الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما المعقول فمن وجوه منها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وسلم كان نفى الأوثان.
ومنها: أننا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه.. فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه.
فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها. لكنهم ما بلغوا حد التواتر. وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة «1» .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به، وصرح بعد ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب.
والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه صلى الله عليه وسلم شرعا ولو على سبيل السهو.
والذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين..
والدليل على هذا المعنى: أن الله- تعالى- بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان الخلق، لأنه قال: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
…
ثم قال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
…
فهذا يدل على أن الشيطان يلقى عليهم، أن الذي يقرؤه النبي ليس بحق، فيصدقه الأشقياء، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه
…
» «2» .
ثم بين- سبحانه- أن الكافرين سيستمرون على شكهم في القرآن حتى تأتيهم الساعة، وأنه- تعالى- سيحكم بين الناس يوم القيامة، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فقال- عز وجل:
[سورة الحج (22) : الآيات 55 الى 59]
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)
(1) راجع تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 167.
(2)
تفسير أضواء البيان ج 5 ص 731 لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطى وراجع تفسير الآلوسى ج 17 ص 175.
والضمير في قوله: مِنْهُ يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى ما جاء به الرسول من عند ربه، وقيل إلى ما ألقاه الشيطان.
وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال:
هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن لك من ذكر قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.. أقرب منه من ذكر قوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ.. «2» .
والمعنى ولا يزال الذين كفروا في شك وريب مما أوحاه الله إليك من قرآن، بسبب قسوة قلوبهم، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم.
وسيستمرون على هذه الحال حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ أى: القيامة بَغْتَةً أى: فجأة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ أى: لا مثل له في هوله وشدة عذابه ولا يوم بعده، إذ كل يوم يلد ما بعده عن الأيام إلا هذا اليوم وهو يوم القيامة فإنه لا يوم بعده.
قال ابن كثير: «وقوله: أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال مجاهد: قال أبى بن كعب: هو يوم بدر.
(1) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 176.
(2)
تفسير ابن جرير ج 17 ص 135.
وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير.
وفي رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له، وكذا قال الضحاك والحسن.
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أو عدوا به، لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ كقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «1» .
ثم بين- سبحانه- مظاهر قدرته، وشمول قهره لغيره فقال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.. والتنوين في قوله يَوْمَئِذٍ عوض عن جملة.
أى: السلطان القاهر، والتصرف الكامل، يوم تأتيهم الساعة بغتة، أو يوم يأتيهم عذابها يكون لله- تعالى- وحده، كما أن الحكم بين الناس جميعا يكون له وحده- سبحانه- فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ يكونون في هذا اليوم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا التي جاءتهم بها رسلنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أى: لهم عذاب ينالون بسببه ما ينالون من هوان وذل.
وَالَّذِينَ هاجَرُوا من ديارهم فِي سَبِيلِ إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ثُمَّ قُتِلُوا أى: قتلهم الكفار في الجهاد أَوْ ماتُوا أى: على فراشهم.
هؤلاء وهؤلاء لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ- تعالى- بفضله وكرمه رِزْقاً حَسَناً يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه. حيث يبوئهم جنته.
قال- تعالى-: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.. «2» .
وقال- سبحانه- وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ «3» .
وقوله- عز وجل: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تذييل قصد به بيان أن عطاءه- سبحانه- فوق كل عطاء، لأنه يرزق من يشاء بغير حساب، ويعطى من يشاء دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، أو ينقص مما عنده شيء.
وقوله- تعالى-: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ.. استئناف مقرر لما قبله.
(1) تفسير ابن كثير ج 5 ص 442.
(2)
سورة آل عمران الآية 169.
(3)
سورة النساء آية 100.