الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْل الأول فِي ذكر أفضليتهم على هَذَا التَّرْتِيب وَفِي تَصْرِيح عَليّ بأفضلية الشَّيْخَيْنِ على سَائِر الْأمة وَفِي بطلَان مَا زَعمه الرافضة والشيعة من أَن ذَلِك مِنْهُ قهر وتقية
اعْلَم أَن الَّذِي أطبق عَلَيْهِ عُظَمَاء الْملَّة وعلماء الْأمة أَن أفضل هَذِه الْأمة أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر ثمَّ اخْتلفُوا فالأكثرون وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَأحمد وَهُوَ الْمَشْهُور عَن مَالك أَن الْأَفْضَل بعدهمَا عُثْمَان ثمَّ عَليّ رضي الله عنهم وَجزم الْكُوفِيُّونَ وَمِنْهُم سُفْيَان الثَّوْريّ بتفضيل عَليّ على عُثْمَان وَقيل بِالْوَقْفِ عَن التَّفَاضُل بَينهمَا وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك فقد حكى أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ عَن الْمُدَوَّنَة أَن مَالِكًا رحمه الله سُئِلَ أَي النَّاس أفضل بعد نَبِيّهم فَقَالَ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ قَالَ أوفي ذَلِك شكّ فَقيل لَهُ وَعلي وَعُثْمَان فَقَالَ مَا أدْركْت أحدا مِمَّن أقتدي بِهِ يفضل أَحدهمَا على الآخر انْتهى
وَقَوله رضي الله عنه أوفي ذَلِك شكّ يُرِيد مَا يَأْتِي عَن الْأَشْعَرِيّ أَن تَفْضِيل
أبي بكر ثمَّ عمر على بَقِيَّة الْأمة قَطْعِيّ وتوقفه هَذَا رَجَعَ عَنهُ فقد حكى القَاضِي عِيَاض عَنهُ أَنه رَجَعَ عَن التَّوَقُّف إِلَى تَفْضِيل عُثْمَان قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ الْأَصَح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمَال إِلَى التَّوَقُّف إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ وتتعارض الظنون فِي عُثْمَان وَعلي وَنَقله ابْن عبد الْبر عَن جمَاعَة من السّلف من أهل السّنة مِنْهُم مَالك وَيحيى الْقطَّان وَيحيى بن معِين قَالَ ابْن معِين وَمن قَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَعرف لعَلي سابقته وفضله فَهُوَ صَاحب سنة
وَلَا شكّ أَن من اقْتصر على عُثْمَان وَلم يعرف لعَلي فَضله فَهُوَ مَذْمُوم وَزعم ابْن عبد الْبر أَن حَدِيث الِاقْتِصَار على الثَّلَاثَة أبي بكر وَعَمْرو وَعُثْمَان مُخَالف لقَوْل أهل السّنة إِن عليا أفضل النَّاس بعد الثَّلَاثَة مَرْدُود بِأَنَّهُ لَا يلْزم من سكوتهم إِذْ ذَاك عَن تفضيله عدم تفضيله
وَأما حِكَايَة أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ الْإِجْمَاع على أَفضَلِيَّة عُثْمَان على عَليّ
فمدخولة وَإِن نقل ذَلِك عَن بعض الْحفاظ وَسكت عَلَيْهِ لما بَيناهُ من الْخلاف
ثمَّ الَّذِي مَال إِلَيْهِ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِمَام أهل السّنة أَن تَفْضِيل أبي بكر على من بعده قَطْعِيّ وَخَالفهُ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني فَقَالَ إِنَّه ظَنِّي وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد وَبِه جزم صَاحب الْمُفْهم فِي شرح مُسلم وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ لَو أَن رجلا قَالَ عمر أفضل من أبي بكر مَا عنفته وَكَذَلِكَ لَو قَالَ عَليّ عِنْدِي أفضل من أبي بكر وَعمر لم أعنفه إِذا ذكر فضل الشَّيْخَيْنِ وأحبهما وَأثْنى عَلَيْهِمَا بِمَا هما أَهله فَذكرت ذَلِك لوكيع فأعجبه أه واشتهاه
وَلَيْسَ ملحظ عدم تعنيف قَائِل ذَلِك إِلَّا أَن التَّفْضِيل الْمَذْكُور ظَنِّي لَا قَطْعِيّ وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا حَكَاهُ الْخطابِيّ عَن بعض مشايخه أَنه كَانَ يَقُول أَبُو بكر خير وَعلي أفضل
لَكِن قَالَ بَعضهم إِن هَذَا تهافت من القَوْل أَي أَنه لَا معنى للخيرية إِلَّا الْأَفْضَلِيَّة فَإِن أُرِيد أَن خيرية أبي بكر من بعض الْوُجُوه وأفضلية عَليّ من وَجه آخر لم يكن ذَلِك من مَحل الْخلاف وَلم يكن الْأَمر فِي ذَلِك خَاصّا بِأبي بكر وَعلي بل أَبُو بكر وَأَبُو عُبَيْدَة مثلا يُقَال فيهمَا ذَلِك فَإِن الْأَمَانَة الَّتِي فِي أبي عُبَيْدَة وَخَصه بهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص أَبَا بكر بِمِثْلِهَا فَكَانَ خيرا من أبي بكر من هَذَا الْوَجْه وَالْحَاصِل أَن الْمَفْضُول قد تُوجد فِيهِ مزية بل مزايا لَا تُوجد فِي الْفَاضِل فَإِن
أَرَادَ شيخ الْخطابِيّ ذَلِك وَأَن أَبَا بكر أفضل مُطلقًا إِلَّا أَن عليا وجدت فِيهِ مزايا لم تُوجد فِي أبي بكر فَكَلَامه صَحِيح وَإِلَّا فَكَلَامه فِي غَايَة التهافت خلافًا لمن انتصر لَهُ وَوَجهه بِمَا لَا يجدي بل لَا يفهم
فَإِن قلت يُنَافِي مَا قَدمته من الْإِجْمَاع على أَفضَلِيَّة أبي بكر قَول ابْن عبد الْبر إِن السّلف اخْتلفُوا فِي تَفْضِيل أبي بكر وَعلي رضي الله عنهما وَقَوله أَيْضا قبل ذَلِك رُوِيَ عَن سلمَان وَأبي ذَر والمقداد وخباب وَجَابِر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَزيد ابْن أَرقم أَن عليا أول من أسلم وفضله هَؤُلَاءِ على غَيره أه
قلت أما مَا حَكَاهُ أَولا من أَن السّلف اخْتلفُوا فِي تفضيلهما فَهُوَ شَيْء غَرِيب انْفَرد بِهِ عَن غَيره مِمَّن هُوَ أجل مِنْهُ حفظا واطلاعا فَلَا يعول عَلَيْهِ فَكيف والحاكي لإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على تَفْضِيل أبي بكر وَعمر وتقديمهما على سَائِر الصَّحَابَة جمَاعَة من أكَابِر الْأَئِمَّة مِنْهُم الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَمَا حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَأَن من اخْتلف مِنْهُم إِنَّمَا اخْتلف فِي عَليّ وَعُثْمَان وعَلى التنزل فِي أَنه حفظ مَا لم يحفظ غَيره فيجاب عَنهُ بِأَن الْأَئِمَّة إِنَّمَا أَعرضُوا عَن هَذِه الْمقَالة لشذوذها ذَهَابًا إِلَى أَن شذوذ الْمُخَالف لَا يقْدَح فِيهِ أَو رَأَوْا أَنَّهَا حَادِثَة بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع فَكَانَت فِي حيّز الطرح وَالرَّدّ على أَن الْمَفْهُوم من كَلَام ابْن عبد الْبر أَن الْإِجْمَاع اسْتَقر على تَفْضِيل الشَّيْخَيْنِ على الختنين
وَأما مَا وَقع فِي طَبَقَات ابْن السُّبْكِيّ الْكُبْرَى عَن بعض الْمُتَأَخِّرين من تَفْضِيل الحسنين من حَيْثُ إنَّهُمَا بضعَة فَلَا يُنَافِي ذَلِك لما قدمْنَاهُ من أَن الْمَفْضُول قد تُوجد فِيهِ مزية لَيست فِي الْفَاضِل على أَن هَذَا تَفْضِيل لَا يرجع لِكَثْرَة الثَّوَاب بل لمزيد شرف فَفِي ذَات أَوْلَاده صلى الله عليه وسلم من الشّرف مَا لَيْسَ فِي ذَات الشَّيْخَيْنِ ولكنهما أَكثر ثَوابًا وَأعظم نفعا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين وأخشى لله وَأتقى مِمَّن عداهما من أَوْلَاده صلى الله عليه وسلم فضلا عَن غَيرهم وَأما مَا حَكَاهُ أَعنِي ابْن عبد الْبر ثَانِيًا عَن أُولَئِكَ الْجَمَاعَة فَلَا يَقْتَضِي أَنهم قَائِلُونَ بأفضلية عَليّ على أبي بكر مُطلقًا بل إِمَّا من حَيْثُ تقدمه عَلَيْهِ إسلاما بِنَاء على القَوْل بذلك أَو مُرَادهم بتفضيل عَليّ على غَيره مَا عدا الشَّيْخَيْنِ وَعُثْمَان لقِيَام الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة الصَّحِيحَة على أَفضَلِيَّة هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ
فَإِن قلت مَا مُسْتَند إِجْمَاعهم على ذَلِك
قلت الْإِجْمَاع حجَّة على كل أحد وَإِن لم يعرف مُسْتَنده لِأَن الله عصم هَذِه الْأمة من أَن تَجْتَمِع على ضَلَالَة وَيدل لذَلِك بل يُصَرح بِهِ قَوْله تَعَالَى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا النِّسَاء 115 وَقد أَجمعُوا أَيْضا على استحقاقهم الْخلَافَة على هَذَا التَّرْتِيب لَكِن هَذَا قَطْعِيّ كَمَا مر بأدلته مَبْسُوطا
فَإِن قلت لم لم يكن التَّفْضِيل بَينهم على هَذَا التَّرْتِيب قَطْعِيا أَيْضا حَتَّى عِنْد غير الْأَشْعَرِيّ للْإِجْمَاع عَلَيْهِ قلت أما بَين عُثْمَان وَعلي فَوَاضِح للْخلاف فِيهِ كَمَا تقدم وَأما بَين أبي بكر ثمَّ عمر ثمَّ غَيرهمَا فَهُوَ وَإِن أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَّا أَن فِي كَون
الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة خلاف فَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنه حجَّة قَطْعِيَّة مُطلقًا فَيقدم على الْأَدِلَّة كلهَا وَلَا يُعَارضهُ دَلِيل أصلا وَيكفر أَو يبدع ويضلل مخالفه وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ والآمدي إِنَّه ظَنِّي مُطلقًا وَالْحق فِي ذَلِك التَّفْضِيل فَمَا اتّفق عَلَيْهِ المعتبرون حجَّة قَطْعِيَّة وَمَا اخْتلفُوا كالإجماع السكوتي وَالْإِجْمَاع الَّذِي ندر مخالفه فَهُوَ ظَنِّي
وَقد علمت مِمَّا قَرّرته لَك أَن هَذَا الْإِجْمَاع لَهُ مُخَالف نَادِر فَهُوَ وَإِن لم يعْتد بِهِ فِي الْإِجْمَاع على مَا فِيهِ من الْخلاف فِي مَحَله لكنه يُورث انحطاطه عَن الْإِجْمَاع الَّذِي لَا مُخَالف لَهُ فَالْأول ظَنِّي وَهَذَا قَطْعِيّ وَبِهَذَا يتَرَجَّح مَا قَالَه غير الْأَشْعَرِيّ من أَن الْإِجْمَاع هُنَا ظَنِّي لِأَنَّهُ اللَّائِق بِمَا قَرَّرْنَاهُ من أَن الْحق عِنْد الْأُصُولِيِّينَ التَّفْضِيل الْمَذْكُور وَكَانَ الْأَشْعَرِيّ من الْأَكْثَرين الْقَائِلين بِأَنَّهُ قَطْعِيّ مُطلقًا
وَمِمَّا يُؤَكد أَنه هُنَا ظَنِّي أَن المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضلية الْمَذْكُورَة وَإِنَّمَا ظنوها فَقَط كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من عِبَارَات الْأَئِمَّة وإشاراتهم وَسبب ذَلِك أَن الْمَسْأَلَة اجتهادية وَمن مُسْتَنده أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اخْتَارَهُمْ الله لخلافة نبيه صلى الله عليه وسلم وَإِقَامَة دينه فَكَانَ الظَّاهِر أَن مَنْزِلَتهمْ عِنْده بِحَسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَأَيْضًا ورد فِي أبي بكر وَغَيره كعلي نُصُوص متعارضة يَأْتِي بسطها فِي الْفَضَائِل وَهِي لَا تفِيد الْقطع لِأَنَّهَا بأسرها آحَاد وظنية الدّلَالَة مَعَ كَونهَا متعارضة أَيْضا وَلَيْسَ الِاخْتِصَاص بِكَثْرَة أَسبَاب الثَّوَاب مُوجبا لزيادته المستلزمة للأفضلية قطعا بل ظنا
لِأَنَّهُ تفضل من الله فَلهُ أَن لَا يثيب الْمُطِيع ويثيب غَيره وَثُبُوت الْإِمَامَة وَإِن كَانَ قَطْعِيا لَا يُفِيد الْقطع بالأفضلية بل غَايَته الظَّن كَيفَ وَلَا قَاطع على بطلَان إِمَامَة الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل لكننا وجدنَا السّلف فضلوهم كَذَلِك وَحسن ظننا بهم قَاض بِأَنَّهُم لَو لم يطلعوا على دَلِيل فِي ذَلِك لما أطبقوا عَلَيْهِ فلزمنا اتباعهم فِيهِ وتفويض مَا هُوَ الْحق فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى
قَالَ الْآمِدِيّ وَقد يُرَاد بالتفضيل اخْتِصَاص أحد الشَّيْخَيْنِ عَن الآخر إِمَّا بِأَصْل فَضِيلَة لَا وجود لَهَا فِي الآخر كالعالم وَالْجَاهِل وَإِمَّا بِزِيَادَة فِيهَا لكَونه أعلم مثلا وَذَلِكَ أَيْضا غير مَقْطُوع بِهِ فِيمَا بَين الصَّحَابَة إِذْ مَا من فَضِيلَة تبين اختصاصها بِوَاحِد مِنْهُم إِلَّا وَيُمكن بَيَان مُشَاركَة غَيره لَهُ فِيهَا وَبِتَقْدِير عدم الْمُشَاركَة فقد يُمكن بَيَان اخْتِصَاص الآخر بفضيلة أُخْرَى وَلَا سَبِيل إِلَى التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْفَضَائِل لاحْتِمَال أَن تكون الْفَضِيلَة الْوَاحِدَة أرجح من فَضَائِل كَثِيرَة إِمَّا لزِيَادَة شرفها فِي نَفسهَا أَو لزِيَادَة كميتها فَلَا جزم بالأفضلية لهَذَا الْمَعْنى أَيْضا
وَأَيْضًا فحقيقة الْفضل مَا هُوَ فضل عِنْد الله وَذَلِكَ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْي وَقد ورد الثَّنَاء عَلَيْهِم وَلَا يتَحَقَّق إِدْرَاك حَقِيقَة ذَلِك الْفضل عِنْد عدم دَلِيل قَطْعِيّ متْنا وسندا إِلَّا المشاهدون لزمن الْوَحْي وأحواله صلى الله عليه وسلم مَعَهم لظُهُور الْقَرَائِن الدَّالَّة على التَّفْضِيل حِينَئِذٍ بِخِلَاف من لم يشْهد ذَلِك نعم وصل إِلَيْنَا سمعيات أكدت عندنَا الظَّن بذلك التَّفْضِيل على ذَلِك التَّرْتِيب لإفادتها لَهُ صَرِيحًا أَو
استنباطا وَسَتَأْتِي مبسوطة فِي الْفَضَائِل
وَيُؤَيّد مَا مر أَنه لَا يلْزم من الْإِجْمَاع على الأحقية بالخلافة من عَليّ مَعَ اخْتلَافهمْ فِي أَيهمَا أفضل وَقد الْتبس هَذَا الْمقَام على بعض من لَا فطنة عِنْده فَظن أَن من قَالَ من الْأُصُولِيِّينَ إِن أَفضَلِيَّة أبي بكر إِنَّمَا ثبتَتْ بِالظَّنِّ لَا بِالْقطعِ يدل على أَن خِلَافَته كَذَلِك وَلَيْسَ كَمَا زعم على أَنهم كَمَا صَرَّحُوا بذلك صَرَّحُوا مَعَه بِأَن خِلَافَته قَطْعِيَّة فَكيف حِينَئِذٍ يَتَأَتَّى مَا ظَنّه ذَلِك الْبَعْض هَذَا وَلَك أَن تَقول إِن أَفضَلِيَّة أبي بكر ثبتَتْ بِالْقطعِ حَتَّى عِنْد غير الْأَشْعَرِيّ أَيْضا بِنَاء على مُعْتَقد الشِّيعَة والرافضة وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ورد عَن عَليّ وَهُوَ مَعْصُوم عِنْدهم والمعصوم لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب أَن أَبَا بكر وَعمر أفضل الْأمة
قَالَ الذَّهَبِيّ وَقد تَوَاتر ذَلِك عَنهُ فِي خِلَافَته وكرسي مَمْلَكَته وَبَين الجم الْغَفِير من شيعته ثمَّ بسط الْأَسَانِيد الصَّحِيحَة فِي ذَلِك قَالَ وَيُقَال رَوَاهُ عَن عَليّ نَيف وَثَمَانُونَ نفسا وَعدد مِنْهُم جمَاعَة ثمَّ قَالَ فقبح الله الرافضة مَا أجهلهم انْتهى
وَمِمَّا يعضد ذَلِك مَا فِي البُخَارِيّ عَنهُ أَنه قَالَ خير النَّاس بعد النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَبُو بكر ثمَّ عمر رضي الله عنهما ثمَّ رجل آخر فَقَالَ ابْنه مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ثمَّ أَنْت فَقَالَ إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين
وَصحح الذَّهَبِيّ وَغَيره طرقا أُخْرَى عَن عَليّ بذلك وَفِي بَعْضهَا أَلا وَإنَّهُ بَلغنِي أَن رجَالًا يفضلوني عَلَيْهِمَا فَمن وجدته فضلني عَلَيْهِمَا فَهُوَ مفتر عَلَيْهِ مَا على المفتري أَلا وَلَو كنت تقدّمت فِي ذَلِك لعاقبت أَلا وَإِنِّي أكره الْعقُوبَة قبل التَّقَدُّم
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ لَا أجد أحدا فضلني على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفتري
وَصَحَّ عَن مَالك عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه الباقر أَن عليا رضي الله عنه وقف على عمر بن الْخطاب وَهُوَ مسجى وَقَالَ مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أحدا أحب إِلَيّ أَن ألْقى الله بصحيفته من هَذَا المسجى وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة أَنه قَالَ لَهُ وَهُوَ مسجى صلى الله عَلَيْك ودعا لَهُ
قَالَ سُفْيَان فِي رِوَايَة قيل للباقر أليست الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء مَنْهِيّا عَنْهَا فَقَالَ هَكَذَا سَمِعت وَعَلِيهِ فيوجه بِاحْتِمَال أَن عليا قَائِل بِعَدَمِ الْكَرَاهَة عملا بقوله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى)
وَأخرج أَبُو بكر الْآجُرِيّ عَن أبي جُحَيْفَة سَمِعت عليا على مِنْبَر الْكُوفَة يَقُول إِن خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ خَيرهمْ عمر
وَأخرج الْحَافِظ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ من طرق متنوعة وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا عَنهُ أَيْضا دخلت على عَليّ فِي بَيته فَقلت يَا خير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مهلا يَا أَبَا جُحَيْفَة أَلا أخْبرك بِخَير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبُو بكر وَعمر وَيحك يَا أَبَا جُحَيْفَة لَا يجْتَمع حبي وبغض أبي بكر وَعمر فِي قلب مُؤمن وأخباره بكونهما خير الْأمة ثبتَتْ عَنهُ من رِوَايَة ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَجَاء عَنهُ من طرق كَثِيرَة بِحَيْثُ يجْزم من تتبعها بصدور هَذَا القَوْل من عَليّ والرافضة وَنَحْوهم لما لم يكن يُمكنهُم إِنْكَار صُدُور هَذَا القَوْل مِنْهُ لظُهُوره عَنهُ بِحَيْثُ لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل بالآثار أَو مباهت قَالُوا إِنَّمَا قَالَ عَليّ ذَلِك تقية وَمر أَن ذَلِك كذب وافتراء وَسَيَأْتِي أَيْضا وَأحسن مَا يُقَال فِي هَذَا الْمحل أَلا لعنة الله على الْكَاذِبين
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَن أَبَا جُحَيْفَة كَانَ يرى أَن عليا أفضل الْأمة فَسمع أَقْوَامًا يخالفونه فَحزن حزنا شَدِيدا فَقَالَ لَهُ عَليّ بعد أَن أَخذ بِيَدِهِ وَأدْخلهُ بَيته مَا
أحزنك يَا أَبَا جُحَيْفَة فَذكر لَهُ الْخَبَر فَقَالَ أَلا أخْبرك بِخَير هَذِه الْأمة خَيرهَا أَبُو بكر ثمَّ عمر قَالَ أَبُو جُحَيْفَة فَأعْطيت الله عهدا أَن لَا أكتم هَذَا الحَدِيث بعد أَن شافهني بِهِ عَليّ مَا بقيت
وَقَول الشِّيعَة والرافضة وَنَحْوهمَا إِنَّمَا ذكر عَليّ ذَلِك تقية كذب وافتراء على الله إِذْ كَيفَ يتَوَهَّم ذَلِك من لَهُ أدنى عقل أَو فهم مَعَ ذكره لَهُ فِي الْخَلَاء فِي مُدَّة خِلَافَته لِأَنَّهُ قَالَه على مِنْبَر الْكُوفَة وَهُوَ لم يدخلهَا إِلَّا بعد فَرَاغه من حَرْب أهل الْبَصْرَة وَذَلِكَ أقوى مَا كَانَ أمرا وأنفذ حكما وَذَلِكَ بعد مُدَّة مديدة من موت أبي بكر وَعمر
قَالَ بعض أَئِمَّة أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ بعد أَن ذكر ذَلِك فَكيف يتعقل وُقُوع مثل هَذِه التقية المشؤومة الَّتِي أفسدوا بهَا عقائد أَكثر أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ لإظهارهم لَهُم كَمَال الْمحبَّة والتعظيم فمالوا إِلَى تقليدهم حَتَّى قَالَ بَعضهم أعز الْأَشْيَاء فِي الدُّنْيَا شرِيف سني فَلَقَد عظمت مُصِيبَة أهل الْبَيْت بهؤلاء وَعظم عَلَيْهِم أَولا وآخرا انْتهى
وَمَا أحسن مَا أبطل بِهِ الباقر هَذِه التقية المشؤومة لما سُئِلَ عَن الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ إِنِّي أتولاهما فَقيل لَهُ إِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن ذَلِك تقية فَقَالَ إِنَّمَا يخَاف الْأَحْيَاء وَلَا
يخَاف الْأَمْوَات فعل الله بِهِشَام بن عبد الْملك كَذَا وَكَذَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره فَانْظُر مَا أبين هَذَا الِاحْتِجَاج وأوضحه من مثل هَذَا الإِمَام الْعَظِيم الْمجمع على جلالته وفضله بل أُولَئِكَ الأشقياء يدعونَ فِيهِ الْعِصْمَة فَيكون مَا قَالَه وَاجِب الصدْق وَمَعَ ذَلِك فقد صرح لَهُم بِبُطْلَان تِلْكَ التقية المشؤومة عَلَيْهِم وَاسْتدلَّ لَهُم على ذَلِك بِأَن اتقاء الشَّيْخَيْنِ بعد مَوْتهمَا لَا وَجه لَهُ إِذْ لَا سطوة لَهما حِينَئِذٍ ثمَّ بَين لَهُم بدعائه على هِشَام الَّذِي هُوَ وَالِي زَمَنه وشوكته قَائِمَة أَنه إِذا لم يتقه مَعَ أَنه يخَاف يخْشَى لسطوته وَملكه وقوته وقهره فَكيف مَعَ ذَلِك يَتَّقِي الْأَمْوَات الَّذين لَا شَوْكَة لَهُم وَلَا سطوة وَإِذا كَانَ هَذَا حَال الباقر فَمَا ظَنك بعلي الَّذِي لَا نِسْبَة بَينه وَبَين الباقر فِي إقدامه وقوته وشجاعته وَشدَّة بأسه وَكَثْرَة عدته وعدده وَأَنه لَا يخَاف فِي الله لومة لائم وَمَعَ ذَلِك فقد صَحَّ عَنهُ بل تَوَاتر كَمَا مر مدح الشَّيْخَيْنِ وَالثنَاء عَلَيْهِمَا وأنهما خير الْأمة وَمر أَيْضا الْأَثر الصَّحِيح عَن مَالك عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه الباقر أَن عليا وقف على عمر وَهُوَ مسجى بِثَوْبِهِ وَقَالَ مَا سبق فَمَا أحْوج عليا أَن يَقُول ذَلِك تقية وَمَا أحْوج الباقر أَن يرويهِ لِابْنِهِ الصَّادِق تقية وَمَا أحْوج الصَّادِق أَن يرويهِ لمَالِك تقية فَتَأمل كَيفَ يسع الْعَاقِل أَن يتْرك مثل هَذَا الْإِسْنَاد الصَّحِيح ويحمله على التقية لشَيْء لم يَصح وَإِنَّمَا هُوَ من جهالاتهم وغباواتهم وكذبهم وحمقهم وَمَا أحسن مَا سلكه بعض الشِّيعَة المنصفين كَعبد الرَّزَّاق فَإِنَّهُ قَالَ أفضل الشَّيْخَيْنِ بتفضيل عَليّ إيَّاهُمَا على نَفسه وَإِلَّا لما فضلتهما كفى بِي وزرا أَن أحبه ثمَّ أخالفه
وَمِمَّا يكذبهم فِي دَعْوَى تِلْكَ التقية المشؤومة عَلَيْهِم مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب رضي الله عنه قَالَ لعَلي بِأَعْلَى صَوته لما بَايع النَّاس أَبَا بكر رضي الله عنه يَا عَليّ غَلَبَكُمْ على هَذَا الْأَمر أذلّ بَيت فِي قُرَيْش أما وَالله لأَمْلَأَنهَا عَلَيْهِ خيلا ورجالا إِن شِئْت فَقَالَ عَليّ رضي الله عنه يَا عَدو الْإِسْلَام وَأَهله فَمَا أضرّ ذَلِك لِلْإِسْلَامِ وَأَهله فَعلم بطلَان مَا زعموه وافتروه من أَن عليا إِنَّمَا بَايع تقية وقهرا وَلَو كَانَ لما زعموه من ذَلِك أدنى صِحَة لنقل واشتهر عَن عَليّ إِذْ لَا دَاعِي لكتمه بل أخرج الدَّارَقُطْنِيّ وروى مَعْنَاهُ من طرق كَثِيرَة عَن عَليّ أَنه قَالَ وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة لَو عهد إِلَيّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لَجَاهَدْت عَلَيْهِ وَلَو لم أجد إِلَّا رِدَائي وَلم أترك ابْن أبي قُحَافَة يصعد دَرَجَة وَاحِدَة من منبره صلى الله عليه وسلم وَلكنه صلى الله عليه وسلم رأى موضعي وموضعه فَقَالَ لَهُ قُم فصل بِالنَّاسِ وَتَرَكَنِي فرضينا بِهِ لدنيانا كَمَا رَضِي بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لديننا وَمر لذَلِك مزِيد بَيَان فِي خَامِس الْأَجْوِبَة عَن خبر من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَفِي الْبَاب الثَّانِي وَفِي غَيرهمَا فراجع ذَلِك كُله فَإِنَّهُ مُهِمّ
وَمِمَّا يلْزم من الْمَفَاسِد والمساوئ والقبائح الْعَظِيمَة على مَا زعموه من نِسْبَة عَليّ إِلَى التقية أَنه كَانَ جَبَانًا ذليلا مقهورا أَعَاذَهُ الله من ذَلِك وحروبه للبغاة لما صَارَت الْخلَافَة لَهُ ومباشرته ذَلِك بِنَفسِهِ ومبارزته للألوف من الْأُمُور المستفيضة
الَّتِي تقطع بكذب مَا نسبه إِلَيْهِ أُولَئِكَ الحمقى والغلاة إِذْ كَانَت الشَّوْكَة من الْبُغَاة قَوِيَّة جدا وَلَا شكّ أَن بني أُميَّة كَانُوا أعظم قبائل قُرَيْش شَوْكَة وَكَثْرَة جَاهِلِيَّة وإسلاما وَقد كَانَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب رضي الله عنه هُوَ قَائِد الْمُشْركين يَوْم أحد وَيَوْم الْأَحْزَاب وَغَيرهمَا وَقد قَالَ لعَلي لما بُويِعَ أَبُو بكر مَا مر آنِفا فَرد عَلَيْهِ ذَلِك الرَّد الْفَاحِش
وَأَيْضًا فبنو تيم ثمَّ بَنو عدي قوما الشَّيْخَيْنِ من أَضْعَف قبائل قُرَيْش فسكوت عَليّ لَهما مَعَ أَنَّهُمَا كَمَا ذكر وقيامه بِالسَّيْفِ على الْمُخَالفين لما انْعَقَدت الْبيعَة لَهُ مَعَ قُوَّة شكيمتهم أوضح دَلِيل على أَنه كَانَ دائرا مَعَ الْحق حَيْثُ دَار وَأَنه من الشجَاعَة بِالْمحل الْأَسْنَى وَأَنه لَو كَانَ مَعَه وَصِيَّة من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي أَمر الْقيام على النَّاس لأنفذ وَصِيَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَو كَانَ السَّيْف على رَأسه مسلطا لَا يرتاب فِي ذَلِك إِلَّا من اعْتقد فِيهِ رضي الله عنه مَا هُوَ بَرِيء مِنْهُ
وَمِمَّا يلْزمهُم أَيْضا على تِلْكَ التقية المشؤومة عَلَيْهِم أَنه رضي الله عنه لَا يعْتَمد على قَوْله قطّ لِأَنَّهُ حَيْثُ لم يزل فِي اضْطِرَاب من أمره فَكل مَا قَالَه يحْتَمل أَنه خَالف فِيهِ الْحق خوفًا وتقية ذكره شيخ الْإِسْلَام الْغَزالِيّ قَالَ غَيره بل يلْزمهُم مَا هُوَ أشنع من ذَلِك واقبح كَقَوْلِهِم إِن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم يعين الْإِمَامَة إِلَّا لعَلي فَمنع من ذَلِك فَقَالَ مروا أَبَا بكر تقية فيتطرق احْتِمَال ذَلِك إِلَى كل مَا جَاءَ عَنهُ صلى الله عليه وسلم وَلَا يُفِيد حِينَئِذٍ إِثْبَات الْعِصْمَة شَيْئا
وَأَيْضًا فقد استفاض عَن عَليّ رضي الله عنه أَنه كَانَ لَا يُبَالِي بِأحد حَتَّى قيل
للشَّافِعِيّ رضي الله عنه مَا نفر النَّاس عَن عَليّ إِلَّا أَنه كَانَ لَا يُبَالِي بِأحد فَقَالَ الشَّافِعِي إِنَّه كَانَ زاهدا والزاهد لَا يُبَالِي بالدنيا وَأَهْلهَا وَكَانَ عَالما والعالم لَا يُبَالِي بِأحد وَكَانَ شجاعا والشجاع لَا يُبَالِي بِأحد وَكَانَ شريفا والشريف لَا يُبَالِي بِأحد أخرجه الْبَيْهَقِيّ
وعَلى تَقْدِير أَنه قَالَ ذَلِك تقية فقد انْتَفَى مقتضيها بولايته وَقد مرعنه من مدح الشَّيْخَيْنِ فِيهَا وَفِي الْخلْوَة وعَلى مِنْبَر الْخلَافَة مَعَ غَايَة الْقُوَّة والمنعة مَا تلِي عَلَيْك قَرِيبا فَلَا تغفل عَنهُ
وَأخرج أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من طرق أَن بَعضهم مر بِنَفر يسبون الشَّيْخَيْنِ فَأخْبر عليا وَقَالَ لَوْلَا أَنهم يرَوْنَ أَنَّك تضمر مَا أعْلنُوا مَا اجترءوا على ذَلِك فَقَالَ عَليّ أعوذ بِاللَّه رحمهمَا الله ثمَّ نَهَضَ فَأخذ بيد ذَلِك الْمخبر وَأدْخلهُ الْمَسْجِد فَصَعدَ الْمِنْبَر ثمَّ قبض على لحيته وَهِي بَيْضَاء فَجعلت دُمُوعه تتحادر على لحيته وَجعل ينظر الْبِقَاع حَتَّى اجْتمع النَّاس ثمَّ خطب خطْبَة بليغة من جُمْلَتهَا مَا بَال أَقوام يذكرُونَ أخوي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وصاحبيه وسيدي قُرَيْش وأبوي الْمُسلمين وَأَنا مِمَّا يذكرُونَ بَرِيء وَعَلِيهِ معاقب صحبا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بالجد وَالْوَفَاء وَالْجد فِي أَمر الله يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لَا يرى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كرأيهما رَأيا وَلَا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما فِي أَمر الله فَقبض وَهُوَ عَنْهُمَا رَاض والمسلمون راضون فَمَا تجاوزا فِي أَمرهمَا وسيرتهما رَأْي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأمره فِي حَيَاته وَبعد مَوته فقبضا على ذَلِك رحمهمَا الله
فوالذي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة لَا يحبهما إِلَّا مُؤمن فَاضل وَلَا يبغضهما ويخالفهما إِلَّا شقي مارق حبهما قربَة وبغضهما مروق
ثمَّ ذكر أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بِالصَّلَاةِ وَهُوَ يرى مَكَان عَليّ ثمَّ ذكر أَنه بَايع أَبَا بكر ثمَّ ذكر اسْتِخْلَاف أبي بكر لعمر ثمَّ قَالَ أَلا وَلَا يبلغنِي عَن أحد أَنه يبغضهما إِلَّا جلدته حد المفتري
وَفِي رِوَايَة وَمَا اجترؤا على ذَلِك أَي سبّ الشَّيْخَيْنِ إِلَّا وهم يرَوْنَ أَنَّك مُوَافق لَهُم مِنْهُم عبد الله بن سبأ وَكَانَ أول من أظهر ذَلِك فَقَالَ عَليّ معَاذ الله أَن أضمر لَهما ذَلِك لعن الله من أضمر لَهما إِلَّا الْحسن الْجَمِيل وسترى ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ أرسل إِلَى ابْن سبأ فسيره إِلَى الْمَدَائِن وَقَالَ لَا يساكني فِي بَلْدَة أبدا
قَالَ الْأَئِمَّة وَكَانَ ابْن سبأ هَذَا يَهُودِيّا فأظهر الْإِسْلَام وَكَانَ كَبِير طَائِفَة من الروافض وهم الَّذين أخرجهم عَليّ رضي الله عنه لما ادعوا فِيهِ الألوهية
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من طرق أَن عليا بلغه أَن رجلا يعيب أَبَا بكر وَعمر فَأحْضرهُ وَعرض لَهُ بعيبهما لَعَلَّه يعْتَرف فَفطن فَقَالَ لَهُ أما وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ أَن لَو سَمِعت مِنْك الَّذِي بَلغنِي أَو الَّذِي نبئت عَنْك وَثَبت عَلَيْك
ببيته لَأَفْعَلَنَّ بك كَذَا وَكَذَا
إِذا تقرر ذَلِك فاللائق بِأَهْل الْبَيْت النَّبَوِيّ اتِّبَاع سلفهم فِي ذَلِك والإعراض مِمَّا يدسه إِلَيْهِم الرافضة وغلاة الشِّيعَة من قبائح الْجَهْل والغباوة والعناد فالحذر الحذر عَمَّا يلقونه إِلَيْهِم أَن كل من اعْتقد تَفْضِيل أبي بكر على عَليّ رضي الله عنهما كَانَ كَافِرًا لِأَن مُرَادهم بذلك أَن يقرروا عِنْدهم تَكْفِير الْأمة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الدّين وعلماء الشَّرِيعَة وعوامهم وَأَنه لَا مُؤمن غَيرهم وَهَذَا مؤد إِلَى هدم قَوَاعِد الشَّرِيعَة من اصلها وإلغاء الْعَمَل بكتب السّنة وَمَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَعَن صحابته وَأهل بَيته إِذْ الرَّاوِي لجَمِيع آثَارهم وأخبارهم وللأحاديث بأسرها بل والناقل لِلْقُرْآنِ فِي كل عصر من عصر النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَإِلَى هَلُمَّ هم الصَّحَابَة والتابعون وعلماء الدّين إِذْ لَيْسَ لنَحْو الرافضة رِوَايَة وَلَا دراية يَدْرُونَ بهَا فروع الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا غَايَة أَمرهم أَن يَقع فِي خلال بعض الْأَسَانِيد من هُوَ رَافِضِي أَو نَحوه وَالْكَلَام فِي قبولهم مَعْرُوف عِنْد أَئِمَّة الْأَثر ونقاد السّنة فَإِذا قَدَحُوا فيهم قَدَحُوا فِي الْقُرْآن وَالسّنة وأبطلوا الشَّرِيعَة رَأْسا
وَصَارَ الْأَمر كَمَا فِي زمن الْجَاهِلِيَّة الجهلاء فلعنة الله وأليم عِقَابه وعظائم نقمته على من يفتري على الله وعَلى نبيه بِمَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال مِلَّته وَهدم شَرِيعَته وَكَيف يسع الْعَاقِل أَن يعْتَقد كفر السوَاد الْأَعْظَم من أمة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مَعَ إقرارهم بِالشَّهَادَتَيْنِ وقبلولهم لشريعة نَبِيّهم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم من غير مُوجب للتكفير وهب أَن عليا أفضل من ابي بكر رضي الله عنهما فِي نفس الْأَمر أَلَيْسَ الْقَائِلُونَ بأفضلية أَب بكر معذورين لأَنهم إِنَّمَا قَالُوا بذلك لأدلة صرحت بِهِ هم مجتهدون والمجتهد إِذا أَخطَأ لَهُ أجر فَكيف يُقَال حِينَئِذٍ بالتكفير وَهُوَ لَا يكون إِلَّا بإنكار مجمع عَلَيْهِ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ عنادا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَأما مَا يفْتَقر إِلَى نظر واستدلال فَلَا كفر بإنكاره وَإِن أجمع عَلَيْهِ على مَا فِيهِ من الْخلاف
وَانْظُر إِلَى إنصافنا معشر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين طهرنا الله من الرذائل والجهالات والعناد والتعصب والحمق والغباوة فإننا لم نكفر الْقَائِلين بأفضلية عَليّ على أبي بكر وَإِن كَانَ ذَلِك عندنَا خلاف مَا أجمعنا عَلَيْهِ فِي كل عصر منا إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم على مَا مر أول هَذَا الْبَاب بل أَقَمْنَا لَهُم الْعذر الْمَانِع من التَّكْفِير وَمن كفر الرافضة من الْأمة فلأمور أُخْرَى من قبائحهم انضمت إِلَى ذَلِك فالحذر الحذر من اعْتِقَاد كفر من قلبه مَمْلُوء بِالْإِيمَان بِغَيْر مُقْتَض تقليدا للجهال الضَّالة الغالية وَتَأمل مَا صَحَّ وَثَبت عَن عَليّ وَأهل بَيته من تصريحهم بتفضيل الشَّيْخَيْنِ على عَليّ فَإِن هَؤُلَاءِ الحمقى وَإِن حملوه على التقية الْبَاطِلَة المشؤومة عَلَيْهِم فَلَا أقل من أَن يكون عذرا لأهل السّنة فِي اتباعهم لعَلي وَأهل بَيته فيجتنب اعْتِقَاد الْكفْر