الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب
الوقف والابتداء والسكت والقطع
أولاً: الوقف والابتداء:
الوقف: لغة: الكفُّ والمنع.
واصطلاحًا: قطع الصوت بعد النطق بالكلمة القرآنية مع التنفس مع العزم على إكمال القراءة مرة أخرى، ولا يُسمَّى وقفًا إلا مع إجراء التنفس، ويكون الوقف عند رؤوس الآي أو بعد آخر الكلمة ولا يكون في وسط الكلمة أبدًا.
الابتداء: لغة: البَدْءُ.
واصطلاحًا: كيفية البدء بنطق الكلمة القرآنية في حالة الانتقال من حالة السكوت إلى حالة التكلم.
حكم تعلم الوقف والابتداء
(1):
اعلم أنه قد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم إجماعهم على تعلُّم ما يوقف عنده وما لا يصح الوقف عنده، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال:"لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منه كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته وما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه".
وعن عليّ رضي الله عنه في قوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلاً} قال: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقف" وما سبق دالٌ على أن الصحابة كانوا يتعلمون الوقف والقرآن معًا، وعلى هذا كان إجماع التابعين والقراء منهم خاصة، وعلى رأسهم نافع وأبو عمرو ويعقوب وعاصم، لدرجة أن كثيرًا من العلماء اشترط أن لا تُعْطَى الإجازة لأحدٍ إلا بعد معرفته للوقوف.
(1) انظر: الإتقان، ص:113.
وَبَعْدَ تَجْوِيدكَ لِلْحُرُوفِ
…
لابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الوُقُّوفِ
والابْتدا وَهْيَ تُقْسَمُ إِذَنْ
…
ثَلاثَةٌ: تَامٌ وكافٍ وحَسَنْ
أي أنك بعد معرفتك بتجويد الحروف بمعرفة ما سبق ذكره (لابد) أن تزينه وتجمله بـ (معرفة الوقوف) وأيضًا (الابتدا).
واعلم أن الوقوف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تامٍ وكافٍ وحسنٍ.
وقوله: (تامٌ) هو بتخفيف الميم للوزن (1).
ثم شرع في تفصيل ذلك فقال:
وَهْيَ لِمَا تَمَّ فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ
…
تَعَلُقٌ أو كَانَ مَعْنًى فابْتَدِي
فَالتَّامُ فَالكَافِي وَلَفْظًا فَامْنَعَنْ
…
إلا رُؤسَ الآي جَوِّزْ فَالحَسَنْ
قوله: (وهي) أي: واعلم أن هذا الوقوف يكون (لما تم) معناه.
إلى هنا انتهى كلامه على الوقف على الكلام التام المعنى، ثم شرع في الكلام على معاودة البدء بما بعده فقال:
(فإن لم يوجد) فيما وُقِف عليه (تعلق) بما بعده (أو كان) يوجد تعلق بما بعده ولكن هذا التعلق كان (معنًى) أي في المعنى لا لفظًا (2).
(فابتدى) أي فإن لك عند معاودة القراءة أن تبدأ بالموضع الذي وقفت قبله، وفيما سبق نوعان:(فالتام) هو النوع الأول (3)، (والكافي) هو النوع الثاني (4).
قوله: (ولفظًا) أي أما إذا كان هذا التعلق لفظًا أي في اللفظ.
(فامنعن) أي امنع هذا البدء، أي: امتنع عن البدء بالموضع الذي وقفت قبله ولكن ائت (5) بأي موضع في الآية التي وقفت عليها يجوز البدء به؛ وابدأ من
(1) الدقائق المحكمة ص: 43.
(2)
أي أن الكلام متصل معنىً ومنفصل لفظًا مثل الوقف على {لقد جئت شيئًا إمرًا} فهذه آخر آية وهي مفصولة عن ما بعدها لفظًا ولكنها متصلة بها معنى.
(3)
أي النوع الذي لا يوجد فيه تعلق بما بعده.
(4)
أي النوع الذي فيه التعلق بما بعده معنىً لا لفظًا.
(5)
أي: أحضر ونظيره في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ} [يونس: 15].
عنده.
(إلا) في حالة واحدة وهي (عند رؤس الآي) فإنه يجوز لك الوقف عليها ثم الابتداء بأول الآية التي بعدها، وإن كان الكلام متصلاً لفظًا، ثم ذكر اسم هذا النوع وهو (الحَسَن).
فائدة:
(التعلق بالمعنى) هو الارتباط بالمعنى وهو ما يرجع فيه إلى علوم التفسير والبلاغة، أي أنه الارتباط من حيث المعنى لا من حيث الإعراب أو الإخبار عن حال المؤمنين أو الكافرين أو تمام قصة ونحو ذلك.
أما (التعلق اللفظي) فهو الذي يرجع فيه إلى القواعد النحوية والإعراب ككونه صفة له أو معطوفًا عليه.
واعلم أن حالةً يستحيل أن توجد، وهي أن يكون الكلام متعلقًا ببعضه لفظًا لا معنى، وذلك لأن اتصال اللفظ لابد وأن يقتضي اتصال المعنى.
وَغَيْرُ مَا تَمَّ قَبِيْحٌ وَلَهُ
…
يُوقَفُ مُضْطَرًّا وَيُبْدَا قَبْلَهُ
أي: واعلم أن أي وقف غير هذه الأنواع السابقة (وهي: التام والكافي والحسن) فإنه يسمى بالوقف القبيح.
(وله) أي بسببه.
(يوقف مضطرًا) لا يوقف عليه إلا عند الاضطرار.
(ويبدا قبله) أي: ولا يجوز البدء بما بعده، ولكن يكون البدء (قبله) أي بأي موضع في الآية التي وقفت عليها مضطرًا بشرط أن يكون هذا الموضع يجوز البدء به.
ومثال القبيح: الوقف على المضاف دون المضاف إليه، وعلى الرافع دون مرفوعه، وعلى الناصب دون منصوبه، وعلى الشرط دون جوابه، وعلى المعطوف دون معطوفه (1).
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ وَجَبْ
…
وَلَا حَرَامٌ غَيْرَ مَا لَهُ سَبَبْ
أي: واعلم أنه لا يوجد في القرآن وقف واجب يأثم من لم يأت به
(1) الدقائق المحكمة، ص:45.
(ولا حرام) وأيضًا لا يوجد وقف يأثم القارئ إذا أتى به؛ لأن الوقف والوصل لا يدلان على معنى حتى يختل بتركهما (1).
(غير ما له سبب) إلا أن الوقف (أو الوصل) قد يصبح الإتيان به في موضع (أو بتركه في موضع آخر) حرامًا إذا وُجِدَ سبب لوقوع الحرمة، مثل من قصد الوقف على {وما من إله} أو على {وإني كفرت} ، ونحوهما من غير ضرورة عمدًا، قاصدًا له، راضيًا به، فإنه إن اعتقده كَفَر، نعوذ بالله من كل هذا.
أما إذا وقف عليه من غير قصد فالأحسن أن يتجنب ذلك الوقف حتى لا يُوهم السامع به (2). والله أعلى وأعلم.
توضيح:
اعلم أن الوقف ينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الوقف الإجباري (الاضطراري):
وهو الوقف الذي يُضطر إليه القارئ حيث يعرض له عارض أثناء القراءة يجبره على الوقف مثل: النسيان، أو العطاس، أو غلبة ضحك، أو بكاء، إلى غير ذلك من الأعذار. فحينئذ يجوز للقارئ الوقف على أي كلمة ثم عند معاودة القراءة يبدأ بهذه الكلمة - إن صحَّ البدء بها - وإلا فبأي كلمة قبلها يصح البدء بها.
القسم الثاني: الوقف الاختباري:
وهو الوقف الذي يكون في حالة الاختبار، حيث أن القارئ يقف على كلمة - ليست محلاً للوقوف (3) - للإجابة على سؤال معلم أو سؤال ممتحن، وذلك مثل الوقف على بعض الكلمات لبيان رسمها: بالتاء المفتوحة أم المربوطة، وكبيان المقطوع والموصول، وبيان حالات
(1) المرجع السابق.
(2)
المرجع السابق.
(3)
بشرط أن لا يكون هذا الوقف على موضع فاسد المعنى مثل الوقف على (وما من إله)، فهذا لا يجوز. والله أعلى وأعلم.
الوقف؛ فحينئذ يجوز للقارئ الوقف ثم عند معاودة القراءة يبدأ بالكلمة التي وقف عليها - إن صح البدء بها - وإلا فبأي كلمة قبلها يصح البدء بها.
القسم الثالث: الوقف الانتظاري:
وهو الوقف على الكلمة القرآنية ذات الخلاف ليستوعب ما فيها من القراءات والروايات والطرق والأوجه، ولا يكون ذلك إلا حال تلقي الطالب على الشيخ، وجمعه القراءات السبع أو العشر، ولا يشترط في هذا الوقف تمامُ المعنى، فللقارئ أن يقف على أية كلمة ليبين حكمها من حيث الرسم، أو ليستوعب ما فيها مهما كان تعلقها بما قبلها أو بما بعدها (1) أي أنه يجوز في حالة جمع القراءات الوقفُ على ما لا يوقف عليه، مما ليس بفاسد المعنى، فإن كان فاسد المعنى مثل الأمثلة الآتية في الوقف القبيح كالوقف على (لا إله) فلا يجوز ذلك.
القسم الرابع: الوقف الاختياري:
وهو الذي يكون برغبة القارئ واختياره، وهو أساس هذا الباب، وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: تام - كاف - حسن - قبيح (2).
أولاً: الوقف التام:
هو الوقف على الكلام التام بذاته، الذي لا يتعلق بما بعده لا لفظًا ولا معنىً أي أنه الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، ولا يكون متعلقًا بما بعده لا معنىً ولا لفظًا.
وسمي تامًا لأن الكلام يتم ويكمل به، وأمثلته: ما يكون عند رؤوس الآي غالبًا مثل: {وأولئك هم المفلحون} و {وأولئك هم الفاسقون} أو مثل الوقف بعد {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} حيث تم كلام بقليس ثم
(1) أحكام تلاوة القرآن الكريم، ص:252.
(2)
انظر: فتح المجيد، الإتقان.
البدء بـ {وكذلك يفعلون} ، ومثل قوله تعالى:{مصبحين. وبالليل} حيث أن كلاً منهما في آية ولكن تم المعنى بعد (بالليل) أي: بالصبح وبالليل، وأيضًا مثل {متكئين. وزخرفًا} حيث أن كلاً منهما في آية ولكن (زخرفًا) هو التمام لأنه معطوف على ما قبله.
ثانيًا: الوقف الكافي:
هو الوقف على كلام تام في ذاته، متعلقٍ بما بعده معنىً لا لفظًا، وهذا النوع أيضًا يحسن الوقف عليه والبدء بما بعده.
وأمثلته: قد يكون عند رءوس الآي مثل: {لقد جئت شيئًا إمرًا} حيث أن الكلام تامٌ هنا، ولكنه يتعلق بالآيات التالية - التي هي بقية الموضوع - معنىً لا لفظًا، وقد يكون في وسط الآية مثل:{وعلى أبصارهم غشاوة} ، أو في غير ذلك، وكذلك أيضًا الوقف على كل رأس آية بعدها:(إلَاّ) بمعنى لكن أو (وإنَّ) أو (الاستفهام) أو (بل) أو (ألا) المخفَّفة و (سوف) للتهديد و (نعم) و (بئس) و (كيلا) ما لم يتقدمهن قول أو قسم (1).
ثالثًا: الوقف الحسن:
وهو الوقف على كلام تام في ذاته، متعلق بما بعده لفظًا ومعنىً، أي أنه الذي يحسن الوقف عليه ولكن لا يحسن البدء بما بعده، وأمثلته: ما يكون مستثنى وما بعده مستثنىً منه، أو ما يكون متبوعًا وما بعده تابع له، أو ما يكون معطوفًا وما بعده معطوفًا عليه، أو بدلاً وما بعده مبدلاً منه (2) كالوقف على (الليل) في {قم الليل إلا قليلاً} ، أو الوقف على
(1) انظر: الإتقان، ص:114.
(2)
لاحظ أن بعض هذه الصور قد تأتي في موضع بحيث يكون الوقف عندها من الوقف القبيح (وهو القسم الرابع) مثل الوقف على (السماء) في قوله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض} [البقرة: 164].
(السوء) في {لا يُحب الله الجهر بالسوء من القول} ، وكالوقف على (السماء) في {ما في السماء والأرض} ، والمبدل منه مثل الوقف على (شركاء) في {وجعلوا لله شركاء الجن} ، وكالوقف على (لله) في {الحمد لله رب العالمين} إلى غير ذلك.
رابعًا: الوقف القبيح:
وهو الوقف على كلمة لا تتم ذات الكلام عندها، بل قد يفهم منه عكس المراد في الآية والعياذ بالله، وقد يوصل بعضه إلى الكفر إن اعتقده قائله والعياذ بالله، وهذا النوع لا يجوز الوقف عليه إلا لضرورة كما سبق ولا يكون البدء بما بعده، بل يكون البدء من أي موضعٍ قبله يصح البدء به.
وأمثلته: كالوقف بين الفعل وفاعله، أو بين المضاف والمضاف إليه، أو بين المبتدأ والخبر، ونحو ذلك كالوقف على (السماء) أو على (الأرض) أو على (بينهما) في قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]. وكالوقف على (إله) في {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد: 19]، أو في {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، أو كالبدء بـ (إن) والوقف على (المسيح) في {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيح} [المائدة: 17]، كل ما سبق هو من أشد القبيح الذي يكفر من اعتقده.
ومن الأمثلة أيضًا الوقف على (خير) في {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ} [النساء: 127].
ومن الأمثلة الجامعة قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]؛ فالوقف على (اليهود) قبيح، والبدء بما بعده أقبح منه.
وكذا الوقف على (النصارى) قبيح، والبدء بما بعده أقبح في قوله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18].
وكذا الوقف على (قالوا) والبدء بما بعدها في {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181].