الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: طلاق المكره
ش: أي هذا باب في بيان أحكام طلاق المكره.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: أنا الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ربيعًا.
والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وعطاء هو ابن أبي رباح.
وأخرجه الدارقطني (1): عن أبي بكر النيسابوري وابن صاعد، ثنا الربيع بن سليمان
…
إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه ابن ماجه (2): ثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام قال:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
فهذا كما ترى أسقط عبيد بن عمير في روايته.
ورواه ابن حزم (3) من طريق الربيع وصححه، وقال النووي في الأربعين: هو حديث حسن. وقال عبد الله بن أحمد: ذكرت حديث ابن المصفى الحمصي لأبي، فأنكره جدًّا، وقال: هذا يروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد أصلح من هذا.
قلت: أشار بجودة الإسناد إلى الوجه الذي أخرجه الطحاوي والدارقطني، وأما الذي أنكره فهو الوجه الذي أخرجه ابن ماجه. قوله:"تجاوز الله" أي عفا الله، من جازه يجوزه إذا تعداه وعبر عليه.
(1)"سنن الدارقطني"(4/ 170 رقم 33).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 659 رقم 2045).
(3)
"المحلى"(4/ 4).
قوله: "لي" أي لأجلي، وذلك لأنه لم يتجاوز ذلك إلا عن هذه الأمة؛ لأجل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: "الخطأ والنسيان" منصوبان بقوله: "تجاوز" وفيه حذف، أي: تجاوز حكمهما لأن عينهما لم ترفع، ثم الخطأ في اللغة هو ضد العمد، والنسيان ضد الذكر والحفظ، وفي الاصطلاح: الخطأ هو الفعل من غير قصد تام، والنسيان معنى يزول به العلم في الشيء مع كونه ذاكرًا لأمور كثيرة، وإنما قيل ذلك احترازًا عن النوم والجنون والإغماء.
وقيل: النسيان عبارة عن معنىً يعتري الإنسان بدون اختياره، فيوجب الغفلة عن الحفظ.
وقيل: النسيان عبارة عن الجهل الطارئ، ويقال: المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب، وإن كان لا على ما ينبغي نُظر، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط، وإن كان من غير قصد منه فإن كان يَتَنَبَّه بأيسر تنبيه يسمى السهو وإلا يسمى الخطأ.
قوله: "وما استكرهوا عليه" عطف على ما قبله في محل النصب وهو على صيغة المجهول من الاستكراه، والإكراه حمل الغير على أمرٍ لا يريد مباشرته.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: حكم الخطأ مرفوع، لكن في حق الله تعالى لا في حقوق العباد؛ لأن في حقه عذرًا صالحًا لسقوطه، حتى قيل: إن الخاطئ لا يأثم ولا يؤاخذ بحدٍّ ولا قصاص، وأما في حقوق العباد فلم يجعل عذرًا، حتى وجب ضمان العدوان على الخاطئ لأنه ضمان مال لا جزاء فعل، ووجبت به الدية وصح طلاقه عندنا، وقال الشافعي: لا يصح؛ لعدم الاختيار منه فصار كالنائم والمغمى عليه.
قلنا: الاختيار أمر باطن لا يوقف عليه إلا بحرج، فلا يصح تعليق الحكم عليه.
الثاني: أن حكم النسيان مرفوع، ولكنه لا ينافي الوجوب، ولا يصلح عذرًا في سقوط شيء من الواجبات؛ لأنه لا يزول به العقل فلا يخل بالأهلية، لكنه لما كان
من جهة صاحب الشرع يكون عذرًا في حقه فيما يقع فيه غالبًا لا في حق العباد، وهو إما أن يقع فيه المرء بتقصيره كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام والاعتكاف، فإن حالها يذكره.
وإما لا يقع بتقصيره إما بأن يدعو إليه الطبع كالأكل في الصوم فإن الغالب فيه ميل الطبع لأنه وقت أكل وشرب في عامة الأوقات، فيغلبه النسيان، أو بمجرد أنه مركوز في الإنسان كما في الذبيحة فإن الذبح حالة خوف وإزهاق روح فتكثر الغفلة والنسيان عن التسمية في تلك الحالة، والأول ليس بعذر بخلاف الأخيرين.
الثالث: فيه أن الله تجاوز عما استكرهوا عليه، والإكراه لا ينافي الوجوب، ولا أهلية الأداء؛ لأن الأهلية ثابتة بالذمة والبلوغ والعقل وهي قائمة سواء كان إكراهًا كاملًا أو إكراهًا قاصرًا، ولكن المكره متردد في الإتيان بالإكراه عليه بين فرض عليه: كما لو أكره على شرب الخمر بالقتل فإنه يفرض عليه الإقدام، وحرام عليه: كما لو أكره على قتل مسلم ظلمًا فإنه يحرم عليه الإقدام، وإباحة: كما لو أكره على الإفطار في رمضان فإنه يباح له ذلك، ورخصه: كما لو أكره على إجراء كلمة الكفر، فإنه يرخص له ذلك، وتارة يأثم المكره في الإكراه بالإقدام على الفعل كما في قتل النفس ظلمًا، وتارة يؤجر كما في شرب الخمر، وتحقيق هذه الأشياء -من الفرضية والحرمة والإباحة والإثم والأجر- دليل ثبوت الخطاب في حقه، فإذا كان كذلك فلا يصلح الإكراه لإبطال شيء من الأقوال كالطلاق والعتاق والبيع، والأفعال كالقتل والزنا وإتلاف مال الغير.
ص: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أكره على طلاق أو نكاح أو يمين أو عتاق أو ما أشبه ذلك حتى فعله كرهًا، أن ذلك كله باطل؛ لأنه قد دخل فيما تجاوز الله فيه للنبي عليه السلام عن أمته، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز في رواية وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والضحاك وشريحًا القاضي وعكرمة وعبد الله بن عبيد بن عمير وطاوسًا وأبا الشعثاء جابر بن زيد والحسن بن حي والأوزاعي والشافعي
ومالكًا وأحمد رحمهم الله، فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث، وقالوا: لا يقع طلاق المكره ولا عتاقه ولا يصح نكاحه ولا يمينه وإليه ذهب أهل الظاهر.
وقال ابن حزم في "المحلى": وطلاق المكره غير لازم له، ثم روي ذلك عن عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يلزمه ما حلف به في حال الإكراه من يمين، وينفذ عليه طلاقه وعتاقه ونكاحه ومراجعته لزوجته المطلقة إن كان راجعها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وعمر بن عبد العزيز -في رواية- وأبا قلابة عبد الله بن زيد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة وشريحًا -في رواية- والنخعي والزهري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يقع طلاق المكره، وينفذ عتاقه، ويلزمه ما حلف من اليمين.
وروي ذلك عن عمر وابن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
وقال ابن حزم قولاً ثالثًا وهو: أن طلاق المكره إن أكرهه اللصوص لم يلزمه وإن أكرهه السلطان لزمه، رويناه عن الشعبي.
وقال قولاً رابعًا أيضًا عن إبراهيم أنه قال: "إن كره ظلمًا على الطلاق [فورَّى](1) إلى شيء آخر لم يلزمه، وإن لم [يور](2) لزمه ولا ينتفع الظالم [بالتورية](3) وهو أحد قولي سفيان.
(1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المحلى" (10/ 203): فورك. آخره "ك" وهو من التوريك في اليمين، وهو نية ينويها الحالف غير ما ينويه مستحلفه، من وركت في الوادي إذا عدلت وذهبت. انظر "النهاية"(5/ 177).
والذي في "الأصل": من التورية من ورَّى عن الشيء: أي ستره وكنى عنه. انظر "النهاية"(5/ 177).
(2)
في "المحلى": "يورك".
(3)
في "المحلى": "بالتوريك".
ص: وتأولوا في هذا الحديث معنى غير المعنى الذي تأوله أهل المقالة الأولى، فقالوا: إنما ذلك في الشرك خاصة؛ لأن القوم كانوا حديث عهد بالكفر في دار كانت دار كفر، فكان المشركون إذا قدروا عليهم استكرهوهم على الإقرار بالكفر، فيقرون بذلك بألسنتهم كما قد فعلوا ذلك بعمار بن ياسر وبغيره من أصحاب رسول الله عليه السلام، فنزلت فيهم {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (1) وربما سهوا فتكلموا بما جرت [عليه](2) عاداتهم قبل الإِسلام، وربما أخطأوا فتكلموا بذلك أيضًا، فتجاوز الله عز وجل عن ذلك؛ لأنهم غير مختارين ولا قاصدين إليه.
وقد ذهب أبو يوسف إلى هذا التفسير أيضًا.
حدثناه الكيساني عن أبيه عنه.
فالحديث يحتمل هذا المعنى، ويحتمل ما قاله أهل المقالة الأولى، فلما احتمل ذلك احتجنا إلى كشف معانيه ليدلنا على أحد التأويلين فنصرف معنى هذا الحديث إليه، فنظرنا في ذلك فوجدنا الخطأ هو ما أراد الرجل غيره بفعله لا عن قصد منه إليه ولا إرادة منه إياه، وكان السهو ما قصد إليه بفعله على القصد منه إليه؛ على أنه ساه عن المعنى الذي يمنعه من ذلك الفعل، فكان الرجل إذا نَسِيَ أن تكون هذه المرأة له زوجة فقصد إليها فطلقها فكلٌّ قد أجمع على أن طلاقه عامل ولم يبطلوا ذلك لسهوه، ولم يدخل ذلك السهو في السهو المعفو عنه فإذا كان السهو المعفو عنه ليس فيه ما ذكرنا من الطلاق والأيمان والعتاق؛ كان كذلك الاستكراه المعفو عنه ليس فيه أيضًا من ذلك شيء؛ فثبت بذلك فساد قول الذين أدخلوا الطلاق والعتاق والأيمان في ذلك.
ش: أي تأول أهل المقالة الثانية من الحديث المذكور معنى غير المعنى الذي تأوله أهل المقالة الأولى، حاصله أنهم حملوا الحديث على الشرك وخصُّوه به، وبيَّن وجه ذلك بقوله: "لأن القوم
…
" إلى آخره، وهو ظاهر.
(1) سورة النحل، آية:[106].
(2)
في "الأصل، ك": عليهم، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
وقد قالوا جوابًا آخر: وهو أن عمومات النصوص وإطلاقها يقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص، وتقييد الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا طبعًا، وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق، فإن طلاق الهازل واقع وليس براضٍ به طبعًا، وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنًا وجمالًا الرائقة (تغنجًا)(1) ودلالًا لخلل في دينها وإن كان لا يرضى به طبعًا، ويقع الطلاق عليها، والحديث نحن نقول بموجبه: أن كل مستكره عليه معفوٌّ عن هذه الأمة، لكن لا نُسلِّم أن الطلاق وكل تصرف قَوْليّ مستكره عليه؛ وهذا لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدًا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جَبْرًا، فكان كل مسلم مختارًا فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرهًا عليه حقيقةً فلا يتناوله الحديث.
قلت: تحقيق هذا الكلام أن الإكراه لا يزيل الخطاب، ولهذا دخل المكره تحت الخطاب بقوله تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (2) هذا في غير ما أكره عليه ظاهر، وكذا فيما أكره عليه، ألا يرى أنه يباح له الفعل مرة ويفترض أخرى كشرب الخمر، وتارة يحرم كالقتل والزنا، فدل على تحقق الخطاب فلما تحقق الخطاب صح تصرفه.
غاية ما في الباب أنه ينعدم الرضا بالإكراه والطلاق ولا يتوقف على الرضا؛ ولهذا يقع طلاق الهازل مع أنه غير راضٍ لوقوع الطلاق.
قوله: "وحدثناه الكيساني" أراد به سليمان بن شعيب بن سليمان بن سليم بن كيسان الكلبي الكيساني، فإنه يروي عن أبيه شعيب بن سليمان، وهو روى عن أبي يوسف رحمه الله، وعن محمد بن الحسن.
وسليمان بن شعيب وثقه ابن السمعاني.
(1) قال ابن الأثير في "النهاية"(3/ 389): الغنج في الجارية تكسُّر وتدلل، وقد غَنِجَتْ وتَغَنَّجَت.
(2)
سورة النحل، آية:[106].
قوله: "فنظرنا في ذلك
…
" إلى آخره، يُبيِّنُ به فساد استدلال أهل المقالة الأولى بالحديث المذكور، ولكن هذا غير تام في الجواب عن الحديث لأن الذي ذكره هو وجه النظر والقياس على ما لا يخفى.
فنقول: الجواب على الحديث لا يخلو إما أن يكون المراد رفع الخطأ والنسيان والإكراه، حقيقة ذلك أو حكم ذلك، فلا يجوز الأول؛ لأنه قد يوجد حقيقة ذلك وهذا ظاهر متعين.
الثاني: ثم هو على نوعين؛ إما أن يُراد به حكم الدنيا أو حكم الآخرة، فلا يجوز الأول؛ لأن في القتل الخطأ تجب الدية والكفارة بالنص، وذاك من أحكام الدنيا فَتَعَيَّن الثاني وهو حكم الآخرة، وكذا جِماعُ المُكرَه يوجب الغسل ويفسد عليه حِجَّه وصومه، وذاك من أحكام الدنيا، فتعين الثاني وهو حكم الآخرة وهو رفع إثم هذه الأشياء، وبه نقول.
على أنا نقول: إن الترمذي (1) روى مسندًا إلى أبي هريرة، عن النبي عليه السلام أنه قال:"كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله".
وهذا بعمومه يدل على وقوع طلاق المكره.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا لقولهم بما رُوي عن رسول الله عليه السلام:
حدثنا يونس، أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي:"أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر يقول: قال رسول الله عليه السلام: الأعمال بالنيَّة، وأنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله؛ فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد
…
فذكر بإسناده مثله.
(1)"جامع الترمذي"(3/ 496 رقم 1191).
قالوا: فلما قال: "الأعمال بالنية" ثبت أن عملًا لا ينفذ من طلاقٍ ولا عتاقٍ ولا غيره إلا أن تكون معه نية.
ش: أي: احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه قال في حديثه عن النبي عليه السلام: "الأعمال بالنية".
وطلاق المُكرَه حاكي لما أُمِرَ أن يقوله فقط، ولا طلاق على من حكى كلامًا ما، لم يعتقده.
ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح.
والثاني: كذلك ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه الجماعة (1).
فأول ما افتتح به البخاريُّ كتابه هذا الحديث.
وهو حديث مشهور، وفيه أبحاث كثيرة بين أهل العلم.
ص: فكان من الحجة للآخرين في ذلك: أن هذا الكلام لم يُقصدْ به إلى المعنى الذي ذكره هذا المخالف؛ وإنما قُصِدَ به إلى الأعمال التي يجبُ بها الثواب، ألا تراه يقول:"الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى" يريد: من الثواب؟ ثم قال: "فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله؛ فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها. فهجرته إلى ما هاجر إليه".
فذلك لا يكون إلا جوابًا لسؤالٍ، كأن النبي عليه السلام سئل عمَّا للمهاجر من عمله أي: من هجرته؟ فقال: "إنما الأعمال بالنية".
(1) البخاري (1/ 30 رقم 54)، ومسلم (3/ 1515 رقم 1907)، وأبو داود (1/ 670 رقم 2201)، والترمذي (4/ 179 رقم 1647)، والنسائي (7/ 13 رقم 3794)، وابن ماجه (2/ 1413 رقم 4227).
حتى أتى على الكلام الذي في الحديث، وليس ذلك من أمر الإكراه على الطلاق والعتاق والرجعة والأَيْمان في شيء.
فانتفى هذا الحديث أن يكون فيه حجة لأهل المقالة التي بدأنا بذكرها على أهل المقالة التي ثنَّينا بذكرها.
ش: أي: فكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية، وأراد به الجواب عن احتجاج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث عمر بن الخطاب المذكور.
تقريره: أن يقال: لا نُسلِّم صحة الاحتجاج بهذا الحديث على عدم وقوع طلاق المكره وعتاقه، وعدم وجوب أَيْمانه، فإن الحديث ليس معناه على ما ذكره هؤلاء؛ وإنما معناه: الأعمال التي يجب بها الثواب بالنيات؛ لأن الحديث خرج مخرج الجواب، وذلك أنهم سألوا النبي عليه السلام عمَّا للمهاجر في عمله؟ أي: هجرته؟ فأجاب لهم بقوله: "الأعمال بالنية" أي: ثواب الأعمال يحصل بالنيَّة، حتى أن من كانت نيته في هجرته أن تكون لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاة رسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله يعني: فهجرته واقعة إلى الله فيجازيه على ذلك بأحسن الجزاء.
ومن كانت هجرته لأجل تحصيل دنيا، أو لأجل امرأةٍ يتزوجها، فهجرته واقعة إلي تلك الجهة وليس له ثواب، لأن الأعمال على مقدار النية وأصلُ ذلك: أنه جاء في رجلٍ كان يخطب امرأة بمكة تسمى أم قيس، فهاجرت إلى المدينة، فتبعها الرجل رغبةً في نكاحها، فقيل له: مهاجر أُم قيس. أي: الذي هاجر لأجل أم قيس لا لله ولا لرسوله، فالنبي عليه السلام عرَّض بهذا القول توبيخًا له على صنيعه، وتنبيهًا لغيره على الإعراض عن مثل ذلك، وليس في ذلك شيء من أمر الإكراه على الطلاق وغيره، فكيف يصح به الاستدلال على أن بالإكراه لا يقع الطلاق ونحوه؟!
قوله: "التى بدأنا بذكرها" وهم أهل المقالة الأولى.
قوله: "التي ثنَّيْنا" من التثنية، وأراد بهم أهل المقالة الثانية.
ص: وكان مما احتج به أهل المقالة الثانية لقولهم الذي ذكرنا:
ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن جُمَيْع، قال: ثنا أبو الطفيل، قال: ثنا حذيفة بن اليمان قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي، فَأَخَذَنَا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لنَنْصَرِفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله عليه السلام، فأخبرناه، فقال: انصرفا، نَفِي لهم بعهودهم، ونستعين الله عليهم".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثني يونس بن بكير، عن الوليد، عن أبي الطفيل، عن حذيفة قال: "خرجت أنا وأبي حُسَيْلٌ، ونحن نريد رسول الله عليه السلام
…
" ثم ذكر نحوه.
قالوا: فلما منعهما رسولُ الله عليه السلام من حضور بدرٍ لاستحلاف المشركين القاهرين لهما على ما استحلفوهما عليه، ثبت بذلك أن الحلف على الطواعية والإكراه سواء، وكذلك الطلاق والعتاق، فهذا أولى ما فُعِلَ في الآثار إذا وُقِف على معاني بعضها، أن يُحمل ما بقي منها على ما لا يخالف ذلك المعنى متى قُدِرَ على ذلك، حتى لا تتضادّ.
فثبت بما ذكرنا أن حديث ابن عباس في الشرك وحديث حذيفة في الطلاق والأَيْمان وما أشبه ذلك.
ش: وجه الاستدلال بهذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع حذيفة وأباه حُسَيْلًا من حضور بدرٍ؛ لأجل ما استحلفهما المشركون المتغلبون عليهما، على أن ينصرفا إلى المدينة ولا يُقَاتلاهُم مع النبي عليه السلام.
فدل ذلك أن الحلف على الاختيار والإكراه سواء؛ إذْ لو لم يصح وجوب اليمين بالإكراه لما منعهما النبي عليه السلام من حضور بدر، ولقال لهما: يمينكما كرهًا لا يضركما.
بل قال: "نَفِي لهم بعهودهم".
فدل على أن اليمين يجب بالإكراه كما يجب بالاختيار.
فإذا كان الحلف على الاختيار والإكراه سواء دخل فيه الطلاق والعتاق. وقد شنَّع ابن حزم في هذا الموضع على أصحابنا؛ فقال: ومِنْ أعظم تناقضهم: أنهم يجيزون طلاق المكره ونكاحه وإنكاحه ورجعته وعتقه ولا يجيزون بيعه ولا ابتياعه ولا هبته ولا إقراره، وهذا تلاعب بالدين.
قلت: حطه على العلماء النقاد بغير وجه هو التلاعب بالدين، ولا تناقض ها هنا؛ لأن التصرفات الشرعية في الأصل نوعان: إنشاء، وإقرار:
والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ، ونوع يحتمله.
أما الذي لا يحتمل الفسخ: فالطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفيء من الإيلاء، والتدبير، والعفو عن القصاص، وهذه التصرفات جائزة مع الإكراه لما ذكرنا: أن عمومات النصوص وإطلاقها تقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص ولا تقييد.
وأما النوع الذي يحتمل الفسخ: فالبيع، والشراء، والهبة، والإجارة، ونحوها.
فالإكراه يوجب فسادَ التصرفات؛ لعدم الرضا، وصحة هذه مبنية على الرضى، ولم يوجد، بخلاف القسم الأول؛ فإنه لا يتوقف على الاختيار.
ألا ترى كيف ينفذ مع الهزل، وأما الإقرار فإن الإكراه يمنع صحته، سواء كان المُقِرُّ به محتملًا للفسخ أو لم يكن؛ لأن الإقرار إخبار، وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابق على الإخبار، والمخبر به ها هنا يحتمل الوجود والعدم، وإنما تترجح جَنَبَة الوجود على جَنَبَةِ العدم بالصدق، وحال الإكراه لا يدل على الصدق؛ لأن الإنسان لا يتحرج عن الكذب حالة الإكراه، فلا يثبت الرجحان.
ثم إنه أخرج حديث حذيفة من طريقين صحيحين.
الأول: عن فهد بن سليمان.
عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، شيخ مسلم وابن ماجه.
عن أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي.
عن الوليد بن جُميْع، هو الوليد بن عبد الله بن جُميْع الزهري الكوفي.
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي، الصحابي.
عن حذيفة بن اليمان، واليمان لقب حُسَيْل والد حذيفة -بضم الحاء وفتح السين المهملتين وسكون الياء آخر الحروف- ويقال له: حِسْل -بكسر الحاء وسكون السين-.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن جُميْع
…
إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي.
عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي.
عن يونس بن بُكير بن واصل الشيباني الكوفي.
عن الوليد بن جُميْع
…
إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا علي بن المنذر، نا محمد بن فضيل، نا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن حذيفة، قال:"ما منعني أنا وأبي أن نشهد بدرًا إلا أني أقبلتُ أنا وهو نريد النبي عليه السلام، فاعترَضَنَا كفار قريش، فقالوا: أين تريدون؟ قلنا: إلى المدينة. قالوا: تريدون محمدًا؛ فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفُنَّ إلى المدينة ولا تقاتلون معه. فأعطيناهم ما أرادوا، فخلَّوا سبيلنا، ثم أتينا النبي عليه السلام، فأخبرناه الخبر، فقال: فُوا لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم. وانصرفوا إلى المدينة، وانصرفنا، فذلك الذي منعنا".
قوله: "نَفِي لهم" بنون الجماعة، من الوفاء.
وقوله: "فُوا" في رواية البزار أمر للجمع من وفَّى، يَفِي، فِ، فِيَا، فُوا، كما تقول: قِ، قِيَا، قُوا.
(1)"مسند أحمد"(5/ 395 رقم 23402).
قوله: "وأبي حُسَيْلٌ" برفع حُسَيْل؛ لأنه عطف بيان عن قوله: "أبي"، وقد قلنا: إن اسم والد حذيفة حُسَيْل أو حِسْل، واليمان لقب عليه.
قتل حُسَيْل بن جابر؛ قتله المسلمون خطأ في غزوة أحد، فقال حذيفة: أبي، أبي.
فقالوا: والله ما عرفناه. فصدقوا، فتصدق رسول الله عليه السلام بديته على المسلمين.
ومات حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يومًا.
ص: وأما حكم ذلك من طريق النظر؛ فإن فِعْل الرجل مكرهًا لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون المُكرَه على ذلك الفعل إذا فعله مكرهًا في حكم مَنْ لم يفعله، فلا يجب عليه شيء.
أو يكون في حكم من فعله فيجب عليه ما يجب عليه لو فعله غير مُسْتكره.
فنظرنا في ذلك، فرأيناهم لا يختلفون في المرأة إذا أكرهها زوجها وهي صائمة في شهر رمضان أو حاجَّةٌ فجامعها؛ أن حجَّها يبطل، وكذلك صومُها، ولم يراعوا في ذلك الاستكراه، فَيَفْرِقُوا بينها وبين الطواعية، ولا جعلت المرأة فيه في حكم من لم يفعل شيئًا، بل قد جعلت في حكم مَنْ قد فعل فعلاً يجب عليه الحكم، ورفع عنها الاثم في ذلك خاصةً، وكذلك لو أن رجلاً أكره رجلاً على جماع امرأةٍ، اضطره إلى ذلك، كان المهر في النظر على المجامع لا على المكرِه، ولا يرجع به المجامع على المكره؛ لأن المكرِه لم يجامع فيجب عليه بجماعه مهرٌ، وما وجب في ذلك الجماع فهو على المجامِع لا على غيره.
فلما ثبت في هذه الأشياء أن المكرَه عليها محكوم عليه بحكم الفاعل لذلك في الطواعية، فيوجبون عليه فيها من الأموال ما يجب على الفاعل لها في الطواعية.
ثبت أنه كذلك المُطَلِّق والمعتِق والمراجع في الاستكراه يحكم عليه بحكم الفاعل، فَيُلْزَم أفعاله كلها.
فإن قال قائل: فلِمَ لا ألزمت بَيْعَه وإجارته؟
قيل له: إنَّا قد رأينا البيوع والإجارات قد تُردُّ بالعيوب وبخيار الرؤية، وبخيار الشرط، وليس النكاح كذلك، ولا الطلاق، ولا المراجعة، ولا العتق، فما كان قد ينقض بالخيار المشروط فيه، وبالأسباب التي هي في أصله من عدم الرؤية، والردّ بالعيوب، نُقِضَ بالإكراه، وما لا يجب نقضه بشيء بعد ثبوته، لم يُنْقص بالإكراه ولا بغيره.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي: وأمَّا حكم هذا الباب من طريق النظر والقياس، وهذا كله واضح.
قوله: "إما أن يكون المكرَه" بفتح الراء، وكذلك قوله:"إذا فعله مكرَهًا".
قوله: "لا على المكرِه" بكسر الراء، وكذلك قوله:"ولا يرجع به المجامع على المكرِه" وكذا قوله: "لأن المكرِه".
وقوله: "إن المكرَه عليها محكوم عليه" بفتح الراء.
قوله: "في الطواعية" مصدر بمعنى الطوع.
قوله: "فإن قال قائل" سؤال يَرِد على قوله: "ثبت أنه كذلك المطلق
…
" إلى آخره.
وقد حققنا هذا فيما مضى عن قريب.
ص: وقد رأينا مثل هذا قد جاءت به السنة.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوُحاظي، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عبد الرحمن بن حبيب بن أَرْدَك، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول: أخبرني يوسف ابن مَاهَك، أنه سمع أبا هريرة يحدث، عن النبي عليه السلام قال:"ثلاث جِدُّهن جِدّ وهزلهن جِدُّ: النكاح، والطلاق، والرجعة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخَصِيب وأسدُ، قالا: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن أرْدَك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهَك، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن حبيب بن أرْدَك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن مَاهَك، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام، مثله.
ش: أي: قد رأينا مثل ما ذكرنا من أن طلاق المكره واقع، جاءت به السنة عن النبي عليه السلام.
وهي قوله عليه السلام: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ
…
" الحديث، فإنه يدل على أن طلاق المكرَه واقع.
بيان ذلك: أن طلاق الهازل لما وقع بالنظر إلى التلفظ به وإن لم يكن له قصد بذلك، فكذلك المكرَه يقع طلاقه لِتلفظه به وإن لم يكن له قصد واختيار.
ثم إنه أخرج الحديث المذكور من ثلاث طرق.
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
عن يحيى بن صالح الوُحاظي الشامي الدمشقي شيخ البخاري وأحد أصحاب أبي حنيفة.
عن سليمان بن بلال القرشي المدني روى له الجماعة.
عن عبد الرحمن بن حبيب أرْدَك المدني، وثقه ابن حبان.
عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن يوسف بن ماهَك بن بُهْزَاذ، روى له الجماعة.
عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (1): ثنا قتيبة، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن
(1)"جامع الترمذي"(3/ 490 رقم 1184).
أردَك المديني، عن عطاء، عن ابن ماهَك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة".
الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصيب بن ناصح الحارثي، وأسد بن موسى، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي
…
إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا القعنبي، قال: ثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن عبد الرحمن بن حبيب
…
إلى آخره نحوه.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن حبيب بن أردَك
…
إلى آخره.
وإنما جاء في هذا الطريق: عن حبيب بن أَرْدَك؛ لأن عبد الرحمن بن حبيب بن أَرْدَك يقال فيه: حبيب بن عبد الرحمن بن أَرْدَك.
وأخرجه أحمد (2) بنحوه.
وأخرجه ابن ماجه (3): عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن ابن أردك
…
إلى آخره.
فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟
قلت: حسن؛ قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي عليه السلام وغيرهم، وصححه الحاكم في "مستدركه"(4).
فإن قلت: قال ابن الجوزي في كتابه "التحقيق": عطاء الذي في سند هذا الحديث هو ابن عَجْلان، وهو متروك الحديث، وقال ابن حزم: هذا من الأخبار الموضوعة ورويناه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو منكر الحديث مجهول؛ لأن قومًا قالوا: عبد الرحمن بن حبيب متفق على ضعف روايته.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 666 رقم 2194).
(2)
وكذا عزاه الحافظ في "تلخيص الحبير"(3/ 209) لأحمد في "مسنده".
(3)
"سنن ابن ماجه"(1/ 658 رقم 2039).
(4)
"مستدرك الحاكم"(2/ 216 حدث رقم 2800).
قلت: قول ابن الجوزي غلط؛ لأن عطاء الذي في سند هذا الحديث هو ابن أبي رباح كما صرح به الطحاوي وأصحاب السنن في رواياتهم.
وقول ابن حزم باطل؛ لأن الحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه، فهذا دليل رضاه به، والترمذي حسنه، وعبد الرحمن بن حبيب بن أردك وثقه ابن حبان والحاكم، وقال: هو من ثقات المدنيين، وذكره ابن خَلْفُون أيضًا في الثقات.
قوله: "ثلاثٌ" مبتدأ.
وقوله: "جدهن" مبتدأ ثان. وخبره: "جدٌّ" والجملة خبر المبتدأ الأول، أي: ثلاثة أشياء جدهن وهزلهن سواء، حتى إذا عقد النكاح بالهزل وقع النكاح، وكذا إذا طلق هازلًا وقع الطلاق، وكذا إذا راجع مطلقته هازلًا.
والِجدُّ -بكسر الجيم- ضد الهزل، يقال: جَدَّ يَجِدُّ جِدًّا.
ص: فلما قال رسول الله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد" فمنع النكاح من البطلان بعد وقوعه، وكذلك الطلاق، والمراجعة، ولم نَرَ البيوع حملت على ذلك المعنى، بل حملت على ضده، فجعل من باع لاغيًا كان بيعه باطلاً، وكذلك إن أجَّرَ لاغيًا كانت إجارته باطلة، فلم يكن ذلك عندنا إلا لأن البيوع والإجارات مما تنقض بالأسباب التي ذكرنا، فنقضت بالهزل كما نقضت بذلك، وكانت الأشياء الأُخَر من الطلاق والعتاق والرجعة لا تبطل بشيء من ذلك، فجعلت غير مردودة بالهزل.
فكذلك أيضًا في النظر ما كان ينقض بالأسباب التي ذكرنا ينقض بالإكراه، وما كان لا ينقض بتلك الأسباب لم ينقض بالإكراه.
ش: هذه إشارة إلى بيان وجه الاستدلال بهذا الحديث في وقوع طلاق المكره.
بيانه: أنه عليه السلام منع النكاح والطلاق والرجعة من البطلان بعد وقوعها، وذلك لأنها مما لا يُنقض بالخيار المشروط فيه، ولا تُرَدُّ بالعيوب وبخيار الرؤية، فلا تُنْقض بالهزل؛ بخلاف البيوع والإجارات، فإنها مما ينقض بالهزل كما تنقض بتلك الأشياء،
فإذا كان كذلك اقتضي وجه النظر والقياس أن لا ينقض طلاق المكرَه بالإكراه؛ لأنه مما لا ينقض بتلك الأشياء، بخلاف بيع المكرَه وشراءه فإنه ينقض؛ لأنه مما ينقض بتلك الأشياء.
ص: وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن العلاف، قال: ثنا ابن سواء، قال: ثنا أبو سنان، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: "طلاق السكران والمستكره جائز".
ش: أي: قد روي وقوع طلاق المكره عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أحد الخلفاء الراشدين المهديين.
وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
عن محمد بن عبد الرحمن العلاف العنبري البصري الثقة.
عن محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري، روى له الجماعة؛ أبو داود في "الناسخ والمنسوخ".
عن أبي سنان عيسى بن سنان الحنفي القسملي، وثقه يحيى، وعنه: ضعيف. وقال ابن خراش: ثقة صدوق. وعنه: في حديثه نكرة. روى له الترمذي وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) خلاف هذا: نا يحيى بن بشير، عن زيد بن رفيع، عن عمر بن عبد العزيز قال:"لا طلاق ولا عتاق على مكره".
حدثنا أبو أسامة (2)، قال: أنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن:"أن عاملًا من العمال ضرب رجلاً حتى طلق امرأته، فكتب فيه إلي عمر بن عبد العزيز، قال: فلم يجز ذلك".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 82 رقم 18031).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 82 رقم 18037).
وكذلك اختلفت الرواية عنه في السكران فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): نا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن عبد الرحمن بن عتبة:"أن عمر بن عبد العزيز أجاز طلاق السكران، وجلده".
حدثنا (2) يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد:"أن القاسم وعمر بن عبد العزيز كانا لا يجيزان طلاق السكران".
قلت: وبه قال عطاء وطاوس وعكرمة وجابر بن زيد وربيعة والليث بن سعد وإسحاق والشافعي -في قول- والمزني وأحمد في رواية، وهو اختيار الطحاوي والكرخي.
وروي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس رضي الله عنهم.
وقالت جماعة: إن طلاق السكران جائز.
وهو قول مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والزهري والشعبي والحكم بن عتيبة وشريح وسالم بن عبد الله والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي -في قول- وأحمد في رواية.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، والله أعلم.
…
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 76 رقم 17962).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 77 رقم 17975).