المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: القنوت في صلاة الفجر - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٤

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: القنوت في صلاة الفجر

‌ص: باب: القنوت في صلاة الفجر

ش: أي هذا باب في بيان أحكام القنوت في صلاة الفجر وغيرها من الصلوات، والقنوت ها هنا: الدعاء، وهو يرد بمعاني متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت والدعاء، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه.

ولما كان الباب السابق في حكم التسميع والتحميد وكان من جملة أحاديثه حديث أبي هريرة الذي فيه القنوت بعد قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وكان ذلك في صلاة الفجر؛ ناسب أن يذكر عقيبه حكم القنوت في الفجر؛ فافهم.

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، أنهما سمعا أبا هريرة يقول:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانًا ورعلًا وبهوان، وعصيَّة عصت الله ورسوله".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله عليه السلام كان إذا صلى العشاء الآخرة فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم أنج الوليد

" ثم ذكر مثله.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: قال أبو هريرة: "لأريَنَّكم صلاة رسول الله عليه السلام أو كلمة نحوها- فكان إذا رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده. دعا للمؤمنين ولعن الكافرين".

ص: 311

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام: "أنه كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قال: اللهم أنج الوليد

ثم ذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود.

حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة مثله.

قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم ولم يدعُ لهم، فذكرت ذلك فقالوا: أوما تراهم قد قدموا؟ ".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، قال: ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله عليه السلام كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد

" ثم كر مثله، غير أنه لم يذكر قول أبي هريرة رضي الله عنه: "فأصبح ذات يوم فلم يدع لهم

إلى أخر الحديث. وزاد: "قال: يجهر به، وكان يقول في بعض صلاته: اللهم العن فلانًا وفلانًا -أحياء من العرب- فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (1) ".

ش: هذه ستة طرق صحاح:

الأول: قد أخرجه بعينه في آخر الباب الذي قبله، ولكن اقتصر هناك وذكر إلى قوله:"اللهم أنج الوليد بن الوليد" وذكرنا هناك أن مسلمًا (2) أخرجه بهذا الإسناد، وأن البخاري (2) أبي أخرجه.

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

(2)

تقدم.

ص: 312

الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة:"أن النبي عليه السلام كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من صلاة العشاء الآخرة قنت وقال: اللهم نجِّ الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ سلمة بن هشام، اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف".

الثالث: هو عين الإسناد الثاني غير أن المتن مختلف.

وأخرجه البخاري (2): ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:"لأقربن صلاة النبي عليه السلام، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده؛ فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين".

وأخرجه مسلم (3): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير

إلى آخره نحوه، وليس في لفظه:"بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده".

وأخرجه أبو داود (4): ثنا داود بن أمية، نا معاذ -يعني ابن هشام- حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير

إلى آخره نحو رواية مسلم.

(1)"مسند أحمد"(2/ 521 رقم 10764).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 275 رقم 764).

(3)

"صحيح مسلم"(1/ 468 رقم 676).

(4)

"سنن أبي داود"(1/ 456 رقم 1440).

ص: 313

قوله: "لأرينكم" اللام فيه مفتوحة لأنها للتأكيد، وأرينكم بنون التأكيد من الإراءة، و"صلاة رسول الله عليه السلام" بالنصب مفعوله الثاني.

قوله: "أو كلمة نحوها" شك من الراوي، أي نحو لفظة:"لأرينكم" وهي نحو قوله: "لأقربن بكم" كما في رواية البخاري (1) وغيره (2)، من التقريب ومعناه: لآتينكم بما يُشْبهها وما يقرب منها.

وفي رواية للنسائي (3): "إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله عليه السلام".

الرابع: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي شيخ أحمد، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم (4): حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حسين بن محمَّد، قال: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة أخبره:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده. ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نجّ عياش بن أبي ربيعة .... " الحديث.

الخامس: عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مثله إلى أخره.

وأخرجه مسلم (5): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة رضي الله عنه حدثهم: "أن

(1)"صحيح البخاري"(1/ 275 رقم 764).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 468 رقم 676).

(3)

"المجتبى"(2/ 235 رقم 1156).

(4)

"صحيح مسلم"(1/ 467 رقم 675).

(5)

"صحيح مسلم"(1/ 466 رقم 675).

ص: 314

النبي عليه السلام قنت بعد الركعة في صلاة شهرًا إذا قال: سمع الله لمن حمده. يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم نجّ سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسولَ الله عليه السلام قد ترك الدعاء لهم. قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ ".

وأخرجه أبو داود (1) نحوه.

قوله: "أوَما تراهم" الهمزة فيه للاستفهام، والضمير يرجع إلى الذين كان عليه السلام يدعو لهم، وهم الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة

قوله: "قد قدموا" أي خلصوا من أسر الكفار بمكة وقدموا إلى رسول الله عليه السلام، وإنما كان عليه السلام يقنت لأجلهم، فلما خلصوا وقدموا ترك الدعاء.

السادس: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أبي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة.

وأخرجه البخاري (2): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن رسول الله عليه السلام كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال -إذا قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد-: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك

(1)"سنن أبي داود"(1/ 457 رقم 1442).

(2)

"صحيح البخاري"(4/ 1661 رقم 4284).

ص: 315

على مضر واجعلها سنين كسني يوسف -يجهر بذلك- وكان يقول في بعض صلاته -في صلاة الفجر-: اللهم العن فلانًا وفلانًا -لأحياء من العرب- حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} " (1).

قوله: "اللهم أنج الوليد" مقول لقوله: "وربما قال".

وقوله: "سمع الله لمن حمده" مقول لقوله: "إذا قال".

قوله: "أحياءَ" بالنصب عطف بيان لقوله: "فلانًا وفلانًا".

قوله: "ليس لك من الأمر شيء" يعني أن الله تعالى هو مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهداتهم.

وقال الزمخشري: وقيل: انتصاب "يتوب" بإضمار "أن" و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأوْ على "الأمر" أو على قوله: "شيء" أي: ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم. أو: ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذبهم.

وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي. على معنى: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفّى منهم.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهديّ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حين رفع رأسه من الركوع، قال: ربنا ولك الحمد -في الركعة الأخيرة- ثم قال: اللهم العن فلانا وفلانا، على ناس من المنافقين فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (1).

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 316

ش: إسناده صحيح.

وأخرجه البخاري (1): ثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أنا عبد الله، أنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه "أنه سمع رسول الله عليه السلام إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} إلى قوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ".

وأخرجه النسائي (2): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق

إلى آخره، نحو رواية الطحاوي.

وأخرجه الترمذي (3) أيضًا.

ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا سلمة بن رجاء، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الله بن كعب، عن عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: "كان النبي عليه السلام إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج

" ثم ذكر مثل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول هذا الباب، وزاد: "أنزل الله عز وجل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} قال: فما دعا رسول الله عليه السلام بدعاء على أحد بعد".

ش: إسناده حسن، ورجاله ثقات، والمقدمي هو محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، شيخ البخاري ومسلم.

وأخرجه (4):

(1)"صحيح البخاري"(4/ 1493 رقم 3842).

(2)

"المجتبى"(2/ 203 رقم 1078).

(3)

لم أجده، ولم يعزه المزي في "تحفة الأشراف"(5/ 394 رقم 6939) إلا للبخاري والنسائي.

(4)

بيض له المؤلف رحمه الله.

ص: 317

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب رضي الله عنه حدثه:"أن رسول الله عليه السلام كان يقنت في الصبح والمغرب".

ش: إسناده صحيح.

وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار.

وأخرجه مسلم (1): ثنا محمَّد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة

إلى آخره نحوه.

وأخرجه أبو داود (2): عن أبي الوليد ومسلم بن إبراهيم وحفص بن عمر، وعن أبي معاذ، عن أبيه، كلهم، عن شعبة

إلى آخره نحوه.

والترمذي (3): عن قتيبة ومحمد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر

إلى، آخره، نحو رواية مسلم.

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء:"أن رسول الله عليه السلام كان يقنت في الصبح والمغرب".

ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.

وأبو نعيم الفضل بن دكين.

وأخرجه مسلم (1): ثنا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان

إلى آخره نحوه.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 470 رقم 678).

(2)

"سنن أبي داود"(2/ 67 رقم 1441).

(3)

"سنن الترمذي"(2/ 251 رقم 401).

ص: 318

وأخرجه النسائي (1): أنا عبيد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة

إلى آخره نحوه.

ص: حدثنا ابن داود، قال: نا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن نُصَير، عن أي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال:"قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين يومًا".

ش: رجاله ثقات.

وابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي.

وأحمد بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.

وأبو بكر بن عياش المقرئ روى له الجماعة.

ونُصَير -بضم النون وفتح الصاد المهملة- ابن أبي الأشعث الأسدي الكوفي، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم.

وأبو حمزة -بالحاء والزاي المعجمة- اسمه محمَّد بن ميمون المروزي السكري، روي له الجماعة (2).

وإبراهيم هو النخعي.

وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا داود بن رشيد، ثنا حسان بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال:"ما قنت رسول الله عليه السلام قط في صلاة الغداة إلا ثلاثين يومًا يدعو على نجد من بني سليم، ثم تركه".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمد بن بشر العبدي، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خفاف، عن خفاف بن إيماء قال: "ركع رسول الله عليه السلام ثم رفع رأسه

(1)"المجتبى"(2/ 202 رقم 1076).

(2)

هذا وهم، ولعل الصواب: أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي، فهو الذي يروي عن إبراهيم النخعي، ويروي عنه نصير بن أبي الأشعث.

وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال"(29/ 238).

ص: 319

فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصَيَّة عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان اللهم العن رعلًا وذكوان، الله أكبر ثم خر ساجدًا".

ش: إسناده صحيح.

و"خُفَاف" -بضم الخاء وتخفيف الفاء الأولى- ابن إيماء -بفتح الهمزة وبكسرها وسكون الياء آخر الحروف، وبالمد، وقيل: هو بالفتح مقصور- ابن رحضة -بفتح الراء والحاء المهملتين، وفتح الضاد المعجمة- الغفاري الصحابي.

وأخرجه مسلم (1): من حديث يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، على ما يأتي عن قريب.

وأحمد في "مسنده"(2): ثنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد بن إسحاق، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن أيماء: "ركع رسول الله عليه السلام ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله؛ اللهم العن بني لحيان، والعن رعلًا وذكوان، ثم كبر ووقع ساجدًا، قال خُفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك".

قوله: "فقال: غفار" هو غفار بن مُليل -بضم الميم، وفتح اللام- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة من إلياس بن مضر.

وأسلم هو ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن مضر، وتفسير البواقي قد مرَّ عن قريب.

ص: حدثنا محمَّد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيري المديني، قال: ثنا إسماعيل ابن أبي أويس، قال: حدثني عبد العزيز بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المُدْلجي، عن الحارث بن خفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، عن خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة، عن رسول الله عليه السلام مثله، غير أنه

(1) صحيح مسلم (1/ 470 رقم 679) وسيأتي.

(2)

"مسند أحمد"(4/ 57 رقم).

ص: 320

لم يذكر أنه لما خر ساجدًا قال: الله أكبر وزاد: "قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك".

حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد بن عمرو

فذكر بإسناده مثله.

ش: هذان طريقان آخران وهما صحيحان أيضًا:

الأول: عن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن كثير ابن الصلت أبي عبد الرحمن الكثيري المديني، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بالمدينة ومحله الصدق.

عن إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي المدني شيخ البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.

عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن محمَّد بن عمرو

إلى آخره.

وأخرجه مسلم (1): ثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر- قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني محمَّد -وهو ابن عمرو- عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء: "ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رعلًا وذكوان ثم وقع ساجدًا، قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك".

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي (2): من حديث إسماعيل بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء:

(1)"صحيح مسلم"(1/ 470 رقم 679).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 208 رقم 2950).

ص: 321

"ركع رسول الله عليه السلام ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ورعلًا وذكوان، ثم خَرَّ ساجدًا، قال خالد: فجعلت لعنة الكفرة لأجل ذلك".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد قال:"سئل أنس رضي الله عنه: أقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر؟ فقال: نعم، فقيل له -أو فقلت له-: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع يسيرًا".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمرو ابن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال:"صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وصليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه:"أن النبي عليه السلام قنت شهرًا، يدعو على عصية وذكوان ورعلًا ولحيان".

حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أنس قال: إنما قنت رسول الله عليه السلام بعد الركوع شهرًا، قال: قلت: فكيف القنوت؟ قال: قبل الركوع".

حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم قال:"سألت أنس بن مالك عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: لا، بل قبل الركوع، فقلت: إن ناسا يزعمون أن رسول الله عليه السلام قنت بعد الركوع، قال: إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم: القراء".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا شاذ بن فياض، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس أنه قال:"كان القنوت في الفجر والمغرب".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن

ص: 322

سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال:"قنت النبي عليه السلام شهرًا يدعو على رعل وذكوان".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا الحارث بن عبيد، قال: ثنا حنظلة السدوسي، عن أنس بن مالك قال:"كان من قنوت النبي عليه السلام: واجعل قلوبهم على قلوب نساء كوافر".

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال:"كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا؟ فقال: ما زال رسول الله عليه السلام يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن مروان الأصفر قال:"سألت أنسًا أقنت عمر رضي الله عنه؟ فقال: قد قنت من هو خير من عمر".

حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر، عن حميد، عن أنس قال:"قنت رسول الله عليه السلام عشرين يومًا".

حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، قال: ثنا الهيثم بن جَمِيل، قال: ثنا أبو هلال الراسبي، عن حنظلة السدوسي، عن أنس بن مالك قال:"رأيت النبي عليه السلام في صلاة الصبح يكبر حتى إذا فرغ كبرّ فركع، ثم رفع رأسه فسجد، ثم قام في الثانية فقرأ حتى إذا فرغ كبر فركع، ثم رفع رأسه فدعا".

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا همام، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "دعا رسول الله عليه السلام ثلاثين صباحًا على رعل وذكوان وعصية الدين عصوا الله ورسوله".

حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال:"قنت النبي عليه السلام شهرًا بعد الركوع يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه".

ش: هذه أربعة عشر طريقًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

ص: 323

الأول: على شرط البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين.

وأخرجه البخاري (1): عن مسدد

إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"في الصبح" موضع: "في صلاة الغداة"، وليس فيه:"أو فقلت له".

وأخرجه مسلم (2): عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل، عن أيوب، عن محمَّد قال:"قلت لأنس: هل قنت رسول الله عليه السلام في صلاة الصبح؟ قال: نعم بعد الركوع يسيًرا".

الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المِنْقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد أبي عبيدة البصري من رجال الجماعة، عن عمرو بن عبيد بن ناب -ويقال: ابن كيسان- البصري شيخ القدرية والمعتزلة، فعن يحيى: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث صاحب بدعة. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. روي له أبو داود في "القدر"، وابن ماجه في "التفسير".

عن الحسن البصري، عن أنس.

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(3): ثنا الحسن بن إسماعيل، نا أحمد بن محمَّد بن عيسى، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث

إلى آخره نحوه.

الثالث: عن إبراهيم أيضًا، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، ونسبته إلى وُحاظة -بضم الواو، وبالحاء المهملة، والظاء المعجمة- ابن سعد بن عوف بن عدي، عن سعيد بن بشير -بفتح الباء- الأزدي النصري -بالنون: ضعفه يحيى بن معين، وعنه: ليس بشيء. وعن النسائي: ضعيف. وقال ابن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي في الحديث، روى عن قتادة المنكرات.

(1)"صحيح البخاري"(1/ 340 رقم 956).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 468 رقم 677).

(3)

"سنن الدارقطني"(2/ 40 رقم 12).

ص: 324

وأخرجه النسائي (1) من حديث قتادة بإسناد صحيح: أخبرنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة. وهشام، عن قتادة، عن أنس:"أن رسول الله عليه السلام قنت شهرًا، قال شعبة: لعن رجالا، وقال هشام يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع" هذا قول هشام.

وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس:"أن النبي عليه السلام قنت شهرًا يلعن رعلًا وذكوان ولحيان".

وأخرجه مسلم (2): ثنا عمرو الناقد، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس:"أن النبي عليه السلام قنت شهرا يلعن رعلًا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله".

الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي أبي عامر الكوفي شيخ البخاري وأحمد، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أنس.

وأخرجه البيهقي (3): من حديث سفيان، عن عاصم، عن أنس قال:"إنما قنت النبي عليه السلام شهرًا، فقلت: كيف القنوت؟ قال: بعد الركوع". انتهى.

وقوله: "بعد الركوع"، مخالف لما رواه الطحاوي من قوله:"قال: قبل الركوع" ورواية الطحاوي أصح.

ويشهد لذلك ما رواه مسلم (4): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس قال: "سألته عن القنوت، قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع، قال: قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول الله عليه السلام قنت

(1)"المجتبى"(2/ 203 رقم 1077).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 469 رقم 677).

(3)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 208 رقم 2951).

(4)

"صحيح مسلم"(1/ 469 رقم 677).

ص: 325

بعد الركوع، فقال: إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم القراء". وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

الخامس: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي السنوسي، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن عاصم الأحول

إلى آخره.

وأخرجه مسلم (1) كما ذكرنا.

وأخرجه البخاري (2) أيضًا: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عاصم قال: "سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت، [قلت] (3): قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله عليه السلام بعد الركوع شهرًا، أرُاه كان بعث قومًا يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلًا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله عليه السلام عهد، فقنت رسول الله عليه السلام شهرًا يدعو عليهم".

قوله: "يدعو على أناس

إلى آخره" وقصته: أنه كان في سرية بئر معونة، وقد كانت في صفر في سنة أربع من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق.

وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله عليه السلام، يعني بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أُحد، وقال موسى بن عقبة: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال: مرثد بن أبي مرثد.

وعن أنس بن مالك قال: "بعث النبي عليه السلام سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر

(1)"صحيح مسلم"(1/ 469 رقم 677).

(2)

"صحيح البخاري"(1/ 340 رقم 957).

(3)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من صحيح البخاري.

ص: 326

معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي عليه السلام، فقتلوهم، فدعا النبي عليه السلام شهرًا عليهم في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت، وما كان يقنت".

رواه البخاري (1) ومسلم (2).

وروى البخاري (3) عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله عليه السلام على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي عليه السلام فقنت شهرًا يدعون في الصبح على أحياء من العرب؛ على رعل وعصية وبني لحيان".

السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن شاذ بن فياض اليشكري أبي عبيدة البصري واسمه هلال، وشاذ لقب عليه، ومعناه بالفارسية فرح، قال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى عنه أبو داود.

وأخرجه البخاري (4): ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال:"كان القنوت في المغرب والفجر".

السابع: عن إبراهيم أيضًا، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زائدة ابن قدامة، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، عن أنس.

وهذا صحيح على شرط الشيخين.

(1)"صحيح البخاري"(4/ 15 رقم 3860).

(2)

"صحيح مسلم"(3/ 1511 رقم 677).

(3)

"صحيح البخاري"(4/ 1500 رقم 3862).

(4)

"صحيح البخاري"(1/ 340 رقم 959).

ص: 327

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا معاذ بن معاذ أبو المثنى، نا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال:"قنت رسول الله عليه السلام شهرًا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان".

الثامن: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن الحارث بن عبيد الإيادي أبي قدامة البصري مؤذن مسجد البرتي، من رجال مسلم والأربعة، عن حنظلة بن عبد الله السدوسي أبي عبد الرحيم البصري، فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعنه: منكر الحديث. وعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الترمذي وابن ماجه حديثا واحدًا.

قوله: "قلوبهم" أي قلوب الكفار.

و"الكوافر" جمع كافرة، وإنما خص قلب الكافرة؛ لأنه أبعد من قبول الحق، وأقرب إلى الضلال والطغيان.

التاسع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن أبي جعفر الرازي قيل: اسمه عيسى بن أبي عيسى، وأبو عيسى اسمه ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان، وعن أحمد: ليس بقوي في الحديث. وعنه: صالح الحديث. وعن يحيى: كان ثقة. وعنه: يكتب حديثه، ولكنه يخطئ. وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرًا. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن خراش: صدوق سيء الحفظ. وروى له الأربعة.

عن الربيع بن أنس البكري، قال العجلي: بصري صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له الأربعة.

(1)"مسند أحمد"(3/ 204 رقم 13142).

ص: 328

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أحمد بن منصور وأحمد بن محمَّد بن عيسى، قالا: ثنا أبو نعيم، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: كنت جالسا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا، فقال: ما زال رسول الله عليه السلام يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2) وقال: قال الحكم: إسناده صحيح ثقة رواته.

قلت: كيف يكون صحيحًا وفيه أبو جعفر الرازي؟ وفيه مقال كما ذكرنا، ولكن عند الحاكم أمر الصحيح هين، وهو في هذا الباب مجازف جدًّا، وأمر البيهقي أعجب منه حيث سكت عن هذا لكونه موافقا مذهبه.

العاشر: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سليمان بن حرب بن بُجَيد الأزدي الواشحي البصري شيخ البخاري، عن شعبة، عن مروان الأصفر أبي خلف البصري من رجال الشيخين وأبي داود والترمذي.

وأخرج الحازمي في "الناسخ والمنسوخ"(3) من حديث محمَّد قال: سألت أنسًا: "أقنت عمر في صلاة الصبح؟ فقال: قنت من هو خير منه، النبي صلى الله عليه وسلم".

الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش المقرئ، عن حميد الطويل، عن أنس.

وقد اختلف في عدد الأيام التي قنت فيها رسول الله عليه السلام ففي رواية النسائي والبخاري ومسلم: "إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا يدعو على أناس وفي رواية البزار من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حميد الطويل قال: "قتل من الأنصار يوم بئر معونة سبعون رجلًا، فكان رسول الله عليه السلام يدعو على من قتلهم خمسة عشر يومًا في الصلاة بعد الركوع".

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 39 رقم 11).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 201 رقم 2927).

(3)

ورواه أبو يعلى في "مسند"(5/ 219 رقم 2834). من طريق محمَّد بن سيرين به.

ص: 329

وكذا في رواية السراج: من حديث المعتمر، عن حميد، يحدث عن أنس:"فدعا النبي عليه السلام على قتلة القراء خمسة عشر يومًا" وقال: هذا لفظ حديث المعتمر.

ورواه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن حميد:"فدعا عليهم أيامًا".

وفي كتاب "القنوت" لأبي القاسم بن مندة من حديث أنس: "دعا على قتلة القراء تسعة وعشرين ليلة".

وفي رواية عن أنس: "ثلاثين صباحًا" على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

الثاني عشر: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي بن حبيب بن إبراهيم أبي علي الأنطاكي المعروف بالبالسي نسبة إلى بالس مدينة على شط الفرات الغربي، وهي أول مدن الشام من الفرات، ومن شرقيها الرقة.

عن الهيثم بن جميل البغدادي أبي سهل الحافظ، نزيل أنطاكية، قال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ. روى له ابن ماجه.

عن أبي هلال محمَّد بن سليم الرازي، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة، وعن يحيى: صدوق. وعنه: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي.

عن حنظلة بن عبد الله السدوسي.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1) مختصرًا: عن عثمان، عن مطر، عن حنظلة، أنه سمع أنسًا رضي الله عنه يقول:"قنت رسول الله عليه السلام في الفجر بعد الركوع".

قوله: "فدعا" أراد به القنوت؛ لأن القنوت هو الدعاء.

الثالث عشر: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء أبي عمرو البصري شيخ البخاري، عن همام بن يحيى بن دينار أبي بكر البصري، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني.

وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.

(1)"مصنف عبد الرزاق"(3/ 110 رقم 4965).

ص: 330

وأخرجه مسلم (1): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال:"دعا رسول الله عليه السلام على الذين قَتَلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس رضي الله عنه: أنزل الله عز وجل في الذين قتُلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا رضي عنا ورضينا عنه".

الرابع عشر: عن فهد، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي

إلى آخره.

وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.

وأخرجه البخاري (2): ثنا مسلم، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن أنس قال:"قنت رسول الله عليه السلام شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب".

وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): عن يحيى، عن هشام

إلى آخره نحو رواية الطحاوي.

ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى إثبات القنوت في صلاة الفجر، ثم افترقوا فرقتين فقالت فرقة منهم: هو بعد الركوع، وقالت فرقة منهم: هو قبل الركوع، وممن قال ذلك منهم: ابن أبي ليلى، ومالك بن أنس.

كما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت مالكا يقول: الذي آخذ به في خاصة نفسي: القنوت في الفجر قبل الركوع.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: ابن سيرين، وابن أبي ليلى ومالكا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم ذهبوا إلى إثبات القنوت في صلاة الفجر، وإليه ذهب الظاهرية، ثم افترقوا أي هؤلاء القوم فرقتين، فقالت فرقة منهم، وهم: الشافعي وأحمد وإسحاق

(1)"صحيح مسلم"(1/ 468 رقم 677).

(2)

"صحيح البخاري"(4/ 150 رقم 3861).

(3)

"مسند أحمد"(3/ 115 رقم 12171).

ص: 331

والظاهرية: هو -أي القنوت- بعد الركوع، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي في قول.

وقالت فرقة منهم- وهم مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأحمد في رواية: هو -أي القنوت- قبل الركوع وكذلك مذهب أبي حنيفة أنه قبل الركوع ولكن في الوتر خاصة، وهو مذهب عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وعَبِيدة السلماني، وحميد الطويل، وعبد الله بن المبارك، حكى ذلك ابن المنذر.

وحكي أيضًا التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس، وأيوب بن أبي تميمة، وأحمد بن حنبل، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أختار القنوت بعد الركوع؛ لأن كل شيء ثبت عن النبي عليه السلام في القنوت إنما هو في الفجر لما يرفع رأسه من الركوع، وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع، ولم يصح عن النبي عليه السلام في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء.

وقال أبو داود: قال أحمد: كل ما روى البصريون عن عمر في القنوت، فهو بعد الركوع، وروى الكوفيون قبل الركوع.

وقال الترمذي: وقال أحمد وإسحاق لا يقنت في الفجر إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين.

وقال سفيان الثوري: إن قنت في الفجر فحسن، وإن لم يقنت فحسن، وأختار أن لا يقنت، ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر.

وقال ابن حزم في "المحلى": والقنوت فعل حسن، وهو بعد الركوع في آخر ركعة من كل صلاة فرض الصبح وغير الصبح، وفي الوتر، فمن تركه فلا شيء عليه، ويدعو لمن شاء ويسميهم بأسمائهم إن أحب، وإن قال ذلك قبل الركوع لم تبطل صلاته بذلك.

ص: 332

ص: وكان مِن حجة مَن ذهب منهم إلى أنه بعد الركوع: ما ذكرناه عن أبي هريرة وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم.

وكانت الحجة عليهم للفريق الآخر: ما ذكرناه في حديث سفيان، عن عاصم، عن أنس:"أن رسول الله عليه السلام إنما قنت بعد الركوع شهرًا، وإنما القنوت قبل الركوع".

ش: أشار بذلك إلى استدلال كل واحدة من الفرقتين من القوم المذكورين.

وهو أن استدلال الفرقة الأولى: ما رواه سعيد بن المسيب وأبو سلمة، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع".

وما رواه سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وقد مَرَّ.

وما رواه عبد الله بن كعب، عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم.

واستدلال الفرقة الثانية هو ما رواه عاصم الأحول، عن أنس رضي الله عنه:"إنما قنت رسول الله عليه السلام بعد الركوع شهرًا قال: قلت: فكيف -أي الوقت-؟ قال: قبل الركوع".

أشار إلى هذا بقوله: "وكانت الحجة عليهم" أي على أهل المقالة الأولى- وهم الفرقة الأولى للفريق الآخر وهم أهل المقالة الثانية.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى القنوت في صلاة الفجر أصلا قبل الركوع ولا بعده.

ش: أي خالف القوم المذكورين -وهم الفرقتان المذكورتان- جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والشعبي وطاوسًا وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهدًا وأبا حنيفة والليث بن سعد وأبا يوسف ومحمدًا وأشهب من المالكية؛ فإنهم قالوا: لا قنوت في الفجر أصلًا لا قبل الركوع ولا بعده.

ص: 333

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذه الآثار المروية في القنوت قد رويت على ما ذكرنا، فكان أحد من روي ذلك عنه عبد الله بن مسعود، قد روينا عنه فيها:"أن النبي عليه السلام قنت ثلاثين يوما" فكان قد ثبت عنده قنوت رسول الله عليه السلام وعلمه.

ثم وجدنا عنه ما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"لم يقنت النبي عليه السلام إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو معشر -يعني البراء- قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت"، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاة الغداة.

قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن مسعود يخبر أن قنوت النبي عليه السلام الذي كان، إنما كان من أجل مَن كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك فصار القنوت عنده منسوخًا، فلم يكن هو من بعد رسول الله عليه السلام يقنت.

ش: أي وكان من الحجة والبرهان للجماعة الأخرى فيما ذهبوا إليه من ترك القنوت في صلاة الفجر أصلًا، لا قبل الركوع ولا بعده، أن هذه الأحاديث المروية وهي أحاديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وخُفاف بن أَيْماء والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة رضي الله عنهم، قد رويت على ما ذكرنا من القنوت في الفجر.

وتقرير الكلام أن يقال: إنا لا ننازع أن هذه الأحاديث قد رويت على نحو ما ذكرنا، ولكن كل واحد له معنى، ومعاني الكل ترجع إلى معنى واحد، وهو انتساخ القنوت في الفجر، بيان ذلك: أن أحد الرواة في ذلك عبد الله بن مسعود؛ لأنه قد روى عنه علقمة أنه قال: "قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين [يوما] (1) ". ثم روى عنه علقمة أيضا أنه قال: "لم يقنت النبي عليه السلام إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده".

(1) تكررت في "الأصل".

ص: 334

وأخرجه الطحاوي عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل الكوفي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة، والزاي المعجمة- محمَّد بن ميمون السكري، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عنه.

وهذا إسناد صحيح.

وأخرجه البزار في (1)"مسنده": ثنا يوسف بن موسى، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا شريك

إلى آخره نحوه.

وروى علقمة عنه أيضًا أنه قال: "قنت رسول الله عليه السلام شهرًا يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاة الغداة".

أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ الأربعة، عن أبي معشر يوسف بن يزيد العطار البصري البَرَّاء -بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة- سمي به لأنه كان يري النبل، وقيل: كان يبري العود، عن أبي حمزة محمَّد بن ميمون (2)

إلى آخره.

وهذا أيضا إسناد صحيح.

وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا داود بن رشيد، نا حسان بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال:"ما قنت النبي عليه السلام قط في صلاة الغداة إلا ثلاثين ليلة، يدعو على نجد من بني سليم، ثم تركه بعد".

فهذا عبد الله رضي الله عنه يخبر أن قنوت النبي عليه السلام الذي كان يقنت إنما كان لأجل من كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك، يدل عليه قوله:"فلما ظهر عليهم" أي فلما غلب عليهم وانتصر ترك القنوت، فدل ذلك على انتساخ ما كان منه من القنوت؛

(1)"مسند البزار"(5/ 15 رقم 1569).

(2)

تقدم قريبًا أن الصواب: أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي.

ص: 335

لأن الحكم ينتهي بانتهاء علته، ولذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه لم يقنت من بعد رسول الله عليه السلام في صلاة الفجر.

وقال الطبراني في "الكبير"(1): ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود:"أن ابن مسعود كان لا يقنت في صلاة الغداة".

وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة.

وقال أيضا (2): ثنا فضيل بن محمَّد الملطي، ثنا أبو نعيم، نا أبو العميس، حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال:"كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، وإذا قنت في الوتر قبل الركعة".

ثنا (3) محمَّد بن النضر الأزدي، نا معاوية بن عمرو، نا زائدة، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم قال:"لم يكن عبد الله بن مسعود يقنت في صلاة الغداة".

ثنا (4) علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود:"أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع، ولا يقنت في صلاة الفجر". انتهى.

فهذا كله دليل على ثبوت نسخ القنوت في الفجر عنده، إذْ لو لم يثبت لما وسعه تركه على ما لا يخفى.

فإن قيل: يمكن أن يكون القنوت خفي عليه كما خفي عليه وضع الأيدي على الركب في الركوع، حتى ثبت على القول بالتطبيق إلى أن مات.

قلت: كيف يخفى عليه ذلك؟ والحال أنه قد روى أنه عليه السلام قنت، ولو لم يكن يرو شيئًا فيه لأمكن ذلك كما في مسألة التطبيق، فإنه ما روى عنه عليه السلام غير التطبيق، وما

(1)"المعجم الكبير"(9/ 284 رقم 9429).

(2)

"المعجم الكبير"(9/ 284 رقم 9430).

(3)

"المعجم الكبير"(9/ 284 رقم 9431).

(4)

"المعجم الكبير"(9/ 284 رقم 3294).

ص: 336

روى غيره من غير التطبيق لم يبلغه، بخلاف مسألة القنوت، بل علم ذلك من الرسول عليه السلام وروى عنه، ثم علم انتساخه.

وقد روى أبو حنيفة أيضًا في "مسنده"(1): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال:"لم يقنت رسول الله عليه السلام إلا شهرًا، حارب حيًّا من المشركين، فقنت يدعو عليهم".

وفي "المحلى"(2): وروينا عن ابن عباس أنه لم يقنت.

وعن عبد الرزاق، عن معمر أن الزهري كان يقول:"من أين أخذ الناس القنوت؟! وتعجب، إنما قنت رسول الله عليه السلام أيامًا ثم ترك ذلك" قال أبو محمَّد: فهذا الزهري جهل القنوت ورآه منسوخًا.

وقال ابن أبي نجيح: "سألت سالمًا هل كان عمر يقنت في صلاة الصبح؟ قال: لا إنما هو شيء أحدثه الناس".

وفي "المنتقى" لابن عبد البر: عن ابن عمر وطاوس: "القنوت في الفجر بدعة".

ص: وكان أحد من روى ذلك أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ثم قد أخبر هو أن الله تعالى نسخ ذلك حين أنزل على النبي عليه السلام {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (3) فصار ذلك عند ابن عمر منسوخًا أيضا، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله عليه السلام، وكان ينكر على من يقنت.

كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن أبي مجلز قال:"صليت خلف ابن عمر الصبح فلم يقنت، فقلت الكِبَر يمنعك؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحاب".

(1)"مسند أبي حنيفة"(1/ 82).

(2)

"المحلى"(4/ 142).

(3)

سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 337

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب ومؤمل بن إسماعيل، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي الشعثاء قال:"سألت ابن عمر رضي الله عنها عن القنوت، فقال: ما شهدت وما رأيت" في حديث وهب، وفي حديث مؤمل:"ولا رأيت أحدًا يفعله".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن الأشعث، عن أبيه قال:"سئل ابن عمر عن القنوت، فقال: وما القنوت؟! قال: إذا فرغ الإِمام من القراءة في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح قام يدعو، قال: ما رأيت أحدًا يفعله، وإني لأظنكم معاشر أهل العراق تفعلونه".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن منصور، عن تميم بن سلمة قال: "سئل ابن عمر عن القنوت

" فذكر مثله، إلا أنه قال: "ما رأيت ولا علمت".

قال أبو جعفر رحمه الله: فوجه ما روي عن ابن عمر في هذا الباب: أنه رأى النبي عليه السلام إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة قنت، حتى أنزل الله عز وجل عليه:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فترك لذلك القنوت الذي كان يقنته، وسأله أبو مجلز فقال: الكِبَر يمنعك من القنوت؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحابي -يعني عن أحد من أصحاب النبي عليه السلام- أي أنهم لم يفعلوه بعد ترك رسول الله عليه السلام إياه، وسأله أبو الشعثاء عن القنوت، وسأله ابن عمر عن ذلك ما هو؟ فأخبره أن الإِمام إذا فرغ من القراءة في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح قام يدعو، فقال: ما رأيت أحدًا يفعله؛ لأن ما كان هو علمه من قنوت النبي عليه السلام إنما كان الدعاء بعد الركوع، وأما قبل الركوع فلم يره منه ولا من غيره، فأنكر ذلك من أجله، فقد ثبت بما روينا عنه نسخ قنوت رسول الله عليه السلام بعد الركوع، ونفي القنوت قبل الركوع أصلا، وأن النبي عليه السلام لم يكن يفعله، ولا خلفاؤه رضي الله عنهم من بعده.

ص: 338

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي عليه السلام عبد الله بن عمر، يعني روى أنه قنت في الصبح، ثم أخبر أن ذلك انتسخ حين أُنزل عليه عليه السلام قوله تعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (1) الآية، بيان ذلك على وجهين:

الأول: أنه روى عن النبي عليه السلام أنه كان يقنت بعد الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر، وشاهد ذلك عن النبي عليه السلام ورآه، ثم رأى بعده أنه عليه السلام ترك ذلك القنوت الذي كان يقنته حين أنزل الله تعالى عليه عليه السلام:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، وليس ذلك إلا نسخ ذلك الحكم.

فإن قيل: لعل ذلك خفي على ابن عمر كما خفي عليه المسح على الخفين؛ حيث لم ير ذلك.

قلت: كيف يخفى ذلك عليه، والحال أنه روى عن النبي عليه السلام أنه قنت؟! بخلاف المسح على الخفين فإنه لم يرو فيه شيئًا، ولعل رواية غيره فيه لم تبلغه، وهذا الكلام قد قاله البيهقي أيضًا حيث قال في "سننه": وهذه سنة خفيت على ابن عمر، وهذا بعيد بل مستحيل في حق ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأنه مع كثرة مجالسته مع النبي عليه السلام وشدة ملازمته كيف ينسى ذلك أو يغفل عنه؟! ولئن سلمنا أنه خفي عليه ما كان من النبي عليه السلام ولكن لا نسلم أنه خفي عليه ما كان من أبيه عمر رضي الله عنه، فإنه لما سأله أبو مجلز عن قنوت عمر رضي الله عنه، فقال:"ما رأيته ولا شهدته".

وقال الشعبي: "كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر رضي الله عنه لقنت عبد الله، وعبد الله يقول: لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكت وادي عمر وشعبه".

وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا ابن إدريس، عن أبي مالك، عن أبيه قال: "قلت له: صليت خلف رسول الله عليه السلام وأبي بكر وعمر وعثمان، أفكانوا يقنتون؟

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6963).

ص: 339

فقال: لا يا بني، هي محدثة.

ثنا وكيع (1)، قال: ثنا محمد بن قيس، عن عامر الجهني "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يقنت في الفجر، وقال عامر: ما كان القنوت حتى جاء أهل الشام".

ثنا وكيع (2)، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال:"لم يقنت أبو بكر ولا عمر في الفجر".

فإن قيل: قال ابن حزم (3): قال بعض الناس: الدليل على نسخ القنوت ما رويتموه من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله عليه السلام حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال: اللهم العن فلانا وفلانا -دعا على ناس من المنافقين- فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (4) الآية.

قال علي: هذا حجة في إثبات القنوت؛ لأنه ليس فيه نهي عنه، وهذا حجة في بطلان قول من قال: إن ابن عمر جهل القنوت، ولعل ابن عمر إنما أنكر القنوت في الفجر قبل الركوع، فهو موضع إنكار.

قلت: ابن حزم حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء؛ لأن قوله: "هذا حجة في إثبات القنوت" ليس على الإطلاق في معناه أنه حجة في إثبات ما كان من القنوت أولًا، وحجة أيضا على انتساخ ذلك، فأول النص حجة في إثباته، وآخره وهو نزول الآية حجة في انتساخه، فابن حزم أخذ الجانب الواحد وجعله حجة مطلقا، وترك الجانب الذي عليه وعلى أمثاله ممن يرى بالقنوت في صلاة الفجر، وقوله: "وهذا

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 103 رقم 6983).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 104 رقم 6997).

(3)

"المحلى"(4/ 144).

(4)

سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 340

حجة في بطلان قول من قال

إلى آخره" ليس كذلك؛ لأن مراد من يقول: "إن ابن عمر جهل القنوت" القنوت الذي كان يفعله بعض الناس من بعد النبي عليه السلام حيث قال لما سئل عنه: "ما شعرت" وليس مراده أنه جهل القنوت المنسوخ الذي فعله عليه السلام شهرًا ثم تركه، فإنه هو الذي رواه كما روى غيره، فكيف يجهل بشيء قد رواه وعلمه؟!.

الوجه الثاني في بيان النسخ: أن ترك ابن عمر رضي الله عنهما القنوت في الصبح بعد روايته دليل على أنه قد انتسخ ذلك إذ لو كان حكمه باقيا لا تركه؛ لأن عمل الراوي بخلاف روايته يدل على أن ما رواه منسوخ؛ إذ إقدامه على ذلك بالترك يدل على ذلك كما علم ذلك في موضعه، وأيضًا فإنه رضي الله عنه أنكر على من كان يقنت، ولو كان حكمه باقيا غير منسوخ لا وسعه الإنكار.

ثم الآثار التي أخرجها عن ابن عمر أربعة:

الأول: عن ابن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة بن دعامة، عن أبي مجلز لاحق بن حميد.

وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة؛ لأن رجاله رجال الجماعة ما خلا ابن مرزوق.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا عثمان بن عمر الضبي، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز قال:"صليت خلف ابن عمر فلم يقنت، فقلت: ما منعك من القنوت؟ فقال: إني لا أحفظ عن أحد من أصحابي".

وأخرجه ابن جرير الطبري "في تهذيب الآثار"(2) نحوه، من حديث شعبة، عن قتادة.

(1) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 137)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات.

(2)

"تهذيب الآثار"(6/ 218 رقم 2725).

ص: 341

قوله: "الكِبَر" بكسر الكاف وفتح الباء، أراد إنك لم تقنت في الصبح؛ لأجل كونك شيخًا كبيرًا؟

قوله: "ما أحفظه" أي القنوت في صلاة الصبح.

"عن أحد من أصحابي" أراد بهم أصحاب النبي عليه السلام، وعني بذلك أنهم لم يكونوا يفعلونه بعد ترك النبي عليه السلام إياه فكيف أفعله أنا؟

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير البصري، ومؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي.

وهذا أيضًا إسناد صحيح في غاية الصحة.

وأخرجه ابن جرير الطبري في "التهذيب"(1) نحوه.

الثالث: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه أبي الشعثاء سليم.

وهذا أيضا إسناد صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن سليم أبي الشعثاء المحاربي قال:"سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر، فقال: فأي شيء القنوت؟ قلت: يقوم الرجل ساعة بعد القراءة، قال ابن عمر: ما شعرت".

الرابع: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان أيضا، عن زائدة أيضا، عن تميم بن سلمة السلمي الكوفي، وثقه يحيى والنسائي، واستشهد به البخاري، وروى له الباقون سوى الترمذي.

وهذا أيضا إسناد صحيح.

(1)"تهذيب الآثار"(6/ 183 رقم 2690).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102 رقم 6969).

ص: 342

وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا هشيم، قال: أنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما في قنوت الصبح: "ما شهدت، وما علمت".

ص: وكان أحد من روي عنه القنوت عن النبي عليه السلام: عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فأخبر في حديثه الذي روينا عنه بأن رسول الله عليه السلام دعا على من كان يدعو عليه، وأن الله تعالى نسخ ذلك بقوله:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (2) الآية، ففي ذلك أيضًا وجوب ترك القنوت في الفجر.

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح عن النبي عليه السلام: عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فإنه روى "أنه عليه السلام كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج الوليد

" الحديث، ثم أخبر في آخر حديثه: "فما دعا رسول الله عليه السلام بدعاء على أحد بعد ذلك بعد نزول قوله تعالى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية".

فهذا أيضًا يدل على أن ما كان منه عليه السلام قد انتسخ.

فإن قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: "فما دعا رسول الله عليه السلام بدعاء على أحد بعد" يعني ترك اللعن على أحد، كما أخرجه البيهقي (3): عن عبد الرحمن بن مهدي في قول أنس رضي الله عنه: "قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه" قال: إنما ترك اللعن.

قلت: جاء عن الزهري مصرحًا: أن الراد منه ترك القنوت مطلقًا.

كما روى عبد الرزاق في "مصنفه"(4): عن معمر، عن الزهري كان يقول:"من أين أخذ الناس القنوت؟! " وتعجب. ويقول: "إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا ثم ترك ذلك".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102 رقم 6977).

(2)

سورة آل عمران، آية:[128].

(3)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 201 رقم 2924).

(4)

"مصنف عبد الرزاق"(3/ 105 رقم 4945).

ص: 343

ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أيضًا: خفاف بن إيماء، فذكر عن رسول الله عليه السلام: "أنه لما رفع رأسه من الركوع قال: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ومن ذكر معهم.

ففي هذا الحديث لعن من لعن رسول الله عليه السلام في حديثي ابن عمر وعبد الرحمن بن أي بكر رضي الله عنهم، وقد أخبرا هما في حديثهما أن رسول الله عليه السلام ترك ذلك حين أُنزل عليه الآية التي ذكرنا، ففي حديثيهما النسخ لما في حديث خفاف بن إيماء وفي ذلك وجوب ترك القنوت أيضًا.

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي عليه السلام خفاف بن إيماء، هذا جواب عن حديثه.

بيان ذلك أن حديثه أيضا منسوخ؛ وذلك لأن الذين لعنهم رسول الله عليه السلام في حديثه هم الذين لعنهم في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم، فالقضية واحدة، وقد أخبر عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر كلاهما في حديثيهما أن رسول الله عليه السلام ترك ذلك حين نزلت عليه الآية، وهي قوله تعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (1) الآية، فيكون هذا الترك أيضًا في حديث خفاف بن إيماء لاتحاد القضية، فيكون حديثه منسوخًا بانتساخ حديثي ابن عمر، وابن أبي بكر رضي الله عنهم.

قوله: "وقد أخبرا هما" أي قد أخبر ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر.

وقوله: "هما" ضمير مرفوع وقع تأكيدا للضمير المستكن في قوله، "أخبرا". فافهم.

ص: وكان أحد من روى ذلك عنه أيضا البراء بن عازب، فروى عنه: "أن النبي عليه السلام كان يقنت في الفجر والمغرب، ولم يخبر بقنوته ذلك ما هو، فقد يجوز أن

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 344

يكون ذلك هو القنوت الذي رواه ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، ومن روى ذلك معهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية أيضًا، وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب والفجر، فذكر أن رسول الله عليه السلام كان يقنت فيهما، ففي إجماع مخالفنا لنا على أن ما كان يفعله في المغرب من ذلك منسوخا ليس لأحد بعده أن يفعله دليل على أن ما كان يفعله في الفجر أيضا كذلك.

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي عليه السلام: البراء بن عازب، هذا جواب عن حديثه.

بيان ذلك أنه منسوخ أيضا؛ لأن البراء أخبر في حديثه أنه عليه السلام كان يقنت في صلاة الفجر وصلاة المغرب، ولكن لم يبين ما كان قنوته، ولماذا كان؟ فيحتمل أن يكون ذلك هو القنوت الذي رواه عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم ومن روى ذلك معهما -أي مع عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر- مثل أبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما؛ فيكون منسوخًا بما نسخ به حديثهما وهو قوله تعالى:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (1) الآية.

قوله: "وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب و [الفجر](2)

" إلى آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا ما ذكرتم من النسخ إذا كان المراد من القنوت في حديث البراء هو القنوت في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم، وأما إذا كان المراد غير ذلك القنوت، فلا نسلم نسخه في صلاة الصبح.

وتقرير الجواب: أن الخصم أجمع معنا على أن قنوته عليه السلام في صلاة المغرب انتسخ، حتى لا يجوز لأحد أن يفعله بعد النبي عليه السلام، فهذا دليل على أن قنوته عليه السلام في صلاة الصبح أيضا منسوخ، وإلا فيلزم التحكم والترجيح بلا مرجع وهو باطل.

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

(2)

في "الأصل": "العشاء"، والمثبت من "ك"، وحاشية "الأصل".

ص: 345

وأيضًا فإنه قد روي عن البراء: "أن النبي عليه السلام كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها".

رواه ابن حزم (1) وقال: ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

فهذا منسوخ بإجماع الخصم حترل لا يجوز أن يقنت أحد في الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، فيكون حكم الصبح كذلك وإلا يلزم التحكم كما ذكرنا.

قوله: "دليل" مبتدأ وخبره قوله: "ففي إجماع مخالفنا لنا"، وأراد من هذا المخالف: من يرى بالقنوت في الصبح.

قوله: "منسوخا" نصب على أنه خبر كان.

وقوله: "ليس لأحد بعده أن يفعله" صفة لقوله: "منسوخا" أي بعد النبي عليه السلام.

ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله عليه السلام أيضا القنوت في الفجر: أنس بن مالك، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك:"أن رسول الله عليه السلام لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". فأثبت في هذا الحديث القنوت في صلاة الغداة وأن ذلك لم ينسخ.

وقد روي عنه من وجوه خلاف ذلك، فروى أيوب، عن محمَّد بن سيرين قال:"سئل أنس: أقنت النبي عليه السلام في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقيل: قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعد الركوع يسيرًا".

وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أنه قال: "قنت النبي عليه السلام ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان".

وروى قتادة عنه نحوا من ذلك.

(1)"المحلى"(4/ 139).

ص: 346

وقد روى عنه حميد: "أن النبي عليه السلام إنما قنت عشرين يومًا" فهؤلاء كلهم قد أخبروا عنه بخلاف ما روى عمرو، عن الحسن.

وروى عنه عاصم إنكار القنوت بعد الركوع أصلًا، وأن النبي عليه السلام إنما فعل ذلك شهرًا، ولكن القنوت قبل الركوع، يضاد ذلك أيضًا ما روى عَمرو بن عبيد وخالفه، فلم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين مما روي عن أنس؛ لأن لخصمه أن يحتج عليه بما روي عن أنس مما يخالف ذلك.

وأما قوله: ولكن القنوت قبل الركوع فلم يذكر ذلك عن النبي عليه السلام، فقد يجوز أن يكون ذلك أخذه عمن بعده أو رأيا رآه، فقد رأى غيره من أصحاب النبي عليه السلام خلاف ذلك، فلا يكون قوله أولى من قول من خالفه إلا بحجة تبين لنا.

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي عليه السلام: أنس بن مالك رضي الله عنه، هذا جواب ما روي عن أنس رضي الله عنه، بيانه: أنه لا يصلح حجة لأحد من الخصوم؛ لأن الرواية عنه في ذلك مضطربة، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أنس:"أن رسول الله عليه السلام لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". وروى عنه محمَّد بن سيرين: "أنه عليه السلام كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع يسيرًا" ولم يذكر فيه حتى فارقه، وروى عنه إسحاق بن عبد الله:"أنه قنت النبي عليه السلام ثلاثين صباحًا"، فهذا مقيد بالمدة المذكورة، وكذلك روى قتادة عنه، وروى عنه حميد الطويل:"أن النبي عليه السلام إنما قنت عشرين يوما" فهذا أيضا مقيد بمدة أقل من تلك المدة.

وروى البزار عن حميد عن أنس: "خمسة عشر يومًا" وقد ذكرناه، وفي رواية لابن مندة:"تسعة وعشرين ليلة" وقد ذكرناها أيضا، وروى عنه عاصم الأحول إنكار القنوت بعد الركوع أصلًا، وأن النبي عليه السلام، إنما فعل ذلك شهرًا، ولكن القنوت قبل الركوع.

فهذه روايات كما ترى مضطربة مختلفة، وفي بعضها تضاد؛ لأن رواية عاصم الأحول تضاد رواية عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: "لم يزل يقنت بعد الركوع

ص: 347

في صلاة الغداة" فحينئذ لم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين -بالنفي أو الإثبات- لأن لأحد الخصمين أن يحتج على الآخر بما يحتج به من خلاف ما يحتج به.

على أنه قد روى عن أنس أيضا ما يدل على أن القنوت في الصبح منسوخ.

وهو ما رواه أبو داود (1): ثنا أبو الوليد، نا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك:"أن النبي عليه السلام قنت شهرًا ثم تركه".

فقوله: "ثم تركه" يدل على أن القنوت في الفرائض ثم نسخ.

فإن قيل: قد قال الخطابي: معنى قوله: "ثم تركه" أي ترك الدعاء على هؤلاء القبائل المذكورة في الأحاديث في هذا الباب، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع، ولم يتركه في صلاة الفجر.

قلت: لا ينبغي أن يصدر مثل هذا الكلام عن مثل الخطابي، فإنه كلام متحكم متعصب، فإن الضمير في تركه يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه قوله:"قنت" لما وهو عام يتناول جميع القنوت في جميع الصلوات، وتخصيص الفجر من بينها -بلا دليل يدل عليه- باطل.

وقوله: "أي ترك الدعاء" لا يصح أيضا؛ لأن الدعاء لم يمض ذكره في هذا الحديث، ولئن سلمنا؛ فالدعاء ها هنا هو عين القنوت، وما ثم شيء غيره، فيكون قد ترك القنوت، والترك بعد العمل نسخ. فافهم.

وقوله: "وأما قوله: ولكن القنوت قبل الر كوع

" إلى آخره إشارة إلى أن أنسًا رضي الله عنه لم يثبت عنده شيءٌ من القنوت قبل الركوع؛ لأن قوله: ولكن القنوت قبل الركوع ليس عن النبي عليه السلام ، لأنه لم يذكر ذلك عنه عليه السلام، فيجوز أن يكون قد أخذ ذلك عن أحد من الصحابة، أو يكون ذلك رأيًا رآه باجتهاده، فإن كان ذلك رأيا ة فقد رأى غيره من الصحابة خلاف ذلك، وهو أن يكون بعد الركوع "فلا

(1)"سنن أبي داود"(1/ 458 رقم 1445).

ص: 348

يكون قول أنس أولى وأرجح من قول غيره إلا بحجة تبين جهة الرجحان والأولوية، وإن كان عن أحد من الصحابة، فقد روي عن غيره خلافه فلا تقوم به حجة. فافهم.

ص: فإن قال قائل: قد روى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال:"كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت النبي عليه السلام شهرًا، فقال: ما زال رسول الله عليه السلام يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".

قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك القنوت هو القنوت الذي رواه عمرو، عن الحسن، عن أنس، فإن كان ذلك كذلك فقد ضاده ما قد ذكرناه، ويجوز أن يكون ذلك القنوت قبل الركوع الذي ذكره أنس في حديث عاصم، فلم يثبت لنا عن أنس عن النبي عليه السلام في القنوت قبل الركوع شيء، وقد ثبت عنه النسخ للقنوت بعد الركوع.

ش: أخرج الطحاوي حديث أبي جعفر الرازي فيما مضى عن قريب، عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال:"كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله عليه السلام شهرًا، فقال: مازال رسول الله عليه السلام يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".

تقرير السؤال: أن هذا الحديث صريح على أن القنوت في الصبح لم ينسخ، وأنه باق حكمه، وهو ظاهر.

وتقرير الجواب أن يقال: إن قوله: ما زال رسول الله عليه السلام يقنت في صلاة الغداة، يحتمل أن يكون أريد به القنوت الذي رواه عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أنس:"أن رسول الله عليه السلام لم يزل يقنت بعد الركوع حتى فارقه"، فحينئذ يعارضه ويضاددُهُ ما رواه غيره كإسحاق بن عبد الله:"أنه قنت ثلاثين صباحًا"، وحميد:"أنه إنما قنت عشرين يومًا"، فإذا كان كذلك لا تقوم به حجة لما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد من القنوت هو القنوت قبل الركوع الذي ذكره أنس في حديث عاصم الأحول.

ص: 349

وقد قلنا إنه لم يثبت عن أنس عن النبي عليه السلام في القنوت قبل الركوع شيء، وأما القنوت الذي بعد الركوع فقد ثبت عنه النسخ فيه. والله أعلم.

على أنَّا نقول: إن بعضهم قد ضعف هذا الحديث وعلله بأبي جعفر هذا؛ فإن فيه مقالا كما قد ذكرناه فيما مضى عن قريب.

فإن قيل: قال النووي في "الخلاصة": صححه الحاكم في كتابه "المستدرك" وقال حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات.

وعن الحاكم أخرجه البيهقي في "المعرفة" بسنده ومتنه وسكت عنه.

قلت: قال صاحب "التنقيح على التحقيق": "هذا الحديث أجود أحاديثهم"، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي، وله طريق في كتاب "القنوت" لأبي موسى المديني، قال: "وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل، أو على أنه ما زال يطول في الصلاة، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك، قال الله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} (1) وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَآءَ اللَّيْلِ} (2)، قال:{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ} (3)، وقال:{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي} (4)، وقال:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (5). وقال: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} (6).

وفي الحديث: "أفضل الصلاة طول القنوت".

وضعفه ابن الجوزي في كتاب "التحقيق"، وفي "العلل المتناهية" قال:"هذا حديث لا يصح؛ فإن أبا جعفر الرازي اسمه عيسى بن ماهان، قال ابن المديني: كان يخلط. وقال يحيى: كان يخطئ. وقال أحمد: ليس بالقوي في الحديث". وقال

(1) سورة النحل، آية:[120].

(2)

سورة الزمر، آية:[9].

(3)

سورة الأحزاب، آية:[31].

(4)

سورة آل عمران، آية:[43].

(5)

سورة البقرة، آية:[238].

(6)

سورة البقرة، آية:[116].

ص: 350

ابن الجوزي: وقد أورد الخطيب في كتابه الذي صنفه في القنوت أحاديث أظهر فيها تعصبه فمنها: ما أخرجه عن دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك، عن أنس قال:"ما زال رسول الله عليه السلام يقنت في صلاة الصبح حتى مات"، قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيها. فواعجبا للخطيب؛ أما سمع في الصحيح: "من حدث عني حديثا، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". وهل مثله إلا كمثل من أنفق بهرجًا ودلسه، فإن أكثر الناس لا يعرفون الصحيح من السقيم، وإنما يظهر ذلك للنقاد، فإذا أورد الحديث محدث واحتج به حافظ لم يقع في النفوس إلا أنه صحيح.

ومن نظر في كتابه الذي صنفه في القنوت، وكتابه الذي صنفه في الجهر بالبسملة، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها؛ اطلع على عصبيته وقلة دينه، ثم ذكر له أحاديث أخرى كلها عن أنس أن النبي عليه السلام لم يزل يقنت في الصبح حتى مات، وطعن في أسانيدها.

فإن قيل: ذكره البيهقي في "سننه" أيضا ثم قال: قال الحاكم صحيح، وقال في "المعرفة": وله شواهد عن أنس ذكرناها في "السنن".

قلت: قد تحقق بينهم مجازفة الحاكم في التصحيح، والعجب من البيهقي أيضا سكوته عن ذلك وإقراره عليه، وليس ذلك إلا من آثار العصبية الفاسدة.

وأما الشواهد التي ذكرها فهي ما أخرجه في "سننه"(1): من حديث الغضائري، ثنا عثمان بن السماك، نا أبوقلابة، نا قريش بن أنس، نا إسماعيل المكي، وعَمرو بن عبيد، عن الحسن عن أنس قال:"قنت رسول الله عليه السلام وأبو بكر وعمر وعثمان -وأحسبه ذكر رابعًا- حتى فارقتهم" رواه عبد الوارث عن عمرو بن عبيد فقال: "في صلاة الغداة".

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 202 رقم 2928).

ص: 351

ومن حديث خليد بن دعلج (1)، عن قتادة، عن أنس:"صليت خلف النبي عليه السلام فقنت، وخلف عمر فقنت، وخلف عثمان فقنت".

ومن حديث يحيى القطان (2): ثنا العوام بن حمزة قال: "سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح، قال: بعد الركوع، قلت: عمن؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان".

ومن حديث ابن عيينة (3)، عن مخارق، عن طارق قال:"صليت خلف عمر الصبح فقنت"، وعن عبيد بن عمير قال:"سمعت عمر رضي الله عنه يقنت بمكة في الفجر" رواه ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عنه.

ومن حديث شعبة (4)، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود:"صليت خلف عمر في السفر والحضر، فما كان يقنت إلا في صلاة الفجردا رواه غندر وابن الجعد هكذا، وقال آدم، عن شعبة: "فكان يقنت في الركعة الثانية من الفجر، ولا يقنت في سائر صلاته". انتهى.

قلت: أما حديث الغضائري ففيه إسماعيل المكي، وعمرو بن عبيد، فهو صرح في "سننه": فإنا لا نحتج بهما.

وأما حديث خليد بن دعلج فإن [خليدًا](5) لا يصلح للاستشهاد به؛ لأن أحمد وابن معين والدارقطني ضعفوه، وقال ابن معين مرة: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. ولم يخرج له أحد من الستة، وفي "الميزان": عده الدارقطني من المتروكين.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 202 رقم 2929).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 202 رقم 2930).

(3)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 203 رقم 2931).

(4)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 203 رقم 2932).

(5)

في "الأصل، ك": "دعلجًا"، وهو سبق قلم من المؤلف، فإن هذه الأقوال الآتية إنما هي في خليد لا دعلج.

ص: 352

ثم إن المستغرب من حديث أنس المتقدم قوله: "ما زال يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا" وليس هذا في حديث خليد بن دعلج، وإنما فيه أنه عليه السلام قنت، وذلك معروف، وإنما المستغرب دوامه حتى فارق الدنيا، فعك تقدير صلاحية خليد للاستشهاد به، كيف يشهد حديثه لحديث أنس؟!.

وأما حديث يحيى القطان فإنه قال: إسناده حسن، وكيف يكون إسناده حسنًا، وفيه العوام بن حمزة، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: له أحاديث مناكير؟!.

فإن قيل: رواية يحيى بن سعيد عنه دلت على ثقته عنده.

قلت: ما ذكرناه يدل على ضعفه، والجرح مقدم على التعديل.

وقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن حفص بن غياث، عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: "يا أبت، صليت خلف النبي عليه السلام وخلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فما رأيت أحذا منهم يقنت؟ فقال: يا بني هي محدثة".

ورواه أيضًا عن ابن إدريس، عن أبي مالك بمعناه.

والسندان صحيحان، فالأخذ بذلك أولى مما رواه العوام.

وحديث أبي مالك أخرجه البيهقي أيضًا في باب: من لم ير القنوت في الصبح.

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(2)، ولفظه:"صليت خلف النبي عليه السلام فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف عليّ فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة".

وأما حديث طارق وحديث عبيد بن عمير فإن البيهقي قال: فإنها روايات صحيحة موصولة، وكيف تكون صحيحة؟! فإن في أسانيدها محمَّد بن

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6961).

(2)

"صحيح ابن حبان"(5/ 328 رقم 1989).

ص: 353

الحسن البربهاري: قال ابن الجوزي في كتابه: قال البرقاني: كان كذابا. وقال الدارقطني: خلط الجيد بالرديء فأفسده. وفيها يحيى بن سليم الطائفي: قال البيهقي في باب من كره أكل: الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الرازي: لا يحتج به.

فظهر من هذا أنها ليست بروايات صحيحة، بل المروي عن عمر رضي الله عنه بالأسانيد الصحيحة أنه لم يقنت فيها كما ذكرنا الآن في رواية أبي مالك الأشجعي.

وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون:"أنهما صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت".

وأخرجه البيهقي (2) أيضًا في باب: من لم ير السجود في ترك القنوت، من حديث سفيان بسنده المذكور.

وقال ابن أبي شيبة (3) أيضًا: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم:"أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت".

وقال أيضًا (4): نا وكيع، ثنا ابن أبي خالد، عن أبي الضحى، عن سعيد بن جبير:"أن عمر رضي الله عنه كان لا يقنت في الفجر".

ورواه عبد الرزاق (5): عن ابن عيينة، عن ابن أبي خالد.

وهذه أسانيد صحيحة.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6965).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 350 رقم 3695).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6964).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102 رقم 6972).

(5)

"مصنف عبد الرزاق"(3/ 106 رقم 4956).

ص: 354

وأما حديث شعبة (1)، عن حماد، عن إبراهيم، فقد قال البيهقي: فيه دليل على اختصار وقع في الحديث الذي أتى فساق سنده: عن منصور، عن إبراهيم، أن الأسود وعمرو بن ميمون قالا:"صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت"، ثم قال: منصور وإن كان أوثق وأحفظ من حماد بن أبي سليمان، فرواية حماد في هذا توافق المذهب المشهور عن عمر في القنوت.

قلت: لما انتفع البيهقي برواية حماد ها هنا ذكر ما يدل على حفظه وثقته؛ لأنه إذا كان منصور أحفظ وأوثق منه كان هو في نفسه حافظًا ثقة، وخالف ذلك في باب: الزنا لا يحرم الحلال، وضعفه، وليست رواية منصور مختصرة من رواية حماد، بل معارضة لها، ومع جلالة منصور تابعه على روايته الأعمش.

فرواه عبد الرزاق في "مصنفه"(2): عن الثوري، عن منصور والأعمش

فذكره كذلك، وتابعه أيضًا الحسن بن عبيد الله كما تقدم عن قريب.

وقد روي عن حماد ما هو موافق لرواية منصور.

فذكر عبد الرزاق (3): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا:"صلى عمر زمانا لم يقنت".

وفي "التهذيب"(4) لابن جرير الطبري: روى شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"صليت مع عمر في السفر والحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت".

وروى أبو حنيفة في "مسنده"(5): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال:"ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت".

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 350 رقم 3695).

(2)

"مصنف عبد الرزاق"(3/ 106 رقم 4948).

(3)

"مصنف عبد الرزاق"(3/ 105 رقم 4947).

(4)

"تهذيب الآثار"(6/ 177 رقم 2684).

(5)

"مسند أبي حنيفة"(1/ 83).

ص: 355

وفي "مسنده"(1) أيضًا: عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"صحبت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنين، فلم أره قانتا في صلاة الفجر".

واعلم أن عندي جوابا آخر عن حديث أبي جعفر الرازي.

وهو أنه معارض بما رواه الطبراني في "معجمه"(2): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا شيبان بن فروخ، نا غالب بن فرقد الطحان قال:"كنت عند أنس بن مالك شهرين، فلم يقنت في صلاة الغداة".

وروى محمَّد بن الحسن في كتابه "الآثار"(3): أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال:"لم يرالنبي عليه السلام قانتا في الفجر حتى فارق الدنيا".

ص: وكان أبوهريرة أحد من روى عن النبي عليه السلام أيضًا القنوت في الفجر، فذلك القنوت هو دعاء لقوم ودعاء على آخرين، وفي حديثه أن النبي عليه السلام ترك ذلك حين أنزل الله عليه:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (4) الآية.

ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة المذكور فيما مضى في معرض استدلال أهل المقالة الأولى، بيانه أن أبا هريرة روى عن النبي عليه السلام القنوت في الفجر، وذلك القنوت هو الدعاء لقوم والدعاء على آخرين.

فالأول: هو قوله عليه السلام: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة".

والثاني: هو قوله: "اللهم العن فلانا وفلانا، أحياء من العرب"، ثم روى أن النبي عليه السلام ترك ذلك حيث قال في حديثه: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم،

(1)"مسند أبي حنيفة"(1/ 83).

(2)

"المعجم الكبير"(1/ 245 رقم 693).

(3)

"الآثار"(1/ 277 رقم 213).

(4)

سورة آل عمران، الآية:[128].

ص: 356

فذكرت ذلك، فقال: أو ما تراهم قد قدموا؟ " فهذا يدل على أن ما كان منه قد انتسخ حكمه وزال.

ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون هذا هكذا وقد كان أبو هريرة بعد النبي عليه السلام يقنت في الصبح؟ فذكر ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف (ح).

وما قد حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: ثنا بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال:"كان أبو هريرة يقنت في صلاة الصبح". قال: فدل ذلك على أن المنسوخ عند أبي هريرة إنما هو الدعاء على من دعا عليه النبي عليه السلام فأما القنوت الذي كان مع ذلك فلا.

قيل له: إن يونس بن يزيد قد روى عن الزهري في حديث القنوت الذي ذكرناه في أول هذا الباب ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب

فذكر ذلك الحديث بطوله، ثم قال فيه:"قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، فصار ذكر نزول هذه الآية الذي كان به النسخ من كلام الزهري، لا مما رواه عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، فقد يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يكن أبو هريرة علمه، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله عليه السلام وقنوته إلى أن مات؛ لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، وعلم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن نزول هذه الآية كان ناسخا لما كان النبي عليه السلام يفعل، فانتهيا إلى ذلك، وتركا به المنسوخ المتقدم".

ش: هذا سؤال من جهة الخصم، تقريره أن يقال: لا نسلم أن المنسوخ على الكيفية التي ذكرتم؛ لأن أبا هريرة قد قنت في صلاة الصبح بعد النبي عليه السلام، ولو كان النسخ على نحو ما ذكرتم لما ساغ لأبي هريرة أن يقنت بعده عليه السلام مع علمه بالمنسوخ، بل إنما كان المنسوخ عند أبي هريرة هو الدعاء على من كان عليه السلام يدعو

ص: 357

عليه، فأما القنوت الذي كان مع ذلك فلم ينسخ ولم يرتفع حكمه، فلهذا قنت أبو هريرة بعده.

ثم إنه أخرج أثر أبي هريرة الذي فيه أمر قنوته من وجهين صحيحين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد المصري مولى ربيعة بن شرحبيل ابن حسنة الكندي، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل المصري، عن عبد الرحمن الأعرج.

وأخرجه عبد الرزاق (1): عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أنه كان يقنت في صلاة الصبح".

الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضا، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي أبي زكرياء المصري، عن بكر بن مضر

إلى آخره.

وتقرير الجواب: أن يقال: إن يونس بن يزيد الأيلي قد روى عن محمَّد بن مسلم الزهري في حديث القنوت الذي ذكر في أول الباب، وفيه: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (2) الآية، فدل ذلك على النسخ، ولكن ذكر نزول هذه الآية الذي حصل به النسخ، من كلام الزهري لا مما رواه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فإذا كان كذلك، فقد يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يقف عليه أبو هريرة ولا أحاط به علمه، فلذلك عمل بما كان علمه من فعل النبي عليه السلام وقنوته إلى أن مات؛ وذلك لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، فإذا لم تثبت فكيف يترك ما قد علمه من النبي عليه السلام؟.

(1)"مصنف عبد الرزاق"(3/ 115 رقم 4981).

(2)

سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 358

ألا ترى أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم، لما علما بنزول الآية، وعلما أنه ناسخ للذي كان النبي عليه السلام يفعله انتهيا إلى ذلك، وتركا ما قد علماه من فعل النبي عليه السلام المتقدم المنسوخ.

واعلم أن الطحاوي أخرج حديث الزهري هذا فيما سبق في موضعين.

الأول: في أواخر باب: الإِمام يقول: سمع الله لمن حمده، فقال: ثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أنهما سمعاه يقول: "كان رسول الله عليه السلام حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه من الركوع، يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد

" الحديث.

الثاني: في أول هذا الباب بهذا الإسناد بعينه، وزاد فيه: "وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين

" الحديث، ولم يذكر في الموضعين قول الزهري: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (1) الآية".

وإنما ذكره ها هنا ،ولكن الجميع بإسناد واحد، وقطعه للتبويب.

وأخرجه مسلم (2) وقال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أخهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله عليه السلام يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 466 رقم 675).

ص: 359

لما أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (1).

ص: وحجة أخرى أن في حديث ابن إيماء: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رفع رأسه من الركوع: غفار غفر الله لها -حتى ذكر ما ذكر في حديثه- ثم قال: الله أكبر وخر ساجدًا".

فثبت بذلك أن جميع ما كان يقوله هو ما ترك بنزول تلك الآية، وما كان يدعو به مع ذلك من دعائه للأسرى الذين كانوا بمكة، ثم ترك ذلك عندما قدموا، وقد روى أبو هريرة أيضًا في حديث يحيى بن أبي كثير الذي قد رويناه فيما تقدم منا في هذا الباب عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يذكر القنوت، وفيه: قال أبو هريرة: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، فذكرت ذلك، فقال: أوما تراهم قد قدموا؟ " ففي ذلك أن رسول الله عليه السلام كان يقول ذلك الحديث في العشاء الآخرة كما كان يقول في الصبح، وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ في صلاة العشاء بكماله لا إلى قنوت غيره، فالفجر أيضًا في النسخ كذلك.

ش: هذا جواب آخر عن السؤال المذكور، تقريره أن يقال: إن في حديث خُفاف بن إيماء الذي مر ذكره في هذا الباب أن رسول الله عليه السلام دعا لقوم ودعا على آخرين، ثم قال: الله أكبر وخر ساجدًا وأن جميع ذلك ترك بنزول الآية المذكورة، حتى الدعاء الذي كان يدعو به للأسرى الذين كانوا بمكة، فحين ما قدموا ترك ذلك، وقد صرح بذلك في الحديث الذي رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:"وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، فذكرت ذلك، فقال: أوَما تراهم قد قدموا" وفي هذا الحديث أيضًا كان يقول ذلك القنوت في صلاة العشاء الآخرة، كما كان يقوله في الصبح، وقد أجمع الخصم معنا أن ذلك منسوخ في صلاة العشاء بكماله لا إلى قنوت غيره، فإذا كان هذا منسوخًا، فكذلك يكون القنوت الذي في الفجر منسوخًا بكماله لا إلى قنوت غيره.

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 360

وقولهم: المنسوخ ليس القنوت كله بل إنما كان الدعاء على من دعا عليه أو له، وأما القنوت الذي كان معه باق في الصبح؛ تحكم وتخصيص بلا مخصص وهو باطل، ولئن سلمنا بقاء القنوت وانتساخ الدعاء فلم يختص بذلك الصبح؟ فهلا يقنت في العشاء أيضًا؟ فتخصيص الصبح وترك العشاء تحكم بلا دليل، وأما قنوت أبي هريرة بعد النبي عليه السلام فلما ذكرناه عن قريب، على أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يقنتون في الصبح على ما يجيء، وليس فعل أبي هريرة بأولى وأحق من فعلهم.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فلما كشفنا وجوه هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، فلم نجد ما يدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر، لم نُأْمر به فيها؟ وأمرنا بتركه مع أن بعض أصحاب النبي عليه السلام قد أنكره أصلًا، كما حدثنا علي بن معبد وحسين بن نصر وعلي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق، قال: قلت لأبي: "يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وخلف عثمان، وخلف علي ها هنا بالكوفة قريبا من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني، محدث".

قال أبو جعفر رحمه الله: فلسنا نقول: إنه محدث على أنه لم يكن، وقد كان، ولكنه قد كان بعده ما قد رويناه في هذا الباب قبله.

ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها في هذا الباب.

قوله: "لم نُأْمر" جواب قوله "فلما" وهو على صيغة لمجهول، وكذلك قوله:"وأُمِرْنا" على صيغة المجهول، أي لم نؤمر بالقنوت في صلاة الصبح، وأمرنا بترك القنوت.

قوله: "مع أن بعض أصحاب النبي عليه السلام قد أنكره أصلًا" تأكيد لقوله: "فلم نجد ما يدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر" أي قد أنكر القنوت في الصبح أصلًا، وأراد بهذا البعض الذي أنكر القنوت أصلًا: هو طارق بن أشيم الصحابي، فإن ابنه سعد بن طارق لما سأله عنه، قال:"أي بني" أي يا بني "محدث" أي إن القنوت في

ص: 361

صلاة الصبح محدث، وليس معناه أنه لم يكن ثم كان، ولكن معناه أنه كان في زمن النبي عليه السلام مدة، ثم انتسخ، ثم أحدثوه بعده عليه السلام، فلذلك قال: يا بني محدث، وكذا فسره ابن حبان في روايته:"بدعة" أي ابتدع به بعد النبي عليه السلام بعد أن كان قد ارتفع حكمه وانتسخ.

وأخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن علي بن معبدبن نوح المصري، وحسين ابن نصر بن المعارك البغدادي، وعلي بن شيبة بن الصلت السدوسي، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن أبيه طارق.

وأخرجه الترمذي (1): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي قال:"قلت لأبي: يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله عليه السلام، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، كانوا يقنتون؟ قال: أي بني، محدث".

وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه"(2)، ولفظه:"صليت خلف النبي عليه السلام فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر رضي الله عنه فلم يقنت، وصليت خلف عمر رضي الله عنه فلم يقنت، وصليت خلف عثمان رضي الله عنه فلم يقنت، وصليت خلف علي رضي الله عنه فلم يقنت، ثم قال: يا بني، إنها بدعة".

وكذا أخرجه النسائي في "سننه"(3): عن قتيبة، عن خلف، عن أبي مالك الأشجعي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(4)، وقد ذكرناه.

(1)"جامع الترمذي"(2/ 252 رقم 402).

(2)

"صحيح ابن حبان"(5/ 328 رقم 1989).

(3)

"المجتبى"(2/ 204 رقم 1080).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6963).

ص: 362

وممن أنكر القنوت من الصحابة: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال: "ما القنوت؟ وما رأيت أحدًا يفعله" حين سأله أبو الشعثاء عنه، وقد مر ذكره مستوفى عن قريب.

وروى ابن عبد البر عن ابن عمر وطاوس: أن القنوت في الفجر بدعة، وكان ممن ينكره من التابعين أيضًا: الزهري، ويحيى الأنصاري، وإبراهيم النخعي- رحمهم الله.

ص: فلما لم يثبت لنا القنوت عن النبي عليه السلام رجعنا إلى ما روي عن أصحابه في ذلك، فإذا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال:"صليت خلف عمر رضي الله عنه صلاة الغداة، فقنت فيها بعد الركوع، وقال في قنوته: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم الثالث نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق".

وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، عن أبيه:"أنه صلى خلف عمر رضي الله عنه ففعل مثل ذلك إلا أنه قال: ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخشى عذابك الجد".

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبدة بن أتيت لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه:"أن عمر رضي الله عنه قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين".

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه:"أنه كان يقنت في صلاة الصبح بسورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد".

ص: 363

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي رافع، قال:"صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة الصبح، فقرأ بالأحزاب، فسمعت قنوته وأنا في آخر الصفوف".

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان (ح).

وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، كلاهما عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال:"صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة الصبح، فلما فرغ من القراءة في الركعة الثانية، كبر ثم قنت، ثم كبر فركع".

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن مخارق

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين:"أن سعيد بن المسيب ذكر له قول ابن عمر رضي الله عنهما في القنوت، فقال: أما إنه قد قنت مع أبيه، ولكنه نسي".

ش: لما لم يثبت القنوت في صلاة الصبح عن النبي عليه السلام بعد كشف وجوه الأحاديث المروية فيه، وجب الرجوع فيه إلى ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم، لنعلم هل القنوت في الصبح ثابت أم لا؟ وهل يجب فعله أم لا؟

فرجعنا في ذلك، فوجدنا قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قد قنت في صلاة الصبح بعد الركوع، ووجدنا أيضًا قد روي عنه أنه كان لا يقنت فيها، فبين الأمرين مخالفة وتضاد، ولكن يحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين في وقت وحاله.

فنظرنا في ذلك، فوجدنا أنه قد كان يقنت إذا حارب، وإذا لم يحارب لم يقنت.

فعلمنا أن معنى الذي كان يقنت أنه إذا كان يحارب كان يدعو على أعدائه، ويستعين بالله عليهم ويستنصره، كما كان رسول الله عليه السلام فعل لما قتلوا القراء من

ص: 364

أصحابه، وقد روي أيضًا عن علي رضي الله عنه ما روي عن عمر رضي الله عنه، فإذا كان الأمر كذلك يكون كل ما روي عن الصحابة من القنوت في صلاة الصبح يكون محمولا على حالة المحاربة.

ألا ترى أتى روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقنت في صلاة المغرب أيضًا، والخصم لا يقول بالقنوت فيها، فعلمنا أنه كان يفعل ذلك حالة المحاربة، وسيجىء تحقيق الكلام في هذا إن شاء الله تعالى.

ثم انه أخرج ما روي من قنوت عمر في الصبح من تسع طرق:

الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وعن أحمد: كان سيء الحفظ مضطرب الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وروى له الأربعة.

عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي أبي عاصم المكي قاضي أهل مكة، روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال:"صليت خلف عمر بن الخطاب الغداة فقال في القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونزك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار مُلْحِق".

الثاني: عن صالح أيضًا، عن سعيد بن منصور أيضًا، عن هشيم أيضًا، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى الصحابي.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 106 رقم 7027).

ص: 365

وهذا إسناد صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه:"أنه صل خلف عمر رضي الله عنه فصنع مثل ذلك".

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغاضري، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه

إلى آخره.

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

وأخرجه البيهقي (2) مفسرًا: من حديث الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال:"صليت خلف عمر رضي الله عنه صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع من يكفرك".

ثم قال البيهقي: كذا قال: قبل الركوع، وهو وإن كان إسنادا صحيحًا فرواة قنوت عمر بعد الركوع أكثر، وهم: أبو رافع، وعبيد بن عمير، وأبو عثمان النهدي، وزيد بن وهب، والعدد أولى بالحفظ من الواحد.

قلت: لم يذكر لرواية هؤلاء سندًا إلا لرواية عبيد بن عمير خاصة، وقد روي عنه وعن زيد بن وهب خلاف ذلك.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 106 رقم 7028).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 210 رقم 3963).

ص: 366

قال ابن أبي شيبة (1): أنا هشيم، ثنا يزيد بن أبي زياد، ثنا زيد بن وهب:"أن عمر رضي الله عنه قنت في الصبح قبل الركوع".

وأخرج أيضًا (2): عن أبي عثمان، عنه:"أنه قنت قبل الركوع".

وأخرج أيضًا (3): من طريقين عن عبيد بن عمير عنه.

وأخرج أيضًا (4): عن أبي معقل: "أن عمر وعليا وأبا موسى قنتوا في الفجر قبل الركوع".

فليس الراوي عن عمر أنه قنت قبل الركوع واحدًا كما زعم، بل هم خمسة، الواحد ذكره البيهقي، والأربعة ذكرهم ابن أبي شيبة، وهؤلاء أكثر مما ذكرهم البيهقي، فهم أولى بالحفظ.

الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بَجَرَة -بباء موحدة وجيم وراء مفتوحات- وقيل: نجدة -بالنون والجيم- مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقيل له: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه.

وهذا إسناد صحيح.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(5): عن رجل، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:"أن عمر رضي الله عنه كان يقنت في الفجر بسورتين".

الخامس: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي رافع مولى النبي عليه السلام واسمه أسلم أو إبراهيم، وقد تكرر ذكره.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 105 رقم 7018).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 105 رقم 7019).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 105 رقم 7021 - 7022).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 105 رقم 7016).

(5)

"مصنف عبد الرزاق"(3/ 112 رقم 4972).

ص: 367

وأخرجه البيهقي في "المعرفة"(1): من حديث قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع:"أن عمر رضي الله عنه كان يقنت في صلاة الصبح".

السادس: عن أبي بكرة أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، عن سفيان الثوري، عن مخارق بن خليفة بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الله بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الرحمن الأحمسي الكوفي، عن طارق بن شهاب الأحمسي الصحابي رضي الله عنه.

وهذا إسناد صحيح.

وأخرجه البيهقي (2): من حديث سفيان بن عيينة، عن مخارق، عن طارق قال:"صليت خلف عمر الصبح، فقنت".

السابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مخارق، عن طارق.

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

الثامن: عن أبي بكرة بكار، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن مخارق بن خليفة، عن طارق بن شهاب.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(3): عن الثوري، عن مخارق، عن طارق بن شهاب:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى الصبح، فلما فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين ركع".

التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن محمد بن سيرين.

(1)"معرفة السنن والآثار"(2/ 80 رقم 968).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 203 رقم 2931).

(3)

"مصنف عبد الرزاق"(3/ 109 رقم 4959).

ص: 368

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

قوله: "اللهم" يعني يا الله، والسين في "نستعينك" و"نستغفرك" للطلب.

قوله: "ونخلع" مِنْ خلع ثوبه ونعله.

قوله: "ونترك" كالتفسير له، والفعلان تنازعا في قوله:"من يفجرك" أي من يعصيك ويخالفك.

قوله: "ونحفد" بالحاء والدال المهملتين ومعناه نسرع في العمل والخدمة، وهو من باب حَفَدَ يَحْفدُ كضَرَبَ يَضْرِبُ، قال الجوهري: الحفد: السرعة تقول: حفد البعير والظليم حَفْدا وحَفْدَانًا وهو تدارك السير، وبعير حَفَّاد، ومنه الدعاء:"وإليك نسعى ونحفد" واحفدته: حملته على الحَفْدِ والإسراع.

قوله: "ملحق" بالرفع خبر إن، روي بكسر [الحاء](1) وفتحها.

قوله: "بالسورتين" أراد بها قوله: "اللهم إنا نستعينك" إلى قوله: "وفترك من يفجرك"، وقوله:"اللهم إياك نعبد" إلى قوله: "إن عذابك بالكفار ملحق"، وكانتا سورتين من القرآن فنسختا، والله أعلم.

وبه استحسن أصحابنا أن يقول المصلي في وتره هذا الذي روي عن عمر رضي الله عنه.

وقال في "المبسوط": ليس في الوتر دعاء موقت سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك

" إلى آخره، والصحابة اتفقوا على هذا في القنوت.

وعن إبراهيم بسند صحيح: "ليس في قنوت الوتر شيء موقت، إنما هو دعاء واستغفار".

وفي "البدائع": وأما دعاء القنوت فليس في القنوت دعاء موقت، كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة؛ لأنه روي عن الصحابة أدعية مختلفة في حال القنوت، ولأن الموقت من الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه،

(1) في "الأصل، ك": "اللام"، وأظنه سبق قلم من المؤلف رحمه الله، والمثبت هو الموافق كما في المعاجم، فإن "اللام" ساكنة في كلا الحالتين. والله أعلم.

ص: 369

وصدق الرغبة منه إلى الله تعالى، فيبعد عن الإجابة، ولأنه لا يوقت في القراءة بشيء من الصلوات ففي دعاء القنوت أصلى وقد روي عن محمَّد أنه قال: التوقيت في الدعاء يُذهب رقة القلب، وقال بعض مشايخنا: المراد في قوله: "ليس في القنوت دعاء موقت ما سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك"؛ لأن الصحابة اتفقوا على هذا في القنوت، فالأولى، أن يقرأه، ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره كان حسنًا، والأصلى أن يقرأ معه ما علَّم رسول الله عليه السلام الحسن بن علي في قنوته: اللهم اهدني فيمن هديت

إلى آخره".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فقد روي عن عمر رضي الله عنه ما ذكرنا، وروي عنه خلاف ذلك.

فحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود:"أن عمر رضي الله عنه كان لا يقنت في صلاة الصبح".

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا:"صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا:"كنا نصلي خلف عمر رضي الله عنه الفجر فلم يقنت".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا:"كنا نصلي خلف عمر رضي الله عنه، نحفظ ركوعه وسجوده، ولا نحفظ قيام ساعة، يعنون القنوت".

حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا:"صلينا خلف عمر رضي الله عنه، فلم يقنت في الفجر".

ص: 370

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت إبراهيم، يحدث عن عمرو بن ميمون، نحوه.

قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا خلاف ما روي عنه في الآثار الأول، فاحتمل أن يكون قد كان فعل كل واحد من الأمرين في وقت.

فنظرنا في ذلك، فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا مسعر بن كدام، قال: حدثني عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب قال:"ربما قنت عمر".

فأخبر زيد بما ذكرنا، أنه كان ربما قنت وربما لم يقنت، فأردنا أن ننظر في المعنى الذي له كان يقنت ما هو؟

فإذا ابن أبي عمران قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن أبي شهاب الحناط، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"كان عمر رضي الله عنه إذا حارب يدعو على أعدائه ويستعين الله عليهم ويستنصره كما كان رسول الله عليه السلام فعل لما قتل من قتل من أصحابه، حتى أنزل الله عز وجل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (1)، قال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: فما دعا رسول الله عليه السلام على أحد بعد".

فكانت هذه الآية -عند عبد الرحمن وعند عبد الله بن عمر، ومن وافقهما على ما كانا يقولانه في ذلك- نسخ للدعاء بعد ذلك في الصلاة على أحد، ولم تكن عند عمر رضي الله عنه بناسخة ما كان قبل القتال، وإنما نسخت عنده الدعاء في حال عدم القتال، إلا أنه قد ثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر.

فهذا وجه ما روي عن عمر في هذا الباب.

(1) سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 371

ش: لما روى ما روى عن عمر من القنوت في صلاة الصبح؛ شرع يروي ما روي عنه خلافه ليوفق بينهما.

وأخرج أثر الخلاف من ستة طرق:

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي.

وهذا إسناد صحيح.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود نحوه.

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة

إلى آخره.

وهو أيضًا إسناد صحيح.

وأخرجه البيهقي (2): من حديث الفضيل، عن منصور، عن إبراهيم، أن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا:"صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت".

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح، عن أبي شهاب واسمه عبد ربه بن نافع الكناني الحفاظ الكوفي وهو الأصغر، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود ومسروق بن الأجدع.

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي الكوفي؛ قال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن حبان: ثقة.

عن أبي شهاب المذكور

إلى آخره نحوه.

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

(1)"مصنف عبد الرزاق"(3/ 106 رقم 4949).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 204 رقم 2934).

ص: 372

قوله: "ولا نحفظ قيام ساعة" المراد من هذا الكلام إنكار هؤلاء قنوت عمر رضي الله عنه في الفجر؛ لأنه لو قنت لما خفي عليهم، ولكانوا يحفظونه كما كانوا يحفظون ركوعه وسجوده.

الخامس: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن علي بن معبد

إلى آخره.

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون:"أنهما صليا خلف عمر رضي الله عنه الفجر فلم يقنت".

السادس: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة

إلى آخره.

وهذا أيضًا إسناد صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم:"أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر فلم يقنت".

وأخرج ابن جرير الطبري في "التهذيب"(3): من حديث شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"صليت مع عمر رضي الله عنه في السفر والحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت في الصبح".

فهذه الآثار كلها تخالف الآثار الأُول، فاحتمل أن يكون قد فعل كل واحد من القنوت وتركه في وقت، يعني ربما كان قنت، وربما كان ترك، وأخرج ما يدل على ذلك عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مسعر بن كدام بن ظهير الكوفي، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي الزراد، عن زيد بن وهب الجهني الكوفي، رحل إلى النبي عليه السلام فقبض وهو في الطريق.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6965).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6964).

(3)

"تهذيب الآثار"(6/ 177 رقم 2684).

ص: 373

وهذا إسناد صحيح، والكل من رجال الجماعة ما خلا يزيد.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب قال:"ربما قنت عمر في صلاة الفجر".انتهى.

فهذا يدل على أنه كان يقنت مرة ويترك مرة، ولكن ينبغي أن ننظر في المعنى الذي كان يقنت حين يقنت لأجله، ولماذا كان؟ فنظرنا فإذا أسود بن يزيد قد روى عنه: إذا حارب قنت وإذا لم يحارب لم يقنت، فعلمنا أن المعنى الذي كان يقنت لأجله هو وقت المحاربة، كان يدعو على أعدائه ويستعين بالله عليهم ويستنصره، كما كان رسول الله عليه السلام فعل ذلك لما بلغه أن القراء الذين أرسلهم إلى بئر معونة قد قتلوا، وكانوا سبعين رجلًا -وفي "مسند السراج": كانوا أربعين، وفي "المعجم": ثلاثون: ستة وعشرون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين- وكان رسول الله عليه السلام أمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي الذي يقال له: المعتق ليموت، فخرج عليهم عامر بن الطفيل فقتلوا جميعًا غير عمرو بن أمية الضمري وكعب بن زيد.

وكانت هذه السرية في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، وكان السبب في ذلك: أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنة قدم فأهدى للنبي عليه السلام فلم يقبل منه، وعرض عليه الإِسلام فلم يسلم، وقال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، قال: أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد، فبعث معه القراء، فجرى ما ذكرناه.

"وبئر معونة": ماء لبني عامر بن صعصعة على أربع مراحل من المدينة.

ثم إنه عليه السلام لم يزل يدعو عليهم في صلاته حتى أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (2) الآية حتى كف عنه وتركه كما ذكرناه مستقصى.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 104 رقم 7006).

(2)

سورة آل عمران، آية:[128].

ص: 374

وقال عبد الرحمن بن أبي بكر "فما دعا رسول الله عليه السلام على أحد بعد ذلك".

فكانت هذه الآية عند عبد الرحمن بن أبي بكر وعند عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ناسخة للدعاء على أحد في الصلاة مطلقا، وكذا عند من يذهب إلى قولهما في ذلك، ولم يكن عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه نسخها إلا مقيدًا بغير حالة المحاربة، فكان النسخ عنده في حال عدم القتال، وعلى كل التقدير يثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر، أما عند عبد الرحمن وابن عمر فَلِكَوْن النسخ عاما عندهم.

وأما عند عمر رضي الله عنه فلكونه مخصوصا بغير حالة الحرب، وكلا المذهبين يدل على بطلان رؤية الدوام على القنوت في الفجر.

ثم إنه أخرج ما روي عن الأسود بإسناد صحيح، عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى البغدادي الفقيه؛ وثقه ابن يونس.

عن سعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي شهاب الحناظ -بالنون- بياع الحنطة، واسمه موسى بن نافع الأسدي، وهو أبو شهاب الكبير روى له البخاري ومسلم والنسائي، وأبو شهاب الأصغر الحفاظ أيضًا مر عن قريب، وأبو شهاب الكبير يروي عن الإمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي.

عن حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري الكوفي الفقيه الثقة، مشهور احتج به الأربعة، وروى له مسلم مقرونا بغيره، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي.

وأخرجه أبو حنيفة في "مسنده".

وأخرج أيضًا (1): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال:"ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي حتى حارب أهل الشام فكان يقنت".

(1)"مسند أبي حنيفة"(1/ 83).

ص: 375

وأخرج أيضًا: عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"صحبت عمر بن الخطاب سنين، فلم أره قانتا في صلاة الفجر".

وأخرجه محمَّد بن الحسن في "آثاره"(1): عن أبي حنيفة نحوه.

ص: وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فروي عنه في ذلك ما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه:"أنه كان يقنت في صلاة الصبح قبل الركوع".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وأبو داود، قالا: ثنا شعبة (ح).

وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبونعيم، قال: ثنا سفيان، كلاهما عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل -في حديث سفيان- قال:"كان عليّ وأبو موسى رضي الله عنهما يقنتان في صلاة الغداة -وفي حديث شعبة- فقنت بنا عليٌّ وأبو موسى".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عبيد بن حسن، قال: سمعت ابن معقل يقول: "صليت خلف علي رضي الله عنه الصبح فقنت".

فقد يجوز أن يكون علي رضي الله عنه كان يرى القنوت في صلاة الصبح في سائر الدهر، ويجوز أن يكون فعل ذلك في وقت خاص للمعنى الذي كان عمر رضي الله عنه فعله من أجله، فنظرنا في ذلك فإذا روح بن الفرج قد حدثنا، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال:"كان عبد الله لا يقنت في الفجر، وأول من قنت فيها عليّ رضي الله عنه، وكانوا يرون أنه إنما فعل ذلك؛ لأنه كان محاربا".

حدثنا فهد، قال: ثنا مُحرز بن هشام، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "إنما كان علي يقنت ها هنا؛ لأنه كان محاربًا، فكان يدعو على أعدائه في القنوت

(1)"الآثار"(1/ 278 رقم 214).

ص: 376

في الفجر والمغرب. فثبت بما ذكرنا أن مذهب علي رضي الله عنه في القنوت هو مذهب عمر رضي الله عنه الذي وصفنا، ولم يكن عليٌّ رضي الله عنه يقصد بذلك إلى الفجر خاصة؛ لأنه قد كان يفعل ذلك في المغرب، فيما ذكر إبراهيم رضي الله عنه.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: حدثني حصين بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن بن معقل يقول: "صليت خلف علي رضي الله عنه المغرب فقنت ودعا".

فكل قد أجمع أن المغرب لا يقنت فيها إذا لم تكن حرب، وأن عليًّا رضي الله عنه إنما قنت فيها من أجل الحرب، فقنوته في الفجر أيضًا عندنا كذلك.

ش: لما كان الخصم استدل أيضًا -فيما ذهب إليه من القنوت في الفجر- بما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقنت في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ذكره، وهو ظاهر.

وأخرج ما روي عنه من أربع طرق صحاح:

الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة -بالتصغير- السلمي الكوفي، ولأبيه صحبة، وأبو عبد الرحمن روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا هشيم

إلى آخره.

وفيه حجة لأصحابنا: أن القنوت فيما يقنت قبل الركوع.

فإن قيل: روى البيهقي في "سننه"(2): من حديث يزيد بن أبي زياد، سمعت أشياخنا يحدثون:"أن عليا رضي الله عنه كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع".

قلت: يزيد بن أبي زياد ضعيف، وحكى البيهقي نفسه تضعيفه عن ابن معين في باب "رفع اليدين عنوإلافتتاح خاصة"، ثم إنه روى عن الأشياخ وهم مجهولون، والذي رواه الطحاوي وابن أبي شيبة أولى.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 105 رقم 7020).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 108 رقم 2955).

ص: 377

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عثمان بن عاصم بن حُصَير -بالتصغير- الأسدي الكوفي.

عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني قال: "قنت بنا

" إلى آخره.

وأخرجه الطيالسي في "مسنده": عن شعبة

إلى آخره.

الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن أبي حصين

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل قال:"قنت في الفجر رجلان من أصحاب النبي عليه السلام: علي وأبو موسي".

وقال البيهقي: هذا عن علي صحيح مشهور.

قلت: الجواب عنه ما ذكره الطحاوي، وأيضًا هذا الأثر مضطرب.

فإن ابن حبان أخرج في "صحيحه"(2): عن أبي مالك، [عن أبيه] (3):"أنه صلى خلف علي رضي الله عنه فلم يقنت".

قوله: "كلاهما عن أبي حصين" أي شعبة وسفيان كلاهما رويا عن أبي حصين.

الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبيد بن حسن المزني الكوفي، عن عبد الله بن معقل بن مقرن.

وأخرج ما رواه إبراهيم النخعي الذي يدل على أن قنوت علي إنما كان للمحاربة عن طريقين رجالهما ثقات:

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 104 رقم 7002).

(2)

"صحيح ابن حبان"(5/ 328 رقم 1989).

(3)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح" ابن حبان.

ص: 378

الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه الأعمى، عن إبراهيم النخعي.

وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره"(1): عن أبي حنيفة عن حماد، عن إبراهيم:"أن أهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه".

وأخرج ابن حزم في "المحلى"(2): من طريق ابن المجالد عن أبيه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود، قالا:"ما قنت رسول الله عليه السلام في شيء من الصلوات إلا إذا حارب، فإنه كان يقنت في الصلوات كلهن، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا قنت علي رضي الله عنه حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه".

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن مُحرز بن هشام، عن جرير بن حازم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي.

وأخرج ما رواه عبد الرحمن بن معقل الذي يدل على أن عليًّا كان يقنت في المغرب أيضًا عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن معقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- ابن مقرِّن المزني الكوفي

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): ثنا شريك، عن حصين، عن عبد الرحمن بن معقل، قال:"صليت خلف علي رضي الله عنه المغرب فقنت".

(1)"الآثار"(1/ 278 رقم 214).

(2)

"المحلى"(4/ 145).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 109 رقم 7057).

ص: 379

ص: وأما عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فروي عنه ما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس قال:"صليت معه الفجر فقنت قبل الركوع".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عوف

فذكر بإسناده مثله، وزاد:"وقال: هذه الصلاة الوسطى".

قال أبو جعفر رحمه الله: فقد يجوز أيضًا في أمر ابن عباس في ذلك ما جاز في أمر علي رضي الله عنه، فنظرنا هل روي عنه خلاف هذا؟ فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال:"صليت خلف ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم فكانا لا يقنتان في صلاة الصبح".

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، قال: أنا مجاهد، أو سعيد بن جبير:"أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يقنت في صلاة الفجر".

حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث، قال:"صليت خلف ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: أخبرني عمران بن الحارث السلمي قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح، فلم يقنت".

فكان الذي يروي عنه القنوت هو أبو رجاء إنما كان ذلك وهو بالبصرة واليا عليها لعلي رضي الله عنه، وكان أحد من يروي عنه بخلاف ذلك سعيد بن جبير، وإنما كانت صلاته بعد ذلك بمكة، وكانت صلاته في ذلك مذهب عمر وعلي رضي الله عنهما، فكان الذين قد روينا عنهم القنوت في الفجر إنما كان ذلك منهم للعارض الذي ذكرنا، فقنتوا فيها وفي غيرها من الصلوات، وتركوا ذلك في حال عدم ذلك العارض.

ص: 380

ش: لما استدل الخصم أيضًا بما روي عن ابن عباس من قنوته في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ملخصه: أن قنوت ابن عباس رضي الله عنهما يجوز أن يكون كقنوت علي -يعني لأجل الحراب- كان يدعو على الأعداء، على أنه قد روى عنه سعيد بن جبير وعمران بن الحارث عدم القنوت أصلًا، والذي روى عنه القنوت هو أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وكان ذلك لما كان ابن عباس بالبصرة واليا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والذي روى عنه سعيد بن جبير كان بمكة بعد ذلك، فدل أن ما كان منه من القنوت في الصبح إنما كان لأجل العارض وهو الحرب، فكل من روي عنه من الصحابة من القنوت في الصبح فمحمول على هذا العارض، والدليل على صحة هذا: أن بعضهم كان يقنت أيضًا في غير الصبح، وقد ذكرنا عن قريب أن ابن حزم روى أن عليًّا رضي الله عنه كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان ذلك حين كان يحارب أهل الشام، فهذا كله يدل على بطلان قول من يرى القنوت في الصبح دائمًا.

وقد أخرج ما روي عن قنوته من طريقين صحيحين:

الأول: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان، أدرك زمان النبي عليه السلام ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنف"(1): ثنا هشيم، عن عوف، عن أبي رجاء، قال:"رأيت ابن عباس يمد ضَبعيه في قنوت صلاة الغداة إذ كان بالبصرة".

الثاني: أخرجه الطحاوي بعينه في باب: الصلاة الوسطى.

وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 104 رقم 7004).

ص: 381

وأخرجه البيهقي (1) مطولًا وقد ذكرناه هناك.

وأخرج ما روي عن عدم قنوته من أربع طرق صحاح:

الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن واقد الخياط أبي عبد الله مولى زيد بن خليد، وثقه ابن حبان، عن سعيد بن جبير.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم "أنهما كانا لا يقنتان في الفجر".

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء

إلى آخره.

وهؤلاء قد تكرروا جدًّا.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): ثنا الحسن بن علي، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني مجاهد وسعيد بن جبير: "أن ابن عباس كان لا يقنت في صلاة الفجر".

الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عمران بن الحارث السلمي أبي الحكم الكوفي، روى له مسلم والنسائي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(4): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث قال:"صليت مع ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده".

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 461 رقم 2006).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102 رقم 6970).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 103 رقم 6995).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102 رقم 6976).

ص: 382

الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن

إلى آخره.

وأخرجه الطيالسي في "مسنده".

ص: وقد روينا عن آخرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القنوت في سائر الدهور.

فمن ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال:"كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال:"كان ابن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات إلا الوتر، فإنه كان يقنت قبل الركعة".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال:"كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح".

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا المسعودي

فذكر مثل حديث أبي بكرة، عن أبي داود، عن المسعودي، بإسناده.

حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، عن فضيل بن غزوان، عن الحارث العكلي، عن علقمة بن قيس قال:"لقيت أبا الدرداء رضي الله عنه بالشام فسألته عن القنوت فلم يعرفه".

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه (ح).

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر:"أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمَّد بن مسلم الطائفي، قال: ثنا عمرو بن دينار قال: "كان عبد الله بن الزبير يصلي بنا الصبح بمكة فلا يقنت".

ص: 383

ش: أي قد رويخا عن جماعة آخرين من الصحابة رضي الله عنهم ترك القنوت أصلًا في سائر الأزمان، لا في الحرب ولا في غيرها، وهم أربعة أنفس ها هنا: عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.

أما أثر ابن مسعود فأخرجه من أربع طرق صحاح:

الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن علقمة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس:"أن ابن مسعود لم يكن يقنت في الفجر".

الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(2): ثنا فضيل بن محمَّد الملطي، ثنا أبو نعيم، ثنا أبو العميس، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال:"كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، إذا قنت قنت في الوتر قبل الركعة".

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو البصري العقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله

إلى، آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن الثوري

إلى آخره نحوه.

الرابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد الرحمن ابن عبد الله المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 101 رقم 6967).

(2)

"المعجم الكبير"(9/ 238 رقم 9166).

ص: 384

وأخرج الطبراني في "الكبير"(1): عن علي بن عبد العزيز عن حجاج بن المنهال، عن حماد، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود:"أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع ولا يقنت في صلاة الفجر".

وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره"(2): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم:"أن ابن مسعود كان يقنت السنة كلها في الوتر قبل الركوع" قال محمَّد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة.

وأخرج أيضًا (3): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم:"أن ابن مسعود لم يقنت هو ولا أحد من أصحابه حتى فارق الدنيا- يعني في صلاة الفجر".

وأما أثر أبي الدرداء عويمر بن مالك رضي الله عنه فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي الحماني؛ وثقه يحيى وغيره، عن عبد الله بن المبارك، عن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي، عن الحارث بن يزيد العكلي روى له مسلم، عن علقمة بن قيس.

قوله: "فلم يعرفه" أي لم يعهده في الصبح عن النبي عليه السلام ولا عن الصحابة، ونظير هذا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما لما سأله أبو الشعثاء عن القنوت في الفجر:"ما شعرت أن أحدًا يفعله" رواه عبد الرزاق وغيره، وقد مرّ.

وأما أثر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فأخرجه من طريقين صحيحين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر.

والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك، عن نافع.

(1)"المعجم الكبير"(9/ 284 رقم 9432).

(2)

"الآثار"(1/ 272 رقم 209).

(3)

"الآثار"(1/ 275 رقم 211).

ص: 385

وأما أثر عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري شيخ البخاري.

عن محمَّد بن مسلم بن سوسن الطائفي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن دينار المكي روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا روح بن عبادة، عن زكرياء بن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن دينار: "أن ابن الزبير رضي الله عنهما صلى بهم الصبح فلم يقنت".

ص: فهذا عبد الله بن مسعود لم يكن يقنت في دهره كله، وقد كان المسلمون في قتال عدوهم في كل ولاية عمر رضي الله عنه، أو في أكثرها، فلم يكن يقنت لذلك، وهذا أبو الدرداء ينكر القنوت، وابن الزبير لا يفعله، وقد كان محاربًا حينئذ لأنَّا لم نكن نعلم أم الناس إلا في وقت ما كان الأمر صار إليه.

فقد خالف هؤلاء عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم فيما ذهبوا إليه من القنوت في حال المحاربة بعد ثبوت زوال القنوت في حال عدم المحاربة، فلما اختلفوا في ذلك، وجب كشف ذلك من طريق النظر لنستخرج من المعنيين معنى صحيحًا، فكان ما قد روينا عنهم أنهم قنتّوا فيه من الصلوات لذلك الصبح والمغرب خلا ما روينا عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يقنت في صلاة العشاء" فإن ذلك يحتمل أيضًا أن تكون هي المغرب، ويحتمل أن تكون هي العشاء الآخرة، ولم نعلم عن أحد منهم أنه قنت في ظهر ولا عصر في حال حرب ولا غيره، فلما كانت هاتان الصلاتان لا قنوت فيهما في حال الحرب ولا في حال عدم الحرب، وكان الفجر والمغرب والعشاء لا قنوت فيهن في حال عدم الحرب؛ ثبت أن لا قنوت

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 102 رقم 6971).

ص: 386

فيهن في حال الحرب أيضًا، وقد رأينا الوتر فيها القنوت عند أكثر الفقهاء في سائر الدهر، وعند خاصٍّ منهم في ليلة النصف من شهر رمضان خاصة، فكانوا جميعًا إنما يقنتون لتلك الصلاة خاصة لا لحرب ولا لغيره.

فلما انتفى أن يكون القنوت فيما سواها يجب لعلة الصلاة خاصة، لا لعلة غيرها، انتفى أن تكون تجب لمعنى سوى ذلك.

فثبت بما ذكرنا أنه لا ينبغي القنوت في الفجر في حال حرب ولا غيره، قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: ملخص هذا: أن هؤلاء الأربعة من الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يقنتون في صلاة الصبح.

أما ابن مسعود فإنه لم يكن يقنت أصلًا في جميع دهره، والحال أن المسلمين كانوا في قتال عدوهم في كل ولايات عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو في أكثرها، وذلك لأن أكثر البلاد فتحت في أيامه كالشام ومصر وأكثر العراق، ولم تزل عساكره تجول يمينا وشمالا، ولو كان ابن مسعود يرى القنوت في أيام الحرب لكان قنت، فحيث ترك أصلًا، دَلَّ على أن حكمه مرفوع.

وأما ابن عمر فكذلك لم يكن يفعله حترل روى ابن عبد البر عنه: "أنه كان يقول: القنوت في الفجر بدعة".

وأما أبو الدرداء فإنه أنكره بالكلية.

وأما ابن الزبير فإنه لم يكن يفعله، والحال أنه كان محاربا؛ لأنه لم يؤم الناس إلا حين صار الأمر إليه، وذلك حين ادعى الخلافة في مكة، وبويع له في جمادى الأول سنة أربع وستين بمكة، واستبد بأمرها، ثم انتشرف بيعته في الحجاز واليمن والعراق والمشرق والمغرب، وبعض بلاد الشام، وكانت أيامه تسع سنين وعشرة أيام، وقتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى أو الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وعن مالك وغيره: أن مقتله كان على رأس ثنتين وسبعين، وكان سنه يوم قتل اثنتن وسبعين سنة.

ص: 387

فهؤلاء قد خالفوا عمر وعليًّا وابن عباس رضي الله عنهم فيما ذهبوا إليه من القنوت في حال المحاربة، مع اتفاقهم كلهم على زوال حكمه في حال عدم المحاربة، فإذا كان اختلافهم في حال المحاربة؛ وجب كشف ذلك من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر.

قوله: "قنتوا فيه من الصلوات لذلك" أي لأجل الحرب.

قوله: "الصبح" بالنصب؛ لأنه خبر كان في قوله: "فكان ما قد روينا".

قوله: "والمغرب" عطف عليه قوله: "فإن ذلك يحتمل أيضًا

إلى آخره"؛ لأن لفظ العشاء مشترك بين صلاة المغرب التي تسمى العشاء الأولى، وصلاة العشاء التي تسمى العشاء الآخرة، فإذا كان مشتركا بين المعنيين يحتمل أن يراد به أحد المعنيين عند الإطلاق.

قوله: "ولم نعلم عن أحد منهم أنه قنت في ظهر ولا عصر" فيه نظر؛ لأنا قد ذكرنا أن ابن حزم قد أخرج عن علي: "أنه كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا كذلك يدعو كل واحد منهما على صاحبه".

وروى السراج في "مسنده": ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا عبد الصمد، ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:"قنت النبي عليه السلام شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو على رعل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه".

وقال ابن حزم في "المحلى"(1): ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد ابن عبد الملك بن أيمن، نا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب:"أن النبي عليه السلام كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها".

(1)"المحلى"(4/ 139).

ص: 388

قوله: "وقد رأينا الوتر فيها القنوت عند أكثر الفقهاء" وأراد بهم: إبراهيم النخعي، وعلقمة، وحماد بن أبي سليمان، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير، وأبا حنيفة وأصحابه، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق؛ فإن هؤلاء كلهم يرون القنوت في الوتر قبل الركوع، وهو مذهب ابن مسعود وابن عمر وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب والحسن بن علي رضي الله عنهم.

وقال الترمذي (1): ثنا قتيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قال الحسن بن علي رضي الله عنهم: "علمني رسول الله عليه السلام كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت".

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي عليه السلام في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا.

واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق. انتهى.

قلت: أبو الحوراء -بالحاء والراء المهملتين- اسمه ربيعة بن شيبان.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا هشيم، قال: أنا منصور، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد:"أن عمر رضي الله عنه قنت في الوتر قبل الركوع".

ثنا (3) شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبيه:"أن عليًّا رضي الله عنه كان يقنت في الوتر بعد الركوع".

(1)"جامع الترمذي"(2/ 328 رقم 464).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 96 رقم 6900).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 96 رقم 6901).

ص: 389

ثنا (1) حفص، عن ليث، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه:"أن [عبد الله] (2) رضي الله عنه كان يوتر فيقنت قبل الركوع".

ثنا (3) هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان يقول في قنوت الوتر قبل الركوع إذا فرغ من القراءة

".

ثنا (4) ابن نمير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير:"أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع".

ثنا (5) يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة:"أن ابن مسعود وأصحاب النبي عليه السلام كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع".

وقال السراج في "مسنده": ثنا أبو كريب، ثنا محمَّد بن بشر، عن العلاء بن صالح، ثنا زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:"أنه سأله عن القنوت في الوتر، فقال: ثنا البراء بن عازب قال: سنة ماضية".

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(6)، ولكن قال: هذا وهم إنما هو الفجر.

فإن قيل: هل روي عن النبي عليه السلام أنه قنت في الوتر قبل الركوع؟

قلت: نعم، فقال الدارقطني (7): ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا علي بن خشرم، ثنا عيسى بن يونس، عن فطر عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله عليه السلام يوتر بثلاث:

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 96 رقم 6903) ولكن عن عبد الله.

(2)

في "الأصل، ك "عليًّا"، وهو سبق قلم من المؤلف رحمه الله، والمثبث من "المصنف".

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 96 رقم 6909).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 96 رقم 6910).

(5)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 97 رقم 6911).

(6)

"صحيح ابن خزيمة"(2/ 153 رقم 1097).

(7)

"سنن الدارقطني"(2/ 31 رقم 2).

ص: 390

بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (1)، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (2)، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (3)، ويقنت قبل الركوع، فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته، في الأخيرة يقول: رب الملائكة والروح".

ثنا (4) الحسن بن يحيى بن عياش، ثنا الحسن بن محمَّد الزعفراني، ثنا يزيد بن هارون، أنا أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله رضي الله عنه قال:"بت مع رسول الله عليه السلام لأنظر كيف يقنت في وتره؟ فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي أم عبد، فقلت: بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت في وتره؟ فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع". ثم قال الدارقطني: أبان متروك.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(5): عن يزيد بن هارون، عن أبان

إلى آخره، نحوه.

وقال الدارقطني (6): ثنا عبد الصمد بن علي، ثنا عبد الله بن غنام، ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يونس بن بكير، ثنا عمرو بن شمر، عن سلام، عن سويد بن غفلة قال:"سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم يقولون: قنت رسول الله عليه السلام في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك".

وقال ابن ماجه (7): ثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زُبَيْد اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب:"أن رسول الله عليه السلام كان يوتر فيقنت قبل الركوع".

(1) سورة الأعلى، آية:[1].

(2)

سورة الكافرون، آية:[1].

(3)

سورة الإخلاص، آية:[1].

(4)

"سنن الدارقطني"(2/ 31 رقم 4).

(5)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 97 رقم 6912).

(6)

"سنن الدارقطني"(2/ 32 رقم 6).

(7)

"سنن ابن ماجه"(1/ 374 رقم 1182).

ص: 391

قلت: هذا سند صحيح، وسيجيء مزيد الكلام فيه في بابه إن شاء الله تعالى.

قوله: "وعند خاص منهم" أي وعند قوم مخصوصين من الفقهاء: القنوت في ليلة النصف من شهر رمضان خاصة، وأراد بهم: الشافعي، ومالكا في رواية ابن نافع عنه، وأحمد في وجه، وقال الترمذي: وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أنه كان لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع". وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي وأحمد.

وفي "الروضة" للنووي: ولنا وجه يقنت في جميع شهر رمضان، ووجه أنه يقنت في جميع السنة، والصحيح اختصاص النصف الأخير من رمضان، وهو نص الشافعي رحمه الله.

وفي "الجواهر" للمالكية: والمشهور أنه لا يقنت في النصف الأخير من رمضان، وهو قول ابن القاسم.

وفي "الحاوي" في فقه أحمد: وأقله أي أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، يسلم في كل ركعتين، ويوتر بركعة، وإن سرد عشرًا وجلس ثم أوتر بالأخيرة وتحيَّا وسلم صح مع ترك السنة، وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين أو سردًا بسلام كالمغرب، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة "سبح"، وفي الثانية "الكافرون"، وفي الثالثة "الإخلاص" يقنت فيها بعد الركوع، ويجوز قبله، ويرفع يديه ويقول: اللهم إنا نستعينك

إلى آخره.

ص: 392