المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في الصبر والجزع - نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد - جـ ١

[اليازجي، إبراهيم]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول: فِي الخَلْقِ وَذِكْرِ أَحْوَالِ الفِطْرَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا

- ‌فَصْلٌ في الْخَلْق

- ‌فَصْل فِي قُوَّةِ الْبِنْيَةِ وَضَعْفِهَا

- ‌فَصْلٌ فِي حُسْنِ الْمَنْظَر وَقُبْحِهِ

- ‌فَصْلٌ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ

- ‌فَصْلٌ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ

- ‌فَصْلٌ فِي الأطَوْار وَالأَسْنَان

- ‌فَصْل فِي الْبَصَرِ

- ‌فَصْل فِي السَّمْعِ

- ‌فَصْلٌ فِي الذَّوْقِ

- ‌فَصْلٌ فِي الشَّمِّ

- ‌فَصْل فِي اللَّمْسِ

- ‌الباب الثاني: في وصف الغرائز والملكات وما يأخذ مأخذها ويضاف إليها

- ‌فَصْلٌ في كَرَمِ الأَخْلاقِ وَلُؤْمِهَاِ

- ‌فَصْل فِي الْجُودِ وَالْبُخْلِ

- ‌فَصْلٌ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ

- ‌فَصْلٌ فِي الأَنَفَةِ وَالاسْتِكَانَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْكِبَرِ وَالتَّوَاضُعِ

- ‌فَصْلٌ فِي سُهُولَةِ الْخُلُقِ وَتَوَعُّرِهِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْحِلْمِ وَالسَّفَهِ

- ‌فَصْلٌ فِي الطَّلاقَةِ وَالْعُبُوسِ

- ‌فَصْلٌ فِي الظَّرْفِ وَالسَّمَاجَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْبَلادَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْكَيسِ وَالْحُمْقِ وَذِكْر الْجُنُون وَالْخَرَف

- ‌الباب الثالث: في الأحوال الطبيعية وما يتصل بها ويذكر معها

- ‌فَصْلٌ في النَّوْمِ وَالسَّهَرِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْجُوعِ وَالشِّبَعِ

- ‌فَصْلٌ فِي تَفْصِيل هَيْئَات الأَكْل وَضُرُوبه

- ‌فَصْلٌ فِي الْعَطَش وَالرِّيّ

- ‌فَصْلٌ فِي الشَّرَابِ وَالسُّكْرِ

- ‌فَصْلٌ في الاعْتِلالِ وَالصِّحَّةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْعَوَارِضِ الطَّبِيعِيَّةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الحُمِّيَّات

- ‌فَصْلٌ فِي الْبُثُورِ وَالآثَارِ وَالآفَاتِ الْجِلْدِيَّةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْقُرُوحِ وَالأَخْرِجَة وَالأَوْرَامِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْجِرَاحَاتِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْخَلْعِ وَالْكَسْرِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا

- ‌فَصْلٌ فِي الاحْتِضَارِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْمَوْتِ

- ‌الباب الرابع: في حركات النفس وانفعالاتها وما يلحق بذلك

- ‌فَصْلٌ في السُّرُورِ وَالْحُزْنِ

- ‌فَصْلٌ فِي الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ

- ‌فَصْلٌ فِي الصَّبْرِ وَالْجَزَعِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْخَوْفِ وَالأَمْنِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْحَيَاءِ وَالْوَقَاحَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الرِّقَّةِ وَالْقَسْوَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْمُوَاصَلَةِ وَالْقَطِيعَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْمُدَاهَنَةِ وَالْخِدَاعِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْعِشْقِ وَالْخُلُوِّ

- ‌فَصْلٌ فِي الْعِفَّةِ وَالدَّعَارَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الشَّوْقِ وَالسُّلْوَانِ

- ‌فَصْلٌ فِي النَّشَاطِ وَالسَّأَمِ

- ‌فَصْلٌ فِي الأَمَلِ وَمَصَايِرُهُ

- ‌فَصْلٌ فِي الطَّمَعِ وَالْقَنَاعَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي الحَسَد

- ‌فَصْلٌ فِي الْغَضَبِ وَإِطْفَائِهِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْحِقْدِ وَالْعَدَاوَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي التَّنَدُّمِ

- ‌الفصل الخامس: في الأصول والأنساب والطبقات وما يتصل بها

- ‌فَصْلٌ في كَرَمِ الْمَحْتِدِ وَلُؤْمِه

- ‌فَصْلٌ في النَّسَبِ وَالاِنْتِسَابِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ

- ‌فَصْلٌ فِي أَشْرَافِ النَّاسِ وسَفِلَتِهِمْ

- ‌فَصْلٌ فِي النَّبَاهَةِ وَالْخُمُولِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْعِزَّةِ وَالذِّلَّةِ

- ‌فَصْلٌ فِي السُّمُوِّ إِلَى الْمَعَالِي وَالْقُعُودِ عَنْهَا

- ‌فَصْلٌ فِي التَّعْظِيمِ وَالاحْتِقَارِ

- ‌فَصْلٌ في الْفَخْرِ وَالْمُفَاخَرَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي تَقَدُّمِ الرَّجُلِ عَلَى أَقْرَانِهِ

- ‌فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الأَكْفَاءِ

- ‌فَصْلٌ فِي التَّفَرُّدِ وَانْقِطَاعِ النَّظِيرِ

- ‌فَصْلٌ فِي الشَّبَهِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ

- ‌فَصْلٌ فِي الْقُدْوَةِ وَالاحْتِذَاءِ

- ‌فَصْلٌ فِي ذِكْرِ طَبَقَاتٍ شَتَّى مِنْ النَّاسِ

الفصل: ‌فصل في الصبر والجزع

‌فَصْلٌ فِي الصَّبْرِ وَالْجَزَعِ

يُقَالُ: فُلانٌ صَابِرٌ لِلأُمُورِ، وَصَبُور، وَصَبَّار، وَقَدْ صَبَرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَصَبَرَ عَنْ الْمَحْبُوبِ، وَصَبَّرَ نَفْسه، وَتَصَبَّرَ، وَاصْطَبَرَ.

وَإِنَّهُ لَفَسِيح رُقْعَة الصَّبْر، وَاسِع فِنَاءِ الصَّدْر، مَتِين عُرَى الْجِلْدِ، وَقَدْ تَلَقَّى الأَمْر بِرُحْب صَدْره وَثَبَات جَنَانِهِ، وَاحْتَمَلَهُ بِطُولِ أَنَّاتِهِ، وَسَعَة ذَرْعه، وَنَزَلَ هذا الأَمْر مِنْهُ فِي بَالٍ وَاسِعٍ، وَخُلُقٍ وَادِع وَلَبَبٍ رَخِيّ، وَذَرْع فَسِيح.

وَيُقَالُ: عَرَفَ لِلْخَطْب، وَاعْتَرَفَ لَهُ، أَيْ صَبَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ ذُو عُِرْفٍ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، وَهُوَ عَارِفٌ، وَعَرُوفٌ، وَعَرُوفَة، وَنَفْسٌ عَارِفَة، وَعَرُوفٌ.

وَتَقُولُ: حُمِلَ فُلانٍ عَلَى كَذَا فَاحْتَمَلَهُ، وَتَحَمَّلَهُ، وَطُوِّقَهُ فَأَطَاقَهُ، وَإِنَّهُ لَرَجُل حَمُولٌ لِلنَّائِبَاتِ، مُضْطَلِعٌ بِالشَّدَائِدِ، مُقْرِنٌ لِخُطُوبِ الدَّهْرِ، جَلْدٌ عَلَى مَضّ النَّوَازِل.

وَقَدْ لاذَ بِالصَّبْرِ، وَوَطَّنَ نَفْسه عَلَى الصَّبْرِ، وَضَرَبَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ أَطْنَاب صَبَّرَهُ، وَتَلَقَّاهُ بِجُنَّة صَبْرِهِ، وَصَبَرَ فِيهِ عَلَى تَجَرُّع الْغُصَص، وَتَجَلَّدَ

ص: 213

عَلَى مَضَض الْمِحَن، وَرَدَّ نَفْسَهُ عَلَى مَكْرُوهِهَا، وَصَبَرَ عَلَى شَيْءٍ أَمَرَّ مِنْ الصَّبْرِ.

وَيُقَالُ: أَصَابَهُ كَذَا فَعَضَّ عَلَى نَاجِذَيْهِ أَيْ صَبَرَ عَلَى مَا نَابَهُ، وَقَدْ رَبَطَ لِلأَمْرِ جَأْشاً إِذَا صَبَّرَ نَفْسه عَلَيْهِ وَحَبَسَهَا، وَمَا زَالَ فِي أَمْرِهِ ذَاكَ رَابِط الْجَأْشِ، وَرَبِيطَ الْجَأْشِ، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ صُلْب الْعُودِ، صُلْب الْمَعْجَمِ، لا تَرُوعُهُ النَّوَائِبُ، وَلا تَنَالُ مِنْ صَبْرِهِ الْمُلِمَّات، وَلا يَلِينُ جَنْبه لِحَادِث، وَلا يَتَضَعْضَعُ لِرَيْب الدَّهْر.

وَلَمْ أَجِدْ أَصْبَرَ مِنْهُ عَلَى خَطْب، وَلا أَقْوَى جَلَداً عَلَى مِحْنَة، وَلا أَثْبَتَ جَأْشاً عِنْدَ نَازِلَة، وَكَأَنَّمَا هُوَ فِي الشَّدَائِدِ صَخْرَة وَادٍ، وَكَأَنَّهُ طَوْد مِنْ الأَطْوَاد، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: إِذَا نُعِتَ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ مَا تَبِضُّ عَيْنُهُ أَيْ مَا تَدْمَعُ، وإِنَّمَا كَانَتْ وَقْرَةً فِي صَخْرَة وَالضَّمِير لِلْمُصِيبَةِ أَيْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ إِلا كَمَا تُؤَثِّرُ الْهَزْمَة فِي الصَّخْرِ.

وَغَشِيَهُ أَمْر كَذَا فَتَمَاسَكَ، وَتَمَالَكَ، وَلَيْسَ لِفُلان مَلاك بِالْفَتْحِ إِذَا كَانَ لا يَمْلِكُ نَفْسه، وَأَنَا أَمْلِكُ مِنْ نَفْسِي مَا لا يَمْلِكُ سِوَايَ.

وَيُقَالُ: عَزِيَ الرَّجُل بِالْكَسْرِ

ص: 214

عَزَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَهُوَ حُسْنُ الصَّبْرِ عَمَّا فَقَدْتَهُ، وَرَجُل عَزِيّ صَبُور إِذَا كَانَ حَسَنَ الْعَزَاءِ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَقَدْ رَبَطَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ أَيْ صَبَّرَهُ.

وَرَأَيْته صَابِراً مُحْتَسِباً إِذَا اِعْتَدَّ لَهُ بِالصَّبْرِ أَجْراً عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ سَلَّمَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، وَفَوَّضَ أَمْره إِلَى اللَّهِ، وَوَكَلَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، وَصَبَرَ عَلَى مَا نَزَلْ بِهِ صَبْراً جَمِيلاً، وَتَجَمَّلَ فِي مُصِيبَتِهِ، يُقَالُ: إِذَا أَصَابَتْك نَائِبَةٌ فَتَجَمَّلْ.

وَعَزَّيْته عَنْ كَذَا إِذَا أَمَرْتهُ بِالْعَزَاءِ وَالصَّبْرِ، وَتَعَزَّى هُوَ، وَأَسَّيْته فِي مُصِيبَتِهِ إِذَا ذَكَرْت لَهُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِهَا فَصَبَرَ، تَقُولُ: لَك فِي فُلان أُسْوَة بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ أَيْ قُدْوَة، وَقَدْ ضَرَبْت لَهُ الأسى بِالْوَجْهَيْنِ وَهِيَ جَمْع أُ (إِ) سْوَة، وَتَأَسَّى الرَّجُل، وَائْتَسَى بِفُلان، أَيْ اِقْتَدَى بِهِ فِي الْمُصِيبَةِ وَرَضِيَ لِنَفْسِهِ مَا رَضِيَهُ.

وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ تُعَزِّيه: جَمَالَكَ يَا هَذَا. بِالْفَتْحِ أَيْ تَجَمَّلْ وَتَصَبَّرْ وَالنَّصْب عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى الإِغْرَاءِ، وَخَفِّضْ عَلَيْك أَيْ هَوِّنْ عَلَى نَفْسِك وَلا تَجْزَع، وَعَلَيْك بِالصَّبْرِ، وَلُذْ بِالصَّبْرِ، وَاعْتَصِمْ بِالصَّبْرِ، وَاسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا نَابَك، وَأَلْهَمَك اللَّهُ الصَّبْرَ، وَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك، وَأَجْمَلَ اللَّهُ صَبْرَك، وَأَجْزَلَ أَجْرَك.

وَتَقُولُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: صَبْرٌ جَمِيل، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِليه رَاجِعُونَ، وَاللَّهُمَّ

ص: 215

أَلْهِمْنَا الصَّبْر، وَأَوْزِعْنَا الصَّبْر، وَرَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً. وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: جَزِعَ الرَّجُلُ، وَهَلِعَ، وَهُوَ أَشَدُّ الْجَزَع وَأَفْحَشُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ جَزُوعٌ، وَهَلُوعٌ، وَبِهِ جَزَعٌ، وَهَلَعٌ، وَهَلُوعٌ، وَبِهِ هِلاعٌ شَدِيدٌ.

وَقَدْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ فَارْفَضَّ لَهَا صَبْرُهُ، وَانْحَلَّتْ عُقْدَةُ صَبْرِهِ، وَانْتَقَضَتْ مِرَّة صَبْره وَانْفَصَمَتْ عُرَى صَبْرِهِ، وَانْفَتَقَتْ بِنَائِق صَبْره، وَانْهَارَ جُرف اِصْطِبَاره وَتَقَوَّضَتْ دَعَائِم اِصْطِبَاره، وَتَدَاعَتْ حُصُون صَبْرِهِ، وَدُكَّتْ أَسْوَار صَبْرِهِ، وَمُزِّقَتْ كَتَائِب صَبْرِهِ.

وَرَهِقَهُ مِنْ الأَمْرِ مَا عِيلَ بِهِ صَبْرُهُ، وَضَاقَ بِهِ ذَرْعُهُ، وَضَاقَ عَنْهُ طَوْقُهُ وَعَجَزَ عَنْهُ وُسْعه، وَعَجَزَتْ مُنَّتُهُ عَنْ اِحْتِمَالِهِ، وَوَهَنَ بِهِ صَبْرُهُ، وَوَهَى جَلَدُهُ، وَرَقَّ جَلَدُهُ، وَوَهَى جَأْشُهُ، وَخَارَ اِصْطِبَاره، وَضَعُفَ اِحْتِمَالُهُ، وَنَفِدَ صَبْرُهُ، نُزِفَ صَبْرُهُ،

ص: 216

وَنَضَبَ مَعِين اِصْطِبَارِه.

وَقَدْ خَانَهُ الصَّبْر، وَأَسْلَمَهُ الْجَلَد، وَبَاتَ رَهِين الْبَلابِل، وَنُجِّيَ الْوَسَاوِس، وَقَدْ اِسْتَسْلَمَ لِلْوَجْدِ، وَاسْتَكَانَ لِلْعَبْرَةِ، وَأَخْلَدَ إِلَى الشُّجُونِ، وَبَاتَ لا يَمْلِكُ دَمْعه، وَلا يَمْلِكُ قَلْبه، وَلا يَتَمَالَكُ مِنْ الْوَجْدِ وَلا يَتَمَاسَكُ مِنْ الْكَرْبِ، وَلا يَتَقَارّ مِنْ الْجَزَعِ، وَرَأَيْته قَائِماً عَلَى رَجُل وَقَدْ ضَاقَتْ بِهِ الْمَذَاهِب، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَسَالِك، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِرَحَبِهَا، وَأَمْسَى مِنْ الْكَرْبِ فِي أَضْيَقِ مِنْ كِفَّة حَابِل، وَأَضْيَق مِنْ سَمِّ الْخِيَاطِ، وَأَضْيَق مِنْ بَيَاض الْمِيم.

وَرَأَيْته حَائِر الطَّرْفِ، مُدَلَّه الْعَقْل، ذَاهِب الْقَلْبِ، مُسْتَطَار الْفُؤَاد، مُزْدَهِف اللُّبّ، وَقَدْ هَفَا فُؤَادُهُ جَزَعاً، وَطَارَ قَلْبُهُ شُعَاعاً، وَذَهَبَتْ نَفْسه شُعَاعاً، وَتَسَاقَطَتْ نَفْسه حَسْرَة، وَكَادَتْ تَزْهَقُ نَفْسه مِنْ الْهَلَعِ، وَكَادَ يُقْضَى عَلَيْهِ مِنْ الْغَمِّ.

وَقَدْ شُخِصَ بِالرَّجُلِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا أَقْلَقَهُ، وَوَرَدَ عَلَيْهِ

ص: 217