المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول: في نقل كلام العلماء في قتله - السيف المسلول على من سب الرسول

[تقي الدين السبكي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول: في حكم الساب من المسلمين

- ‌الفصل الأول: في وجوب قتله

- ‌المسألة الأولى: في نقل كلام العلماء ودليله

- ‌المسألة الثانية: في أن قتل الساب للكفر أو للحد

- ‌الفصل الثاني: في توبته واستتابته

- ‌المسألة الأولى: في قبوله توبته

- ‌خاتمة لهذه المسألة

- ‌المسألة الثانية: في استتابة الساب

- ‌الباب الثاني: في حكم الساب من أهل الذمة

- ‌الفصل الأول: في نقل كلام العلماء في قتله

- ‌الفصل الثاني: في نقل كلام العلماء في انتقاض عهده

- ‌الفصل الثالث: في بيان أن لا يلزم من القول بانتقاض عهده ولا بعدم انتقاضه عدم قتله

- ‌الفصل الرابع: في الأدلة الدالة على قتل الساب الذمي

- ‌الدليل الثاني: قصة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق اليهودي

- ‌الدليل الثالث: قصة قتل أبي عفك اليهودي

- ‌الدليل الرابع: قصة أنس بن زنيم الديلي

- ‌الدليل الخامس

- ‌الدليل السادس

- ‌الدليل السابع: قصة العصماء بنت مروان اليهودية

- ‌الدليل الثامن: قصة قينته ابن خطل وسارة مولاه بني عبد المطلب

- ‌الدليل التاسع: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أمن أكثر الكفار وأهدر دم ابن الزبعري ونحوه ممن كان يهجو، حتى لحق ابن الزبعري بكل وجه ثم جاء وأسلم

- ‌الدليل العاشر

- ‌الدليل الحادي عشر

- ‌الدليل الثاني عشر

- ‌الدليل الثالث عشر

- ‌الدليل الرابع عشر

- ‌الفصل الخامس: في أنه لا تصح توبته مع بقائه على الكفر

- ‌الفصل السادس: فيما إذا أسلم

- ‌الفصل السابع: في أنه هل يستتاب بالإسلام ويدعى إليه

- ‌الفصل الثامن: في أنه هل يصح حكم الحاكم بسقوط القتل عنه مع بقائه على الكفر

- ‌الباب الثالث: في بيان ما هو سب من المسلمين والكفار

- ‌الفصل الأول: في المسلمين

- ‌فرع: [في سب أم النبي صلى الله عليه وسلم]:

- ‌فرع: [في سب عائشة رضي الله عنها]:

- ‌فرع: [في سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم غير عائشة]:

- ‌فرع: [في سب سائر الصحابة رضي الله عنهم]:

- ‌فرع: من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر

- ‌‌‌فرع:

- ‌فرع:

- ‌فرع: في ميراث الساب إذا قتل أو مات على سبه:

- ‌الباب الرابع: في شيء من شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الأول: في تعظيم الله له وثنائه عليه في القرآن

- ‌الفصل الثاني: في أنه صلى الله عليه وسلم جمع المحاسن كلها

- ‌الفصل الثالث: فيما ورد في الأحاديث من تعظيم الله تعالى

- ‌الفصل الرابع: فيما يجب على الأنام من حقوقه صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌الفصل الأول: في نقل كلام العلماء في قتله

‌الفصل الأول: في نقل كلام العلماء في قتله

قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: "إذا كان الساب ذميا قال مالك: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذا قال أحمد، وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه الذمة، واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف، وحكي عن أبي حنيفة قال: لا يقتل الذمي بشتم النبي صلى الله عليه وسلم، ما هم عليه من الشرك أعظم".

وقال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم أن على من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وقد حكي عن النعمان أنه لا يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة، ما هم عليه من الشرك أعظم".

ص: 233

قال ابن المنذر: "ومما يحتج به في هذا الباب قصة كعب بن الأشرف، فإنه قد آذى/ الله ورسوله، فانتدب له جماعة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه".

وقال إسحاق بن راهويه: إن أظهروا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع ذلك منهم أو تحقق عليهم قتلوا، وأخطأ هؤلاء الذين قالوا: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال إسحاق: يقتلون، لأن ذلك نقض للعهد.

وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وكذلك نص الإمام أحمد علي وجوب قتله وانتقاض عهده.

وقال الزمخشري وهو حنفي، في سورة براءة من "تفسيره":

"وقالوا إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنًا ظاهرًا جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة".

وقال القاضي عياض من المالكية:

أما الذمي إذا صرح بسب أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يُسلم، لأنا لم نعطه

ص: 234

الذمة أو العهد على هذا، وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر.

وقال مالك في كتاب ابن حبيب و"المبسوط" وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدًا من الأنبياء عليهم السلام: قتل إلا أن يسلم، وقاله ابن القاسم في "العتبية" وعند محمد وابن سحنون.

وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب.

وروى ابن وهب عن ابن عمر أن راهبًا تناول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: هلا قتلتموه؟!.

قال القاضي عياض: ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكرها الذمي بالوجه الذي كفر به. روى عسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدًا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، ونحو هذا: لا شيء عليهم، لأن الله أقرهم على مثله، وأما إن سبه فقال: ليس بنبي، أو: لم يرسل، أو: لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله، أو نحو هذا فيقتل.

ص: 235

قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني: ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: كذلك يعطيكم الله، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل. قال: وأما من شتم النبي شتمًا يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم. قاله مالك غير مرة ولم يقل يستتاب.

قال ابن القاسم: ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا.

قال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم/ في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد: كذبت، يُعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل.

وفي "النوادر" من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر ضربت عنقه إلا أن يسلم.

ص: 236

قال القاضي عياض: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وأبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله، ويدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري قال: أتيت بنصراني قال: والذي اصطفى عيسى على محمد، فاختلف علي فيه، فضربته حتى قتلته أو عاش يومًا وليلة، وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب.

وسئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، فقال: يقتل. وقال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد، يخبركم أنه في الجنة، فهو الآن في الجنة؟! ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه، لو قتلوه استراح الناس منه، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه. قال: ولقد كدت ألا أتكلم فيها ثم رأيت أنه لا يسمعني الصمت.

قال ابن كنانة في "المبسوط": من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه بالنار، وإن شاء قتله ثم حرق جثته، وإن شاء أحرقه بالنار حيًا إذا تهافتوا في سبه، ولقد كتب إلى مالك [من] مصر ـ وذكر مسألة ابن القاسم المتقدمة ـ قال: فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وأن تضرب عنقه، ثم قلت: يا أبا عبد الله وأكتب: ثم يحرق بالنار؟ فقال: إنه لحقيق بذلك وما أولاه به، فكتبته بيدي بين يديه فما أنكره ولا عابه، ونفذت الصحيفة بذلك، فقتل وحرق.

ص: 237

وأفتى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة من سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية ونبوة عيسى وتكذيب محمد في النبوة.

هذا ما ذكره القاضي عياض من كلام المالكيين رحمهم الله، وحسبك به./

وأما الحنابلة: فقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب.

قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثًا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة.

وكذلك قال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يُقتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا كان أو كافرًا. رواهما الخلال.

ص: 238

وفي رواية أبي طالب: سُئل أحمد عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يقتل وقد نقض العهد.

وقال حرب: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة [شتم النبي صلى الله عليه وسلم]، قال: يقتل. رواهما الخلال.

وقال الحلواني من الحنابلة: يحتمل أن لا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذميًا.

وهذا الاحتمال الذي أبداه الحلواني غلط سرى إليه من الكلام في انتفاض عهده، وسأبين أن القول بالقتل واجب سواء أقلنا بالانتفاض أم لا، فلا شك أن هذا الذي قاله الحلواني غلط، ونصوص أحمد وجميع الحنابلة من أولهم إلى آخرهم على خلافه، فلم يكن أحد يتنبه لهذا الاحتمال إلا الحلواني؟!، ولم نجد أحدًا من المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قال بهذا القول غيره، وهو لم يقله أيضًا ولكن أبداه احتمالاً، وهو لم جزم به لم يلتفت إليه، فكيف بالاحتمال!

ص: 239

ومثل هذا لا يجوز عده في اختلافات العلماء ولا في الأقوال ولا الوجوه الشاذة الضعيفة المنكرة فضلاً عن المعتبرة.

وأما أصحابنا الشافعية رحمهم الله فقد تقدم تصريح الشافعي وابن المنذر والخطابي بالقتل.

وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني شيخ أصحابنا العراقيين بعد أن قرر ما تنتقض به الذمة وما لا تنتقض، قال:

"فمتى ارتكب فعلاً من هذه الأفعال التي قلنا إن الذمة لا تنتفض به فإنا نقيم عليه موجبه، فإن كان يوجب القتل ـ كالقتل، والزنا وهو محصن قتلنا، وإن كان يوجب الجلد ـ كالزنا وهو بكر،/ والقذف ـ جلدنا، وإن كان يوجب التعزيز ـ كأن يفتن مسلمًا عن دينه ـ عزرنا، لأنه التزم أحكام المسلمين، ولا نحده لشرب الخمر لأنها مباحة عندهم، ومن شرب الخمر معتقدًا إباحتها لم يجب عليه الحد، وإن كان ذكر الله بما لا ينبغي أن يذكر أو كتابه أو دينه أو نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وقلنا إن الذمة لا تنتقض بذلك فإنا نقيم عليه الحد لذلك، وحده القتل، لأن من سب الله تعالى أو سب النبي صلى الله عليه وسلم يستوجب ذلك، وإن ارتكب ما تنتقض به الذمة حكم بانتقاض ذمته وأقيم عليه الحد الواجب بذلك على ما ذكرناه، لأنه كان قد التزم أن تجري عليه أحكام الإسلام، وهذا من حكم الإسلام، ثم ينظر فإن كان الحد الذي أقمنا عليه القتل فلا كلام، وإن كان جلدًا أو تعزيزًا فالشافعي هاهنا قال:

ص: 240

"يلحق بمأمنه، وهو أقرب دار الحرب"، وقال في موضع آخر:"إن شاء قتله وإن شاء استرقه"، ففي المسألة قولان:

أحدهما: يُلحق بمأمنه، لأنه دخل دار الإسلام بحكم أمان، فهو وإن انتقضت ذمته فحصوله في يدنا بذلك الأصل، فلا يجوز إخفاره، كالذي دخل دار الإسلام بأمان صبي أو ذمي ونحوهما، لا يكون ذلك أمانًا صحيحًا لكن لا يجوز إخفاره، لأن ذلك كسوم الأمان.

والقول الآخر: أنه فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق، لأن الأمان كان له بعقد الذمة، فإذا انتقضت لم يبق له أمان، فهو كالحربي يدخل دار الإسلام متلصصًا، ويفارق من دخل بأمان صبي أو مجنون ونحوهما، لأنه غير مفرط، وإذا قلنا بالقول الآخر فله أن يقتله وأن يسترقه، فإن أسلم قبل أن يفعل شيئًا من ذلك فقد حقن دمه ولا يجوز الاسترقاق أيضًا. ويخالف الأسير، لأن الأسر سبب لذلك، وإن استرقه ثم أسلم لا يؤثر الإسلام في الرق الذي وجد قبله".

هذا كلام الشيخ أبي حامد، وهو صريح في أن السب حده القتل، وأنه يقام عليه سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا./

ص: 241

وقال المحاملي في "التجريد": قال الشافعي: يشرط عليهم أن لا يذكروا الله عز وجل ولا كتابه ولا رسوله ولا دينه، فجرى مجرى اشتراط بذل الجزية وجريان الأحكام، فتفتقر صحة العقد إلى ذكره، فإن لم يذكر لم يصح، ومن أصحابنا من قال إنه بمنزلة ما يتعلق بضرر المسلمين، فأما إذا سب واحد منهم الله عز وجل أو النبي عليه السلام فإنه يقتل، لا لأنه نقض ذمته، لكن الحد في هذا هو القتل.

ثم قال المحاملي:

فكل موضع قلنا ذمتهم لا تنتقض تقام عليهم الحدود فيما يجب به الحد والتعزيز فيما لا حد فيه، وكل موضع قلنا ذمتهم تنتقض قال الشافعي هنا: نردهم إلى مأمنهم، وقال في كتاب النكاح: له أن يسترقهم ويقتلهم. فإن قلنا: يردون إلى مأمنهم فإن الحدود تقام عليهم ثم يردون، وإن قلنا إنه بالخيار بين قتلهم واسترقاقهم فإن اختار القتل أقام الحدود ثم قتل، وهكذا إن اختار الاسترقاق فإنه يقيم الحدود أيضًا، فإن أسلموا قبل الاسترقاق حقنوا دماءهم وأموالهم، فلا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم ولا أخذ أموالهم، وإن أسلموا بعد الاسترقاق لم يؤثر ذلك.

ص: 242

انتهى كلام المحاملي، وفيه زيادة على ما قال الشيخ أبو حامد، لأنا حكينا كلام أبي حامد من "تعليقته" التي علقها عنه سليم، وهي في هذا الموضع عندي بخط سليم، و"تجريد" المحاملي من "التعليقة الكبرى"، فلذلك فيه ما ليس في تلك التعليقة.

ومضمون كلام المحاملي أن الذمي إذا سب يُقتل قطعًا، ولكن هل قتله لأجل الحد فقط بدون انتقاض العهد أو مع انتقاض العهد؟ كلامه يشير إلى خلاف في ذلك، وهو صحيح على ما سنبينه إن شاء الله، وقد صرح بأنا إذا قلنا يردون إلى مأمنهم أن الحدود تقام ثم يردون، ومن جملة الحدود حد السب، وهو القتل، فيقتلون.

وقال سليم الرازي في "المجرد":

"وإن ذكر/ الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال: يجري الكف عن ذلك مجرى الجزية

ص: 243

والانقياد لجريان أحكام الإسلام عليهم، ويلزم اشتراطه في العقد نطقًا، ومنهم من قال: يجري مجرى ما فيه ضرر على مسلم في نفسه أو ماله، فلا يلزم اشتراطه في العقد، وإذا ارتكبوا شيئًا منه فإن لم يشترط في العقد لم تنتقض الذمة، وإن شرط فهل تنتقض؟ وجهان، وكل موضع قلنا لم تنتقض الذمة بفعله فإن كان فعله يوجب القتل مثل أن ذكر الله تعالى أو رسوله أو كتابه أو دينه بما لا ينبغي أو يقتل أو يزني وهو محصن: قتل.

ثم قال: وكل موضع حكمنا بنقض الذمة بفعله أقيم عليه الواجب".

وقال نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي في كتاب "المقصود":

"إن ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال يلزم اشتراطه في العقد نطقًا وتنتقض الذمة بالمخالفة، لأن ذلك أعظم من الإضرار ببعض المسلمين، فينبغي أن نكون فيه أشد، ومنهم من قال: لا تنتقض به الذمة. وكل موضع قلنا لم تنتقض ذمته بما فعله فإن كان ما فعله مما يوجب القتل مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بما لا ينبغي أو يزني وهو محصن فإنه يقتل، لأن المسلم لو ارتكب شيئًا من ذلك كان عليه القتل، فالذمي بذلك أولى".

ص: 244

ثم قال:

"وكل موضع قلنا انتقضت ذمته بما فعله أقيم عليه الواجب به على ما مضى، ثم إن كان الواجب غير القتل ففيه قولان، أحدهما: يُلحق بمأمنه ويكون حربًا لنا، والثاني: يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق".

هذا كلامه في "المقصود"، وجزم في "الكافي" بأنه يلزم اشتراطه في العقد وتنقض الذمة بمخالفته.

وقال البندنيجي فيما حكاه ابن الرفعة.

ص: 245

"إذا قلنا لا ينتقض العهد بذلك قتلناه بذكر الله تعالى ورسوله وكتابه ودينه بما لا ينبغي، إذ كل هذا يوجب القتل".

وقال القاضي أبو الطيب رحمه الله في "تعليقه":

"ما يشترط على أهل الكتاب في عقد الذمة على ضروب:

(1)

ضرب لا يجوز ترك اشتراطه، وهو ضمان أداء الجزية والتزام جريان أحكام الإسلام عليهم، وهذان الشرطان لا بد من ذكرهما في عقد الجزية، وإن لم يذكرهما فيه لم يصح العقد.

ص: 246

(2)

وضرب يجوز ترك اشتراطه، وفعله نقض للذمة، وهو قتال المسلمين مع أهل الحرب أو منفردين، فإذا فعلوا هذا فقد نقضوا العهد سواء شرط عليهم ترك القتال في عقد الذمة أم لم يشترط.

(3)

وضرب فيه ضرر على المسلمين، وهو ستة أشياء نص عليها:

1 -

أن لا يزني بمسلمة،

2 -

ولا يصيبها باسم نكاح،

3 -

ولا يفتن مسلمًا ولا مسلمة عن الدين،

4 -

ولا يقطع الطريق على مسلم ولا مسلمة،

5 -

ولا يؤوي للمشركين عينا،

6 -

ولا يعين على المسلمين بدلالة.

قال أصحابنا:

7 -

ولا يقتل مسلمًا ولا مسلمة، فتكون سبعة أشياء.

وينظر فيها: فإن لم تكن مشروطة في عقد الذمة فإن فعلها لا تكون نقضًا، وإن كانت مشروطة فعلى وجهين، أحدهما: لا يكون نقضًا، والوجه الثاني: يكون نقضًا للذمة، لما روي أن نصرانيًا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة فقال:"ما على هذا صالحناكم! "، وضرب عنقه، وهذا يدل على أنه جعله ناقضًا للعهد، ولأنه معنى يتعلق

ص: 247

بالإضرار بالمسلمين شرط تركه في عقد الذمة، فوجب أن يكون فعله نقضًا للعهد أصله قتال المسلمين.

وأيضًا فإن عقوبة هذه الأجرام تستوفى منهم إذا لم تكن مشروطة في عقد الذمة، فوجب أن يكون لها تأثير، ولا تأثير إلا ما قلنا من نقض العهد.

(4)

وضرب فيه تنقص من الدين، وهو ذكر الله وذكر رسوله وذكر كتابه ودينه بما لا ينبغي، فهذه أربعة أشياء اختلف أصحابنا فيها، فذهب أكثرهم إلى أنها بمنزلة الأشياء السبعة، إن لم تكن مشروطة لا تكون نقضًا للعهد، وإن كانت مشروطة ففيها وجهان، ومن أصحابنا من قال ـ وهو أبو إسحاق ـ يجب شرطها في عقد الذمة، وترك شرطها يفسد العقد.

وكان أبو بكر الفارسي يقول: "من شتم محمدًا صلى الله عليه وسلم قتل حدًا كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل والقينتين/ ولم ينفذ لهما أمانًا"، وادعى أنه إجماع، وهذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى قال:(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)) [التوبة: 29].

ص: 248

(5)

وضرب فيه إظهار منكر في دار السلام، وذلك ستة أشياء:

1 -

إحداث بيعة أو كنيسة في دار الإسلام،

2 -

ورفع أصواتهم بقراءة كتبهم،

3 -

والضرب بالنواقيس،

4 -

وإطالة البنيان على أبنية المسلمين أو المساواة فيه،

5 -

ومساواتهم في الزي،

6 -

وإظهار الخمر والخنزير.

فهذا كله يجب عليهم الكف عنه شرط في العقد أم لم يشرط، ومن خالف في شيء منه ففعله لم يكن ناقصًا لعهده. واختلف في تعليله، منهم من قال: لأنه لا ضرر على مسلم فيه، ومنهم من قال: لأنه إظهار ما يتدينون به.

فكل موضع قلنا لا ينتقض عهده كان على الذمة، ولكن تستوفى منه الحقوق التي وجبت عليه بما ارتكبه من الأجرام، فإن كان فعل ما يوجب القتل قتل، أو كان مما يوجب القطع قطع، وإن كان مما يوجب الجلد أو التعزير فعل.

ص: 249

وكل موضع قلنا انتقض عهده فإنه تستوفى منه الحقوق لأنه التزمها.

فإذا استوفيت منه الحقوق فقد اختلف قول الشافعي، فقال في الجزية:"يرد إلى مأمنه"، وقال في النكاح:"يكون الإمام مخيرًا بين أن يسترقه وأن يقتله لأنه حربي لا أمان له"، ومن قال بالأول قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلا يجوز قتله ولا استرقاقه قبل رده إلى مأمنه، كما إذا حصل بأمان صبي، وإذا قلنا لا يجب رده إلى مأمنه فوجهه ما روي عن أبي عبيدة أنه ضرب رقبة النصراني، ولأنه نقض العهد بفعله. هذا كله في أهل الذمة".

انتهى كلام القاضي أبي الطيب، وقد استوفيته لأني أريد أتكلم عليه. ومحل المقصود منه: كلامه مع أبي بكر الفارسي، ورده عليه إما أن يكون ردًا لما ادعاه من القتل، أو لكونه حدًا، أو لدعواه الإجماع، أو ليس لشيء من ذلك ولكن لدعواه انتقاض العهد به، ويكون فهم عنه من قوله:"يقتل" أن مراده انتفاض عهده، فإن كان الرابع فليس مما نحن فيه في شيء، والخلاف في انتفاض العهد بذلك ثابت، والترجيح فيه سيأتي، وكون قضية ابن خطل والقينتين دالة لذلك أو لا: لا يضرنا، ويرشد إلى أن مراد القاضي أبي الطيب ذلك أنه إنما ذكر هذا في معرض انتقاض العهد.

ولا يرد على هذا أنه يتحد هو وقول أبي إسحاق، لأنا نقول: قول أبي إسحاق في ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله، وهذا في الرسول فقط وامتاز بدعوى الإجماع.

ص: 250

فقد يكون الفرق بينهما هذا، فإن صح إرادة هذا لم يبق شيء يوهم جريان خلاف في القتل.

وإن لم يكن هذا الاحتمال الرابع مرادًا: فإن كان الثاني أو الثالث فلا يلزم منه إثبات خلاف في المذهب في القتل، لجواز أن يقول: يقتل كفرًا بحكم نقض العهد، أو: يقتل حدًا، لكن لا إجماع فيه لخلاف أبي حنيفة، وإن كان الأول فالكلام مع القاضي أبي الطيب في رده ودليله، أما دليله فلا ينتج المقصود، لأنا نقول بموجبه، لأن/ الله تعالى شرط في إعطاء الجزية الصغار، وأي صغار مع سب الرسول؟!، والصغار إما أن يفسر بجريان أحكام الشرع عليهم وانقيادهم لها، ولا شك أن الساب ليس كذلك، وإما أن يفسر بالذلة، وحال الساب حال المستعلى لا حال الذليل.

وأما الرد فإذا لم ينتج دليله فلا عبرة به، ولم يصرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يقتل حتى يثبت ذلك وجهًا في المذهب.

ثم إن أبا بكر الفارسي نقل الإجماع، ونقل الإجماع إنما يرد بنقل خلاف لا بدليل متنازع في صحته، وكفى بالإجماع دليلا، والإجماع المنقول بالآحاد حجة.

وكون أبي حنيفة خالف قد اعتذر عنه عن الفارسي بأحد أمور:

- إما أن يكون مراده إجماع الصحابة والتابعين،

ص: 251

- وإما أن يكون مراده من المسلمين، لكن على هذا يخرج عن مسألتنا،

- وإما أن يكون مراده أنه مسوغ للقتل في الجملة، وأبو حنيفة وإن قال: لا ينتقض عهد الذمي ولا يقتل به فقد قيل إن مذهبه التعزيز بالقتل فيما فحش من الجرائم.

- وسلمنا أن أبا حنيفة خارج مما ادعاه الفارسي فلا أقل من دلالة كلامه على إجماع الشافعية، وهو من العارفين بمذهب الشافعي، فكيف تسوغ منازعته بغير نقل ولا دليل سالم عن النزاع؟!

وقد تبع القاضي أبا الطيب على ما قال جماعة، منهم صاحبه ابن الصباغ، فقال كقوله، قال:

"أكثر أصحابنا أنه يجري مجرى السبعة، وقال أبو إسحاق: يجب شرط ذلك: وإذا ترك فسد عقد الذمة. وحكي عن أبي بكر الفارسي أنه

ص: 252

قال: من شتم منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حدًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمن ابن خطل والقينتين، وهذا ليس بصحيح، لأن أولئك كانوا من المشركين لا أمان لهم".

وهذا الذي قاله ابن الصباغ ليس بصحيح لثلاثة أوجه:

أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم أمن الناس كلهم كما رواه الدارقطني وغيره إلا أولئك النفر الذين أهدر دماءهم، فقوله:"إن المشركين لا أمان لهم" ليس بصحيح.

الثاني والثالث: أن ابن خطل كان أسلم ثم ارتد، والقينتين لا تقتلان/ بالكفر الأصلي، لأن النساء لا يقتلن إذا لم يقاتلن بالإجماع، فلم يكن قتل القينتين إلا للسب، أو لانضمام السب إلى الكفر الأصلي، وقتل ابن خطل: للسب والردة.

ومنهم: صاحبه الشيخ أبو إسحاق، قال في "المهذب":

"قال أبو إسحاق: حكمه حكم الامتناع من التزام الجزية وأحكام المسلمين والاجتماع على قتالهم، وقال عامة أصحابنا: حكمه حكم ما فيه

ص: 253

ضرر بالمسلمين، وهي السبعة، ومن أصحابنا من قال: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قتله، لما روي أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر: سمعت راهبًا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا".

وهكذا البغوي في "التهذيب"، فيه مثل ما في "المهذب" حرفًا بحرف، وزاد: يقتل حدًا.

ص: 254

واستدلالهما بقول ابن عمر يقتضي أنه يقول: يقتل كفرًا لنقض العهد لقول ابن عمر: "إنا لم نعطه الأمان على هذا".

والنقل عن الصاحب المذكور أنه يقتل حدًا و"بعض أصحابنا" المبهم في "المهذب" و"التهذيب" هو أبو بكر الفارسي كما يدل عليه ما في "تعليقة أبي الطيب" و"الشامل".

وبما يتقدم تنبيه على التوقف في إثبات الخلاف في ذلك، بل نجزم أن القاطعين بالقتل لا يعارض كلامهم شيء.

وقال صاحب "البيان".

"قال أبو بكر الفارسي: من أصحابنا من قال: من سب الرسول صلى الله عليه وسلم وجب قتله حدًا لأنه انتقضت ذمته. ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمن ابن خطل ومقيسًا لأنهما كانا يسبانه". وذكر أثر ابن عمر. قال: "والأول أصح، لأن ابن خطل ومقيسًا كانا مشركين لا أمان لهما قبل هذا".

قلت: ابن خطل ومقيس كانا مسلمين قبل ذلك وارتدا، وكل المشركين كان له أمان إلا من أهدر دمه، فإن كان القتل للشرك فقد فغيرهما من المشركين لم يقتل، وإن كان لسب مع الشرك الذي لم يتقدم له أمان فيقتضي أن الحربي الساب يقتل، فالذمي أولى، لأنه ملتزم أحكام الإسلام.

ص: 255

وقول صاحب "البيان"/: إن الفارسي قال: "من أصحابنا من قال .. " يقتضي أن الفارسي ناقل لا قائل، وهو خلاف المشهور.

وتعليله بأنه انتقضت ذمته يخالف قوله: "حدا .. " بعض مخالفة.

وقوله: ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره ليس بصحيح، فقد ذكرنا أنه ذكر أنه يقتل سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا، وإنما مراد صاحب "البيان" وجوب قتله، وهو صحيح.

وفهم صاحب "البيان" أنه على الأول لا يقتل وأنه الأصح، وهو معذور في هذا الفهم، لأن كلام "المهذب" يوهمه، ولكن ذلك لا يمكن نقله عن أحدٍ من الأصحاب، ولا له دليل صحيح.

وأفحش من هذا وأقبح تصريح يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون في "مسائل جمعها على المهذب" بهذا الفهم، فقال:"قوله: وإن ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله أو دينه ولم يشترط في العقد الكف عنه لم ينتقض العهد، ويستوفى موجبه، وهو التعزيز، وقول ابن عمر محمول على أنه كان مشروطًا"!

ص: 256

وهذا التصريح من أقبح ما يقع للمصنفين، ويجب على المصنف أن يحافظ على أنه لا يصرح بمقتضى لفظ محتمل إلا إذا تتبع أصوله وعرف صحته، وإلا فيأتي به على وجهه، ومتى لم يفعل ذلك كان غير مؤد للأمانة، ولا قائم بالإرشاد للخلق، وكل هذه الفهوم أصلها بحث القاضي أبي الطيب مع الفارسي، وقد بينا أنه ليس بنقل صريح، ولا دليل صحيح، ويعقوب بن أبي عصرون هذا ليس بعمدة، وإذا كان خفي على من هو أكبر منه فهو بطريق الأولى.

وقال الرافعي رحمه الله بعد أن حكى الخلاف في انتقاض العهد، قال:

"وفي "الشامل" وغيره أن أبا بكر الفارسي قال: من شتم منهم النبي صلى الله عليه وسلم قتل حدًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن خطل والقينتين ولم يؤمنهم. وزيفوه وقالوا: إنهم كانوا مشركين لا أمان لهم".

قلت: وقد سبق تزييف هذا التزييف، وقد أدى الرافعي رحمه الله الأمانة في النقل على صورته، ولم يذكره هو وغيره إلا في ضمن الكلام على انتقاض العهد، وكأنهم يريدون أن هؤلاء مشركون لم يكن لهم عهد، وهذا صحيح/ في بعضهم، مثل القينتين ومثل الحويرث بن نقيد، ولكنا نقول: إذا جاز قتل الحربي والمرأة اللذين لا أمان لهم بالسب فلأن يقتل الذمي أولى.

ص: 257

وقال الروياني في "البحر":

"ذكر أبو بكر الفارسي أن الأمة أجمعت على أن من شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدة القتل، بخلاف ما لو قذف غيره يحد ثمانين. قال أصحابنا: معناه أن بقذفه يكفر فيقتل بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هاهنا بقي حد القذف عليه ثمانون، وقيل: أراد به أنه يقتل حدا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن خطل، وهذا الاستدلال لا يصح، لأن ذاك كان مشركًا لا أمان له، فلهذا قتل، بخلاف هذا".

قلت: مراد الفارسي أنه أمن غيره من المشركين وقتله، فصار وصف الشرك في هذا الموضع لا أثر له، وعلة عدم التأمين إنما هو السب، وهي موجودة في الذمي، وإذا سلم على مقتضى كلامه أنها علة في المشرك الذي لا أمان له ففي الملتزم الأحكام أولى.

وقد استوفيت ما وجدته من كلام العراقيين، والروياني ينحو نحوهم، فذكرته معهم، وكذلك البغوي لكونه تبع أبا الطيب في هذا.

وأما المراوزة:

ص: 258

فقال القاضي حسين:

"إن ذكر كتاب الله تعالى بسوء كأن قال: ليس من عند الله، أو: ليس بمعجز، إن لم يكن شرط لم يصر ناقضًا، وإن شرط صار ناقصًا. وإن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بسوء إن كان لا يعتقد ذلك فيه كأن نسبه إلى زنا أو طعن في نسبه صار به ناقصًا، شرط أو لم يشرط، وإن كان يعتقده كأن نسبه إلى الكذب وقتل اليهود بغير حق فكالقسم الثاني".

ثم قال:

"فإذا قلنا ينتقض العهد في هذه المواضع، فلو ارتكب ما يوجب الحد نقيم عليهم الحد، ثم إما أن نقتلهم أو نسترقهم أو نلحقهم بالمأمن، وإذا قلنا: لا ينتقض فنقيم الحد".

وقال صاحبه البغوي في "التهذيب" بعد أن ذكر الخلاف في الانتقاض، قال:

"وعلى القولين يقام عليهم موجباتها، فما كان موجبًا للحد يقام حده، وما يوجب التعزيز يعزر به، لأنه ارتكبه حين كان يجري عليه حكم الإسلام".

وقال الفوراني في "العمد":

ص: 259

"ما يكون خلافه نقضًا شرط أو لم يشرط، وهو: جريان حكم الإسلام، والكف عن قتالنا، وبذل الجزية، وذكر نبينا صلى الله عليه وسلم بسوء لا يعتقدونه، مثل إن نسبوه إلى زنا أو طعنوا في نسبه. وقال الفارسي: من سب نبينا صلى الله عليه وسلم نقتله حدًا، يعني: نقتله/ بالردة، لا أنه لا تقبل توبته كما لو سب الله تعالى".

وذكر الإمام الغزالي في أكثر كتبه الخلاف في انتقاض العهد بذلك، وزاد في "الخلاصة" فقال:

"يشترط عليهم أن يكونوا صاغرين لا يذكرون ديننا ونبينا وكتاب الله، ولا يتجسسوا للمشركين، ولا يؤوا جاسوسهم، وما أشبه ذلك، ثم لا يختلف القول أنهم إن امتنعوا عن الجزية فقد نقضوا عهدهم، وكذلك إن ذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله عز وجل بسوء، والمذهب أنه لا تقبل في ذلك توبتهم وأن يقتلوا على مكانهم، إلا في الامتناع من الجزية فإن توبتهم مقبولة، والامتناع من جريان الأحكام عليهم مثل الامتناع من الجزية، وإنما القتل عاجلا ـ على الصحيح ـ بذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء".

هذا كلام الغزالي في "الخلاصة"، وحسبك به بيانًا وتصريحه بأن المذهب أنه لا تقبل توبتهم ويقتلوا على مكانهم، والظاهر أن مراده بعدم قبول توبتهم أي ما داموا كفارًا، ولا يريد به الإسلام فإنه مقبول منهم كما سنذكره.

وقوله: "المذهب .. " يشير إلى خلاف أنه تقبل توبتهم في ذلك، ولم أر من صرح به إلا أن يكون ما قاله القاضي أبو الطيب، مع أن الظاهر أن

ص: 260

هذا غيره، فإن مقتضى هذا أنه تنتقض ذمته قولا واحدًا، فإن تابوا مع بقائهم على الكفر يقرون بالجزية على وجه ولا يقتلون ولا يلحقون بمأمنهم كما بذلوا الجزية، وأن المذهب بخلاف ذلك، وأنهم يقتلون، فلم يحك الغزالي خلافًا في كون السب موجبًا لنقض الذمة والقتل في الجملة، بخلاف ما يشير إليه كلام القاضي أبي الطيب، فهو غيره بلا شك.

ولعل مراد الغزالي أنه يقتل على المذهب حدًا كما قال الفارسي.

وعلى الوجه الذي أشار إليه يتخير الإمام بين قتله واسترقاقه أو يرده إلى مأمنه لأنه انتقض عهده، وثبوت هذا الوجه أيضًا بعيد.

واعلم أن هذه الوجوه التي يشار إليها بقول الأصحاب: "المذهب .. " ونحوه ينبغي أن يتوقف في ثبوتها، لأنه يحتمل أن يكون مراده أن هذا هو مذهب الشافعي وإن لم يستحضر خلافه، فالمحقق من نقل/ الغزالي أن المذهب أن الساب الذمي يقتل ما لم يسلم، وأما إثبات خلاف فيه فلم يتحقق.

وقال أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بإلكيا في كتابه المسمى "شفاء العليل في أحكام التنزيل" في قوله تعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم

) الآية [التوبة: 12]:

ص: 261

" .. إن مذهب الشافعي أن المعاهد إذا طعن في الدين وجاهر بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يحل قتله وقتاله، وإن أبا حنيفة قال: إن مجرد الطعن في الدين لا ينقض العهد". قال: "ولا شك أن دلالة الآية قوية في تحقيق ما قاله الشافعي". هذا كلام إلكيا رحمه الله.

فقد ثبت التصريح بقتل الساب الذمي من كلام الشافعي، وابن المنذر، والخطابي، والشيخ أبي حامد، والمحاملي، وسليم الرازي، ونصر المقدسي، وإلكيا، والغزالي ونسبته إياه إلى المذهب، وأبي بكر الفارسي وحكايته الإجماع فيه، وأبي بكر القفال على ما نقل الإمام أنه وافقه، وإن كان الإمام ذكره في المسلم، وإن كان الغزالي خالف إمامه في النقل، فنقل عن القفال موافقة الصيدلاني وعن القاضي حسين موافقة الفارسي، واعتماد نقل الإمام أولى.

ولم نجد أحدًا قط من أصحاب الشافعي يتحقق منه أنه يقول: لا يجب عليه القتل، إلا ما ذكرناه من ألفاظ لا صريحة ولا ظاهرة.

ثم لو ثبت ذلك عن أحد من الأصحاب كان نص إمامه الذي حكيناه رادًا عليه، والأدلة التي سنذكرها أيضًا، وكل من توهم خلافًا في هذه المسألة إنما حمله عليه كلام الرافعي، والرافعي تبع أتباع القاضي أبي الطيب، وقد تكملنا على كلامه وبينا الاحتمالات التي فيه.

ثم لو صرح القاضي أبو الطيب: أهو أحق أن يتبع أم الشافعي والدليل؟!

وأما الإشارة التي ذكرناها عن "الخلاصة" فقد أجبنا عنها بحمد الله تعالى.

ص: 262