالنفي فيقول:{إن هي إلا حياتنا الدنيا .. } الآية، وأخرى يظن فيقول:{إن نظن إلا ظنا} إ هـ: آلوسي بتصرف.
33 -
{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} :
وظهر حينئذ لهؤلاء الكفار سيئات ما عملوا، أي: قبائح أعمالهم، فإن العقوبة دليل على ذلك، أو سيئات ما عملوا، أي: جزاء أعمالهم السيئات وأحاط بهم من كل جانب العذاب والنكال جزاء استهزائهم بآيات الله وسخريتهم منها.
34 -
وقيل لهؤلاء المشركين من قبل رب العزة توبيخًا وتقريعًا: اليوم نترككم في العذاب كما تركتم الاستعداد للقاء ربّكم في هذا اليوم بالتقوى والإيمان، ونجعلكم بمنزلة الشيء المنسى الذي لا يبالى به كما لم تُبالوا أنتم بلقاء ربكم هذا ولم تخطروه ببال فأنتم كالشيء الذي يطرح نسيا منسيا، ومقرّكم ومنزلكم النار، وليس لكم من ناصرين ينقذونكم من عذابها ولا مانعين لكم ومدافعين عنكم من ويلاتها وعقابها.
وقد ثبت في الصحيح أن الله يقول لبعض العباد: ألم أزوّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسَخِّر لك الخيل والابل؟ فيقول: بلى يا ربّ، فيقول: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا فيقول الله - تعالى -: "فاليوم أنساك كما نسيتني" ذكره ابن كثير.
35 -
ذلكم العذاب الذي نزل بكم والجزاء الذي جازيناكم به لأنكم كفرتم باللهِ واتخذتم قرآنه وحججه ومُعجزاته سخريًّا، تسخرون منها وتهزءون بها، وخدعتكم الحياة الدنيا بزينتها وزخرفها فاطمأننتم إليها ووثقتم بها، وحسبتم أن لا حياة سواها ولا حياة لكم بعدها، فاليوم لا يستطيع أحد إخراج هؤلاء من النار ولا هم يُطلب منهم أن يُعتبوا ربهم سبحانه، أي: ولا هم يطلب منهم إرضاؤه بالتوبة والاعتذار لفوات الأوان، والالتفات في قوله - تعالى -:{لا يخرجون منها} إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم من رتبة الخطاب استهانة بهم.
36 -
{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} :
هذه الآية تفريع على ما اشتملت عليه السورة الكريمة، فقد احتوت على آلاء الله وأفضاله واشتملت على الدلائل الكونية، وانطوت على البراهين السّاطعة والنّصوص القاطعة في المبدأ والمعاد.
والآية إخبار عن استحقاقه - تعالى - الحمد وحده؛ لأنه رب السموات والأرض ورب العالمين، ويجوز أن يراد بها الإنشاء وهو طلب الحمد لله، والمعنى: فلله وحده الحمد والثناء فاحمدره وحده فهو خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما ورب ذلك كله، وهذه الربوبيّة تُوجب تخصيص الحمد باللهِ على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة.
37 -
{وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} :
وله - وحده - العظمة والملك والسلطان والكماله، فهو سبحانه الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه، وقيل الكبرياء: كمال الذات وكمال الوجود، وخُصّ ذلك بالسموات والأرض لظهور آثار الكبرياء وأحكامها فيها، وقد ورد في الحديث الصحيح:"العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منها، أسكنته ناري" ذكره ابن كثير.
{وهو العزيز} الذي لا يقهر {الحكيم} في كل ما قضى وقدّر، يضع الشيء في موضعه.
وفي هذه الجمل إرشاد - على ما قيل - إلى أوامر جليلة، كأنه قيل: له الحمد فاحمدوه، وله الكبرياء فكبّروه، وهو العزيز الحكيم فأطيعوه عز وجل وجعلها بعضهم مجازا أو كنايات عن الأوامر المذكورة. والله أعلم.
طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
رئيس مجلس الإدارة
رمزي السيد شعبان
رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1987
الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
2590 -
1987 - 25004