الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ
(88) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال موسى يا ربَّنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم (1) = وهم "الملأ" = "زينة"، من متاع الدنيا وأثاثها (2) = (وأموالا) من أعيان الذهب والفضة = (في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك)، يقول موسى لربه: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلُّوا عن سبيلك.
* * *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)، بمعنى: ليضلوا الناسَ، عن سبيلك، ويصدّوهم عن دينك.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: (لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)، بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك، فيجورُوا عن طريق الهدى. (3)
* * *
فإن قال قائل: أفكان الله جل ثناؤه، أعطَى فرعون وقومه، ما أعطاهم من زينة الدنيا وأموالها، ليضلوا الناس عن دينه = أو ليضلُّوا هم عنه=؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك، (4) فلا عتب عليهم في ذلك؟
(1) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: 166، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(2)
انظر تفسير " الزينة " فيما سلف 12: 389.
(3)
انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء 1: 477.
(4)
في المطبوعة: " ما أعطاه لأجله "، وأثبت ما في المخطوطة.
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت. (1)
وقد اختلف أهل العلم بالعربية في معنى هذه "اللام" التي في قوله: (ليضلوا) .
فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فَضَلوا عن سبيلك، كما قال:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، [سورة القصص: 8] ، أي فكان لهم = وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وإنما التقطوه فكان لهم. قال: فهذه "اللام" تجيء في هذا المعنى. (2)
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: هذه "اللام"، "لام كي" (3) = ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم، كي يضلوا = ثم دعا عليهم.
* * *
وقال آخر: هذه اللامات في قوله: (ليضلوا) و (ليكون لهم عدوًا)، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضَلالهم = والتقطوه لكونه = لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل "لام كي"، في معنى "لام الخفض"، و"لام الخفض" في معنى "لام كي"، لتقارب المعنى، قال الله تعالى:(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ)(4)[سورة التوبة: 95] أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر:(5)
سَمَوْتَ وَلَمْ تَكُنْ أَهْلا لِتَسْمُو
…
وَلَكِنَّ المُضَيِّعَ قَدْ يُصَابُ
قال: وإنما يقال: "وما كنت أهلا للفعل"، ولا يقال "لتفعل" إلا قليلا. قال: وهذا منه.
* * *
(1) في المخطوطة، أسقط الناسخ فكتب:" فلا عتب عليهم في ذلك بخلاف ما توهمت "، وقد أصاب ناشر المطبوعة فيما استظهره من السياق.
(2)
أي معنى العاقبة والمآل.
(3)
هو الفراء في معاني القرآن 1: 477.
(4)
في المطبوعة والمخطوطة: " يحلفون بالله " بغير السين، وهذا حق التلاوة.
(5)
لم أعرف قائله.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنها "لام كي" = ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادَك، عقوبة منك. وهذا كما قال جل ثناؤه:(لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)، [سورة الجن: 16-17] .
* * *
وقوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) ، هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها، وذلك نحو قوله:(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا)، [سورة النساء: 47] . يعني به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها.
* * *
= يقال منه: "طَمَسْت عينَه أَطْمِسْها وأطمُسُها طَمْسًا وطُمُوسا". وقد تستعمل العرب "الطمس" في العفوّ والدثور، وفي الاندقاق والدروس، (1) كما قال كعب بن زهير:
مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ
…
عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُول (2)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع. فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا.
*ذكر من قال ذلك:
17820-
حدثني زكريا بن يحيى بن زائدة قال، حدثنا حجاج قال، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: بلغنا عن القرظي في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم)، قال: اجعل سُكّرهم حجارة. (3)
17821-
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن
(1) انظر تفسير " الطمس " فيما سلف 8: 444، 445.
(2)
سلف البيت وتخريجه وشرحه 4: 424 / 8: 444.
(3)
سقط من الترقيم سهوًا، رقم:17819.
ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي قال: اجعل سكرهم حجارة.
17822-
حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:(اطمس على أموالهم) قال: اجعلها حجارة.
17823-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس في قوله:(اطمس على أموالهم)، قال: صارت حجارة.
17824-
حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:(ربنا اطمس على أموالهم)، قال: بلغنا أن زروعهم تحوَّلت حجارة.
17825-
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(ربنا اطمس على أموالهم)، قال: بلغنا أن حَرْثًا لهم صارت حجارة. (1)
17826-
حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان:(ربنا اطمس على أموالهم)، قال: يقولون: صارت حجارة.
17827-
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق. قال: حدثنا يحيى الحماني قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل عن أبي صالح في قوله:(ربنا اطمس على أموالهم)، قال: صارت حجارة.
17828-
حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:(ربنا اطمس على أموالهم)، قال: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.
17829-
حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ربنا اطمس على
(1) في المطبوعة: " حروثًا "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضًا.
أموالهم) ، قال: جعلها الله حجارةً منقوشة على هيئة ما كانت.
17830-
حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم)، قال: قد فعل ذلك، وقد أصابهم ذلك، طمَس على أموالهم، فصارت حجارةً، ذهبهم ودراهمهم وعَدَسهم، وكلُّ شيء.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أهلكها.
*ذكر من قال ذلك:
17831-
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:(ربنا اطمس على أموالهم)، قال: أهلكها.
17832-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17833-
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17834-
حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:(ربنا اطمس على أموالهم)، يقول: دمِّر عليهم وأهلك أموالهم.
* * *
وأما قوله: (واشدد على قلوبهم)، فإنه يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح بالإيمان، كما:-
17835-
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: وقال موسى قبل أن يأتي فرعون: "ربنَا اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم"، فاستجاب الله له، وحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان.
17836-
حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي
قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:(واشدد على قلوبهم)، يقول: واطبع على قلوبهم = (حتى يروا العذاب الأليم) ، وهو الغرق.
17837-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(واشدد على قلوبهم) ، بالضلالة.
17838-
. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(واشدد على قلوبهم)، قال: بالضلالة.
17839-
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17840-
حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:(واشدد على قلوبهم)، يقول: أهلكهم كفارًا.
* * *
وأما قوله: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)، فإن معناه: فلا يصدقوا بتوحيد الله ويقرُّوا بوحدانيته، حتى يروا العذاب الموجع، (1) كما:-
17841-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:(فلا يؤمنوا) ، بالله فيما يرون من الآيات = (حتى يروا العذابَ الأليم) .
17842-
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17843-
. .. . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17844-
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج،
(1) انظر تفسير " الأليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .
عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17845-
حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال: سمعت المنقري يقول: (فلا يؤمنوا)، يقول: دعا عليهم. (1)
* * *
واختلف أهل العربية في موضع: (يؤمنوا) .
فقال بعض نحويي البصرة: هو نصبٌ، لأن جواب الأمر بالفاء، أو يكون دُعاء عليهم إذ عصوا. وقد حكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصبٌ، عطفًا على قوله:(ليضلوا عن سبيلك) .
* * *
وقال آخر منهم، (2) وهو قول نحويي الكوفة: موضعه جزمٌ، على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر:(3)
فَلا يَنْبَسِطْ مِنْ بَيْن عَيْنَيْكَ مَا انزوَى
…
وَلا تَلْقَنِي إِلا وَأَنْفُكَ رَاغِمُ (4)
بمعنى: "فلا انبسط من بين عينيك ما انزوى"، "ولا لقيتني"، على الدعاء.
* * *
(1) الأثر: 17845 - "المنقري "، هكذا في المطبوعة. وفي المخطوطة:" المعري " غير منقوطة، وقد أعياني أن أعرف من يعني.
(2)
هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 281.
(3)
هو الأعشى.
(4)
ديوانه: 58، من قصيدته في هجاء يزيد بن مسهر الشيباني، يقول له: فَهَانَ عَلَيْنَا مَا يَقُولُ ابْنُ مُسْهرٍ
…
بِرَغْمِكَ إذْ حَلّتْ عَلَيْنَا اللَّهَازِمُ
يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي، كَأَنَّمَا
…
زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَلَى المَحَاجِمُ
فَلَا يَنبَسِطْ. . . . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأقسم بالله الذي أنا أعبده
…
لتصطفقن يوما عليك المآتم
.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا. قال: وإن شئت جعلتها جوابًا لمسألته إياه، لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل:(فلا يؤمنوا) ، في موضع نصب على الجواب، وليس يسهل. قال: ويكون كقول الشاعر: (1)
يَا نَاقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا
…
إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَريحَا (2)
قال: وليس الجواب يسهلُ في الدعاء، لأنه ليس بشرط. (3)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا = وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاءٌ، وذلك قوله:(ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)، فإلحاق قوله:(فلا يؤمنوا) ، إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.
* * *
وأما قوله: (حتى يروا العذاب الأليم)، فإنّ ابن عباس كان يقول: معناه: حتى يروا الغرق = وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك من بعض وجوهها فيما مضى. (4)
17846-
حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس:(فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)، قال: الغرق.
* * *
(1) هو أبو النجم.
(2)
سيبويه 1: 421، معاني القرآن للفراء 1: 478، وغيرهما. وسيأتي في التفسير 13: 159 (بولاق) . من أرجوزة له في سليمان بن عبد الملك، لم أجدها مجموعة في مكان. و "العنق "، ضرب من السير. و" الفسيح " الواسع البليغ.
(3)
هذا الذي سلف نص كلام الفراء في معاني القرآن 1: 477، 478.
(4)
انظر ما سلف رقم: 18735، 18736.