المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: صفة الجلوس في الصلاة كيف هو - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٤

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: صفة الجلوس في الصلاة كيف هو

‌ص: باب: صفة الجلوس في الصلاة كيف هو

؟

ش: أي هذا باب في بيان هيئة الجلوس في قعدات الصلاة، والمناسبة بين البابين ظاهرة.

والصفة والوصف مصدران كالوعد والعدة، وعند المتكلمين: الوصف ما قام بالواصف، والصفة ما قام بالموصوف.

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، أن مالكا، حدثه عن يحيى بن سعيد:"أن القاسم بن محمَّد أراهم الجلوس فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وحدثني أن أباه عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك".

ش: إسناده صحيح.

وأخرجه مالك في "موطئه"(1): عن يحيى بن سعيد

إلى آخره نحوه.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن ابن فضيل وأبي أسامة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر قال:"إن من سنة الصلاة أن تُفترش اليسرى، وتُنصب اليمنى".

قوله: "وثنى رجله" من ثنيت الشيء ثنيًا: إذا عطفته.

قوله: "على وَرِكِه اليسرى" الورك ما فوق الفخذ، وهي مؤنثة -بفتح الواو وكسر الراء، وقد تسكن الراء- مثل فَخِذ وفَخْذ.

(1)"موطأ مالك"(1/ 90 رقم 202).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2927).

ص: 422

قوله: "أراني هذا" أي الجلوس المذكور، "عبد الله بن عبد الله" وكلاهما مكبر وهو: عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، أبو عبد الرحمن المدني، أخو سالم. روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا، حدثه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أخبره:"أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس قال: ففعلته يومئذ وأنا حديث السنن، فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك، قال: إن رجليَّ لا تحملاني".

ش: هذا أيضا إسناد صحيح.

وأخرجه البخاري (1): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك

إلى آخره نحوه.

وقال أبو عمر: قد بان في هذا الحديث أن التربع في الصلاة لا يجوز، وليس من سنتها، وعك هذا جماعة الفقهاء، فلا وجه للإكثار فيه، وقد روي عن ابن عباس وأنس ومجاهد وأبي جعفر محمَّد بن علي وسالم وابن سيرين وبكر المزني أنهم كانوا يصلون متربعين، وهذا عند أهل العلم على أنهم كانوا يصلون جلوسًا عند عدم القدرة على القيام، أو كانوا متنفلين جلوسًا؛ لأنهم كلهم قد روي عنه التربع في الصلاة لا يجوز، إلا لمن اشتكى، أو تنفل، وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الصلاة بإجماع من العلماء، وكذلك أجمعوا على أنه من لم يقدر على هيئة الجلوس في الصلاة أتى على حسب ما يقدر، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن القعود في الصلاة كلها: أن ينصب الرجل رجله اليمني ويثني رجله اليسرى، ويقعد بالأرض، واحتجوا في ذلك بما وصفه يحيى بن سعيد في حديثه من القعود، وبأخبار عبد الله بن عمر في حديث عبد الرحمن بن القاسم أن ذلك سنة الصلاة، قالوا: والسنة لا تكون إلا عن رسول الله عليه السلام صلى الله عليه وسلم.

(1)"صحيح البخاري"(1/ 284 رقم 793).

ص: 423

ش: أراد بالقوم هؤلاء: يحيى بن سعيد الأنصاري، والقاسم بن محمَّد، وعبد الرحمن بن القاسم، ومالكًا؛ فإنهم ذهبوا إلى أن القعود في الصلاة كلها في القعدة الأولى وفي الآخرة: أن ينصب المصلي رجله اليمنى، ويثني رجله اليسرى، ويقعد بالأرض، وهذا هو التورك الذي ينقل عن مالك.

وفي "الجواهر" لابن شاس: والمستحب في صفة الجلوس كله الأول، والأخير وبين السجدتين أن يكون توركا.

وفي "التمهيد": اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس، فقال مالك: يفضي بإليتيه إلى الأرض، وينصب رجله اليمني، ويثني رجله اليسرى، وهكذا عنده في كل جلوس في الصلاة، والمرأة والرجل في ذلك عنده سواء.

قوله: "واحتجوا في ذلك" أي فيما ذهبوا إليه من هيئة الجلوس في الصلاة كلها، وجه استدلالهم: أن عبد الله بن عمر قال: "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى" والسنة لا تكون إلا عن النبي عليه السلام.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما القعود في آخر الصلاة فكما ذكرتم وأما القعود في التشهد الأول منها فعلى الرجل اليسرى.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: القعود إن كان في آخر الصلاة فكما ذكره أولئك القوم، وإن كان في التشهد الأول يكون قعوده على رجله اليسرى، ونصب اليمنى.

وقال أبو عمر: قال الشافعي: إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعًا، فأخرجهما عن وركه الأيمن، وأفضى بمقعدته إلى الأرض، وأضجع اليسرى ونصب اليمنى في القعدة الأولى.

وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي في كل شيء إلا في الجلوس للصبح فإنه عنده كالجلوس في ثنتين، وهو قول داود.

وقال الطبري: إن فعل هذا فحسن، وإن فعل هذا فحسن؛ لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي عليه السلام.

ص: 424

وقال ابن قدامة في "المغني": فإذا جلس واعتدل يكون جلوسه على رجله اليسرى وينصب اليمنى، وإذا جلس للتشهد الأخير تورك ينصب رجله اليمنى، ويجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل إليته على الأرض، ثم قال: السنة عند إمامنا التورك في التشهد الثاني، وإليه ذهب مالك والشافعي.

وقال الشيخ محيي الدين النووي: الجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير، فالجميع يسن مفترشًا إلا الأخيرة، فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركا جلس المسبوق مفترشًا؛ لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصح أن يجلس مفترشًا في تشهده، فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم.

ص: وكان من الحجة لهم فيما احتج به عليهم الفريق الأول: أن قول عبد الله بن عمر رضي الله عنها: "إن سنة الصلاة

" فذكر ما في الحديث، لا يدل ذلك أنه عن النبي عليه السلام، قد يجوز أن يكون رأى ذلك، أو أخذه ممن بعد رسول الله عليه السلام، وقد قال رسول الله عليه السلام: "عليكم بسنتي في وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" وقال سعيد بن المسيب -لما سأله ربيعة عن أُروش أصابع المرأة-: إنها السنة يا ابن أخي". ولم يكن مخرج ذلك إلا من زيد بن ثابت رضي الله عنه، فسمى سعيد قول زيد بن ثابت رضي الله عنه: سنة، فكذلك يحتمل أن يكون عبد الله بن عمر سمي مثل ذلك أيضًا سنه، وإن لم يكن عند في ذلك عن النبي عليه السلام شيء.

ش: أي من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية في الذي احتج به عليهم الفريق الأول، وهم أهل المقالة الأولى: حاصله أن هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من قول عبد الله بن عمر: "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى".

بيانه: أن هذا القول من ابن عمر رضي الله عنهما لا يدل على أن المراد منه سنة النبي عليه السلام؛ لأنه يحتمل أن يكون عبد الله رأى ذلك برأيه واجتهاده فجعله سنة له، أو أخذه عن

ص: 425

أحد من الصحابة رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام، فإذا كان كلامه محتملا لما ذكرنا، لا تقوم به الحجة، ولا يتم به الاستدلال.

وقوله: "وقد قال رسول الله عليه السلام

إلي أخره" يؤكد ما ذكره من وجود هذا الاحتمال.

بيان ذلك: أن السنة لفظ مشترك بين سنة الرسول عليه السلام وسنة غيره من الصحابة رضي الله عنهم، والدليل عليه قوله عليه السلام:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" حيث أثبت للخلفاء سنة.

وهذا الحديث الذي أخرجه الطحاوي معلقا قد أخرجه أبو داود (1) مطولا: في باب "من دعا إلى السنة" وقال: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا ثور بن يزيد، قال: حدثني خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن ابن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: "أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} (2) فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: صلي بنا رسول الله عليه السلام ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله عليه السلام، كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا، فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

وأخرجه الترمذي (3)، وابن ماجه (4) أيضا.

(1)"سنن أبي داود"(4/ 200 رقم 4607).

(2)

سورة التوبة، آية:[92].

(3)

"جامع الترمذي"(5/ 44 رقم 2676).

(4)

"سنن ابن ماجه"(1/ 16 رقم 43).

ص: 426

قوله: "وقال سعيد بن المسيب

إلى آخره" دليل على أن السنة تطلق على سنة غير الخلفاء الراشدين أيضًا من الصحابة رضي الله عنهم، والخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والخلافة تمت بهم، ثم صار ملكا وسيفًا وحربًا، وقد استوفيت الكلام فيه في باب "المسح على الخفين" فإن الطحاوي أخرج هذا الحديث هناك مسندًا مختصرا، وكذلك ذكر هناك قول سعيد بن المسيب لربيعة في أروش أصابع المرأة: "يا ابن أخي، إنها السنة".

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال:"قلت لسعيد بن المسيب: كم في هذه من المرأة؟ يعني: الخنصر، فقال: عشر من الإبل، قال: قلت: في هذه -يعني الخنصر والتي تليها- قال: عشرون قلت: فهؤلاء -يعني الثلاثة- قال: ثلاثون، قال: قلت: ففي هؤلاء -وأومأ إلى الأربع- قال: عشرون قال: قلت: حين آلمت جراحها وعظمت مصيبتها كان الأقل لأرشها، قال: أعراقي أنت؟! قال: قلت: عالم مثبت، أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخي، السنة".

قوله: "ولم يكن مخرج ذلك إلا من زيد بن ثابت رضي الله عنه" أي مخرج ما قاله سعيد بن المسيب في أروش أصابع المرأة، من زيد رضي الله عنه.

وذلك ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، قال: ثنا زكرياء وابن أبي ليلى، عن الشعبي قال:"كان علي رضي الله عنه يقول: دية المرأة في الخطأ على النصف من دية الرجل فيما دق وجلَّ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: دية المرأة في الخطأ على النصف من دية الرجل إلا السن والموضحة، فهما فيه سواء، وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول: دية المرأة في الخطأ مثل دية الرجل حتى يبلغ ثلث الدية، فما زاد فهي على النصف". انتهى.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 412 رقم 27504).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 411 رقم 27497)، ولكن بإسناد آخر.

ص: 427

قلت: تأمل الآن في هذا تجد قول سعيد بن المسيب مستخرجا من هذا، بيانه: أنه أوجب في أصبع المرأة الواحدة عشرا من الإبل مثل أصبع الرجل الواحدة، وأوجب في أصبعيها عشرين من الإبل كما في أصبعي الرجل، وأوجب في ثلاثة أصابع منها ثلاثين من الإبل كثلاثة أصابع من الرجل، وأوجب في أربعة أصابع منها عشرين من الإبل وخالف القياس المذكور؛ لأن القياس ينبغي أن يجب أربعون من الإبل كما في أربعة أصابع من الرجل، ولكنه أخذ ذلك من قول زيد بن ثابت حيث قال:"دية المرأة في الخطأ مثل دية الرجل حتى يبلغ الثلث، فما زاد فهي على النصف" وها هنا لما زادت أصابع المرأة على الثلث أوجب ديتها على نصف دية الرجل، وكانت دية الرجل في أربعة أصابع أربعين إبلا فأوجب نصفها، وهو عشرون إبلا في أربعة أصابع منها على الأصل المذكور، ألا ترى أن ربيعة لما استبعد ذلك حيث قال:"حين آلمت جراحها وعظمت مصيبتها كان الأقل لأرشها، قال سعيد بن المسيب: أعراقي أنت؟ " أراد به أنت مخالف خارج، ثم قال:"يا ابن أخي، السنة" أراد بها سنة زيد بن ثابت ومذهبه وطريقته في ذلك. والله أعلم.

ص: وفي ذلك حجة أخرى: أن عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أرى القاسم الجلوس في الصلاة على ما في حديثه، وذكر عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن أبيه لما قال له:"فإنك تفعل ذلك قال: إن رجليّ لا تحملاني" فكان معنى ذلك أنهما لو حملاني قعدت على إحداهما وأقمت الأخرى؛ لأن ذكره لهما لا يدل على أن إحداهما تستعمل دون الأخرى، ولكن تستعملان جميعا، فيقعد على إحداهما وينصب الأخرى، فهذا خلاف ما في حديث يحيى بن سعيد رحمه الله.

ش: أي وفيما احتج به الفريق الأول على الفريق الثاني حجة أخرى للفريق الثاني على الأول.

بيان ذلك: أن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أرى القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم كيفية الجلوس في الصلاة على ما وصفه في حديثه، وأن عبد الرحمن بن القاسم ذكر عن عبد الله بن عبد الله لما قال له، أي لعبد الله بن

ص: 428

عمر رضي الله عنها: "فإنك تفعل ذلك" يعني: التربع في الصلاة، قال له:"إن رجليَّ لا تحملاني"، معناه: لو حملاني قعدت على إحداهما وأقمت الأخرى؛ لأن ذكره لهما لا يدل على أنه يستعمل إحداهما ويترك الأخرى، بل المعنى أنه يستعمل كلتيهما فيقعد على الواحدة وينصب الأخرى، فهذه الهيئة خلاف الهيئة التي ذكرها في حديث يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، فيكون بين المنقولين عنه تخالف وتضاد، فسقط الاحتجاج به.

ص: وقد روى أبو حميد الساعدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة رضي الله عنه، قال:"قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لِمَ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة؟! فقال: بلى، قالوا: فأعرض، فذكر أنه كان في الجلسة الأولى يثني رجله اليسرى ويقعد عليها، حتى إذا كانت السجدة التي تكون في أخرها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر، قال: فقالوا جميعًا: قد صدقت".

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الليث بن سعد، عن يزيد بن محمَّد القرشي ويزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: وأخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب وعبد الكريم بن الحارث، عن محمد ابن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، عن رسول الله عليه السلام نحوه، غير أنه لم يقل:"فقالوا جميعًا: صدقت".

حدثنا أبو الحسين الأصبهاني قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا خالد بن مخلدا، قال: ثنا عبد السلام بن حفص، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي

فذكر بإسناده مثله.

فهذا يوافق ما ذهب إليه أهل هذه المقالة.

ص: 429

ش: ذكر حديث أبي حميد الساعدي هذا في معرض الاحتجاج لأهل المقالة الثانية؛ لأنه يوافق ما ذهبوا إليه، وهو ظاهر.

وأخرجه من ثلاث طرق:

الأول: قد ذكره بعينه في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة" وفي باب "التكبير للركوع" أيضًا، والكل حديث واحد، ولكنه قطعه على حسب التبويب.

وقد ذكرنا أن الحديث أخرجه البخاري والأربعة (1) مختصرًا ومطولا، وذكرنا أيضًا ما فيه من المعاني وغيرها.

الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي المصري الملقب ببحشل ابن أخي عبد الله بن وهب شيخ مسلم أيضًا، عن عمه عبد الله بن وهب المصري، عن الليث بن سعد المصري، عن يزيد بن محمَّد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي؛ وثقه ابن حبان، وروى له البخاري مقرونا بيزيد بنأبي حبيب، وكذا روى له الطحاوي ها هنا مقرونا بيزيد هذا، فإن الليث بن سعد يروي هذا الحديث، عن يزيد بن محمَّد ويزيد بن أبي حبيب كلاهما يرويان، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني روى له الشيخان وأبو داود والنسائي.

ومحمد بن عمرو هذا يروي عن محمَّد بن عمرو بن عطاء بن عياش المدني، روى له الجماعة، عن أبي حميد الساعدي الأنصاري المدني صاحب رسول الله عليه السلام، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد، وقيل غير ذلك، وقد ذكرناه.

وأخرجه البخاري (2): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء.

وحدثثا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء: "أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب

(1) تقدم تخريجه.

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 284 رقم 794).

ص: 430

رسول الله عليه السلام فذكرنا صلاة النبي عليه السلام، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله عليه السلام: رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غيى مفترش ولا قابضها، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرول وقعد على مقعدته".

قوله: "قال: وأخبرني ابن لهيعة

إلى أخره" أي قال عبد الله بن وهب المصري: وأخبرني أيضًا عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال.

عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري المذكور آنفا، وعن عبد الكريم ابن الحارث بن زيد المصري، روى له مسلم والنسائي، كلاهما عن محمَّد بن عمرو ابن عطاء

إلى آخره.

وأشار بذلك إلى أن عبد الله بن وهب روى هذا الحديث من طريقين:

أحدهما: عن الليث بن سعد

إلى آخره.

والآخر: عن عبد الله بن لهيعة

إلى آخره.

الثالث: عن أبي الحسن محمَّد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن عثمان بن أبي شيبة محمَّد بن إبراهيم العبسي الكوفي أخي أبي بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن خالد بن مخلد القطواني الكوفي شيخ البخاري أيضًا، عن عبد السلام بن حفص المدني؛ قال أبو حاتم: ليس بمعروف. روى له أبو داود.

عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الديلي نسبة إلى الديل -بكسر الدال- في كنانة هكذا ضبطه أهل العربية، وينسبون إليه على لفظه، وكذا ضبطه في "مطالع الأنوار" وقال: محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، ووقع في رواية

ص: 431

الطحاوي: الدؤلي -بضم الهمزة- وهو نسبة إلى دؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل.

ص: وقد خالف آخرون أيضًا في ذلك فقالوا: القعود في الصلاة كلها سواء على مثل القعود الأول في قول أهل المقالة الثانية ، ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها.

ش: أي وقد خالف جماعة آخرون أهل المقالتن المذكورتين أيضًا في حكم الجلوس في قعدات الصلاة، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: القعود في الصلاة كلها -في القعدة الأولى وفي الأخيرة سواء- وهو أن ينصب رجله اليمنى، ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها.

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا صالح بن عبد الرحمن وروح بن الفرج، قالا: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل بن حجر الحضرمي قال:"صليت خلف النبي عليه السلام، فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله عليه السلام، قال: فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها، ووضع كله اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقه بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى".

حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا خالد بن مخلد، عن عاصم

فذكر بإسناده.

قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا يوافق ما ذهبوا إليه من ذلك.

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث وائل بن حجر.

وأخرجه من طريقين صحيحين:

ص: 432

الأول: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، وروح بن الفرج القطان المصري، كلاهما عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه كليب بن شهاب الجرمي، عن وائل.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1) بأتم منه: ثنا المقدام بن داود، نا أسد بن موسى، ثنا أبو الأحوص، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال:"صليت خلف رسول الله عليه السلام فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله عليه السلام ، فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما كبر للركوع رفع يديه أيضًا كما رفعهما لتكبير الصلاة، فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه أيضًا، فلما قعد يتشهد افترش رجله اليسرى بالأرض، ثم قعد عليها، فوضع كله الأيسر على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقه بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى".

الثانى: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن خالد بن مخلد القطواني شيخ البخاري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.

وأخرجه أبو داود (2): عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله عليه السلام كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله عليه السلام فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على

(1)"المعجم الكبير"(22/ 34 رقم 80).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 193 رقم 726).

ص: 433

فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ورأيته يقول: هكذا وحلق بثنتين -الإبهام والوسطى- وأشار بالسبابة".

قوله: "لأحفظن" بفتح اللام؛ لأنها للتأكيد وبنون التوكيد أيضًا.

قوله: "وجعل حَلْقة" بفتح الحاء وسكون اللام مثل حلقة الدرع، وحلقة الباب، وحلقة القُرْط، وأما حَلَقَة القوم فيجوز فيها الفتح والسكون.

وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حَلَقَة بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حُلَقة للذين يحلقون الشعر، جمع حالق.

ويستنبط منه أحكام:

الأول: فيه: أن يعقد أصابعه ويجعل حلقة بالإبهام والوسطى، قال الفقيه أبو جعفر: هكذا روي عن أبي حنيفة، وقال صاحب "الهداية": ويبسط أصابعه. وقال صاحب "المحيط": وعن محمَّد أنه يضع يديه على فخذيه؛ لأن فيه توجيه الأصابع إلى القبلة أكثر، وعن بعضهم: أنه يفرق أصابعه. وكل هذا مخالف لما في هذا الحديث.

الثاني: فيه: أن يدعو بالمسبحة ويشير بها، وبه قال أبو يوسف، ذكره في "الإملاء" قال: وتروى الإشارة عن النبي عليه السلام وبينه، وعن بعض أصحابنا: وتكره الإشارة وهو غير صحيح؛ لأن أبا يوسف نص عليها في "الإملاء"، وكذلك نص عليها محمَّد في كتابه، وقال في "المحيط": والإشارة على قول أبي حنيفة رحمه الله.

الثالث: فيه: أن السُّنَّة أن يفترش المصلي رجله اليسرى ويجلس عليها.

فإن قيل: استدلال الحنفية لا يتم بهذا الحديث؛ لأنه لم يذكر فيه إلا أنه فرش رجله اليسرى فقط.

قلت: أكبر الخلاف فيه؛ لأنه اكتفى بهذا المقدار.

ص: 434

وأما نصب الرجل اليمنى فقد ذكره ابن أبي شيبة في روايته فقال (1): ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر:"أن النبي عليه السلام جلس فثني اليسرى، ونصب اليمنى، يعني: في الصلاة".

ثنا (2) يزيد بن هارون، عن حسين المعلم، عن بُديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة رضي الله عنهما قالت:"كان النبي عليه السلام إذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى".

ثنا (3) وكيع، عن هشام بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال:"كان النبي عليه السلام يفترش اليسرى، وينصب اليمنى".

ثنا (4) ابن فضيل، وأبو أسامة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر قال:"إن من سنة الصلاة أن يفترش اليسرى، وينصب اليمنى".

ثنا (5) وكيع والفضل بن دكين، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه:"أنه كان ينصب اليمنى، ويفترش اليسرى".

قوله: "فهذا يوافق" أي حديث وائل بن حجر يوافق مذهب هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن القعود في الصلاة كلها سواء، وهو أن ينصب رجله اليمنى، ويفترش رجله اليسرى ويقعد عليها.

وما قيل: إنه لم يذكر فيه إلا افتراش رجله اليسرى فقط فقد ذكرنا جوابه الآن.

ص: وفي قول وائل: "ثم عقد أصابعه يدعو" دليل على أنه كان في أخر الصلاة.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2923).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2924).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2926).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2927).

(5)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2929).

ص: 435

ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: من أين قلتم: إن المراد من قوله: "فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها" هو القعدة الأخيرة؟ فما الذي يدل على ذلك؟ فَلِمَ لا يجوز أن يكون المراد منه هو القعدة الأولى؟

وتقرير الجواب: أن قوله: "يدعو" يدل على أن المراد من قوله: "فلما قعد للتشهد

إلى آخره" هو القعدة الأخيرة؛ لأن الدعاء في التشهد لا يكون إلا في آخر الصلاة، وذلك لأن القعدة الأولى لا دعاء فيها، وإنما فيها قراءة التحيات لله فقط على ما عرف ذلك.

ص: فقد تضاد هذا الحديث وحديث أبي حميدة فنظرنا في صحة مجيئهما واستقامة أسانيدهما فإذا فهد ويحيى بن عثمان قد حدثانا، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: نا يحيى وسعيد بن أبي مريم، قالا: ثنا عطاف بن خالد، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: "حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي عليه السلام جلوسًا

" فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء.

قال أبو جعفر رحمه الله: فقد فسد بما ذكرنا حديث أبي حميدة؛ لأنه صار: عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن رجل، وأهل الإسناد لا يحتجون بمثل هذا، فإن ذكروا في ذلك ضعف العطاف بن خالد، قيل لهم: وأنتم أيضًا تضعفون عبد الحميد أكثر من تضعيفكم للعطاف مع أنكم لا تطرحون حديث العطاف كله، إنما تزعمون أن حديثه في القديم صحيح كله، وأن حديثه بأخرة دخله شيء، هكذا قال يحيى بن معين في كتابه، وأبو صالح سماعه من العطاف قديم جدًّا، فقد دخل ذلك فيما صححه يحيى من حديثه، مع أن من محمد بن عمرو بن عطاء لا يحتمل مثل هذا؛ وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعا لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد، وهو عندكم ضعيف، ولكن الذي روى حديث أبي حميد ووصله لم يفصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد.

ص: 436

ش: أشار بهذا إلى الجواب عن حديث أبي حميد الذي احتج به أهل المقالة الثانية كما ذكرناه، تقريره أن يقال: قد تضاد هذا الحديث، أعني حديث وائل بن حجر وحديث أبي حميد، بيان ذلك: أن حديث أبي حميد يدل على أن صفة الجلوس في القعدة الأخيرة هي التورك، وحديث وائل يدل على أنه يفترش اليسرى ويقعد عليها مطلقا من غير قيد بالأخيرة ولا بالأولى، وحديث أبي حميد مقيد، وبين المقيد والمطلق تضاد، فإذا كان الأمر كذلك يجب النظر في حال إسنادي الحديثين هل هما متساويان في الصحة أم لا؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا عطاف بن خالد قد روى عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن رجل: "أنه وجد عشرة من أصحاب النبي عليه السلام جلوسًا

" فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء، فبين عطاف أن بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أولئك الصحابة رجلًا، فظهر بهذا فساد حديث أبي حميد؛ لأن الحديث صار عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن رجل قال: "سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي عليه السلام أحدهم أبو قتادة

" الحديث.

وأهل الإسناد لا يحتجون بمثل هذا؛ لأن فيه مجهولا؛ فيعل به الحديث فيفسد، فلا يعادل حديث وائل ولا يقاربه، ويكون العمل بحديث وائل.

قوله: "فإن ذكروا في ذلك ضعف العطاف بن خالد" اعتراض من جهة أهل المقالة الثانية، تقريره أن يقال: العطاف بن خالد ضعيف؛ لأنه روي عن مالك أنه تكلم فيه، ولم يحمده. وقال الرازي: ليس بذاك. فإذا كان كذلك فكيف يفسد به حديث أبي حميد، وتقرير الجواب: أن في إسناد حديث أبي حميد: عبد الحميد بن جعفر، وأنتم تضعفون عبد الحميد أكثر من تضعيفكم للعطاف، وكان يحيى القطان يضعفه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر ويضعفه، وكان أدنى حالا من العطاف، مع إنكم لا تطرحون حديث العطاف كله، بل تقولون: إن حديثه في القديم صحيح كله، وأن حديثه لم يتغير إلا في أخرة، كذا قاله يحيى بن معين في كتابه "الجرح والتعديل"، وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن عطاف بن خالد، فقال: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث. وعنه: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، ثقة صالح الحديث. وقال أبو زرعة:

ص: 437

ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح ليس بذاك. وعن أبي داود: ثقة. واحتج به الترمذي والنسائي، ومن نقل عنه جرحه لا يعتبر؛ لأنه جرح مبهم غير مفسر.

قوله: "بأَخَرَة" بفتحات الهمزة والخاء والراء، يقال: جاء فلان بأخرة، وما عرفته إلا بأخرة: أي أخيرًا.

قوله: "وأبو صالح سماعه من العطاف قديم جدًّا" أبي أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث روايته عن العطاف قديمة جدًّا، فبالاتفاق بيننا وبينكم تكون روايته عنه صحيحة.

قوله: "مع أن سن محمد بن عمرو بن عطاء

إلى أخره" جواب آخر لبيان ضعف حديث أبي حميد، بيانه: أن في حديث أبي حميد حضر محمَّد بن عمرو بن عطاء أبا حميد وأبا قتادة [ويكون](1) هذا صحيحًا، وأبو قتادة قتل مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصلى عليه عليّ رضي الله عنه، كذا قال الشعبي والهيثم بن عدي. وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وقيل: توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه يعني: عبد الحميد، ومحمد بن عمرو بن عطاء توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك في سنة خمس وعشرين ومائة، ووفاته في سنة ست وعشرين ومائة.

وقد شنع البيهقي ها هنا على الطحاوي تشنيعًا باردًا، ذكرناه مع جوابه في باب "التكبير للركوع والتكبير للسجود".

قوله: "وليس أحد يجعل هذا الحديث" يعني حديث أبي حميد، سماعًا لمحمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد الساعدي إلا عبد الحميد بن جعفر، وهو عندكم ضعيف، قد ذكرنا عن قريب مَنْ ضَعَّفَهُ من الأئمة، وهذا بخلاف ما رواه الثقات؛ فإنهم رووا حديث أبي حميد موصولا من غير فصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد، فحينئذ تسقط روايته لمخالفته رواية الثقات من وجهين:

(1) تكررت في "الأصل".

ص: 438

أحدهما: أنه خالفهم في الوصل؛ لأن في روايته: محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، وفي رواية هؤلاء: محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن رجل، عن أبي حميد.

الثاني: أنه فصل بين الجلوسين، وهؤلاء لم يفصلوا، فمن كان بهذه المثابة وخالف الثقات لا تقبل روايته، والله أعلم.

ص: حدثنا نصر بن عمار البغدادي، قال: ثنا علي بن إشكاب، قال: أنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: أنا أبو خيثمة، قال: ثنا الحسن بن حُرّ، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عياش -أو عباس- بن سهل الساعدي وكان في مجلس فيه أبوه، وكان من أصحاب النبي عليه السلام وفي المجلس: أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد من الأنصار رضي الله عنهم "أنهم تذاكرو الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عليه السلام، فقالوا: وكيف؟ قال: اتبعت ذلك من رسول الله عليه السلام، قالوا: فأرنا، قال: فقام يصلي وهم ينظرون، فبدأ فكبر ورفع يديه نحو حَذْو المنكبين، ثم كبر للركوع ورفع يديه أيضًا، ثم أمكن يديه من ركبتيه غير مقنع رأسه ولا مصوبه، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم رفع يديه، ثم قال: الله أكبر فسجد، فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس فتورك إحدى رجليه ونصب قدمه الأخرى، وكبر كذلك، ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبير، ثم ركع الركعتين، ثم سلَّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله أيضًا: السلام عليكم ورحمة الله".

ش: ذكر هذا الحديث شاهدًا لما قاله من أن بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين أبي حميد واسطة، وأن غير عبد الحميد لم يجعل هذا الحديث سماعًا لمحمد بن عمرو هذا من أبي حميد، وأنه لم يفصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد.

وأخرجه عن نصر بن عمار البغدادي، عن علي بن إشكاب وهو علي بن الحسين بن إبراهيم أبو الحسين بن إشكاب البغدادي شيخ أبي داود وابن ماجه، وثقه النسائي وابن حبان.

ص: 439

عن أبي بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني شيخ أحمد بن حنبل، روى له الجماعة.

عن أبي خيثمة زهير بن معاوية بن خديج الكوفي أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة.

عن الحسن بن حر بن الحكم النخعي الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي، وروى له أبو داود والنسائي.

عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار، وهو مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال ابن المديني: مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى له أبو داود وابن ماجه.

عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن عيّاش -بتشديد الياء آخر الحروف، أو العباس بالباء الموحدة - ابن سهل الساعدي، روى له الجماعة سوى النسائي.

وأخرجه البيهقى (1): من حديث شجاع بن الوليد، حدثني أبو خيثمة زهير، حدثني الحسن بن حر

إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، فرفع يديه، ثم قال: الله أكبر" وفي لفظه أيضًا: "فتورك إحدى قدميه ونصب الأخرول، ثم كبر وسجد، ثم كبر -يعني-: فقام، ولم يتورك، ثم عاد فركع الركعة الأخرى كذلك، ثم جلس بعد الركعتين، حتى إذا أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، وركع الركعتين الآخريين، ثم سلم عن يمينه

" إلي آخره.

وأخرجه أبو داود (2): ثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر

إلى قوله: وأبو حميد

نحوه، ثم قال: بهذا الخبر يزيد وينقص، قال فيه: "ثم رفع رأسه -يعني من الركوع- فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 101 رقم 2475).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 253 رقم 966).

ص: 440

فجلس، فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام ولم يتورك

" ثم ساق الحديث، قال: "ثم جلس بعد الركعتين، حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، ثم ركع الركعتين الأخريين

" ولم يذكر التورك في التشهد.

قوله: "فأرنا" أمر من أرى يُرِي إراءة.

قوله: "غير مقنع رأسه" حال من الضمير الذي في قوله: "ثم أمكن" ورأسه منصوب بقوله: "مقنع" وهو من أقنع إقناعًا، وأراد به لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره، قال الله تعالى:{مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} (1) أي رافعي رءوسهم.

قوله: "ولا مُصوِّبه" بالجر عطفا على "مقنعٍ" من التصويب وهو التنكيس، أراد به لا يخفض رأسه إلى أسفل.

قوله: "فانتصب على كفيه" من نصبته فانتصب.

قوله: "وصدور قدميه" أبي صدري قدميه، ذكر الجمع وأراد به التثنية، كما في قوله تعالى:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (2) أي قلباكما.

قوله: "وهو ساجد" جملة اسمية وقعت حالًا.

قوله: "فتورك" من التورك، وهو أن يجلس على إليتيه وينصب اليمنى، ويخرج اليسرى من تحته.

ويستنبط منه أحكام:

الأول: فيه أن ابتداء الصلاة بالتكبير وهي فرض بالإجماع، ولكن اختلفوا هل هي ركن، أو شرط؟ وقد تقدم.

الثاني: فيه رفع اليدين في أول الصلاة، وهو مستحب بالإجماع.

الثالث: فيه رفع اليدين إلى حذو المنكبين، وبه تمسك الخصم، وأصحابنا حملوه على حالة العذر، وقد مر مستوفى.

(1) سورة إبراهيم، آية:[43].

(2)

سورة التحريم، آية:[4]

ص: 441

الرابع: فيه أن الركوع له تكبير، وهو أيضًا سنة بالاتفاق.

الخامس: فيه رفع اليدين عند الركوع، وقد قلنا: إنه منسوخ.

السادس: فيه بيان هيئة الركوع، وهو أن لا يرفع رأسه إلى فوق، ولا ينكسه، ومن هذا قال صاحب "الهداية": ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه.

السابع: فيه أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، وبه احتج أبو يوسف ومحمد والشافعي، وقد مر الكلام فيه مستقصى.

الثامن: فيه التكبير للسجود، وهو أيضًا سنة بالاتفاق.

التاسع: فيه بيان هيئة السجود.

العاشر: فيه التورك في القعدة الأولى، وبه احتج مالك، وعندنا هو محمول على حالة العذر والكِبَر.

الحادي عشر: فيه السلام مرتين: مرة عن يمينه، ومرة عن شماله.

ص: حدثنا نصر بن عمار، قال: ثنا علي، قال: ثنا أبو بدر، قال: أنا أبو خيثمة، قال: أنا الحسن بن حر، قال: حدثني عيسى هذا الحديث هكذا أو نحوه، وحدث عيسى أن مما حدثه أيضًا في الجلوس في التشهد:"أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخله اليمنى، ثم يشير في الدعاء بأصبع واحدة".

ش: هذا بعينه هو الإسناد الأول مع الحديث الأول، وإنما كرره لأجل زيادة فيه أشار إليها بقوله: "وحدث عيسى أن مما حدثه أيضًا

" إلى آخره.

وأخرجه البيهقي (1) أيضًا جهله الزيادة حيث قال: وحدثني عيسى أن مما حدثه أيضًا في الجلوس في التشهد: "أن يضع اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم يشير بالدعاء بإصبع واحدة"، ثم قال البيهقي: هكذا

(1)"السنن الكبرى"(2/ 101 رقم 2475).

ص: 442

رواه جماعة، عن شجاع بن الوليد، وبعضهم رواه عنه، وفيه: ابن عطاء، قال: حدثني مالك، عن عباس بن سهل.

قوله: "بإصبع واحدة" بإطلاقه يتناول كل أصبع من أصابع اليدين، وهي المراد منها مسبحة اليمنى، على ما صرح به في حديث آخر.

ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح ابن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد وسهل بن سعد فذكروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

" فذكروا القعود على ما ذكره عبد الحميد في حديثه في المرة الأولى، ولم يذكر غير ذلك.

ش: هذا وجه آخر في حديث أبي حميد يوافق ما ذكره عبد الحميد بن جعفر في حديثه في المرة الأولى.

أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة أبي يحيى المدني روى له الجماعة، عن عباس بن سهل ابن سعد الأنصاري الساعدي المدني روى له الجماعة سوى النسائي.

وأخرجه أبو داود (1) بهذا الإسناد: عن أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو، قال: أخبرني فليح، قال: حدثني عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله عليه السلام، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عليه السلام -فذكر بعض هذا- قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليها، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حَذْو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بأصبعه".

(1)"سنن أبي داود"(1/ 196 رقم 734).

ص: 443

ص: حدثني أبو الحسين الأصبهاني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: أنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الرحمن العدوي، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي:"أنه كان يقول لأصحاب رسول الله عليه السلام: أنا أعلمكم بصلاة النبي عليه السلام قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى حفظت صلاته، قال: كان رسول الله عليه السلام إذا قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حذاء وجهه، فإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك، وقال: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه، ولا مفترش ذراعيه، وإذا قعد للتشهد أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى على صدورها، وتشهد".

ش: ذكر هذا الإسناد بعينه في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة"، وهذا حديث طويل جدًّا قطعه لأجل التبويب، وقد ذكرنا هناك أن أبا داود أخرجه من طريق عتبة بن أبي حكيم.

قوله: "رقبت" من رقبت الشيء أرقبه رُقوبا، ورِقْبة، ورِقْبانا -بالكسر فيهما: إذا رصدته، والرقيب: الحافظ، والرقيب: المنتظر.

قوله: "غَيْرَ حامل" بالنصب حال من الضمير الذي في فرج.

قوله: "ولا مفترش" بالجر، عطف على قوله:"حامل"، و"ذراعيه" مفعوله.

قوله: "أضجع" من الإضجاع، من ضَجَعَ الرجل إذا وضع جنبه على الأرض يَضْجَعُ ضَجْعًا وضُجُوعًا، فهو ضاجِع، وأضجع مثله.

ويستنبط منه الأحكام التي ذكرناها آنفًا.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا أصل حديث أبي حميد هذا، ليس فيه ذكر القعود إلا على مثل ما في حديث وائل، والذي روى محمَّد بن عمرو فغير معروف ولا متصل عندنا عن أبي حميد؛ لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل؛ لأنه قتل مع علي كرم الله وجهه وصلى عليه علي رضي الله عنه، وأين سن محمَّد بن عمرو من هذا، فلما كان المتصل عن أبي حميد موافقًا

ص: 444

لما روى وائل ثبث القول بذلك، ولم يجز خلافه، مع ما قد سنده من طريق النظر، وذلك أنا رأينا القعود الأول في الصلاة وفيما بين السجدتين في كل ركعة، هو أن يفترش اليسرى فيقعد عليها، ثم اختلفوا في القعود الأخير في الصلاة، فلم يخلُ من أحد الوجهين من أن يكون سنة أو فرض، فإن كان سنة فحكمه حكم القعود الأول، وإن كان فريضة فحكمه حكم القعود فيما بين السجدتين، فثبت بذلك ما روى وائل بن حجر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.

ش: أشار بقوله: "فهذا" إلى ما ذكر في الأحاديث المذكورة من حكم الجلوس في الصلاة من غير فصل بين حكم القعدتين، بيان هذا: أن أصل حديث أبي حميد الذي رواه عبد الحميد وغيره مثل ما ذكر في هذه الأحاديث، وأنه ليس فيه ذكر القعود في الصلاة إلا مثل ما ذكر في حديث وائل بن حجر المذكور، والحاصل أن حديث أبي حميد روي على وجهين:

أحدهما: منقطع مضطرب الإسناد والمتن كما قد بينا فيما مضى؛ لأنه روي عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، وروى عطاف بن خالد، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن رجل، عن أبي حميد، فدل هذا أن بين محمَّد بن عمرو هذا وبين أبي حميد رجلًا، فدل ذلك على انقطاع حديث عبد الحميد، أشار الطحاوي إلى ذلك بقوله: "والذي روى محمَّد بن عمرو فغير معروف ولا متصل عندنا عن أبي حميد

" إلى آخره، وقد استوفينا الكلام فيه فيما مضى.

والوجه الثاني: أنه متصل، وهو موافق لرواية وائل، فإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بحديث وائل، ولم يتم استدلال الخصم بحديث أبي حميد، على أن طريق النظر والقياس يشد ذلك ويقويه، أشار إلى بيان ذلك بقوله:"مع ما قد شده من طريق النظر" أي مع شد طريق النظر هذا القول، وكلمة "مع" للمصاحبة و"ما" للمصدرية، والضمير المنصوب في "شده" يرجع إلى القول في قوله:"ثبت القول بذلك" أي بما روى وائل، فافهم، والباقي ظاهر.

ص: 445

ص: وقد قال بذلك أيضًا إبراهيم النخعي، حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن المغيرة، عن إبراهيم:"أنه كان يستحب إذا جلس الرجل في الصلاة أن يفترش قدمه اليسرى الأرض، ثم يجلس عليها".

ش: أي قد قال بما قال أهل المقالة الثالثة -من فرش الرجل اليسرى في قعود الصلاة والجلوس عليها، ونصب اليمنى- أيضًا: إبراهيم النخعي.

أخرجه بإسناد صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن وكيع، عن محل، عن إبراهيم:"كان إذا جلس نصب اليمنى، وأضجع اليسرى".

وأخرج عن محمَّد بن سيرين أيضًا نحوه.

وأخرج (2) عن الحسن: "أنه كان ربما أضجع رجليه جميعا، وربما أضجع اليمنى ونصب اليسرى".

وأخرج (3) عن وكيع والفضل بن دكين، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه:"أنه كان ينصب اليمنى، ويفترش اليسرى".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 255 رقم 2931).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2930).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 254 رقم 2929).

ص: 446