الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحسين قال حدثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس:(الر) و (حم) و (نون) حروف "الرَّحمن" مقطعةً.
17521-
حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عيسى بن عبيد عن الحسين بن عثمان قال: ذكر سالم بن عبد الله: (الر) و (حم) و (نون)، فقال: اسم "الرحمن" مقطع = ثم قال: "الرحمن".
17522-
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا مندل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال:(الر) و (حم) و (نون) ، هو اسم "الرحمن".
17523-
حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر: أنه سئل عن: (الر) و (حم) و (ص)، قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسمًا من أسماء الله تعالى.
* * *
وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن.
*ذكر من قال ذلك:
17524-
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(الر) ، اسم من أسماء القرآن.
* * *
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اختلاف الناس، وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أول "سورة البقرة"، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (1)
وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدرَ الذي ذكرنا، لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا، قوله في (الم) ، فأما
(1) انظر ما سلف 1: 205 - 224.
الذين وفَّقوا بيْن معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك، مكتفًي عن الإعادة ههنا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) }
قال أبو جعفر: اختلف في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تلك آيات التوراة.
* ذكر من قال ذلك:
17525-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد:(تلك آيات الكتاب الحكيم)، قال: التوراة والإنجيل.
17526-
. . . . قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة:(تلك آيات الكتاب)، قال: الكُتُب التي كانت قبل القرآن.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوّله:"هذه آيات القرآن"، ووجّه معنى (تلك) إلى معنى "هذه"، وقد بينا وجه توجيه (تلك) إلى هذا المعنى في "سورة البقرة"، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
و (الآيات) ، الأعلام= و (الكتاب) ، اسم من أسماء القرآن، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل. (3)
* * *
(1) في المطبوعة: " ومكتفيًا "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.
(2)
انظر ما سلف 1: 225 - 228.
(3)
انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أي) .
وتفسير " الكتاب " فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .
وإنما قلنا: هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر.
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن، هذه آيات القرآن الحكيم.
* * *
ومعنى (الحكيم) ، في هذا الموضع، "المحكم"، صرف "مُفْعَل" إلى "فعيل"، كما قيل:(عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، بمعنى مؤلم، (1) وكما قال الشاعر:
(2)
*أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ* (3)
وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب. (4)
فمعناه إذًا: تلك آيات الكتاب المحكم، الذي أحكمه الله وبينه لعباده، كما قال جل ثناؤه:(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)[سورة هود: 1]
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقابَ الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أنَّ الله قد أوحى
(1) انظر تفسير " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .
(2)
هو عمرو بن معديكرب الزبيدي.
(3)
مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1: 283.
(4)
انظر ما سلف 1: 283، 284، وغيره من المواضع في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها.
من قبله إلى مثله من البشر، فتعجَّبوا من وحينا إليه. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17527-
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد! فأنزل الله تعالى: (أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم)، وقال:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا)[سورة يوسف: 109] .
17528-
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)[سورة الأعراف: 65] ، (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا)، [سورة الأعراف: 73] ، قال الله:(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ)، [سورة الأعراف: 69] .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أما كان عجبًا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله:(أن لهم قدم صدق) ، عطفٌ على (أنذر) .
(1) انظر تفسير " الوحي " و " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) ، (نذر) .
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (قدم صدق)، فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال.
* ذكر من قال ذلك:
17529-
حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:(أن لهم قدم صدق عند ربهم)، قال: ثواب صِدق.
17530-
. . . . قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد:(أن لهم قدم صدق عند ربهم)، قال: الأعمال الصالحة.
17531-
حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله:(وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)، يقول: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم.
17532-
حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد:(أن لهم قدم صدق عند ربهم)، قال: صلاتهم وصومهم، وصدقتُهم، وتسبيحُهم. (1)
17533-
حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(قدم صدق)، قال: خير.
17534-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(قدم صدق) ، مثله.
17535-
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج،
(1) الأثر: 17532 - " زيد بن حباب التميمي "، مضى مرارًا، آخرها رقم:11490. وكان في المطبوعة: " يزيد بن حبان "، لم يحسن قراءة المخطوطة، فتصرف أسوأ التصرف.
و" إبراهيم بن يزيد الخوزي "، ضعيف، مضى مرارًا، آخرها رقم:17313.
و" الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، ثقة، مضى برقم: 16259، 17313.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: " الوليد بن عبد الله، عن أبي مغيث "، وهو خطأ محض.
عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17536-
. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال:(قدم صدق) ، ثواب صدق = (عند ربهم) .
17537-
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
17538-
حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق)، قال:"القدم الصدق"، ثواب الصّدق بما قدّموا من الأعمال.
* * *
وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة.
* ذكر من قال ذلك:
17539-
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح عن علي، عن ابن عباس قوله:(وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)، يقول: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأَوّل.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق.
* ذكر من قال ذلك:
17540-
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة = أو الحسن =:(أن لهم قدم صدق عند ربهم)، قال: محمدٌ شفيعٌ لهم. (1)
17541-
حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة،
(1) الأثر: 17540 - " فضيل بن عمرو بن الجون "، لم أجد له ترجمة. ولا أدري أهو " فضيل بن عمرو الفقيمي "، أو غيره! .
قوله: (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) : أي سلَفَ صدقٍ عند ربهم.
17542-
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله:(أن لهم قدم صدق عند ربهم)، قال: محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثوابَ.
* * *
وذلك أنه محكيٌّ عن العرب: "هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام" أي هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال:"له عندي قدم صِدْق، وقدم سوء"، وذلك ما قدَّم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت:
لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَحَلْفُنَا
…
لأَوّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ (1)
وقول ذي الرمة:
لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا
…
مَعَ الحَسَبِ العَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى البَحْرِ (2)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وبشر الذين آمنوا أنّ لهم تقدِمة خير من الأعمال الصالحة عند ربِّهم.
* * *
(1) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 13: 209، وروايته هناك:" لنا القدم الأولى ".
(2)
ديوانه 272، من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، يقول بعده: خِلَالَ النَّبِيِّ المُصْطَفَى عِنْدَ رَبِّهِ
…
وَعُثْمَانَ وَالفَارُوقِ بَعْدَ أَبِي بَكْرِ
ورواية ديوانه: " طمت على الفخر ".
القول في تأويل قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
(20) }
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (وشروه) به: وباع إخوة يوسف يوسف.
* * *
= فأما إذا أراد الخبر عن أنه ابتاعه، قال:"اشتريته"، (1) ومنه قول ابن مفرّغ الحميري:
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي
…
مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كنْتُ هَامَهْ (2)
يقول:"بعت بردًا"، وهو عبدٌ كان له.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
18899 -
حدثني يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن
(1) انظر تفسير" الشراء" فيما سلف 14: 150، تعليق: 4، والمراجع هناك.
(2)
مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 2: 341، تعليق: 3، والمراجع هناك.
مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أنه كره الشراء والبيع للبدويّ. قال: والعرب تقول:"اشر لي كذا وكذا"، أي: بع لي كذا وكذا = وتلا هذه الآية (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) يقول: باعوه، وكان بيعه حرامًا.
18900 -
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إخوة يوسف أحد عشر رجلا باعوه حين أخرجَه المدلي بدلوه.
18901 -
حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.
18902 -
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد
18903 -
وحدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
18904 -
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
18905 -
.... قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج (وشروه) قال: قال ابن عباس: فبيع بينهم.
18906 -
حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله:(وشروه بثمن بخس) قال: باعوه.
18907 -
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
18908 -
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: فباعه إخوته بثمن بخس.
* * *
وقال آخرون: بل عني بقوله: (وشروه بثمن بخس) السيارةَ أنهم باعوا يوسف بثمن بخس.
* ذكر من قال ذلك:
18909 -
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(وشروه بثمن بخس) وهم السيارة الذين باعوه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: تأويل ذلك: وشَرى إخوةُ يوسف يوسف بثمن بخس (1) وذلك أن الله عز وجل قد أخبر عن الذين اشتروه أنهم أسرُّوا شراء يوسف من أصحابهم، خيفة أن يستشركوهم، بادّعائهم أنَّه بضاعة. ولم يقولوا ذلك إلا رغبة فيه أن يخلُص لهم دونهم، واسترخاصًا لثمنه الذي ابتاعوه به، لأنهم ابتاعوه كما قال جل ثناؤه (بثمن بخس) . ولو كان مبتاعوه من إخوته فيه من الزاهدين، لم يكن لقيلهم لرفقائهم:"هو بضاعة"، معنى = ولا كان لشرائهم إياه، وهم فيه من الزاهدين وجهٌ، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم ; لأنه محال أن يشتري صحيح العقل ما هو فيه زاهدٌ من غير إكراهِ مكرِهٍ له عليه، ثم يكذب في أمرِه الناس بأن يقول:"هو بضاعة لم أشتره"، مع زهده فيه. بل هذا القولُ من قول من هو بسلعته ضنينٌ لنفاستها عنده، ولما يرجُو من نفيس الثَّمن لها وفضلِ الربح.
* * *
وأما قوله: (بخس) فإنه يعني: نَقْص.
* * *
وهو مصدر من قول القائل:"بخست فلانًا حقه": إذا ظلمته، يعني: ظلمه فنقصه عما يجبُ له من الوفاء:"أبخَسُه بَخْسًا"، ومنه قوله:
(1) في المطبوعة:" وشروا أخوة يوسف. يوسف"، وهو فاسد، صوابه من المخطوطة.
(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)[سورة هود: 85]، وإنما أريد: بثمن مبخوس منقوصٍ، فوضع"البخس" وهو مصدر مكان"مفعول"، كما قيل:: (بدم كذب) وإنما هو"بدم مكذوب فيه"(1) .
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: قيل (بثمن بخس) لأنه كان حرامًا عليهم.
* ذكر من قال ذلك:
18910 -
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر عن الضحاك:(وشروه بثمن بخس) قال:"البخس": الحرام.
(1) انظر تفسير" البخس" فيما سلف 15: 262، تعليق: 4، والمراجع هناك.
18911 -
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن جويبر، عن الضحاك:: (وشروه بثمن بخس)، قال: حرام. (1)
18912 -
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: كان ثمنه بخسًا، حرامًا، لم يحلّ لهم أن يأكلوه.
18913 -
حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله:(وشروه بثمن بخس) قال: باعوه بثمن بخس، قال: كان بيعه حرامًا وشراؤه حرامًا.
18914 -
حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك:(بثمن بخس) قال: حرام.
18915 -
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:(بثمن بخس) يقول: لم يحلّ لهم أن يأكلوا ثمنَه.
* * *
وقال آخرون: معنى البخس هنا: الظلم.
* ذكر من قال ذلك:
18916 -
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:(وشروه بثمن بخس) قال": البخس": هو الظلم. وكان بيع يوسف وثمنه حرامًا عليهم
18917 -
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال قتادة: (وشروه بثمن بخس) قال: ظلم.
* * *
وقال آخرون: عني بالبخس في هذا الموضع: القليل (2) .
* ذكر من قال ذلك:
18918 -
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن جابر، عن عكرمة، قال:"البخس": القليل.
18919 -
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن عكرمة، مثله.
* * *
قال أبو جعفر: وقد بينا الصحيح من القول في ذلك.
* * *
وأما قوله (دراهم معدودة) ، (3) فإنه يعني عز وجل أنهم باعوه بدراهم غير
(1) الأثر: 18911 - في المطبوعة، أسقط سطرًا كاملًا من المخطوطة، فساق الخبرين رقم: 18911، 18912، سياقًا واحدًا هكذا:"..... على بن عاصم، عن الحسين بن الفرج"، ورددته إلى أصله من المخطوطة.
(2)
في المخطوطة أسقط" القليل"، والصواب إثباتها كما فعل ناشر المطبوعة.
(3)
انظر تفسير" معدودة" فيما سلف من فهارس اللغة (عدد) .
موزونة، ناقصة غير وافية، لزهدهم كان فيه.
* * *
وقيل: إنما قيل"معدودة" ليعلم بذلك أنها كانت أقلّ من الأربعين، لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقلّ من أربعين درهمًا، لأن أقل أوزانهم وأصغرها كان الأوقية، وكان وزن الأوقية أربعين درهمًا. قالوا: إنما دلَّ بقوله: (معدودة) على قلة الدراهم التي باعُوه بها.
* * *
فقال بعضهم: كان عشرين درهمًا.
* ذكر من قال ذلك:
18920 -
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: إن ما اشتري به يوسف عشرون درهمًا.
18921 -
حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله:(وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) قال: عشرون درهمًا.
18922 -
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف البكالي، في قوله:(وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) قال: عشرون درهمًا.
18923 -
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي = عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشاميّ:"بخس دراهم" قال: كانت عشرين درهمًا. (1)
(1) الأثر: 18923 -" نوف الشامي"، هو نفسه" نوف بن فضالة البكالي"، وقد سلف مرارًا. وقد غيره في المطبوعة، وكتب" نوف البكالي".
18924 -
حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن نوف، مثله.
18925 -
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله:(بثمن بخس دراهم معدودة) قال: عشرون درهمًا.
18926 -
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي:(دراهم معدودة) قال: كانت عشرين درهمًا.
18927 -
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنه بيع بعشرين درهمًا = (وكانوا فيه من الزاهدين) .
18928 -
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
18929 -
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي إدريس، عن عطية، قال: كانت الدراهم عشرين درهمًا، اقتسموها درهمين درهمين.
* * *
وقال آخرون: بل كان عددها اثنين وعشرين درهمًا، أخذ كل واحد من إخوة يوسف، وهم أحد عشر رجلا درهمين درهمين منها.
* ذكر من قال ذلك:
18930 -
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أسباط، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(دراهم معدودة) قال: اثنين وعشرين درهمًا.
18931 -
حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله:(دراهم معدودة) قال:
اثنان وعشرون درهمًا لإخوة يوسف، [وكان إخوة] أحد عشر رجلا. (1)
18932 -
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله:(دراهم معدودة) =
18933 -
.... قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
18934 -
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
* * *
وقال آخرون: بل كانت أربعين درهمًا.
* ذكر من قال ذلك:
18935 -
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا قيس، عن جابر، عن عكرمة:(دراهم معدودة) قال: أربعين درهمًا.
18936 -
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: باعوه ولم يبلغ ثمنه الذي باعوه به أوقية، وذلك أن الناس كانوا يتبايعون في ذلك الزمان بالأواقي، فما قصَّر عن الأوقية فهو عَدد ; يقول الله:(وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) أي لم يبلغ الأوقية.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعُوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدَّ مبلغَ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد يحتمل أن يكون كان عشرين = ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين = وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر، وأيُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودة
(1) هذه زيادة لا بد منها، وسقطت من الناسخ، لأنه كان أسقط صدر الخبر، ثم كتبه في الهامش، فلعله نسي بعضه.
غير موزونة ; وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه. والإيمان بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عَداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمه. (1)
* * *
وقوله: (وكانوا فيه من الزاهدين) يقول تعالى ذكره: وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين، لا يعلمون كرامته على الله، ولا يعرفون منزلته عنده، فهم مع ذلك يحبّون أن يحولوا بينه وبين والده، ليخلو لهم وجهه منه، ويقطعوه عن القرب منه، لتكون المنافع التي كانت مصروفة إلى يوسف دونهم، مصروفةً إليهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
18937 -
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك:(وكانوا فيه من الزاهدين) قال: لم يعلموا بنبوّته ومنزلته من الله.
18938 -
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله:(وجاءت سيارة) فنزلت على الجب، (فأرسلوا واردهم) فاستقى من الماء فاستخرج يوسف، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلامًا لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا فيه، فباعوه. وكان بيعه حرامًا، وباعوه بدراهم معدودة.
18939 -
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني هشيم، قال:
(1) هذا من موازين أبي جعفر، التي فرق ذكرها في كتابه، ولم يذكرها عند كل موضع.
وهي الحكم بينه وبين من يزعمونه ذهب في تفسيره مذهب الاعتقاد لكثير مما أورده، مما لم تأت به بينة صحيحة من خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حجة عقل يجب التسليم لها.