الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عينيك وأستحضر أنني واقف أمام الله، {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: 46] .. وأستحضر عظمة الله، فينزعج القلب ويفزع، فيخاف ويخشع، والعلماء يقولون: الخشوع في العبادات قبل الشروع فيها؛ سببٌ للخشوع فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"(1)، وفي الرواية الأخرى:"إذا أتيتم الصلاة- ائتوها بسكينة ووقار"،
قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: يستفاد منه أنه يعتمد للسير إلى الصلاة ما يعتمد في الصلاة .. كما يأتي المدد على قدر حضور القلب واستجماع الفكر والتركيز في العمل.
فلابد أخي الحبيب من فهم قضية الصيام والحكمة منه، واستشعار اللذة، خذ مثلًا للاستحضار الذهني من الآن مشهد إنسان قبل الأذان بدقيقة أو دقيقتين، هو في غاية الجوع والعطش والضعف والخور، وأمامه وبين يديه ملك يمينه جميع أنواع الأطعمة والمشروبات، ولا يرضى ولا يقبل أن يمد يده ليشرب أو يأكل، وإن قيل له: ما الفرق بين الآن وبعد دقيقتين؟
إن الاستحضار الذهني لهذا المشهد يجيبك أن الفرق كبير جدًّا جدًّا، وعظيم مجمله كلمة واحدة: حتى يأتي الإذن من الله.
إن الاستحضار الذهني لهذا المعنى هو الصيام، لا مجرد الترك، فافهم وجرِّب وقاوم وأنت في فترة الاستعداد.
التمرين العاشر: لزوم جناب الاحتشام ودوام الإطراق:
من أنت؟، هل تعرف نفسك؟، هل تعرف قدرك؟، هل تعرف
(1) متفق عليه، البخاري (609)، مسلم (603).
وضعك؟، اسمع معي هذا الحديث ثم قرر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أُذن لي أن [حدث عن ديك، قد مرقت رجلاه من الأرض، وعنقه مُنْثَنِ تحت العرش يُسبح الله فيقول: سبحانك ما أعظمك!، فيقول الله عز وجل: ما عَلِم بهذا من حلف بي كاذبًا"(1).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة ما أسري بي جبريل وهو على هيئته، له ستمائة جناح كل جناح يسد الأفق"(2)، تأمل معي هذه المخلوقات خَلْقٌ من خلق الله، وما بالك بالكواكب والنجوم والسموات والأرضين.
إن هذا التأمل يجعل الإنسان يتصاغر فيلزم الاحتشام ويديم الإطراق ولا يجرؤ على رفع رأسه، من أنت؟!، وماذا أنت؟!
ثم تسمع قول الله عز وجل وفي وسط آيات الصيام: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، إن استشعار هذا المعنى في الصيام خصوصًا في غاية الأهمية؛ لأن الصيام سر بين العبد وربه، فيحتاج إلى دوام المراقبة، ومع دوام المراقبة نصل إلى المعنى الأعمق، وهو استشعار المعية، فيطرق الإنسان حياء ويحتشم خجلًا، وخصوصًا حال ذكر الله، قال ربنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:"أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"(3)، وأيضًا:"من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"(4)، وقال سبحانه في كتابه العزيز:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، ولما علت أصوات الصحابة بالتسبيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم
(1) أخرجه الحاكم (4/ 330)، وصححه الألباني (150) في "السلسلة الصحيحة".
(2)
أخرجه أحمد (1/ 460)، وصححه الألباني (3464) في "صحيح الجامع".
(3)
أخرجه البخاري (6/ 2736).
(4)
متفق عليه، البخاري (6970)، مسلم (2675).