الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"إن كمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة"(1).
فانتهز أخي الحبيب فرصة رمضان الكريم، وحسِّن أخلاقك لكي تكون في أعلى درجة في هذا الصيام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيمٌ ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خلقه"(2).
المشهد الخامس: الزهد في الدنيا:
المفروض أن رمضان شهر الزهد، فإنما شرع الصيام ليقع التقلل، وفرض الله الصيام على الأمة شهرًا كل عام ليعرف الناس قدر الدنيا، وقيمة الطعام والشراب والشهوات، وليتمكنوا من التحكم فيها، فلا تحكمهم ولا تكون أهدافهم وآمالهم في حياتهم، ويتم التدريب على ذلك لمدة شهر يتكرر كل عام للتذكير بهذه القضية التي يمكن أن نسميها حقًّا: الزهد في الدنيا، ولذلك من مشاهد المعبودية في الصيام الزهد، فما هو الزهد حقيقة.
ذكر ابن القيم -عليه رحمة الله- في كتاب "طريق الهجرتين وباب السعادتين" عند كلامه عن الزهد كلامًا نفيسًا، ننقله هنا بنصه، فاقرأ وأعد وافهم ثم اعمل: "الزهد على أربعة أقسام:
أحدها: فرض على كل مسلم، وهو الزهد في الحرام، وهذا متى أَخَلَّ به مسلم انعقد سببُ العقاب، فلابد من وجود مسببه ما لم ينعقد سبب آخر يضاده.
الثاني: زهد مستحب، وهو على درجاتٍ في الاستحباب بحسب المزهود
(1) أخرجه أحمد (2/ 250)، وصححه الألباني (284) في "السلسلة الصحيحة".
(2)
أخرجه الترمذي (1993)، وصححه الألباني (273) في "السلسلة الصحيحة".
فيه، وهو الزهد في المكروه، وفضول المباحات والتفنن في الشهوات المباحة.
الثالث: زهد الداخلين في هذا الشأن، وهم المشمرون في السير إلى الله وهو نوعان:
أحدهما: الزهد في الدنيا جملة، وليس المراد تخليتها من اليد ولا إخراجها وقعوده صِفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز الذي يضرب المثل بزهده مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها.
ومن هذا الأثر الشهور: "ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال؛ ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك مما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك".
والذي يصحح هذ الزهد ثلاثة أشياء:
أحدها: علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر، وأنها كما قال الله تعالى فيها:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد: 20]، وقال الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ
وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]، وقال تعالى:{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45].
وسماها سبحانه "متاع الغرور"، ونهى عن الاغترار بها، وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين بها وحذرنا من مصارعهم، وذم من رضي بها واطمأن إليها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مالي وللدنيا، إنما أنا كراكبٍ قَالَ في ظل شجرة ثم راح وتركها"(1).
وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم حديثٌ معناه: أن الله جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلًا للدنيا، فإنه وإن قَزَّحه ومَلَّحه فلينظر إلى ماذا يصير؟، فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنية وعقل حقير، وقدر خسيس.
الثاني: علمه أن وراءها دارًا أعظم منها قدرًا وأجلَّ خطرًا وهي دارُ البقاء، وأن نسبتها إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع"(2)، فالزاهد فيها بمنزلة رجل في يده درهم زَغَل قيل له: اطرحه فلك عوض مائة ألف دينار مثلًا، فألقاه من يده رجاء ذلك العِوض، فالزهد فيها لكمال الرغبة فيما هو أعظم منها زُهدٌ فيها.
الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئًا كتب له منها، وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يُقْضَ له منها، فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه الزهد فيها، فإنه متى تيقن ذلك وثلج له صدره، وعلم أن مضمونه منها
(1) أخرجه أحمد (1/ 301)، وصححه الألباني (438) في "الصحيحة".
(2)
أخرجه مسلم (2858).
سيأتيه، بقي حرصه وتعبه وكده ضائعًا، والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك، فهذه الأمور الثلاثة تُسَهِّل على العبد الزهد فيها، وتثيت قدمه في مقامه، والله الموفق لمن يشاء.
النوع الرابع من أنواع الزهد: الزهد في نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشَقُّها، وأكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه، فإن الزاهد يسهل عليه الزهد في الحرام لسوء مغبته وقبح ثمرته، وحمايةً لدينه وصيانةً لإيمانه، وإيثارًا للذة والنعيم على العذاب، وأنفة من مشاركة الفجار والفجرة، وحميَّةً من أن يستأثر لعدوه، ويسهل عليه الزهد في المكروهات وفضول المباحات: علمُه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم.
ويسهِّل عليه زهده في الدنيا معرفته بما ورائها، وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى، وأما الزهد في النفس فهو ذَبحُها بغير سكتتين، وهو نوعان:
أحدهما: وسيلةٌ وبداية، وهو أن تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيء، فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها، قد سَبَّلت عِرْضَها ليومِ فقرها وفاقتها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها إذا دعتك أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذُمَّت، بلى هي عندك أخسُّ مما قيل فيها، أو تُرَفِّهها عما فيه حظُّك وفلاحك، وإن كان صعبًا عليها، وهذا وإن كان ذبحًا لها وإماتةً عن طباعها وأخلاقها، فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا ألبتة.
وهذه العقبة هي آخرُ عقبةٍ يشرف منها العبد على منازل المقربين، وينحدر منها إلى وادي البقاء، ويشربُ من عين الحياقس، ويخلِّص روحَه من سجون المحن والبلاء وأَسْرِ الشهوات، وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق، فيا قرة عينها به، ويا نعيمها وسرورهما بقربه، ويا بهجتها بالخلاص من عدوها، واللجوء إلى مولاها ومالك أمرها ومتولي مصالحها