الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع عشر التفسير بالمأثور
يعتبر التفسير بالمأثور (أو النقلي كما يسميه بعض العلماء) أول اتجاهات التفسير وجودا، وأسلمها في التعامل مع كتاب الله تعالى ونتناول هذا الاتجاه في عدة نقاط:
الأولي: ما هو التفسير بالمأثور؟:
التفسير بالمأثور: هو تفسير القرآن بالقرآن، حيث ما أجمل منه في موضع قد يفسر في موضع أخر، وكذلك الأقوال الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السّنّة، وأقوال الصحابة الذين عاصروا نزول الوحي، وشاهدوا أسباب النزول، فكانوا أعلم المسلمين بتفسيره، وأقوال التابعين باعتبارهم عايشوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستقوا من علومهم - على الراجح من أقوال أهل العلم (1).
الثانية: مصادر التفسير بالمأثور: ثلاثة مصادر:
[1]
القرآن الكريم وقراءاته المتواترة: وحيث أن ما أجمل في موضع قد فصل في موضع آخر، وما جاء في آيات القرآن مطلقا قيد في أخرى ولهذا كان لا بدّ لمن يتعرض لتفسير القرآن أن ينظر في آيات القرآن كما ذكرنا في أحسن طريقة للتفسير، وهذا ما نجده في كتب التفسير بالمأثور كابن كثير، يورد الآية ثم يقول ومن هذا المعنى قوله تعالى كذا
…
وكذلك النظر في القراءات القرآنية فهي من القرآن، فيجوز أن يفسّر القرآن بها.
[1]
السنّة النبوية: فقد كان الصحابة يرجعون إلي النبي صلى الله عليه وسلم في فهم
(1) انظر: د/ محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 154.
القرآن، ومن خلال هذا الرجوع تكون رصيد عظيم في تفسير القرآن من كلام من قيل له: وأَنْزَلْنا إِلَيْك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ (44)[النحل: 44].
[3]
تفسير الصحابة: فهم الجيل الذي لم يشهد التاريخ له مثيلا في علمهم وإيمانهم وإدراكهم لأمور الحياة بنظرة واسعة، مع ما كانوا يتمتعون به من الفصاحة والمعرفة بأساليب القرآن .. ويلحق بهذا المصدر تفسير التابعين، فمن التابعين من تلقي التفسير كله عن الصحابة، كما قال مجاهد:(عرضت القرآن على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا كان يعتمد على تفسيره كثير من أهل العلم كالشافعي والبخاري وغيرهم)(1).
الثالثة: قيمة التفسير بالمأثور:
يمثّل التفسير بالمأثور قيمة علمية هامة تعتبر الأساس في فهم الوحي المبارك، فبرغم مرور الأيام تجد أشياء في فهم القرآن ليس للتفسير المأثور فيها قول واضح إلا أنه دائما يستأنس بالأقوال المأثورة فيما يتوصل إليه حسب ضوابط الاجتهاد في فهم القرآن.
وربما وجد من التفسير العلمي لبعض آيات القرآن الكريم ما يعضّد من التفسير المأثور تعضيدا واضحا، ومثال ذلك عند ما قرر الأطباء أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر رجعوا إلي التفسير المأثور فوجدوا الصحابة قد درسوا المسألة، ربما ليس من زاوية طبية فأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما القول بهذا (2).
فالتفسير بالمأثور بمثابة ركيزة أساسية ورصيد ذاخر لكل من يريد التعرض لتفسير كتاب الله عز وجل.
(1) ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير ص 181 من المجلد الثالث عشر من الفتاوي.
(2)
انظر تفسير ابن كثير 6/ 214.
ويكفي في بيان قيمة التفسير بالمأثور إطباق أهل العلم ذوي البصر الثاقب، على أنه يبدأ به في التفسير، ونقل هذا عند أعلام الأمة مثل شيخ المفسرين الطبري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام القرطبي وابن كثير .. وغيرهم.
الرابعة: قضية الإسرائيليات في التفسير بالمأثور:
الإسرائيليات: هي تلك الأخبار التي تروي عن بني إسرائيل يهودا أو نصاري وقد دخلت الإسرائيليات في روايات التفسير المأثورة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وذلك نظرا لما بين القرآن من اتفاق مع التوراة والإنجيل في بعض المسائل، فكان بعض الصحابة إذ مر بآية من قصص القرآن ربما وجد في نفسه ميلا إلي أن يسأل عن بعض ما طواه القرآن ولم يتعرض له من القصة، فلا يجد من يجيبه على سؤاله سوي هؤلاء النفر الذين دخلوا في الإسلام من أهل الكتاب وحملوا ما معهم من ثقافة دينية.
غير أن الصحابة لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء، ولم يقبلوا منهم كل شيء، بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحا لقصة أو بيانا لبعض ما أجمل في القرآن، مع توقّفهم فيما يلقي إليهم، فلا يحكمون عليه بصدق أو بكذب ما دام يحتمل كلا الأمرين، امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: أمنا بالله وما أنزل إلينا» (1).
كما أنهم لم يسألوهم عن شيء مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام، إلا أن يكون على جهة الاستشهاد والتقوية لما جاء به القرآن، كما أنهم لم يكونوا يسألون عن الأشياء التي يشبه السؤال عنها أن يكون من اللهو والعبث، كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف، أو مقدار سفينة نوح، واسم الغلام الذي قتلة الخضر
…
ونحو ذلك، بل كانوا يعدون ذلك قبيحا من قبيل تضييع الأوقات (2).
(1) التفسير والمفسرون/ 1691، 170 والحديث عند البخاري: ك التفسير.
(2)
السابق 1/ 170 بتصرف.
كذلك كان الصحابة لا يصدقون أهل الكتاب فيما يخالف الشريعة الإسلامية أو يتنافي مع العقيدة، وإذا سألوا أهل الكتاب عن شيء فأجابوا عنه خطأ ردّوا عليهم خطأهم، فقد ذكر القسطلاني عند تعليقه على حديث:(إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه) أن أبا هريرة سأل كعب الأحبار عن ذلك، فقال كعب هي في جمعة واحدة من السنة فردّ عليه أبو هريرة وبيّن له أنها في كل جمعة فرجع كعب إلي التوراة فوجد الصواب مع أبي هريرة (1).
ومهما يكن من أمر فإن الصحابة لم يخرجوا عن حدّ الجواز الذي حدّه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحديث عن بني إسرائيل لما قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)(2).
ومحال أن يجيز لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم التحديث بالكذب، فيكون المعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه.
وما ورد عن - الإمام أحمد من حديث جابر - والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب لما جاء عمر بن الخطاب بصحيفة أصابها من أهل الكتاب وقال له: «أمتهوك فيها، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به .. والذي نفسي بيده لو أن موسي حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» فهو محمول على أن النهي عن التحديث عن بني إسرائيل كان قبل استقرار الأحكام والقواعد الدينية في الإسلام خشية الفتنة فلما زال المحذور وقع الإذن في ذلك (3).
(1) إرشاد الساري 2/ 190 بتصرف وإيجاز
(2)
البخاري: ك أحاديث الأنبياء، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل.
(3)
مسند الإمام أحمد 3/ 387 (الحديث بمعناه)، والتعليق من فتح الباري 13، 259.
هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلي أهل الكتاب وأخذهم عنهم، أما التابعون فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب، فكثرت في عهد هم الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك إلي كثرة من دخل في الإسلام من أهل الكتاب، ووجد في ذلك العهد من المفسرين من أرادوا أن يشبعوا ميل النفوس إلي سماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن، فأخذوا مرويات أحبار اليهود والنصاري وأدخلوها في تفاسيرهم، ومن أشهر من فعل ذلك مقاتل بن سليمان المتوفي سنة مائة وخمسين للهجرة والذي قال عنه أبو حاتم، إنه استقي علومه بالقرآن من اليهود والنصاري، ثم بعد عصر التابعين وجد من عظم شغفه بالإسرائيليات وأفرط في الأخذ منها إلي درجة جعلتهم لا يردون قولا، واستمر هذا الشغف بالإسرائيليات إلي أن جاء دور التدوين للتفسير فوجدت مرويات ضخمة من الإسرائيليات قد شحنت بها كتب المفسرين (1).
خطورة الإسرائيليات على الفكر الإسلامي:
وقد كان لهذه الإسرائيليات أثر سيّئ في التفسير، حيث إن الناظر في كتب التفسير التي شأنها الإكثار من الإسرائيليات يري القصص الخيالي والمبالغات العجيبة كالتي تقول: بأن عوج ابن أخت نوح عليه السلام كان مفرط الطول حتى إن مياه البحر تبلغه إلي ركبتيه وكان يصطاد الأسماك ويشويها على حر الشمس
…
وغير ذلك - فلا يكاد يقبل شيئا، وفضلا عن هذا فإن رواية الإسرائيليات المرفوعة بهذه الكثرة كانت على حساب الأخبار الصحيحة الواردة في التفسير، والفكر الإسلامي عموما، ذلك أن الناس بطبعهم عندهم نهم إلي المعرفة فإذا أشبع هذا النّهم بالخرافات والمرويات الباطلة قلّت درجة نهمهم إلي المرويات الصحيحة الثابتة، وللأسف فإن الأخبار الإسرائيلية كثيرا ما تستهوي جهلة الوعاظ وتستريح إليها أنفس العوام، وربما كان فيها ما يتعارض مع الدين،
(1) انظر: التفسير والمفسرون 1/ 174 - 176.
فمثلا الأخبار الإسرائيلية الواردة في تفسير قصة مرض نبي الله أيوب وما يدعي من أن الدود ملأ جسده فكان إذا تساقط عنه أخذه بيده وأعاده إلي جسده وهذا يتنافي مع ما هو مقرر من أن الأنبياء لا يجوز في حقهم الأمراض المنفرة، ومثل ذلك الأخبار الواردة في تفسير قصة الخصومة التي فصل فيها داود بين الخلطاء، وقصة فتن سليمان
…
وغير ذلك.
موقف العلماء من الإسرائيليات:
وقد تصدي جهابذة أهل العلم للإسرائيليات، وكشفوا زيفها وتلخص موقفهم في تقسيمها إلي ثلاثة أنواع (1):
[1]
إسرائيليات تعارض القرآن أو السنة أو كليهما معا، أو تعارض أصلا إسلاميا مقررا، وهذه ترد ولا يجوز قبول شيء منها.
[2]
إسرائيليات توافق القرآن، وهذا النوع لا حاجة لنا به، لأن عندنا ما يغنينا عنه، وإن أخذ المفسر منها شيئا فينبغي ألا يتوسع، وأن يكون على حذر وأن ينبه عليها.
[3]
إسرائيليات تخالف العقل، ويحكم العقل ببطلانها، مثل تفسير (ق) على أنها جبل محيط بجميع الأرض، أورده ابن كثير ثم قال:(وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأوا جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم)(2).
والمتصفح في كتب التفسير بالمأثور يلاحظ أن أغلب ما يروي فيها من إسرائيليات مداره على أربعة أشخاص هم:
[1]
عبد الله بن سلام.
(1) انظر: التفسير والمفسرون 1/ 179 - 181، بحوث في أصول التفسير ص 150 - 158.
(2)
تفسير ابن كثير 7/ 372.
[2]
كعب الأحبار.
[3]
وهب بن منبه.
[4]
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
وقد ذكرهم الشيخ الذهبي رحمه الله وأطال في تراجمهم وأقوال العلماء فيهم ودافع ورد بعض الطعون عنهم، فيما يستحق الرد، وبين أنه ليس كل ما ينسب إليهم صح عنهم، بل منه ما افتري عليهم، من قبل استغلال بعض الوضاعين لشخصياتهم وأسمائهم اللامعة
…
وأيا كان الأمر فإن على المفسر الحذر كل الحذر من قضية الإسرائيليات وخطرها السيئ على التفسير والفكر الإسلامي عموما (1).
الخامسة: نماذج لأشهر كتب التفسير بالمأثور:
[1]
جامع البيان في تأويل القرآن للإمام: محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة 310 هـ صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة من أهل طبرستان، كان أحد الأئمة الأعلام يحكم بقوله ويرجع إلي رأيه، لقّب بشيخ المفسرين، ويعتبر تفسيره من أقوم التفاسير وأعدلها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، قال عنه النووي:(أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري) وقال ابن تيمية: (وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي ..).
وابن جرير لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض
…
كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية مع توجيه الأدلة وذكر الراجح (2).
(1) التفسير والمفسرون 1/ 182 - 197.
(2)
السابق 1/ 2 - 206.
وقد التزم ابن جرير في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها - إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، لأنه كان يري كما هو مقرر في أصول الحديث أن من أسند إليك فقد حمّلك البحث عن رجال السند
…
فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة.
كذلك ينكر الطبري على أصحاب الرأي، ولا يزال يشدد على ضرورة الرجوع إلي العلم المنقول عن الصحابة والتابعين، ويري أن ذلك وحده هو علاقة التفسير الصحيح.
كما يلاحظ أن الطبري يكثر من رواية الإسرائيليات، ولكن كثيرا ما يتعقب هذه الروايات بالنقد والتمحيص.
كما أنه كان يعرض عن ذكر ما لا فائدة في تعيينه، فمثلا: عند الكلام على قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّك أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً [المائدة: 112](يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به المائدة ثم يعقب على هذا بقوله: (والصواب من القول فيما كان على المائدة أن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكا وخبزا، وجاز أن يكون ثمرا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقرت إلي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل).
كما اهتم ابن جرير في تفسيره بذكر القراءات المختلفة، ويردّ الشاذ منها، ولقد كان في عصره يعتبر من أبرز أئمة القراءات.
كما أنه كثيرا ما يحتكم في تفسيره إلي كلام العرب وأشعارهم، لأنه يعلم أن كلام العرب ودواوينها هي وعاء العربية الفياض فلا بد من الرجوع إليه في التفسير.
كما ظهر من خلال التفسير طول باع ابن جرير في علم العقيدة، ومعرفته
بآراء الفرق الكلامية المخالفة لأهل السنة، واشتد عليهم في كثير من المواطن، وقد أنكر على المؤولين لآيات الصفات إنكارا شديدا.
وبالجملة فتفسير الطبري يعتبر حصاد مدرسة ابن عباس، ومدرسة ابن مسعود، ومدرسة علي بن أبي طالب، ومدرسة أبي بن كعب، وغيرهم مما جعله حافلا جامعا، وإليه يرجع كل باحث في التفسير (1).
[2]
بحر العلوم: لأبي الليث السمرقندي الفقيه الحنفي صاحب التصانيف المعروفة، المتوفي سنة 373 هـ.
بدأه بفصل تكلم فيه عن أهمية التفسير وبيان فضله، واستشهد على ذلك بروايات عن السلف، رواها بأسانيد إليهم، ثم ركز على أنه لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن برأيه، واستدل على حرمة التفسير بالرأي بأقوال رواها عن السلف بإسناده إليهم.
ويلاحظ أن السمرقندي كانت صنعته في الأسانيد غير متينة، كما أنه إذا ذكر الأقوال لا يرجح كما فعل ابن جرير الطبري، وفيه كثير من الإسرائيليات التي تحتاج إلي نظر وتحقيق (2).
[3]
الكشف والبيان عن تفسير القرآن: لأبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، كان حافظا واعظا رأسا في التفسير، توفي في 427 هـ.
بدأ بمقدمة بيّن فيها مقدار الجهد الذي بذله منذ الصغر في الحرص على التفسير، وبيّن كذلك طوائف المفسرين وحذّر من المبتدعة منهم .. وعاب على الذين يقتصرون على الرواية دون الدراية والنقد.
كما أنه ذكر أسانيد من يروي عنهم في أول الكتاب، ولهذا لا يذكر الأسانيد في داخل الكتاب اكتفاء بذكرها في أوله، كما توسع في ذكر
(1) التفسير والمفسرون 1/ 206 - 218 بتصرف وإيجاز.
(2)
التفسير والمفسرون 1/ 219 - 220.
الإسرائيليات بدون تعقيب عليها أو تنبيه .. ويبدو أنه كان مولعا بالقصص حتى إنه يورد قصصا غاية في الغرابة، وله كتاب اسمه العرائس في قصص الأنبياء غاية في الغرابة أيضا.
وقد جرّ الثعلبي على نفسه بإكثاره من إيراد الإسرائيليات اللوم والنقد اللاذع من بعض العلماء، قال عنه ابن تيمية:(والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع ..).
وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة عند (الكلام عن الواحدي تلميذ الثعلبي ولم يكن له ولا لشيخه كبير بضاعة في الحديث بل في تفسيريهما أحاديث موضوعة وقصص باطلة) والعجب أن السمرقندي عاب كل التفاسير حتى تفسير الطبري.
[4]
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية الأندلس الغرناطي المتوفي 546 هـ:
ولقد أبدع ابن عطية وأحسن في هذا التفسير، حتى طار صيته، وصار أصدق شاهد لمؤلفه بإمامته في العربية وغيرها من النواحي، يذكر الآية ثم يفسرها بعبارة عذبة سهلة، ويورد من التفسير المأثور ويختار منه في غير إكثار، وينقل عن ابن جرير، ويناقش المنقول عنه أحيانا، كما يناقش ما ينقله عن غير ابن جرير ويرد عليه، وهو كثير الاستشهاد بالشعر العربي، معنيّ بالشواهد الأدبية، قال عنه ابن تيمية:(وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثا وأبعد عن البدع، وإن اشتمل عليه بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير ..)(1).
(1) التفسير والمفسرون 1/ 230 - 234.
[5]
تفسير القرآن العظيم: لابن كثير الدمشقي المتوفي 774 هـ:
ويعتبر تفسير ابن كثير في الدرجة الثانية بعد تفسير الطبري، اعتني فيه مؤلفه بكلام السلف في التفسير، قدم له بمقدمة مهمة في التفسير وأصوله، وطريقته فيه: أنه يورد الآية ثم يفسرها بآية إن وجد لها مفسرا ثم يتبع ذلك بإيراد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية، ويبيّن ما يحتج به وما لا يحتج به منها، ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف، كما نجد ابن كثير يرجح بعض الأقوال على بعض، ويضعف بعض الروايات ويصحح بعضها، ويعدل بعض الرواة ويجرح بعضا أخر، وهذا يرجع إلي ما كان عليه من التمكن من فنون الحديث وأحوال الرجال.
ومما يمتاز به ابن كثير أنه ينبه إلي ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذّر منها على وجه الإجمال تارة والبيان تارة. كما امتاز بدخوله في المناقشات الفقهية ويذكر أقوال العلماء ويرجح في المسائل مما جعل كتابه حافلا. وبالجملة فقد قال عنه السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: (إنه لم يؤلف على نمطه مثله)(1).
[6]
الدّر المنثور في التفسير المأثور/ للإمام جلال الدين السيوطي ت 911 هـ:
وكتاب الدر المنثور جامع لكثير من أقوال السلف في التفسير، حتى قال السيوطي إن فيه بضعة عشر ألف حديث ما بين مرفوع وموقوف
…
ويلاحظ أن السيوطي لم يتعرض لأي شيء لا لأحكام فقهية ولا قضايا حديثية ولا لغوية ولا بيانية، فقط هو يورد الآية ويسوق فيها الأحاديث تباعا بدون أي تعليق أو تدخل، ولا يضعّف ولا يصحّح ولا يجرّح ولا يعدّل .. أكثر من النقل عن
(1) المرجع السابق 1/ 234 - 235.
البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد وأبي داود وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وغيرهم ممن تقدمه، وهو رجل مغرم بالجمع وكثرة الرواية، ومع جلالة قدره ومعرفته بالحديث وعلله لم يتحر الصحة فيما جمع في هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح والعليل
…
ولكن مع ذلك يعتبر كتاب الدر المنثور هو الوحيد الذي اقتصر على التفسير بالمأثور فلم يخلط بالروايات شيئا من عمل الرأي كما فعل غيره (1).
[7]
الجواهر الحسان في تفسير القرآن: لعبد الرحمن بن محمد الثعالبي 876 هـ:
وهو عبارة عن تلخيص للمحرر الوجيز - تفسير ابن عطية - مع بعض الفوائد والزيادات، ومما يدل على ذلك قوله في أول الكتاب: (
…
فقد ضمنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية وزدته فوائد جمة من كتب الأئمة وثقات أعلام هذه الأمة حسبما رأيته أو رويته ..). وقال في أخره: (أودعته بحمد الله جزيلا من الدرر، وقد استوعبت بحمد الله مهمّات ابن عطية، وأسقطت كثيرا من التكرار .. وزدت من غيره جواهر ونفائس
…
).
والثعالبي يذكر الآثار والروايات بدون أن يذكر سنده إلي من يروي عنه ويعقّب على المرويات الإسرائيلية بما يفيد عدم صحتها، وجملة القول: فإنه كتاب مفيد جامع لخلاصات كتب مفيدة وليس فيه ما في غيره من الحشو المخل والاستطراد المملّ (2).
(1) التفسير والمفسرون، 1، 242، 245، بتصرف.
(2)
المرجع السابق، 1/ 238، 252، بتصرف.