الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: ما ينبغي أن يقال في الركوع والسجود
ش: أي هذا باب في بيان ما ينبغي أن يدعى به من الأدعية في حالة الركوع وحالة السجود.
ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت وبك أمنت ولك أسلمت وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي لله رب العالمين عز وجل، ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء (ح)
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي وعبد الله بن صالح، قالوا: أخبرنا عبد العزيز بن الماجشون، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل، عن الأعرج
…
فذكروا بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح: قد ذكرها الطحاوي بعينها في باب: ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام ولكنه اقتصر هناك في المتن على: "وجهت وجهي" لأجل التبويب.
وقد ذكرنا أنه أخرجه الجماعة -غير البخاري- مختصرًا ومطولًا (1).
والوهبي هو أحمد بن خالد بن محمَّد الكندي، واستوفينا الكلام هناك في الماجشون، والمراد من الماجشون الثاني هو يعقوب بن أبي سلمة عم عبد العزيز المذكور، وهم أهل بيت يلقبون بالماجشون.
(1) تقدم.
قوله: "وهو راكع" جملة اسمية حالية.
قوله: "اللهم لك ركعت" يعني يا الله ركعت لأجلك، وتأخير الفعل للاختصاص، والركوع: الميلان والخرور، يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وقد يذكر ويراد به الصلاة، من إطلاق اسم الجزء على الكل.
قوله: "وبك أمنت" أي صدقت.
قوله: "وبك أسلمت" أي انقدت وأطعت.
قوله: "خشع لك سمعي" أي خشي وخضع، وخشوع السمع والبصر والمخ والعظم والعصب كالخضوع في البدن.
فإن قيل: كيف يتصور الخشوع من هذه الأشياء؟
قلت: ذكر الخشوع وأراد به الانقياد والطاعة، فيكون هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم.
فإن قيل: ما وجه تخصيص السمع والبصر من بين الحواس، وتخصيص المخ والعظم والعصب من بين سائر أجزاء البدن.
قلت: أما تخصيص السمع والبصر فلأنهما أعظم الحواس وأكثرها فعلًا وأقواها عملًا وأمسها حاجة؛ ولأن أكثر الآفات للمصلي بهما؛ فإذا خشعتا قلَّت الوساوس الشيطانية.
وأما تخصيص المخ والعظم والعصب؛ فلأن ما في أقصى قعر البدن المخ، ثم العظم ثم العصب؛ لأن المخ يمسكه العظم، والعظم يمسكه العصب، وسائر أجزاء البدن مركبة عليها، فهذه عمدُ بِنْية الحيوان وأطنابها، وأيضًا العصب خزانة الأرواح النفسانية، واللحم والشحم غادٍ ورائح، فإذا حصل الانقياد والطاعة عن هذه فالذي يتركب عليها بالطريق الأولى.
فإن قيل: ما معنى انقياد هذه الأشياء؟
قلت: أما انقياد السمع فالمراد به: قبول سماع الحق والإعراض عن سماع الباطل.
وأما انقياد البصر فالمراد به: صرف نظره إلي كل ما ليس فيه حرمة والاعتبار به في المشاهدات العلوية والسفلية.
وأما انقياد المخ والعظم والعصب فالراد به: انقياد باطنه كانقياد ظاهره؛ لأن الباطن إذا لم يوافق الظاهر لا يكون انقياد الظاهر مفيدًا معتبرًا، وانقياد الباطن عبارة عن تصفيته عن دنس الشرك والنفاق وتزيينه بالإخلاص والعلم والحكمة، وترك الغل والغش والحقد والحسد والظنون والأوهام الفاسدة ونحو ذلك من الأشياء التي تخبث الباطن.
وانقياد الظاهر عبارة عن استعمال الجوارح بالعبادات كل جارحة بما تخصها من العبادة التي وضعت لها.
فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله: "خشع لك سمعي" بما قبله، وما وجه ترك العاطف بين الجملتين.
قلت: كأن هذا وقع بيانًا لقوله: "ولك أسلمت" فلذلك ترك العاطف؛ لأن معنى لك أسلمت: انقدت وأطعت، ومعنرل خشع سمعي
…
إلى آخره: الانقياد والإطاعة كما قررناه، فكأنه عليه السلام بين نوعي الانقياد والإطاعة بقوله: "خشع سمعي
…
" إلى آخره بعد الإجمال، فقوله: "خشع سمعي وبصري" بيان الانقياد الظاهر، وقوله: "مخي وعظمي وعصبي" بيان الانقياد الباطن، فهذه الأسئلة والأجوبة لاحت لي في هذا الموضع من الفيض الإلهي والسر الرحماني، فلله المنة والحمد.
قوله: "وشق سمعه وبصره" من الشَّق بفتح الشين أي فلق وفتح، والشِّق بكسر الشين نصف الشيء، واستدل الزهري بهذا على أن الأذنين من الوجه، والجواب
عنه: أن المراد بالوجه جملة الذات كقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (1) ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه، وأيضًا: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره كما يقال: بساتين البلد.
قوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (2) أي المقدرين والمصورين، ومعنى "تبارك": تعالى وتعاظم، من البركة.
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الئه بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي رضي الله عنه:"أن رسول الله عليه السلام كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين".
ش: هذا طريق آخر فيه، وهو أيضًا صحيح، وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي وابن جريج هو عبد الملك.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): عن روح، عن ابن جريج
…
إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "وما استقلت به" من قولهم: استقل بالشيء إذا استبد به، ويقال: استقله يستقله إذا رفعه وحمله، وكذلك أقل الشيء يقله.
ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليَّ كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهيت أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد،
(1) سورة القصص، آية:[88].
(2)
سورة المؤمنون، آية:[14].
(3)
"مسند أحمد"(1/ 119 رقم 960).
فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم".
ش: عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي المعروف بابن عائشة شيخ أحمد وأبي داود، وثقه ابن حبان، وقال: أبو داود صدوق. روى له الترمذي والنسائي.
وعبد الواحد بن زياد العبدي أبو عبيدة البصري روى له الجماعة، وعبد الرحمن ابن إسحاق بن الحارث أبو شيبة الواسطي ابن أخت النعمان بن سعد الأنصاري، فيه مقال، قال أبو داود والنسائي وابن حبان: ضعيف. وعن أحمد: ليس بشيء. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه. روى له أبو داود والترمذي.
والنعمان بن سعد بن حبتة، ويقال: ابن حبتر الأنصاري، قال أبو حاتم: لم يرو عنه غير ابن أخته عبد الرحمن بن إسحاق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى له الترمذي.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده"(1): حدثني سويد بن سعيد سنة ستة وعشرين ومائتين، أنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي رضي الله عنه قال:"سأله رجل أقرأ في الركوع والسجود؟ فقال: قال رسول الله عليه السلام: إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في المسألة؛ فقمن أن يستجاب لكم".
وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده"(2): ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد بن زياد
…
إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرج مسلم (3): عن أبي الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين أن أباه حدثه، أنه سمع
(1) عبد الله في "زوائده على مسند أحمد"(1/ 155 رقم 1336).
(2)
"مسند البزار"(2/ 278 رقم 697).
(3)
"صحيح مسلم"(1/ 348 رقم 480).
علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "نهاني رسول الله عليه السلام أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا"، وفي لفظ له:"نهاني رسول الله عليه السلام عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد"، وفي لفظ: عن ابن عباس، عن عليّ رضي الله عنه قال:"نهاني حِبي أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا". وفي لفظ: عن ابن عباس، عن علي رضي الله عنه عن النبي عليه السلام كلهم قالوا:"نهاني عن قرأءة القرآن وأنا راكع" ولم يذكروا في روايتهم النهي عنها في السجود، كما ذكر الزهري وزيد بن أسلم والوليد بن كثير وداود بن قيس.
وفي لفظ: عن ابن عباس أنه قال: "نهيت أن أقرأ وأنا راكع" لا يذكر في الإسناد علي رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود، (1) والنسائي (2) أيضًا.
قوله: "نهيت" على صيغة المجهول.
قوله: "أن أقرأ "أن مصدرية، أي نهيت عن قراءة القرآن.
قوله: "وأنا راكع" جملة اسمية حالية.
قوله: "أو ساجد" أي أو أنا ساجد وهي أيضًا حال.
قوله: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب" أراد به تعظيم الله تعالى بذكر الأدعية التي فيها تعظيم الله وتمجيده.
قوله: "فقمن" بفتح القاف، وكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف شيء يثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة:"قمين" لما بزيادة الياء وكسر الميم، ومعناه حقيق وجدير.
فإن قيل: ما إعراب هذه الجملة؟
قلت: "أن" في قوله "أن يستجاب لكم" مصدرية، والتقدير الاستجابة لكم، وهي في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله:"قمن" أي الاستجابة لكم في هذه
(1)"سنن أبي داود"(2/ 445 رقم 4045).
(2)
"المجتبى"(2/ 217 رقم 1119).
الحالة حقيق وجدير، ويجوز أن يكون ارتفاع "أن يستجابُ" على الفاعلية لكونه مستندًا إلى الصفة وهو "قمن" بكسر الميم، فافهم.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه دلالة صريحة على النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
فإن قيل: ما الحكمة في ذلك؟
قلت: الذي يلوح لنا في هذا المقام هو أن النبي عليه السلام أخبر الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته، ونبههم على جلالة قدر ما هو تارك فيهم من الوحي المنزل، وهو الكتاب العزيز الذي لم يؤت نبي مثله بقرينة مستكنة في صيغة النهي؛ وذلك أن الركوع والسجود من باب الخضوع وأمارات التذلل من العباد لجلالة وجه الله الكريم فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه وارتفع محلّه عند هيئة موضوعة للخضوع والتذلل ليتبين لأصلي العلم معنى الكتاب العزيز، وتتكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم.
فإن قيل: إذا قرأ المصلي القرآن في ركوعه وسجوده هل تبطل صلاته أم لا؟
قلت: لا تبطل عند أبي حنيفة مطلقًا سواء قرأ عامدًا أو ناسيًا، ولكن في الناسي تجب سجدتا السهو وقال النووي: فلو قرأ في الركوع أو السعير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته، والثاني: يحرم وتبطل صلاته، هذا إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يكره، وسواء قرأ عمدًا أو سهوًا يسجد للسهو عند الشافعي.
وفي "المغني" لابن قدامة: ويكره أن يقرأ القرآن في الركوع والسجود، ثم ذكر الحديث المذكور.
الثاني: استدل مالك به وبأمثاله على كراهة القراءة في الركوع والسجود، وكراهة الدعاء أيضًا في الركوع، ولكن أباحه في السجود، وذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى
وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه؛ لأنه إنما أخلى موضعهما من القراءة ليكون محلًا للذكر والدعاء، وفيه نظر على ما لا يخفى
الثالث: فيه دلالة على أن الركوع والسجود محل للأدعية وتعظيم الله تعالى، وأن السجود محل للمسألة، وعن هذا قال أصحابنا: يستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويقتصر على هذا عندنا في الفرائض سواء كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا فإن ضم إليه ما جاء من الأدعية المأثورة فلا بأس به إذا كان في التطوع.
الرابع: فيه حجة لمن ذهب من أهل الأصول إلى أن خطاب النبي عليه السلام خصوصًا يتناول أمته وإن اقتضى من طريق اللغة تخصيصه، وذلك للأمر بالاقتداء به إلا ما دل دليل على تخصيصه به.
ص: حدثنا أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، قال: سمعت ابن عيينة يقول: حدثني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كشف رسول الله عليه السلام الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه" ثم ذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا أحمد بن الحسن.
وأخرجه مسلم (1): ثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: أنا سفيان بن عيينة، قال: أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كشف رسول الله عليه السلام الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: يأيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو
(1)"صحيح مسلم"(1/ 348 رقم 479).
ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم".
وأخرجه أبو داود (1): عن مسدد، عن سفيان، عن سليمان
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (2): أنا علي بن حجر المروزي، قال: أبنا إسماعيل هو ابن جعفر، قال: ثنا سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس قال: "كشف رسول الله عليه السلام الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: اللهم بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فإذا ركعتم فعظموا ربكم وإذا سجدتم فاجتهدوا [في الدعاء](3)، فإنه قمن أن يستجاب لكم.
قوله: "الستارة" بكسر السين، وهو: الستر الذي يكون على باب البيت والدار.
قوله: "والناس صفوف" جملة حالية، وكذا قوله:"خلف أبي بكر".
قوله: "إنه" أي إن الشأن.
قوله: "من مبشرات النبوة" جمع مبشرة، وهي الأمور المبشرة بالنبوة كصدق الرؤيا، ورؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ثم صار بغلبة الاستعمال كالاسم، واشتقاقها من البشارة، والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، من بَشَّرتُ الرجلَ أبشره -بالضم- بَشْرًا وبشُورًا من البشرى، وكذلك الإبشار والتبشير، ثلاث لغات، والاسم: البشارة، والبشارة بالكسر والضم، والنبوة من النبأ وهو الخبر تقول: نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأَنْبَأَ، أي: أخبر، ومنه أخذ النبي؛ لأنه أنْبأ عن الله تعالى، وهو فعيل بمنى فاعل.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 294 رقم 876).
(2)
"المجتبى"(2/ 217 رقم 1120).
(3)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المجتبى".
قوله: "إلا الرؤيا" وهي مقصورة مهموزة، ويجوز ترك همزها كنظائرها، من رأى في منامه رؤيا على وزن فُعْلى، والمراد "بالصالحة" صحتها أو حسن ظاهرها.
قوله: "راكعًا أو ساجدًا" حالان من الضمير الذي في: "أن اقرأ".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله عليه السلام يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك، فاغفر لي فإنك أنت التواب".
ش: إسناده صحيح، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر وأبو الضحى مسلم بن صُبيح -بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة- الهمداني الكوفي العطاردي روى له الجماعة.
ومسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي روى له الجماعة.
وأخرجه الجماعة غير الترمذي بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة:
فقال البخاري (1): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي عليه السلام يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
وقال مسلم (2): ثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم. قال زهير: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت:"كان رسول الله عليه السلام يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن".
وفي لفظ له: "كان رسول الله عليه السلام يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك، قالت: قلت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات
(1)"صحيح البخاري"(1/ 274 رقم 761).
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 350 رقم 484).
التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}
…
إلى آخر السورة".
وفي لفظ آخر له قالت: "ما رأيت النبي عليه السلام منذ نزل عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} (1) يصلي صلاة إلا دعا أو قال فيها: سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي".
وفي لفظ آخر قالت: "كان رسول الله عليه السلام يكثر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟! قال: أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (1) فتح مكة {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} انتهى.
وفي تفسير مقاتل (2): عاش رسول الله عليه السلام بعد نزولها ستين يومًا.
وذكر القرطبي (3) وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق في حجة الوداع.
وقال أبو داود (4): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى
…
إلى آخره نحو رواية البخاري، وفي آخره:"يتأول القرآن".
وقال النسائي (5): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى
…
إلى آخره نحو رواية أبي داود.
(1) سورة النصر.
(2)
"تفسير مقاتل"(4/ 245).
(3)
"تفسير القرطبي"(20/ 213).
(4)
"سنن أبي دواد"(1/ 294 رقم 877).
(5)
"المجتبى"(2/ 219 رقم 1122).
وقال ابن ماجه (1): ثنا محمَّد بن الصباح، أنا جرير، عن منصور
…
إلى آخره نحوه.
قوله: "يتأول القرآن" يعني يعمل ما أمر به في قول الله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (2).
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير وبشر بن عمر الزهراني (حَ)
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالوا: ثنا شعبة، عن منصور
…
فذكروا بإسناده مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الكناسي، قال: ثنا سفيان، عن منصور
…
فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى في الحديث المذكور وهي أيضًا صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن وهب بن جرير وبشر بن عمر الزهراني البصري، كلاهما عن شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى عن مسروق، عن عائشة.
وقد ذكرنا أن البخاري أخرجه من طريق شعبة عن منصور.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور
…
إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
والضمير في "قالوا" يرجع إلى وهب وبشر وأبي داود وكذلك في قوله "فذكروا".
الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن محمَّد بن عبد الله بن كناسة الكوفي المعروف بالكناسي وبابن كناسة، وهو لقب أبيه عبد الله بن عبد الأعلى، وثقه يحيى وأبو داود والعجلي، روى له النسائي.
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 287 رقم 889).
(2)
سورة النصر.
وهو يروي عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت:"كان رسول الله عليه السلام مما يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن الثوري، عن منصور
…
إلى آخره نحوه، وفي آخره بعد قول:"يتأول القرآن: يعني {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ".
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي عليه السلام كان يقول في ركوعه وسجوده، سبوح قدوس رب الملائكة والروح".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة
…
فذكر مثله بإسناده.
ش: هذان طريقان صحيحان ويحيى بن سعيد هو القطان، ومطرف بن عبد الله بن الشخير والكل رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي.
فكالأول أخرجه مسلم (2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نبأته: "أن رسول الله عليه السلام
…
" إلى آخره نحوه.
وكالثاني أخرجه النسائي (3): أنا بندار محمَّد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي، قالا: ثنا شعبة، عن قتادة
…
إلى آخره نحوه.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(2/ 155 رقم 2878).
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 353 رقم 487).
(3)
"المجتبى"(2/ 224 رقم 1134).
وقال أبو داود (1): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة
…
إلى آخره نحوه.
قوله: "سبوح قدوس" يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالًا، وقال الخطابي: لم يأت من الأسماء على فُعَّول -بضم الفاء- إلا سبوح وقدوس وقد يفتحان كسَفُّود، وكَلُّوب، وقال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الروح، وقال أبو الحسن الهنائي: ومعنى سبوح قدوس: تسبيح وتقديس وتعظيم، ويقال: القدوس: الطاهر من العيب. وقال ابن فارس وغيره: معنى السبوح: المسبح أي المبرأ من النقائض والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، ومعنى القدوس: المقدس أي المطهَّر من كل ما لا يليق بالخالق. وقال الهروي: قيل: القدوس: المبارك.
قوله: "رب الملائكة والروح" قيل: الروح: ملك عظيم، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل عليه السلام، وقيل: الروح صنف من الملائكة، وقيل: يحتمل أن يراد الروح الذي به قوام كل حيّ، أي ربّ الملائكة ورب الروح.
فإن قيل: ما موقع قوله: "سبوح قدوس" من الإعراب؟
قلت: هما خبرا مبتدأ محذوف تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس، وقال القاضي عياض: وقيل فيه: سبوحًا قدوسًا على تقدير أسبح سبوحًا أو أذكر أو أعظم أو أعبد أو نحو ذلك.
ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت النبي عليه السلام ذات ليلة، فظننت أنه أتى جارية فالتمسته بيدي فوقعت يدي على صدور قدميه وهو
(1)"سنن أبي داود"(1/ 293 رقم 872).
ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت ك ما أثنيت على نفسك".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عائشة رضي الله عنها قالت
…
ثم ذكر مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عمارة بن غزية، قال: سمعت أبا النضر يقول: سمعت عروة يقول: قالت عائشة
…
ثم ذكر مثله إلا أنه لم يذكر قوله: "لا أحصي ثناء عليك" وزاد "أثني عليك لا أبلغ كل ما فيك".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي، عن أسد بن موسى وثقه أبو حاتم، عن الفرج بن فضالة بن النعمان أبي فضالة الشامي الحمصي، فيه مقال، فعن يحيى والنسائي: ضعيف. وعن أحمد: ثقة. وعن يحيى: ليس به بأس. وعنه: صالح. وعن البخاري ومسلم: فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد منكر الحديث. وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا، وروايته عن ثابت لا تصح. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة رضي الله عنها.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى
…
إلى آخره، وهو مرسل؛ لأن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي لم يسمع عائشة.
قال أبو عمر في "التمهيد": وهذا الحديث مرسل في "الموطأ" عند جماعة الرواة، لم يختلفوا عن مالك في ذلك.
وهو يُسند من حديث الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة من طرق صحاح ثابتة.
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن مريم بن غزية بن الحارث المدني، عن أبي النضر -بالضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة رضي الله عنها.
وهذا إسناد صحيح وهذا الحديث روي عن عائشة من غير وجه.
فأخرجه مسلم (1): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت:"فقدت رسول الله عليه السلام ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
وأخرجه أبو داود (2): عن محمَّد بن سليمان الأنباري، عن عبدة، عن عبيد الله، عن محمَّد بن يحيى بن حبان
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (3): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله عليه السلام ذات ليلة، فوجدته وهو ساجد، وصدور قدميه نحو القبلة، وهو يقول
…
" إلى آخره نحوه.
وهو مرسل كما ذكرنا.
وكذا أخرجه مالك في "موطئه"(4): عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عائشة.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 352 رقم 486).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 295 رقم 879).
(3)
"المجتبى"(2/ 222 رقم 1130).
(4)
"موطأ مالك"(1/ 214 رقم 499).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة قالت:"طلبت رسول الله عليه السلام ليلة فلم أجده، قالت: فظننت أنه أتى بعض جواريه -أو نسائه- قالت: فرأيته وهو ساجد وهو يقول: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت".
وهذا أيضًا مرسل؛ لأن إبراهيم النخعي لم يسمع عائشة.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(2): عن معمر، عن عمران:"أن عائشة قامت ذات ليلة تلتمس النبي عليه السلام في جوف الليل، قالت: فوقعت يدها على بطن قدم النبي عليه السلام وهو ساجد وهو يقول: سبحان ربي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
قوله: "فقدت" ويروى: "افتقدت" وهما لغتان بمعنًى.
قوله: "وهو ساجد" جملة حالية، وكذا قوله:"يقول".
قوله: "اللهم
…
" إلى آخره قال الخطابي: فيه معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو الله سبحانه وتعالى استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في حق عبادته والثناء عليه.
قوله: "لا أحصى ثناء عليك أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقيل معناه: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك بها وإن اجتهدت في الثناء عليك.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 30 رقم 29237).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(2/ 156 رقم 2881).
قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته وردَّ ثنائه إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، وكما أنه لا نهاية لصفاف لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل ثناء أثني به عليه وإن كثر وإن طال وبولغ فيه فقدر الله أعظم وسلطانه أيُّ وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ.
وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله: أعوذ من سخطك، ومن عقوبتك.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سُمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وأخره، وعلانيته وسره".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال مسلم وغيره، وأبو صالح ذكوان الزيات.
وأخرجه مسلم (1): حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى، قالا: أنا ابن وهب
…
إلى آخره نحوه.
وهذا الحديث قد شارك فيه الطحاوي مسلمًا في رجاله ومتنه جميعًا، وشيخ كل منهما فيه يونس بن عبد الأعلى المصري.
وأخرجه أبو داود (2) أيضًا: عن أحمد بن صالح وابن السرح، كلاهما عن ابن وهب
…
إلى آخره.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 350 رقم 483).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 294 رقم 878).
قوله: "دقه" بكسر الدال: أي قليله، وهو مصدر في الأصل، من دق الشيء إذا لطف.
و"جله" بكسر الجيم
…
أي كثيره، وهو أيضًا في الأصل مصدر، من جلَّ الشيء إذا عظم.
قوله: "دقه وجله
…
" إلى آخره: تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: "اغفر لي ذنبي كله" فقد تناول جميع ذنوبه مجملًا ثم فصَّله بقوله: كذا وكذا وفائدته: أن التفصيل بعد الإجمال أوقع وآكد وانتصاب "دقه" على أنه بدل من قوله: "ذنبي" و"جله
…
" إلى آخره عطف عليه.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سُمي موك أبي بكر، عن أبي صالح، عن أتيت هريرة، عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء".
ش: هذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (1): ثنا هارون بن معروف وعمرو بن سواد، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (2): ثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة، قالوا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (3): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو
…
إلى آخره نحوه.
قوله: "أقرب ما يكون" معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 350 رقم 482).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 294 رقم 875).
(3)
"المجتبى"(2/ 226 رقم 1137).
وقوله: "أقرب ما يكون" مبتدأ حُذف خبره لسدِّ الحال وهو قوله: "وهو ساجد" مسدَّه، مثل قولهم: أحب ما يكون الأمير وهو قائم، وعلم من ذلك خطأ من زعم أن الواو في قوله:"وهو ساجد" زائدة؛ لأنه خبر لقوله: "أقرب" وتحقيق الكلام ها هنا أن "ما" في "ما يكون" مصدرية، والفعل الذي بعدها بمعنى المصدر، وهو بمعنى الجمع هنا لأن أفعل التفضيل يجب أن تكون بعض ما أضيف هو إليه، فتقديره أقرب أكوان العبد من أنه حاصل إذا كان وهو ساجد، ثم حذف الخبر أعني "حاصل"؛ لأن حذف متعلقات الظروف شائع كثير، ثم حذف الظرف أعني إذا كان لدلالة الحال عليه؛ لأن الحال يدل على الوقت والزمان، فالحال يدل على الظرف والظرف على الخبر، فالحال على الخبر لأن الدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء.
فإن قيل: ما معنى كون العبد أقرب إلى الله حالة السجود من بين سائر أحواله؟
قلت: لأنه في حالة تدل على غاية تذلل واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكانت مظنة الإجابة فلذلك أمر عليه السلام بإكثار الدعاء في السجود، بقوله "فأكثروا الدعاء" أي في حالة السجود، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أن السجود أفضل من القيام، ومذهب أبي حنيفة أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وبه قال الشافعي؛ لقوله عليه السلام:"أفضل الصلاة: طول القنوت".
رواه مسلم (1). ومعناه: القيام.
وقال محيي الدين النووي: وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفصيل تطويل السجود: ابن عمر رضي الله عنهما.
والمذهب الثاني: مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل؛ لما ذكرنا.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 520 رقم 756).
والمذهب الثالث: أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ولم يتعرض فيها بشيء، وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما بالليل فتطويل القيام إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه فتكثير الركوع والسجود أفضل.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أنه لا بأس أن يدعو الرجل في ركوعه وسجوده بما أحب، وليس في ذلك عندهم شيء مؤقت، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق وداود، فإنهم قالوا: يدعوا المصلي بما شاء من الأدعية المذكورة في الأحاديث السابقة في صلاته، سواء كانت فرضًا أو نفلًا.
وقال ابن قدامة في "المغني": ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وإن زاد دعاء مأثورًا أو ذكرًا، ثم ذكر مثل الأدعية في هذا الباب فحسن؛ لأن النبي عليه السلام قاله.
وقال البيهقي: وقال الشافعي: يسبح كما أمر النبي عليه السلام في حديث عقبة، ويقول كما قال في حديث علي رضي الله عنه.
قلت: حديث عقبة يأتي عن قريب، وحديث عليّ مرَّ في أول الباب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا ينبغي له أن يزيد في ركوعه على "سبحان ربي العظيم" يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات، ولا ينبغي له أن يزيد في سجوده على "سبحان ربي الأعلى" يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصريّ وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: السنة للمصلي أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وذلك أدناه، وفي
سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه، ولا ينبغي له أن يزيد على ذلك شيئًا" وهو المنقول أيضًا عن عليّ وابن مسعود وحذيفة وعقبة بن عامر رضي الله عنهم وذكر الطحاوي في شرحه "للمختصر" يسبح الإِمام ثلاثًا، وقيل: أربعًا ليتمكن المقتدي من الثلاث، وقال الماوردي: أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس. وفي بعض شروح "الهداية": إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى أثنى عشرة فهو أفضل عند الإِمام وعندهما إلى سبع.
وقوله: "يرددها" أي يردد كلمة "سبحان ربي العظيم"، أراد أنه يكررها ما شاء فوق الثلاث، غير أنه إذا كان إمامًا لا يزيد على الثلاث إلا مقدار مالًا تحصل المشقة على القوم.
قوله: "ولا ينبغي له أن يزيد" هذا في الفرائض، وأما في النوافل فلا بأس به؛ لأن باب النفل أوسع.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن عقبة بن عامر الجهني، قال:"نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (1) قال النبي عليه السلام: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (2) قال النبي عليه السلام: اجعلوها في سجودكم".
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني موسى بن أيوب الغافقي
…
فذكر بإسناده مثله
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن عبد الرحمن بن الجارود البغدادي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ القصير، شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر الغافقي ثم المناري -ومنار بطن من غافق- وثقه ابن حبان وغيره.
(1) سورة الواقعة، آية:[74، 96]، وسورة الحاقة، آية:[52].
(2)
سورة الأعلى، آية:[1].
عن عقبة بن عامر الجهني الصحابي.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا الربيع بن نافع أبو توبة، وموسى بن إسماعيل -المعنى- قالا: ثنا ابن المبارك، عن موسى -قال أبو سلمة: موسى بن أيوب- عن عمه، عن عقبة بن عامر
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه (2)، والحكم في "مستدركه" (3).
الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن المعروف ببحشل المصري، عن عمه عبد الله بن وهب، عن موسى بن أيوب
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (4): ثنا عمرو بن رافع البجلي، نا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب الغافقي، قال: سمعت عمي إياس بن عامر يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول
…
إلى آخره نحوه.
واستدلت به الظاهرية على أن قول سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى في الركوع والسجود فرض؛ للأمر بذلك.
قلئا: الأمر ليس للوجوب؛ بقرينة أنه عليه السلام لما عَلَّم الأعرابي أركان الصلاة لم يأمره بذلك.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
…
فذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي ثقة، وثقه ابن يونس، ويحيى بن أيوب المصري الغافقي روى له الجماعة.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 292 رقم 869).
(2)
"صحيح ابن حبان"(5/ 225 رقم 1898).
(3)
"مستدرك الحاكم"(1/ 347 رقم 818).
(4)
"سنن ابن ماجه"(1/ 287 رقم 887).
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: وكان من الحجة لهم أيضًا: أنه قد يجوز أن يكون ما كان من النبي عليه السلام في الآثار الأول إنما كان قبل نزول الآيتين اللتين ذكرتا في حديث عقبة رضي الله عنه فلما نزلتا أمرهم النبي عليه السلام بما أمر به من ذلك، وكان أمره ناسخًا لما قد تقدم من فعله.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: "أنه قد يجوز
…
" إلى آخره، وهذا ظاهر، وهذا في الحقيقة جواب عن الآثار المتقدمة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى.
فإن قيل: ما وجه هذا النسخ، والنسخ لا يكون إلا فيما يعلم بالتاريخ فيما بين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، وأيضًا قوله: "قد يجوز أن يكون
…
" إلي آخره احتمال، وقد نص أهل الأصول، أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟
قلت: قد تكون دلالة التاريخ تقوم مقام التاريخ عينه، كما إذا كان أحد النصين موجبًا للحظر والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يثبت النسخ بدلالة التاريخ، وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة، من ضرورة ذلك يعلم أن الموجب للحظر طارئ عليه متأخر عنه، فيكون ناسخًا له بدلالة التاريخ، وكذلك فيما نحن فيه؛ لأن أمره عليه السلام بقوله:"اجعلوها في ركوعكم، اجعلوها في سجودكم" تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم، فيكون ذلك رفعًا لما كان من فعله، وهذا هو النسخ، وهذا الذي لاح لي في هذا المقام من الأنوار الربانية والأسرار الرحمانية.
ص: وقد روي عن رسول الله عليه السلام أيضًا أنه كان يقول في ركوعه وسجوده ما أمر به في حديث عقبة كما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر وبشر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن سليمان، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة:"أنه صلى مع رسول الله عليه السلام ذات ليلة، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى".
حدثنا فهد، قال: ثنا سحيم الحراني، قال: ثنا حفص بن غياث، عن مجالد، عن الشعبي، عن صلة، عن حذيفة قال:"كان رسول الله عليه السلام يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا".
ش: لما بين احتجاج أهل المقالة الثانية بما أمر به في حديث عقبة بن عامر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنها، بين أيضًا ما فعله عليه السلام بنفسه مما أمر به، فيكون ما احتج به هؤلاء أقوى لما فيه من قول الرسول عليه السلام وفعله، وما احتج به أهل المقالة الأولى هو فعله فقط، ولا شك أن فعله إذا اجتمع مع قوله يكون أقوى وآكد، وهذا في نفس الأمر جواب أخر عن احتجاج أهل المقالة الأولى.
وأخرج حديث حذيفة من طريقين:
الأول: صحيح على شرط مسلم، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، وبشر بن عمر الزهراني، كلاهما عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن سعد بن عبيدة السلمي أبي حمزة الكوفي، عن المستورد بن الأحنف الكوفي، عن صلة بن زفر العبسي الكوفي، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
وأخرجه الأربعة؛ فأبو داود (1): عن حفص بن عمر، عن شعبة، قال: قلت لسليمان: أدعو في الصلاة إذا مررت بآية تخوف؟ فحدثني عن سعد بن عبيدة، عن مستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة:"أنه صلى مع رسول الله عليه السلام، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوذ".
والترمذي (2): عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن الأعمش
…
إلى آخره نحوه.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 292 رقم 871).
(2)
"جامع الترمذي"(2/ 48 رقم 262).
والنسائي (1): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صلة، عن حذيفة قال:"صليت مع رسول الله عليه السلام ذات ليلة، فاستفتح سورة البقرة فقرأ بمائة آية، قلت: يركع، فمضى، قلت: يختمها في الركعتين، فمضى، فقلت: يختمها ثم يركع، فمضى حتى قرأ سورة النساء، ثم آل عمران، ثم ركع نحوًا من قيامه، يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وأطال القيام، ثم سجد فأطال السجود، يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكره".
وابن ماجه (2): عن محمَّد بن رمح المصري، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأزهر، عن حذيفة بن اليمان:"أنه سمع رسول الله عليه السلام يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن القاسم الحراني المعروف بسحيم، عن حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد الكوفي، فيه مقال؛ فعن يحيى بن سعيد القطان: في نفسي منه شيء. وعن أحمد: ليس بشيء؛ يرفع حديثا كثيرًا لا يعرفه الناس. وعن يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه. وعن أبي حاتم: ليس بقوي الحديث.
عن عامر الشعبي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
وأخرجه الدارقطني في "سننه"(3): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن
(1)"المجتبى"(2/ 224 رقم 1133).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 287 رقم 888).
(3)
"سنن الدارقطني"(1/ 341 رقم 1).
صلة، عن حذيفة:"أن النبي عليه السلام كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا". انتهى.
قلت: قوله: "وبحمده" زيادة في رواية الدارقطني، قال أبو داود: أخاف أن لا تكون محفوظة.
وفي "المغني": روى أحمد بن نصر، عن أحمد بن حنبل، أنه سئل عن تسبيح الركوع والسجود، سبحان ربي العظيم أعجب إليك أو سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: قد جاء هذا وجاء هذا، وما أدفع منه شيئًا. وروي عن أحمد أنه قال: أما أنا فلا أقول: "وبحمده".
وقيل: يحتمل أن أحمد قال ذلك؛ لأن هذه الزيادة من رواية ابن أبي ليلى وهو ضعيف عنده، وحكى ابن المنذر هذا عن الشافعي أيضًا وعن أصحاب الرأي.
ص: فهذا أيضًا قد دلّ على ما ذكرنا من وقوفه على دعاء بعينه في الركوع والسجود.
ش: أشار بهذا إلى حديث حذيفة رضي الله عنه أي هذا أيضًا قد دل على أن النبي عليه السلام قد وقف في الركوع والسجود على دعاء معين، وهو قوله: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، فحينئذٍ فلا يتعدى عليه، ولا ينقص من ثلاث مرات، وأن كل ما ورد في غيره من الأدعية فمحمول على النوافل.
ص: وقال آخرون: أما الركوع فلا يزاد فيه على تعظيم الرب، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء، واحتجوا في ذلك بحديثي علي وابن عباس رضي الله عنهم اللذين ذكرناهما في الفصل الأول.
ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن المبارك ومالكًا ومن تبعهما من الفقهاء؛ فإنهم ذهبوا إلى حديثي علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس المذكورين في أول الباب، وقالوا: أما الركوع فلا يزاد فيه على تعظيم الرب على معنى لا يدعى فيه، ولكن يذكر الله تعالى بأنواع التعظيم، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء.
قال القاضي عياض: ذهب مالك إلى قوله عليه السلام: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء
…
". الحديث، وكره القراءة في الركوع وكره الدعاء في الركوع، وأباحه في السجود اتباعًا للحديث.
وفي "الأحكام" لابن بزيزة: وروينا عن ابن المبارك أنه قال: "إنه لَيُعْوِزني الملح للقدر، فأدعو الله به في سجودي في الصلاة".
ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أنهم قد جعلوا قول النبي عليه السلام: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" ناسخًا لما قد تقدم من أفعاله قبل ذلك في الأحاديث الأُول، فيحتمل أن يكون أمره بالتعظيم في الركوع لما نزلت عليه {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (1) وأباح الدعاء في السجود بما أحبوا قبل أن تنزل عليهم:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (2) فلما نزل عليه ذلك أمرهم بأن ينتهوا إليه في سجودهم -على ما في حديث عقبة- ولا يزيدون عليه، فصار ذلك ناسخًا لما قد تقدم منه قبل ذلك، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ناسخًا لما كان منه قبل ذلك.
ش: أي فكان من الحجة على الآخرين الذين قالوا: "لا يزاد في الركوع على تعظيم الرب
…
" إلى، آخره، وأراد بهذا: الجواب عما قالوا والرد عليهم.
بيانه: أن هؤلاء قد جعلوا قوله عليه السلام: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" ناسخًا لما كان النبي عليه السلام يفعله قبل ذلك مما ذكر في الأحاديث التي مضى ذكرها في أول الباب، وذلك نحو قوله: "اللهم لك ركعت وبك آمنت
…
" إلى آخره، هذا وجه استدلالهم فيما ذهبوا إليه، ومنع ذلك الطحاوي وبين وجهه حيث قال: "فيحتمل أن يكون أمره بالتعظيم في الركوع
…
" إلى آخره بيانه: أن أمره عليه السلام بالتعظيم في الركوع بقوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" يحتمل أن يكون حين نزلت عليه
(1) سورة الوا قعة، آية:[74، 96]، وسورة الحاقة، آية:[52].
(2)
سورة الأعلى، آية:[1].
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (1) فيكون القائل في ركوعه: سبحان ربي العظيم معظمًا لربه في ركوعه، وكان الدعاء في السجود مباحًا لهم بأي شيء دعوا وبأي دعاء شاءوا قبل نزول قوله تعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} بقتضى ما ورد عنه عليه السلام في ذلك، فلما نزل عليه صلى الله عليه وسلم قوله:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (2) أمرهم بأن يقولوا ذلك في سجودهم، ويقتصرون عليه ولا يزيدون شيئًا؛ لما في حديث عقبة بن عامر الجهني، فيصير هذا ناسخًا لما كان منه قبل ذلك مما كان يقوله ويدعو به في سجوده، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول قوله {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ناسخًا لما كان منه قبل ذلك، وجه النسخ في هذا قد بيناه عن قريب.
ص: فإن قال قائل: إنما كان ذلك من النبي عليه السلام بقرب وفاته لأن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كشف النبي عليه السلام الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه.
قيل له: فهل في الحديث أن تلك الصلاة هي الصلاة التي توفي رسول الله عليه السلام بعقبها، أو أن تلك المرضة هي مرضته التيم توفي فيها، ليس في الحديث منها شيء، فقد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها، ويجوز أن تكون صلاة غيرها وقد صح بعدها، فإن كانت هيم الصلاة التي توفي بعدها فقد يجوز أن تكون {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة لذلك فهو أحرى يجوز أن يكون بعدها.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله عليه السلام: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم". كان بقرب موته عليه السلام بدليل قول ابن عباس رضي الله عنهما: "كشف النبي عليه السلام الستارة
…
" الحديث، فإذا كان الأمر كذلك؛ يكون هذا متأخرًا، فكيف يكون منسوخًا؟.
(1) سورة الواقعة، آية:[74، 96]، وسورة الحاقة، آية:[52].
(2)
سورة الأعلى، آية:[1].
وتقرير الجواب أن يقال: ليس في الحديث ما يدل على أن تلك الصلاة التي خرج إليها رسول الله عليه السلام بعد كشف الستارة هي الصلاة التي توفي رسول الله عليه السلام عقيبها، وليس فيه أيضًا أن مرضته الستلا تلك هي المرضة التي توفي فيها رسول الله عليه السلام، ولكن يحتمل أن تكون هي الصلاة التي توفي عقبها، ويحتمل أن لا يكون ذلك، بل قد صح بعدها عليه السلام، فإن كانت هي الصلاة التي توفي عقبها، فقد يحتمل أن يكون قوله {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} نزل عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة فبالطريق الأولى أن يكون ذلك. فعلى كلا التقديرين يثبت النسخ، والله أعلم.
وقد شنع البيهقي في كتابه "المعرفة"(1) في هذا المقام على الطحاوي، وقال: روى الطحاوي ما روينا ها هنا، وفي كتاب "السنن" من الأحاديث فيما يقال في الركوع والسجود، ثم ادعي نسخها بحديث عقبة بن عامر الجهني؛ فكأنه عرض بقلبه حديث سليمان بن سحيم بإسناده عن ابن عباس، في الأمر بالدعاء في السجود، وأن ذلك كان من النبي عليه السلام مرض موته حين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه فقال:"إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له" ثم ذكر ما روينا في إسناد الشافعي، فتحير في الجواب عنه، فأتى بكلام بارد، فقال: يجوز أن تكون {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (2) نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي عليه السلام غداة يوم الاثنين، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه في صلاة الصبح، كما دل عليه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (3)، وهو اليوم الذي توفي فيه، وقد روينا في الحديث الثابت (4): عن النعمان بن بشير: "أن النبي عليه السلام كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك
(1)"معرفة السنن والآثار"(1/ 568).
(2)
سورة الأعلى.
(3)
"أخرجه مسلم"(1/ 315 رقم 419).
(4)
أخرجه مسلم (2/ 598 رقم 878).
حديث الغاشية، وإذا اجتمعا في يوم واحد يقرأ بهما". وقد روينا (1) عن سمرة بن جندب قال:"كان رسول الله عليه السلام يقرأ في العيدين {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} (2) " وفي رواية أخرى (3): "في صلاة الجمعة" وفي هذا دلالة على أن {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} كان قد نزل قبل ذلك بزمان كثير، وروينا عن البراء بن عازب في الحديث الطويل (4) في هجرة النبي عليه السلام قال: "فما قدم يعني رسول الله عليه السلام المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل.
وروينا في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه (5) - في قصة من خرج في صلاته حين افتتح سورة البقرة أن النبي عليه السلام أمره أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحو ذلك، وكان هذا أيضًا قبل مرضه بكثير، وقد تحير صاحب هذه المقالة في خبر معاذ، وصار أمره إلى أن حمله في مسألة "الفريضة خلف التطوع" على أن ذلك كان في وقت تصلى فيه الفريضة الواحدة في يوم واحد مرتين وذلك في زعمه في أول الإسلام، فنزول {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} عنده إذن في تلك المسألة في أول الإسلام، وفي هذه المسألة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله عليه السلام، ليستقيم قوله في الموضعين، وهذا شأن من يسوي الأخبار على مذهبه، ويجعل مذهبه أصلًا، وأحاديث رسول الله عليه السلام تبعًا، والله المستعان، ومشهور فيما بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} نزلن بمكة وهو فيما رويناه عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما فكيف استجاز هذا الشيخ ادعاء نسخ ما ورد في
(1) أخرجه النسائي في "الكبرى"(1/ 547 رقم 1774)، وأحمد (5/ 7 رقم 20092)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 294 رقم 5989).
(2)
سورة الغاشية.
(3)
أخرجها أبو داود (1/ 362 رقم 1125)، والنسائي (3/ 111 رقم 1422)، وأحمد (5/ 13 رقم 20162).
(4)
أخرجه البخاري (3/ 1428 رقم 3710).
(5)
تقدم
حديث ابن عباس من قول النبي عليه السلام وأمره بالدعاء في السجود في مرض موته بما نزل قبله بدهر طويل بالتوهم والله أعلم.
قلت: قول البيهقي: "فأتى بكلام بارد
…
" إلى آخره تشنيع بارد صادر عن أريحية تعصب؛ لأن الطحاوي إنما قال: قد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها إلى آخره في حديث ابن عباس؛ لأن حديث ابن عباس ساكت عن بيان وفاته عليه السلام في مرضه ذلك أو في يومه الذي قال فيه ذلك، وإنما بيانه ذلك جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وهو ما رواه مسلم وغيره.
فقال مسلم (1): حدثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد -قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال: فحدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصلي لهم في وجع رسول الله عليه السلام الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله عليه السلام ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله عليه السلام ضاحكًا، فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله عليه السلام ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله عليه السلام خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله عليه السلام بيده: أن أتموا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله عليه السلام فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله عليه السلام من يومه ذلك". انتهى.
فهذا ليس فيه ما قال ابن عباس رضي الله عنهما في حديثه من قوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب
…
" إلى آخره، ولا فيه ما في حديث أنس من بيان وفاته عليه السلام في ذلك اليوم؛ فعلمنا أن الحديثين متغايران فمن أين يورد البيهقي عليه ويقول: ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي عليه السلام غداة يوم الاثنين والناس صفوف خلف أبي بكر في صلاة الصبح كما دل عليه حديث أنس رضي الله عنه فلا نسلم دلالة حديث أنس على أن
(1)"صحيح مسلم"(1/ 315 رقم 419) وقد تقدم.
قضية حديث ابن عباس بعينها هي ابن حديث أنس، فلم لا يجوز أن يكون حديث ابن عباس قبل ذلك بزمان، فما المانع من ذلك وكلام الطحاوي مبني على هذا الاحتمال، ثم روايته عن النعمان بن بشير وغيره مما يدل على أن سبح اسم ربك الأعلى، وسبح اسم ربك العظيم، قد نزلتا قبل ذلك بزمان لا يضر الطحاوي، ولا ينافي كلامه؛ لأن حديث ابن عباس إذا كان محتملًا أن يكون قبل حديث أنس، يكون محتملًا أيضًا أن يكون قبله بزمان طويل، فحينئذ يكون نزول الآيتين بعد حديثه قبل وفاته عليه السلام بمدة طويلة.
فإن قيل: سلمنا ما ذكرت هذا، ولكن ما تقول في قوله: "ومشهور بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما قوله:{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} نزلن بمكة، فإذا كان كذلك يكون نزول هاتين الآيتين قديمًا، ولا شك أن حديث ابن عباس مدني، فكيف يكون منسوخًا بنص متقدم قبله بدهر طويل؟
قلت: يجوز أن تكون السور المذكورة مكية والآيتين مدنيتين، أو يكون الناسخ لذلك هو قوله عليه السلام: اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم، لا نفس الآيتين المتقدمتين في النزول.
فإن قيل: قوله عليه السلام: "اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم" إنما كان عند نزول الآيتين فيكون هذا أيضًا متقدمًا.
قلت: يمكن أن يكون قوله عليه السلام ذلك بعد نزول الآيتين بزمان، بل الظاهر هذا أنه بعد نزولهما بمدة، والدليل عليه أن عقبة بن عامر الجهني راوي هذا الحديث أسلم بالمدينة، والآيتان على ما قال البيهقي: مكيتان، فكيف يكون قوله عليه السلام ذلك حين نزول الآيتين؟ وكيف تصح أخبار عقبة بذلك والحال أنه لم يكن حاضرًا وقت نزول الآيتين، ولا كان مسلمًا حينئذٍ؟! فعلمنا أن قوله عليه السلام بذلك كان متأخرًا حتى أخبر به عقبة، فإذا كان متأخرًا يكون ناسخًا لما كان من فعله عليه السلام مما كان يدعو به في
الركوع والسجود، على ما ذكرنا، ثم الدليل على أن عقبة أسلم بالمدينة ما قاله ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (1) روى عنه أبو عُشانة أنه قال:"قدم رسول الله عليه السلام المدينة وأنا في غنم لي أرعاها، فتركتها ثم ذهبت إليه، فقلت: تبايعني يا رسول الله، قال: فمن أنت؟ فأخبرته فقال: أيهما أحب إليك؛ تبايعني بيعة أعرابية أو بيعة هجرة؟ قلت: بيعة هجرة، فبايعني"(2).
فإن قيل: يجوز أن يكون عقبة رضي الله عنه حاكيًا للحديث المذكور عمن سمعه من الصحابة من غير حضور منه على ذلك.
قلت: صرح في حديثه بقوله: "لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (3) قال لنا رسول الله عليه السلام: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (4) قال لنا رسول الله عليه السلام: اجعلوها في سجودكم"(5) فهذا يرد هذا الاحتمال على ما لا يخفى، ولما طرق سمعي ما نقلته من البيهقي وحطه على الطحاوي صَعُب ذلك شديدًا لا لأجل أنه من أكابر أئمة أصحابنا ولا لأجل أني متعصب له، وإنما ذلك لأجل تعصبه عليه بغير طريق وحطه عليه بغير وجه في غير موضع من كتابه، ولم أجد أحدًا أجاب عنه، ففكرت فيه ساعة مديدة، فلم يفتح لي شيء، ثم صليت على سيد الخلق نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم عشر مرات، فكأن ما ذكرته قد صُبَّ في خلدي دفعة واحدة فجرى ذلك على جناني ثم جرى ببناني على البيان، ولله الحمد والمنة، على هذا الفضل والإحسان.
(1)"أسد الغابة"(1/ 775).
(2)
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبري"(17/ 304 رقم 839).
(3)
سورة الواقعة، آية:[74، 96]، وسورة الحاقة، آية:[52].
(4)
سورة الأعلى، آية:[1].
(5)
أخرجه ابن ماجه (1/ 287 رقم 887) ، وأحمد (4/ 155 رقم 17450)، والبيهقي (2/ 86 رقم 2388).
ص: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأينا مواضع في الصلاة فيها ذكر، فمن ذلك التكبير للدخول في الصلاة، ومن ذلك التكبر للركوع والسجود والقيام من القعود، فكان ذلك التكبير تكبيرًا قد وقف العباد عليه وعلموه، ولم يجعل لهم أن يجاوزوه بلى غيره، ومن ذلك ما يشهدون به في القعود، فقد علموه ووقفوا عليه ولم يجعل لهم أن يأتوا مكانه بذكر غيره؛ لأن رجلًا لو قال مكان قوله: الله أكبر: الله أعظم أو الله أجل. كان في ذلك مسيئًا، ولو تشهد رجل بلفظ مخالف للفظ التشهد الذي جاءت به الآثار عن رسول الله عليه السلام وأصحابه كان في ذلك مسيئًا، وكان بعد فراغه من التشهد الأخير قد أبيح له من الدعاء ما أحب، فقيل له فيما روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ثم ليتخير من الدعاء ما أحب"، فكان قد وقف في كل ذكر على ذكر بعينه ولم يجعل له مجاوزته بلى ما أحب، إلا ما وقف عليه من ذلك، وإن استوى ذلك في المعنى، فلما كان في الركوع والسجود قد أجمع على أن فيهما ذكرًا، ولم يجمع أنه أبيح له فيهما كل الذكر، كان النظر على ذلك أن يكون ذلك الذكر كسائر الذكر في صلاته من تكبيره، وتشهده، وقوله: سمع الله لمن حمده، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد، ويكون ذلك قولًا خاصًّا لا ينبغي لأحد مجاوزته إلى غيره، كما لا ينبغي له في سائر الذكر الذي في الصلاة، ولا يكون له مجاوزة ذلك إلى غيره إلا بتوقيف من الرسول عليه السلام، له على ذلك؛ فثبت بذلك قول الذين وقتوا في ذلك ذكرًا خاصًّا وهم الذين ذهبوا بلى حديث عقبة رضي الله عنه ما فصل فيه من القول في الركوع والسجود، وهذا قول أبي حنيفة وأي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: خلاص هذا أن الصلاة فيها أذكار متعينة لم يُجعل للمصلي أن يتعداها إلى غيرها، كتكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع والسجود، والتشهد؛ فإن هذه أذكار متعينة، حترل لو أقول بذكر يشابه واحدًا من ذلك في معناه، يكون مسيئًا وإن كان لا تفسد به صلاته، وفيها ذكر غير متعين كالأدعية بعد الفراغ من التشهد الأخير، بتخيير له من الشارع بقوله:"ثم ليتخير من الدعاء ما أحب". ولما كان الإجماع على
أن في الركوع والسجود ذكرًا، ولكن لم يجمع على أنه يأتي فيهما بكل الذكر، لعدم التوقيف فيه؛ فكان النظر والقياس على ذلك أن يكون ذكرهما كسائر الأذكار المتعينة، نحو التكبير والتشهد والتسميع والتحميد، ويكون ذلك قولًا خاصًّا لا ينبغي لأحد مجاوزته إلى غيره، كما ليس له ذلك فيما ذكرنا من الأذكار إلا ما فيه توقيف من الرسول عليه السلام.
قوله: "قد وقف العباد عليه" جملة وقعت صفة لقوله: "تكبيرًا".
قوله: "كان في ذلك مسيئًا" لعدم إتيانه بما أتى به الشرع، ولكن لا تفسد صلاته لما ذكرنا.
قوله: "فقيل له" أي قيل للمصلى فيما روي عن عبد الله بن مسعود، ويأتي ذلك عن قريب إن شاء الله تعالى.
قوله: "فثبت بذلك" نتيجة ما قبله من الكلام.
قوله: "الذين وقتوا" أي عينوا.
قوله: "على ما فصل فيه" أي ميز وبين، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: وأين جعل للمصلي أن يقول بعد التشهد ما أحب؟
قيل له: في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حدثنا بذلك أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن شقيق، عن عبد الله قال: "كنا نقول خلف رسول الله عليه السلام إذا جلسنا في الصلاة: السلام على الله وعلى عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال رسول الله عليه السلام: إن الله عز وجل هو السلام، فلا تقولوا هكذا، ولكن قولوا
…
" فذكر التشهد على ما ذكرناه في غير هذا الموضع عن ابن مسعود، قال: "ثم ليتخير أحدكم بعد ذلك أطيب الكلام أو ما أحب من الكلام".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا لا ندري ما نقول بين كل ركعتين غير أن
نسبح ونكبر ونحمد ربنا عز وجل، وإن محمدًا عليه السلام أوتي فواتح الكلم وجوامعه -أو قال: وخواتمه- فقال: إذا قعدتم في الركعتين فقولوا -فذكر التشهد- ثم يتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به ربه عز وجل".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الفضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن شقيق، عن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، غير أنه قال:"ثم ليختر من الكلام بعدُ ما شاء" فابيح له ها هنا أن يختار من الدعاء ما أحب؛ لأن ما سواه من الصلاة بخلافه من ذلك ما ذكرنا من التكبر في مواضعه ومن التشهد في موضعه ومن الاستفتاح في موضعه، ومن التسليم في موضعه؛ فجعل ذلك ذكرا خاصًّا غير متعدٍّ إلى غيره، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الذكر في الركوع والسجود ذكرًا خاصًّا لا يتعدى إلى غيره، والله أعلم.
ش: لما قال: فيما قبل هذا عن قريب؛ فقيل له: فيما روى ابن مسعود عن النبي عليه السلام: "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب" بين ذلك ها هنا بتخريجه الحديث.
فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أدرك النبي عليه السلام ولم يره.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين ما خلا أبا بكرة.
وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (1): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله قال: "كنا إذا كنا مع النبي عليه السلام في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي عليه السلام: لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين-
(1)"صحيح البخاري"(1/ 287 رقم 800).
فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخهير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به".
وقال مسلم (1): ثنا زهير به بن حرب وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم- قال إسحاق: أنا، وقال الآخران:- ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال:"كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله عليه السلام: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء".
وفي لفظ (1): "أو أحب".
وقال أبو داود (2): نا مسدد، ثنا يحيى
…
إلى آخره نحو رواية البخاري، غير أن فيه:"كنا إذا جلسنا مع رسول الله عليه السلام في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده".
وزيادة لفظ: "صالح" بعد قوله: "كل عبد". والباقي مثله سواء.
وقال الترمذي (3): ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: "علَّمنا رسول الله عليه السلام إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: التحيات لله والصلوات
…
" إلى آخره، وليس في روايته: "ثم ليتخير أحدكم".
وقال النسائي (4): أنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن الأشجعي
…
إلى آخره نحو رواية الترمذي.
(1)"صحيح مسلم"(1/ 301 رقم 402).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 318 رقم 968).
(3)
"جامع الترمذي"(2/ 81 رقم 289).
(4)
"المجتبى"(2/ 237 رقم 1162).
وقال أيضًا (1): أنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا، وإن محمدًا عليه السلام عُلِّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله
…
" إلى آخره "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع الله عز وجل".
وقال ابن ماجه (2): نا محمَّد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود. (ح)
وثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا يحيى بن سعيد، نا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال:"كنا إذا صلينا مع النبي عليه السلام قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل وميكائيل، وعلى فلان وفلان -يعنون الملائكة- فسمعنا رسول الله عليه السلام نقول ذلك، فقال: إن الله هو السلام، فإذا جلستم فقولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- فإنه إذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الكوفي، عن عبد الله
…
إلى آخره.
وأخرج النسائي (3) نحوه كما ذكرناه آنفًا.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أسد بن موسى، عن الفضيل بن عياض الزاهد المشهور، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود.
(1)"المجتبى"(2/ 238 رقم 1163).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 290 رقم 899).
(3)
تقدم.
وأخرجه الطبراني (1): ثنا عبدان بن أحمد، نا إسماعيل بن زكرياء الكوفي، ثنا فضيل بن عياض، عن الأعمش ومنصور، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله
…
الحديث.
وأخرجه من وجوه كثيرة.
قوله: "السلام على الله " مقول القول، والألف والسلام فيه لاستغراق الجنس، أي كل واحدٍ واحدٍ من أفراد السلام على الله وقد بين عليه السلام أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ومعناه: السالم من النقائض وسمات الحدث، ومن الشريك والند، وقيل: بمعنى المسلم لأوليائه، وقيل: المسلم عليهم.
قوله: "السلام على فلان وفلان" يعنون بهم الملائكة كما صرح به في رواية ابن ماجه.
قوله: "على ما ذكرناه في غير هذا الموضع" أراد به: باب التشهد في الصلاة كيف هو على ما يجيء.
قوله: "أو ما أحب من الكلام" شك من الراوي فلأجل هذا اللفظ أخرج هذا الحديث ها هنا، وإلا فموضعه باب التشهد على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وهذا فيه دليل صريح على أن الدعاء بعد التشهد غير مؤقت، وذلك لأن الشارع خيره في ذلك، حتى ذهب الشافعي إلى أنه يجوز له أن يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا، وقال أصحابنا: لا يجوز إلا الدعوات المأثورة الواردة في القرآن أو السنة؛ لأن الدعاء من أمور الدنيا مثل قوله: اللهم زوجني فلانة، أو ارزقني ألف دينار من كلام الناس، وقد صح في الحديث أن أهذه، (2) الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، وسيجيء تحقيق الكلام في هذا الحديث في بابه إن شاء الله تعالى.
(1)"المعجم الكبير"(10/ 41 رقم 9889).
(2)
تكررت في "الأصل، ك".
قوله: "أوتي فواتح الكلم" الفواتح جمع فاتحة، وأراد بها ما يسّر الله له من البلاغة والفصاحة والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ التي لم تفتح على غيره وتعذرت، وهذا كما في قوله في الحديث الآخر:"أتيت مفاتيح -وفي رواية: مفاتح- الكلم"(1).
قوله: "وجوامعه" جمع جامعة أي كلمة جامعة، وأراد بها القرآن الذي جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة.
قوله: "وخواتمة" جمع خاتمة، وأراد بها ما يختم به الكلام على حسن الاختتام بعد انتهاء المقاصد، بأبلغ العبارات، وأكمل الإشارات، وأوضح الدلالات.
قوله: "فأبيح له ها هنا" أي في التشهد في آخر الصلاة، والباقي ظاهر.
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه"(6/ 2568 رقم 6597) بلفظ: "أعطيت مفاتيح
…
".