الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ملاحظات على مقال: (مولد النبي صلى الله عليه وسلم
-) (1)(2)
نشر الأستاذ علي عبد الرازق في "جريدة الأخبار" يوم المولد الشريف
(1) مجلة "لواء الإسلام "- العدد الثامن من السنة الثامنة.
(2)
كتب علي عبد الرازق ردًا على هذه الملاحظات في مجلة "لواء الإسلام" العدد العاشر من السنة الثامنة. وقد اطلع الإمام محمد الخضر حسين على الرد، فأعقبه بالكلمة التالية:"كتب الأستاذ علي عبد الرازق مقالًا عنوانه: مولد النبي، ونشره في "جريدة الأخبار" يوم المولد، وهو الذي يتذكر فيه المسلمون عظمة رسول الله، وسيرته المنقطعة النظير، بانيًا على ما قاله في كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وزاد عليه: الحديث في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، فكتبنا على المقال ملاحظات كنا نحسب أن الأستاذ يدفع الملاحظات التي أوردناها بنصوص شرعية، أو أصول علمية، فيكفينا الله عاقبة الخلاف، أو يقر ما ذكرناه من الملاحظات، والرجوع إلى الحق فضيلة، أو يسكت، فيكون كل منا أبدى رأيه، والناس ينظرون ماذا يروون. ولكنه كتب مقالًا أظهر به أنه رد الملاحظات التي أوردناها في "لواء الإسلام"، وخرج فيه إلى أشياء غير علمية، وليس من شأننا أن نخوض فيها مع الخائضين، فيضيع الحق بيننا، والقراء المنتبهون يعرفون الواقع، والتاريخ الصحيح من ورائهم شهيد بذلك".
وإن الإطلاع على رد علي عبد الرازق وما تضمنه من كلمات خارجة عن نطاق البحث العلمي، ورد الشيخ الخضر - رضوان الله عليه -، يعطي صورة رائعة للأخلاق النبوية التي يتحلى بها الشيخ الخضر، ويوضح الفرق الشاسع بين أهل العلم والمعرفة والاتزان، وبين غيرهم.
مقالاً عنوانه: مولد النبي، واطلعت على هذا المقال، ولاحظت فيه أشياء أردت أن أنبه القارئ عليها؛ لتتم الفائدة المقصودة من المقال، واخترت أن أنقل العبارة التي أبدي عليها الملاحظة بنصها؛ ليشاركنا القارئ في النظر فيها، ونكون للأستاذ صاحب المقال منصفين.
قال الأستاذ في صدر مقاله: "قد يلاحظ بعض الباحثين: أن ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم قد تم على وفق السنن الطبيعية التي بنى الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة بين جميع البشر، فلم يقترن ميلاده بالمعجزات الصادعة التي اقترن بها ميلاد عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى، وعيسى - عليهم الصلاة والسلام -".
أراد الأستاذ من بعض الملاحظين: نفسَه؛ فإنه حكم في هذه الدعوة الخطيرة في أسلوب جديدة ليقبل الناس على سماعها، وإن لم يعقبها بدليل معقول.
حُفّ صلى الله عليه وسلم في مولده إلى بعثته بألطاف إلهية، وهذا المظهر المشمول بالعناية كافٍ في سماع دعوى الرسالة. على أن المحدِّثين رووا أحاديث منها ما هو صحيح فيما وقع قبل الرسالة من إرهاصات، واذا لم تتواتر، فلعدم الحاجة الملحة إلى روايتها بالتواتر. فالمدار على أن يكون دليل صدق الرسالة قاطعًا، وهو المعجزة المقارنة للدعوى.
قال الأستاذ: "هنالك روايات تحاد تروى عن إرهاصات صحبت مولد محمد عليه السلام وسواء أصحت هذه الروايات كلها، أو بعضها، أو لم يصح شيء منها، فإنها لم تبلغ من قوة السند، ولا من قوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى".
المدققون في فهم عبارات المؤلفين يرون أن الأستاذ تكلم على الأحاديث التي رويت في إرهاصات مولد محمد- عليه السلام، وذكر لها ثلاثة احتمالات:
إما أن تصح كلها، أو يصح بعضها، أو لم يصح منها شيء، وربط هذه الاحتمالات الثلاثة بأنها لم تبلغ في قوة السند وقوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى، مع أنه على الاحتمال الثالث، وهو أنه لم يصح منها شيء، لا يقال: إنها لم تبلغ في قوة السند ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى.
قال الأستاذ: "وإذا نحن جاوزنا فترة الميلاد إلى ما بعدها من أطوار حياة محمد كلها، وجدنا أن حياته كانت أيضاً في هذه الأطوار تسير على وفق السنن الطبيعية التي بنى الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة البشرية، فلم تقترن بالمعجزات الصادعة التي اقترنت بها حياة عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولاسيما موسى وعيسى".
ثم ذكر الأستاذ ما قصه القرآن الكريم من معجزات موسى وعيسى عليهما السلام، وقال:"لم يجئ محمد أصحابه بمثل تلك المعجزات الصادعة التي تدهش العقول، وترج القلوب، وتزعج النفوس".
ذكر القرآن معجزة انشقاق القمر في قوله تعالى:
{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} . [القمر: 1 - 2].
فالتعبير بالفعل الماضي في قوله تعالى:
{وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} ، وتعقيبه بقوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] آية على دليل على أن المراد ما روي في الصحيح من انشقاق القمر عندما سأل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في دعوى الرسالة.
وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء.
وقال السبكي: انشقاق القمر متواتر لا يجوز إنكاره.
وذكر القرآن معجزة الإسراء المشار إليها بقوله تعالى:
ومعجزة المعراج الثابتة في الصحيح المشار إليها بقوله تعالى:
{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم 11 - 12].
وقوله تعالى:
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 17 - 18].
وفي الصحيح معجزات وقعت بمحضر الصحابة؛ كتكثير الماء القليل، حتى قال النووي:"وتكثير الماء بلغ مرتبة التواتر"، وتكثير الطعام، وغير ذلك، وعبّر عنها الإمام البخاري بعلامات النبوة، وعبر غيره بآيات النبوة.
والمعجزات تثبت بصحة السند، وصلاح القدرة الإلهية لها، ولا يكفي في نفيها استبعاد الذهن لها، إذ هي خارقة للعادة، فلا بد أن يستبعدها الذهن أول بدء، فإذا تأمل في صحة سندها وصلاح القدرة لها، اعترف بها.
قال الأستاذ: "وقد طالبه قومه، وألحوا عليه في الطلب بن يأتيهم بمثل ما جاء به الرسل من قبله من تلك المعجزات، فكان- عليه السلام يدفعهم بالحجة البسيطة الواضحة التي لا تكد العقل، ولا تخفى على أي ناظر".
ثم أورد الأستاذ ثلاث آيات: الأولى: قوله تعالى:
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [العنكبوت: 50].
وقوله تعالى:
{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59].
والآية الثالثة: قوله تعالى:
وقد اطلع على هذه الآيات، وتلاها حق تلاوتها المحدِّثون الذين رووا أحاديث المعجزات؛ كالبخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن، والأئمة؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ورأوها لا تنافي إجراء المعجزات على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وقصارى ما تدل عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك المعجزات، وأن الله هو الذي يجريها على أيدي الرسل- عليهم السلام عندما يرى إجراءها مناسبًا لعظمته، وعلم أن الحال يقتضي إجراءها، لا بمجرد اقتراح المشركين، فإن منهم من يقترح المعجزات، وفيه جفاء طبيعة، وعدم استعداد للإيمان بها، قال تعالى:
{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2].
ودل بالآية:
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام: 109] على أنهم يقسمون، ولا يراعون للأيمان عهداً، قال تعالى:
{وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109].
وقال الأستاذ: "هكذا كان في مولده وفي حياته مستقيماً على قواعد البشرية، منسجماً مع أنظمة الطبيعة، خاضعاً لسنن الكون".
كان محمد صلى الله عليه وسلم في ميلاده وحياته كلها كما قال الأستاذ، وهذا لا ينافي أن الله يصونه بألطافه، ويكرمه بالمعجزات؛ ليعلم أنه رسول من الله، فيبطل انحراف الناس عن البشرية إلى جانب البهيمية، وانسجامهم مع دواعي الطبيعة غير الفطرية، وخضوعهم لمن لا يتعظ بسنن الله الكونية.
قال الأستاذ: "فالصلاة كتاب على المؤمنين موقوت، ولكن ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا".
الآية أصلها:
فذكر الأستاذ السبب الثاني للقصر من الصلاة، وهو خوف فتنة الذين كفروا، وتركَ السبب الأول لقصرها، وهو الضرب في الأرض، أعني: السفر إلى بلد آخر.
قال الأستاذ: "والصيام مكتوب على المسلمين، ولكن على الذين يطيقونه فدية طعام مساكين".
لا أعلم أحدًا من المسلمين يقول: إن يطيقونه بمعنى: يستطيعونه، وتبقى عنده الآية باقية على حكمها. وكثر العلماء على أن الآية منسوخة بالآية بعدها، أعني قوله تعالى:
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
كما روى الإمام البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أصحاب النبي ذلك، ومن لا يقول بنسخ الآية يفسر يطيقونه على وجه يلتئم بما هو مقرر في الشريعة؛ من أن صيام رمضان فرض على كل مسلم ومسلمة، إلا من استثنتهم الشريعة ناظرةً إلى المشقة التي تلحقهم بالصيام.
ذكر الأستاذ هنا الصلاة، والصيام، والحج، ولم يذكر الزكاة؛ لأنه لا يراها من الدين، فقال في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وهو يتحدث عن الزكاة والجزية والغنائم:"ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات الحكومة على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلاً فحسب".
والزكاة وردت في القرآن غالباً مع الصلاة، والفقهاء يجعلون للزكاة بابًا مستقلاً، ويذكرون الجزية والغنائم في باب الجهاد.
وعلماء الإسلام المنبثون في الشرق والغرب من عهد النبوة إلى عصرنا هذا المجتهدون يستندون في تقرير الأحكام العملية إلى الكتاب أو السنة، أو الأصول المستمدة منهما، والتابعون لمذهب إمام يعرفون أن إمامهم يستند في الأحكام العملية إلى الأصول الثلالة. فالمجتهدون وتابعوهم يعلمون أن الأحكام تستند إلى الشريعة نصاً أو استنباطاً، والمرجع في أمور الدين إلى علمائه الذين يدرسونه بحق، ويخلصون لله في دراسته، وليذكر لنا الأستاذ واحدًا من العلماء قال؛ إن الخلافة والقضاء ونحوهما ليست من الدين في شيء.
واقتصر الأستاذ في ذكر مطالب الشريعة على الصلاة والصيام والحج،
ولم يذكر أحكام المعاملات؛ لأنه أخرج الأحكام العملية من نظر الوحي، فقال في كتابه "الإسلام وأصول الحكم":"والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، صانما تركها لنا نرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة".
وقد كتبنا في رد هذا الرأي وما قبله في "كتاب نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
واستدل الأستاذ بالآيات القرآنية، ولم يذكر أن القرآن معجزة؛ لأنه بسبيل نفي المعجزة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون على أنه معجز للخلق كافة، وقد صرح القرآن نفسه بأنه معجز، فقال تعالى:
وقال تعالى:
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23].
وتحدث الأستاذ عن المنهج الجديد، وقال:"بطلت الحاجة إلى المعجزات، وقام مقامها حكم العقل وسلطان العلم والنظر، وبذلك تمت الآية الكبرى لمحمد بن عبد الله".
إن الإسلام انتشر، وقبلته الطبائع البشرية الصافية، وهم يطالعون في كتب الأئمة المحدثين والفقهاء والمتكلمين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والأحكام التي جاء بها، فلا تزيدهم إلا إيماناً واطمئناناً.
وقوله تعالى:
{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] قد يراد بالآيات: الزلازل، والرعد القاصف، والبرق الخاطف؛ لأنه يذكر بحوادث الساعة، وقد يراد بالآيات: المعجزات؛ لأنه ينشأ عن مشاهدتها إنذار بأن عذاب الله في الآخرة لمن لم يذعن بها.