الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
درجات المسؤولية
لو أمعنا النظر في بداية حياة البعثة:
دعوة سرية
ثم وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء 214] .
ثم فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: 94] .
هذا الترتيب يلمح إلى درجات المسؤولية المتعلقة بكل مسلم عامة، وأصحاب الدعوة خاصة. فأول درجات المسؤولية هي مسؤولية الشخص من نفسه ونلاحظها في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في امتداد فترة ابتداء الوحي، تلك المدة الطويلة التي علمناها، أي ريثما يطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه نبي مرسل، وأن ما ينزل عليه إنما هو وحي من الله، ويوطن نفسه لقبول كل ما سيتلقاه من مبادىء ونظم وأحكام.
وأما الدرجة الثانية فهي مسؤولية المسلم عن أهله ومن يلوذ به من ذوي قرباه، قال الله تعال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: 6] .
وأما الدرجة الثالثة، فهي مسؤولية العالم عن حيه أو بلدته، ومسؤولية الحاكم عن دولته وقومه، وكل منهما ينوب في ذلك مناب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دار الأرقم:
مقدمة
لما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة قابلت قريش دعوته بأساليب شتى، تتلخص فيما يأتي:
1-
السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب، والقصد منها: تخذيل المسلمين، وتوهين قوامهم المعنوية.
2-
تشويه تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، حول ذات النبي صلى الله عليه وسلم وشخصه وتعاليمه.
3-
معارضة القرآن بأساطير الأولين، ومحاولة إشغال الناس بها عن القرآن.
4-
مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق،
بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض ما هو عليه.
ولما رأى المشركون أن هذه الأساليب لا تجدي لهم نفعا في كف الدعوة الإسلامية، اجتمعوا وكونّوا لجنة أعضاؤها خمسة وعشرون رجلا، وبعد التشاور والتفكير اتخذت اللجنة قرارا حاسما:
أن لا تألوا جهدا في محاربة الإسلام، وفي إيذاء رسول الإسلام، وفي تعذيب الداخلين فيه.
فكان من الحكمة أن يكون للمسلمين مكان بعيد عن أعين المشركين يتعبدون فيه ربهم.
وكان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات أن يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن إعلان إسلامهم قولا أو فعلا، وأن لا يجتمع بهم إلا سرا؛ لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين يحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة، وربما بفضي ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل وقع ذلك فعلا في السنة الرابعة من النبوة، وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا فسال دمه، وكان أول دم أهريق في الإسلام «1» .
ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة الاختفاء، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين، لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرا؛ نظرا لصالحهم وصالح الإسلام، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا. وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم، فكان أن اتخذها مركزا لدعوته، ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة «2» .
(1) ابن هشام 1/ 263، مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب ص 60.
(2)
نفس المصدر الأخير، ص 61.