الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الرطب بالتمر
ش: أي هذا باب في بيان حكم بيع الرطب بالتمر هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا وأسامة بن زيد أخبراه، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، أن زيدًا أبا عياش أخبره:"أنه سأل سعدًا عن السلت بالبيضاء، فقال سعد: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن، وكرهه".
ش: عبد الله بن يزيد القرشي المدني الأعور مولى الأسود بن سفيان روى له الجماعة وقال أبو عمر: ظن قوم أنه عبد الله بن يزيد بن هرمز الفارسي الفقيه وليس كذلك، وإنما هو مولى الأسود بن سفيان، وكذلك في رواية أبي مصعب والشافعي وغيرهما، ولم يذكر مالك عن عبد الله بن يزيد بن هرمز حديثًا ولا مسألةً، يقولون: إنه خرَّج عليه وعلى غيره إن تحدثوا بحديث أو رأي عنه.
وأبو عياش بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة اسمه زيد، يقال له: أبو عياش الزرقي.
وفي "التكميل": زيد بن عياش أبو عياش الزرقي ويقال: المخزومي، ويقال: مولى بني زهرة المدني تابعي.
عن سعد بن أبي وقاص: "أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم".
وعنه عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنس السلمي، وقد صحح هذا الحديث الترمذي وابن خزيمة والحاكم، ووثق زيد الدارقطني، وقال الإِمام أبو حنيفة وأبو محمد بن حزم: مجهول. انتهى.
وقيل: لم يرو عنه أحد غير عبد الله بن يزيد، وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وزيد هذا قيل: هو أبو عياش الزُّرَقي وقيل: أبو عياش الزرقي اسمه زيد بن
الصامت، وهو من صغار الصحابة وممن شهد بعض مشاهدهم، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" من التابعين.
والحديث أخرجه مالك في "موطإه"(1): عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره:"أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البَيْضاء بالسُّلْت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ فقال: البيضاء. فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله عليه السلام يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول الله عليه السلام: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك".
وأخرجه الترمذي (2): عن قتيبة، عن مالك نحوه، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي (3): أنا عمرو بن علي، ثنا يحيي، عن مالك، حدثني عبد الله بن يزيد، عن زيدٍ بن أبي عياش، عن سعد قال:"سئل رسول الله عليه السلام عن التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عنه".
وأخرجه أبو داود (4): من حديث معاوية بن سلام، عن يحيى، أنا عبد الله ابن يزيد، أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعدًا يقول:"نهى رسول الله عليه السلام عن بيع الرطب بالتمر نسيئة". وقال الدارقطني: خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن ابن يزيد، وما قالوا فيه:"نسيئة".
فإن قلت: بم حكمت في هذا الحديث؟
(1)"موطأ مالك"(2/ 624 رقم 1293).
(2)
"جامع الترمذي"(3/ 528 رقم 1225).
(3)
"المجتبى"(7/ 268 رقم 4545).
(4)
"سنن أبي داود"(3/ 251 رقم 3360).
قلت: هذا كما ترى قد صححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وسكت عنه أبو داود، وسكوته دليل الرضا به، ولكن فيه مقال كثير، وهو مضطرب متنًا وسندًا على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: "عن السلت بالبيضاء" أي عن بيع السلت بالبيضاء، والسلت -بضم السين المهملة وسكون اللام وفي آخره تاء مثناة من فوق- وهو ضرب من الشعير أبيض لا قشر له، والبيضاء ممدود: الحنطة، وتسمى السمراء أيضًا.
وقال الخطابي: السلت: نوع من البر أبيض اللون فيه رخاوة يكون بمصر، والسلت أدق حبا منه، والبيضاء: الشعير.
وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وخرج قاسم هذا الحديث فقال فيه: "سأل رجل سعدًا عن السلت بالشعير
…
" فساق الحديث، فبان بهذا أن البيضاء هي الشعير، ولا خلاف في ذلك أن البيضاء هي الشعير إلا ما ذكره وكيع، فإنه وهم في هذا الحديث على مالك، وساق عنه بسنده، وقال فيه: عن زيد أبي عياش، وقال: "سألت سعدًا عن السلت بالذرة فكرهه، وقال: سُئل رسول الله عليه السلام عن الرطب بالتمر
…
" وذكر الحديث، وجعل الذرة موضع البيضاء وذلك وهم، والبيضاء عند العرب الشعير، والسمراء عندهم البر، والذرة صنف منفرد عند العلماء. انتهى.
وروى الترمذي (1): ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش قال: "تبايع رجلان على عهد سعد بن أبي وقاص بسلت وشعير، فقال سعد: تبايع رجلان على عهد
(1) لم يروه الترمذي في "جامعه" من هذا الطريق، وإنما رواه (3/ 528 رقم 1225) من طريق قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد بنحوه.
وانظر "تحفة الأشراف"(3/ 283 رقم 3854).
وأخرجه الحميدي في "مسنده"(1/ 41 رقم 75) عن سفيان به.
رسول الله عليه السلام بتمر ورطب، فقال رسول الله عليه السلام: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن".
قال أبو عمر: في هذا الحديث تفسير البيضاء المذكورة في حديث مالك أنها الشعير، وهو كذلك عند أهل العلم.
قلت: إذا كان البيضاء هو الشعير، وقد ذكرنا أن السلت أيضًا نوع من الشعير وقد ذكره الجوهري هكذا أيضًا يكون سؤال أبي عياش سعدًا عن بيع الشعير بالشعير، وعن هذا قال أبو عمر: في هذا الحديث من قول سعد ما يدل على أن السلت والشعير عنده صنف واحد، فلا يجوز التفاضل بينهما، ولا يجوز إلا مثلًا بمثل وكذلك القمح معهما صنف واحد، وهو مذهب مشهور معروف من مذهب سعد بن أبي وقاص إليه ذهب مالك وأصحابه، وقال أيضًا: جعل الليث بن سعد البر والشعير والسلت والدخن والأرز والذرة صنفًا واحدًا هذه الستة كلها لا يجوز بيع شيء منها بشيء إلا مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ عنده. انتهى.
وقال صاحب "المطالع": السلت حب بين البر والشعير لا قشر له.
وقال أيضًا: وفي حديث سعد البيضاء بالسلت جاء في حديث سفيان أنه الشعير، وقال الداودي: هو الأبيض من البر. وقال الخطابي: هي الرطب من السلت، كرهه من باب الرطب باليابس من جنسه، ويدل على صحة قول الداودي قول مالك في "الموطأ": الحنطة كلها؛ البيضاء والسمراء والشعير. فجعلها غير الشعير وهي المحمولة، وهي الحنطة في الحجاز.
قوله: "أينقص الرطب" الهمزة فيه للاستفهام، ومعناه التقرير والتنبيه على نكتة الحكم ليعتبروها في نظائرها، ولا يخفى عليه صلى الله عليه وسلم أن الرطب ينقص إذا يبس ليستفهم عنه.
قوله: "فلا إذن" أي فلا يجوز حينئذ.
واستفيد منه: أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز، وصحة القول بالقياس.
وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: وأَخْذُ سعد حكم السلت بالبيضاء من حكم النبي عليه السلام في الرطب بالتمر؛ دليل على قوله بالقياس، وعلى هذا جماعة الصحابة، ولا نعلم أحد منهم حفظ عنه قضية إلا وجميعها أو معظمها القياس، وقوله عليه السلام:"أينقص الرطب إذا يبس" تنبيه على القياس، فإنه لا يخفى على أحد أن الرطب ينقص إذا يبس، فنبههم النبي عليه السلام أن علة التحريم هو التفاضل في هذا الجنس.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر عن صالح، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس
…
إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره:"أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء. قال: فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله عليه السلام يُسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله عليه السلام: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهاه عن ذلك". انتهى.
قلت: فيه تصريح أن المراد من البيضاء هي الحنطة، ومن السلت الشعير.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقلدوه وجعلوه أصلاً، ومنعوا بيع الرطب بالتمر، وممن ذهب إلى ذلك: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والثوري والليث بن سعد ومالكا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجوز بيع الرطب بالتمر. واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وممن قال بقولهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 251 رقم 3359).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فجعلوا الرطب بالتمر نوعًا واحدًا، وأجازوا بيع كل واحد منهما بصاحبه مثلًا بمثل، وكرهوا نسيئة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: أبا حنيفة والمزني وأبا ثور وداود؛ فإنهم قالوا: يجوز بيع الرطب بالتمر مثلًا بمثل؛ لأنهما نوع واحد وهو اختيار الطحاوي أيضًا، ولا يجوز عندهم أن يبيعوا الرطب بالتمر نسيئة وإن كان مثلًا بمثل لوجود علة الربا.
ص: فاعتبرنا هذا الحديث الذي احتج به عليهم مخالفهم، هل دخله شيء؟ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: ثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره، عن سعد بن أبي وقاص:"أن رسول الله عليه السلام نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة".
فكان هذا هو أصل هذا الحديث، فيه ذكر النسيئة، زاده يحيى بن أبي كثير على مالك بن أنس، فهو أولى، وقد روي هذا الحديث أيضًا عن غير عبد الله بن يزيد على مثل ما رواه يحيى بن أبي كثير أيضًا.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا عمرو بن الحارث، عن بكير ابن عبد الله، حدثه عن عمران بن أبي أنيس، أن مولى بني مخزوم:"حدثه أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل، فقال سعد: نهانا رسول الله عليه السلام عن هذا".
فهذا عمران بن أبي أنيس وهو رجل متقدم معروف قد روى هذا الحديث كما رواه يحيى، فكان ينبغي في تصحيح معاني الآثار أن يكون حديث عبد الله بن يزيد لما اختلف عنه فيه أن يرتفع ويثبت حديث عمران هذا، فيكون النهي الذي جاء في حديث سعد هذا إنما هو لعلة النسيئة لا غير ذلك؛ فهذا سبيل هذا الباب من طريق تصحيح الآثار.
ش: هذه إشارة إلى الجواب عن الحديث المذكور الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيان ذلك أن حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه مالك عن عبد الله ابن يزيد، فيه زيادة ذكرها غير مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد وهي لفظة:"نسيئة"، رواها يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص:"أن رسول الله عليه السلام نهى عن بيع الرطب بالتمر نسئية".
أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي الشامي الدمشقي -ويقال: الحمصي- أحد أصحاب أبي حنيفة، وشيخ البخاري.
عن معاوية بن سلام الحبشي الأسود روى له الجماعة.
عن يحيى بن أبي كثير الطائي، روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (1): عن الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام
…
إلى آخره نحوه.
والأخذ بهذه الزيادة أولى ولا سيما إذا كانت من ثقة، ويحيى بن أبي كثير ثقة حجة ثبت.
وقد روى هذا الحديث أيضًا عن غير عبد الله بن يزيد بهذه الزيادة، مثل رواية يحيى بن أبي كثير، وهو عمران بن أبي أنيس، أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري، عن بكير بن عبد الله بن الأشج -والكل رجال الصحيح- عن عمران بن أبي أنيس إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمران بت أبي أنيس، سمعت أبا عياش يقول: "سألت سعدًا عن شراء السلت
(1)"سنن أبي داود"(3/ 251 رقم 3360).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(5/ 295 رقم 10343).
بالتمر، فقال سعدٌ أبينهما فضل؟ قالوا: نعم. قال: لا يصلح، وقال: وسئل رسول الله عليه السلام عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: أبينهما فضل؟ قالوا: نعم، الرطب ينقص. فقال: لا يصلح".
فإذا كان الأمر كذلك؛ كان ينبغي في تصحيح معاني الآثار أن يكون حديث عمران بن أبي أنيس أولى بالعمل؛ لكونه لم يختلف فيه، بخلاف حديث عبد الله بن يزيد فإنه ينبغي أن يترك ولا يعمل به؛ لكونه قد اختلف فيه عن عبد الله بن يزيد على ما ذكرنا من أن مالكًا روى عنه بدون هذه الزيادة، ويحيى ابن أبي كثير روى عنه بهذه الزيادة، فحصل الاختلاف، فالذي اتفق فيه أولى من الذي اختلف فيه، فحينئذ يكون النهي الذي جاء في حديث سعد إنما كان لأجل علة النسئة لا غير ذلك، فإذا كان كذلك يجوز بيع الرطب بالتمر إذا كان يدًا بيدٍ فلا يبقى فيه حجة لأهل المقالة الأولى.
فإن قيل: كيف تكون رواية عمران أولى من وراية غيره، وفيها مجهول.
قلت: لا نسلم أنه مجهول بل هو زيد أبو عياش المذكور في رواية مالك ويحيى بن أبي كثير، على أن البيهقي قد صرح به في روايته في حديث عمران على ما ذكرنا الآن، ولئن سلمنا أن يكون هذا غير أبي عياش، ففي رواية مالك أبو عياش، وقد قيل فيه: إنه مجهول كما ذكرنا، فتساويا، ويترجح خبر عمران أيضًا لأجل الزيادة المذكورة.
فإن قيل: أيا ما كان لا يتم به الاستدلال لأهل المقالة الثانية كما لا يتم لأهل المقالة الأولى.
قلت: لا نسلم بل يتم لأهل المقالة الثانية؛ لأنه يؤيد استدلالهم بهذا حديث عبادة بن الصامت الصحيح بالاتفاق، فإنه ذكر فيه جواز بيع التمر بالتمر مثلًا بمثل يدًا بيد، واسم التمر يقع على الرطب أيضًا، لأن اسم ثمر النخل لغة، فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمتقع، وروي أن عامل خيبر
أهدى إلى رسول الله عليه السلام تمرًا جنيبًا فقال عليه السلام: أَوَكل تمر خيبر هكذا؟ وكان أهدى إليه رطبًا، أطلق اسم التمر على الرطب، وقد احتج الكاساني لأبي حنيفة بهذا الطريق، ثم قال: وأما الحديث، وأراد به حديث سعد المذكور فمداره على زيد أبي عياش، وهو ضعيف عند النقلة، فلا يقبل في معارضة السنة المشهورة؛ ولهذا لم يقبله أبو حنيفة في المناظرة في معارضة الحديث المشهور مع أنه كان من صيارفة الحديث، وكان من مذهبة تقديم الخبر وإن كان في حدّ الآحاد على القياس، بعد أن كان روايه عدلاً ظاهر العدالة، أو تأوله على بيع الرطب بالتمر نسيئة، أو تمرًا من مال اليتيم توفيقًا بين الدلائل؛ صيانة عن التناقض، والله أعلم.
فإن قيل: أخرج البيهقي في "سننه"(1) حديث سعد من طريق يحيى بن أبي كثير بالزيادة المذكورة ثم قال: قال الدارقطني: خالفه مالك وإسماعيل ابن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن ابن يزيد وما قالوا فيه:"نسيئة".
قلت: قد علمت أن عمران بن أبي أنيس قد تابع يحيى في ذلك وتوافقا في الزيادة المذكورة، ولا تضر مخالفتهما هؤلاء القوم؛ لأنهما إمامان جليلان حجتان، ومالك قد اختلف عليه كما ذكرنا، واختلف أيضًا على إسماعيل بن أمية، وروي عنه نحو رواية مالك، ذكره "البيهقي"(2) من حديث الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد أبي عياش، عن سعد:"سئل النبي عليه السلام عن الرطب بالتمر، قال: أينقص إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عنه". تابعه ابن عيينة، عن إسماعيل. وروى الطحاوي أيضًا في "مشكل الآثار" الحديث عن المزني، عن الشافعي، عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش الزرقي، عن سعد
…
الحديث.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(5/ 294 رقم 10342).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(5/ 294 رقم 10339).
قال الطحاوي: وهذا محال، أبو عياش الزرقي صحابي جليل.
وليس في سن عبد الله بن يزيد لقاء مثله.
واختلف أيضًا على أسامة بن يزيد، فرواه عنه ابن وهب نحو رواية مالك، ورواه الليث عن أسامة وغيره، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي عليه السلام، وذكره الطحاوي في "مشكل الحديث" وابن عبد البر، وفي أطراف المزني رواه زياد بن أيوب، عن علي بن غراب، عن أسامة بن يزيد، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي عياش، عن سعد موقوفًا.
ولم يذكر الدارقطني ولا غيره فيما علمنا سند رواية الضحاك بن عثمان لننظر فيه، ولئن سلم حديث هؤلاء من الاختلاف كان حديث يحيى بن أبي كثير أولى بالقبول من حديثهم؛ لأنه زاد عليهم، وهو إمام جليل، وزيادة الثقة مقبولة، كيف وفي رواية عمران بن أبي أنيس المذكورة ما يقوى حديثه ويُبين أنه لم ينفرد به فظهر من هذا كله أن الحديث قد اضطرب اضطرابًا شديدًا في سنده ومتنه، وزيد مع الاختلاف فيه هو مجهول لا يعرف كما قال ابن حزم وغيره.
وأخرج صاحب "المستدرك"(1) هذا الحديث من طرق، منها رواية يحيى، ثم صححه، ثم قال: لم يخرجه الشيخان لِمَا خشيا من جهالة زيد.
وقال الطبري في "التهذيب": الخبر معلول بانفراد زيد به؛ لأنه غير معروف في نقلة العلم، والله أعلم.
ص: وأما وجهه من طريق النظر فإنا قد رأيناهم لا يختلفون في بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل أنه جائز، وكذلك التمر بالتمر مثلًا بمثل وإن كانت في أحدها رطوبة ليست في الآخر، وكل ذلك ينقص إذا بقى نقصانًا مختلفًا ويجفُّ، فلم ينظروا في ذلك في حالة الجفوف فيبطلوا البيع به، بل نظروا إلى
(1)"المستدرك" للحاكم (2/ 45 رقم 2266 - 2267).
حاله وقت وقوع البيع فعملوا على ذلك ولم يراعوا ما يئول إليه من جفوف ونقصان، فالنظر على ذلك: أن يكون كذلك التمر بالرطب ينظر إلى ذلك في وقت وقوع البيع ولاينظر إلى ما يئول إليه من تغيير وجفوف، وهذا قول أي حنيفة وهو النظر عندنا.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس؛ فإنا قد رأينا الخصوم كلهم
…
إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "وهو النظر عندنا" أشار به إلى أنه اختار قول أبي حنيفة في هذا الباب وأنه ذهب إليه، والله أعلم.
***