الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل السابع: قصة العصماء بنت مروان اليهودية
وهي غير القصتين المتقدمتين، وذلك ما روي عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"من لي بها؟ "، فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. فنهض فقتلها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال:"لا ينتطح فيها عنزان".
وذكرها الواقدي في آخر غزوة بدر فيما قيل في أشعار بدر، قال: حدثني عبد الله بن الحارث [عن أبيه] أن عصماء بنت مروان ـ من بني أمية بن زيد ـ كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي، وقالت شعرًا. وقال عمير بن عدي بن خَرَشة بن أمية الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ ببدر.
فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صار الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى عمير فقال:«أقتلت بنت مروان؟» قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون افتأت على النبي صلى الله عليه وسلم بقلتها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: «لا ينتطح فيها عنزان» ؛ فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عمير: فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم/ إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة الله، فقال:"لا تقل الأعمى، ولكنه البصير".
فلما رجع عمير من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في بيتها جماعة يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلاً من المدينة، فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذٍ ظهر الإسلام في بني خطمة، وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفًا من قومهم، وقال حسان شعرًا يمدح عمير بن عدي. وكان قتل عصماء لخمس ليال بقين من رمضان، مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر.
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب":
"عمير الخطمي القارئ، من بني خطمة من الأنصار، [روي عنه زيد ابن إسحاق]، كان أعمى، كانت له أخت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعدها الله".
ثم قال: "عمير بن عدي الخطمي، إمام بني خطمة وقارئهم الأعمى، روى عنه ابنه عدي بن عمير، فإن كان الذي روى عنه زيد بن إسحاق فهو الذي قتل أخته لشتمها رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبعدها الله".
وذكر ابن سعد هذه القصة عن الواقدي مختصرة، وذكرها شيخنا أبو محمد الدمياطي في "قبائل ...............................
الأوس" عن ابن سعد كما ذكرناها، ونسب عميرًا: عمير بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة ـ وهو عبد الله، ضرب رجلاً على خطمه فسمى خطمة ـ ابن جشم بن مالك بن الأوس.
ثم قال شيخنا: وقال ابن القداح: العصماء بنت مروان بن الحارث ابن عبيد بن عمرو، من بني يزيد من بلي، حلفاء لبني أمية بن زيد،
هي أم يزيد بن زيد بن حصن التي قامت عنه، وولدها يقولون: اسمها الكلفاء بنت أوفى من قيس من بني خطمة، وذلك باطل. ولم يشهد عمير ابن عدي بدرًا ولا أحدًا ولا الخندق لضر بصره، ولكنه/ كان قديم الإسلام، صحيح النية فيه، يغضب لله ولرسوله. ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمير ابن عدي بن خرشة يتوضأ، وكان أعمى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"بطن القدم"، ولا يسمعه الأعمى، حتى غسل بطن القدم، فسمي البصير بهذا. وكان عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت يكسران أصنام بني خطمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه:"اذهبوا بنا نزور البصير في بني خطمة". انتهى كلام شيخنا.
وذكر هذه القصة غير هؤلاء أيضًا، فثبت بهذه القصة وبغيرها أن هؤلاء النسوة إنما قتلن بشتمهن وسبهن.
وعلم بذلك أن السب لا يجوز التقرير عليه سواء أكان الساب معاهدًا أم حربيًا أم ذميًا، وليس كالكفر المجرد، فإن الكفر المجرد قد أباح الله ترك القتل به، بل أوجب الكف عن القتل به في كثير من الأوقات قبل الهجرة ـ حتى نسخ بآية السيف إما إيجابًا، أو إباحةً ثم إيجابًا ـ وفي أعصار كثيرة من أعصار الأمم المتقدمة الذين لم يبعث الأنبياء فيها بالقتال.
وأما السب فلا يعلم عصر من الأعصار جاز التقرير عليه ـ فضلاً عن وجوب التقرير عليه ـ واحتمال هذا الضيم العظيم، فالقول بأنه لا يجوز قتل الساب من أهل الذمة في غاية الفساد والبعد عن نفس الشريعة وسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
وقد يقول قائل: كيف يحتج بهذه القصص التي يذكرها أهل السير ـ مثل الواقدي وغيره ـ ولم يرد بها حديث صحيح؟
فاعلم أن المقصود تأكيد الأدلة، وقد ذكرنا الحديث الصحيح أولاً، وبانضمام هذه الأمور إليه يزداد تأكيدًا، بل الأمور التي ينفرد بها أهل السير إذا اشتهرت وعرفت في بعض الأوقات تكون أقوى من الحديث الذي ينفرد به ثقة، والواقدي إمام أهل السير بلا مدافعة، منه تستفاد وإن كان فيه كلام كثير، ربما حمل عليه كونه يجمع الأسانيد الكثيرة ورواياتها في لفظ واحد يقصد به الجمع والاختصار، فكثير الكلام فيه لذلك، وأما علمه فلا منازعة فيه، وإذا/ ذكر قصة وشرحها تقوى بها ورودها من جهة غيره، وتبين الحال فيها، والأحاديث الضعيفة إذا اجتمعت قربت من رتبة الاحتجاج أو وصلت، فكيف إذا كان معها صحيح؟! فكيف إذا اتفقت السير عليها؟!