الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَصْل الثَّانِي فِي بَيَان انْعِقَاد الْإِجْمَاع على وَلَا يته رضي الله عنه
تَنْبِيه
قد علم مِمَّا قدمْنَاهُ أَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجمعُوا على ذَلِك وَأَن مَا حُكيَ من تخلف سعد بن عبَادَة عَن الْبيعَة مَرْدُود
وَمِمَّا يُصَرح بذلك أَيْضا مَا أخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْد الله سيء
وَقد رأى الصَّحَابَة جَمِيعًا أَن يسْتَخْلف أَبُو بكر فَانْظُر إِلَى مَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود وَهُوَ من أكَابِر الصَّحَابَة وفقهائهم ومتقدميهم من حِكَايَة الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة جَمِيعًا على خلَافَة أبي بكر وَلذَلِك كَانَ هُوَ الأحق بالخلافة عِنْد جَمِيع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي كل عصر منا إِلَى الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ عِنْد جَمِيع الْمُعْتَزلَة وَأكْثر الْفرق وإجماعهم على خِلَافَته قَاض بإجماعهم على أَنه أهل لَهَا مَعَ أَنَّهَا من الظُّهُور بِحَيْثُ لَا تخفى
فَلَا يُقَال إِنَّهَا وَاقعَة يحْتَمل أَنَّهَا لم تبلغ بَعضهم وَلَو بلغت الْكل لربما أظهر
بَعضهم خلافًا على أَن هَذَا إِنَّمَا يتَوَهَّم أَن لَو لم يَصح عَن بعض الصَّحَابَة المشاهدين لذَلِك الْأَمر من أَوله إِلَى آخِره حِكَايَة الْإِجْمَاع وَأما بعد أَن صَحَّ عَن مثل ابْن مَسْعُود حِكَايَة إِجْمَاعهم كلهم فَلَا يتَوَهَّم ذَلِك أصلا سِيمَا وَعلي كرم الله وَجهه مِمَّن حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي عِنْد أَنه مَا قدم الْبَصْرَة سُئِلَ عَن مسيره هَل هُوَ بِعَهْد من النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَذكر مبايعته هُوَ وَبَقِيَّة الصَّحَابَة لأبي بكر وَأَنه لم يخْتَلف عَلَيْهِ مِنْهُم اثْنَان
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الزَّعْفَرَانِي قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول أجمع النَّاس على خلَافَة أبي بكر رضي الله عنه وَذَلِكَ أَنه اضْطِرَاب النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلم يَجدوا تَحت أَدِيم السَّمَاء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم
وَأخرج أَسد السّنة عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ مَا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَشكونَ أَن أَبَا بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا كَانُوا يسمونه إِلَّا خَليفَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا كَانُوا يَجْتَمعُونَ على خطا وَلَا ضَلَالَة وَأَيْضًا فالأمة أَجمعت على حقية إِمَامَة أحد الثَّلَاثَة ابي بكر وَعلي وَالْعَبَّاس رضي الله عنهم ثمَّ إنَّهُمَا لم ينازعاه بل بايعاه فتم بذلك الْإِجْمَاع لَهُ على إِمَامَته دونهمَا إِذْ لَو لم يكن على حق لنازعاه كَمَا نَازع عَليّ مُعَاوِيَة مَعَ قُوَّة شَوْكَة مُعَاوِيَة عدَّة وعددا على شَوْكَة أبي بكر فَإِذا لم يبال عَليّ بهَا ونازعه فَكَانَت منازعته لأبي بكر أولى وَأَحْرَى فَحَيْثُ لم ينازعه دلّ على اعترافه بحقية خِلَافَته وَلَقَد سَأَلَهُ الْعَبَّاس فِي
أَن يبايعه فَلم يقبل وَلَو علم نصا عَلَيْهِ لقبل سِيمَا وَمَعَهُ الزبير مَعَ شجاعته وَبَنُو هَاشم وَغَيرهم
وَمر أَن الْأَنْصَار كَرهُوا بيعَة أبي بكر وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير فدفعهم ابو بكر بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فانقادوا لَهُ وأطاعوه وَعلي أقوى مِنْهُم شَوْكَة وعدة وعددا وشجاعة فَلَو كَانَ مَعَه نَص لَكَانَ أَحْرَى بالمنازعة وأحق بالإجابة وَلَا يقْدَح فِي حِكَايَة الْإِجْمَاع تَأَخّر عَليّ وَالزُّبَيْر وَالْعَبَّاس وَطَلْحَة مُدَّة لأمور مِنْهَا أَنهم رَأَوْا أَن الْأَمر تمّ بِمن تيَسّر حُضُوره حِينَئِذٍ من أهل الْحل وَالْعقد وَمِنْهَا أَنهم لما جَاءُوا وَبَايَعُوا اعتذروا كَمَا مر عَن الْأَوَّلين من طرق بِأَنَّهُم أخروا عَن المشورة مَعَ أَن لَهُم فِيهَا حَقًا لَا للقدح فِي خلَافَة الصّديق هَذَا مَعَ الِاحْتِيَاج فِي هَذَا الْأَمر لخطره إِلَى الشورى التَّامَّة وَلِهَذَا مر عَن عمر بِسَنَد صَحِيح أَن تِلْكَ الْبيعَة كَانَت فلتة وَلَكِن وقى الله شَرها
ويوافق مَا مر عَن الْأَوَّلين من الِاعْتِذَار مَا أخرجه الدراقطني من طرق كَثِيرَة أَنَّهُمَا قَالَا عِنْد مبايعتهما لأبي بكر إِلَّا أَنا أخرنا عَن المشورة وَإِنَّا لنرى أَن أَبَا بكر أَحَق النَّاس بهَا إِنَّه لصَاحب الْغَار وَثَانِي اثْنَيْنِ وَإِنَّا لنعرف لَهُ شرفه وخيره وَفِي آخرهَا أَنه اعتذر إِلَيْهِم فَقَالَ وَالله مَا كنت حَرِيصًا على الْإِمَارَة يَوْمًا قطّ وَلَا لَيْلَة وَلَا كنت فِيهَا رَاغِبًا وَلَا سَأَلتهَا الله عز وجل فِي سر وَلَا عَلَانيَة وَلَكِنِّي أشفقت من الْفِتْنَة وَمَالِي فِي الْإِمَارَة من رَاحَة وَلَقَد قلدت أمرا عَظِيما إِلَى آخر مَا مر فقبلوا مِنْهُ ذَلِك وَمَا اعتذر بِهِ
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة أَن عليا بعث لأبي بكر رضي الله عنهما أَن ائتنا فاتاهم أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد اجْتمعت بَنو هَاشم إِلَى عَليّ فَخَطب ومدح أَبَا بكر ثمَّ اعتذر عَن تخلفه عَن الْبيعَة بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حق فِي الْمُشَاورَة وَلم يشاوروه فَلَمَّا فرغ من خطبَته خطب أَبُو بكر وَاعْتذر بِنَحْوِ مَا تقدم ثمَّ بعد ذَلِك بَايعه عَليّ فِي يَوْمه فَرَأى الْمُسلمُونَ أَنه قد أصَاب وَفِي // الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته // التَّصْرِيح بِهَذِهِ الْقِصَّة بأبسط من هَذَا
روى البُخَارِيّ عَن عَائِشَة رضي الله عنها أَن فَاطِمَة رضي الله عنها أرْسلت إِلَى أبي بكر رضي الله عنه تسأله عَن مِيرَاثهَا من النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله من الْمَدِينَة وفدك وَمَا بَقِي من خمس خَيْبَر فَقَالَ أَبُو بكر إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال) وَإِنِّي وَالله لَا أغير شَيْئا من صَدَقَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن حَالهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا فِي عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ولأعملن فِيهَا بِمَا عمل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأبى أَبُو بكر أَن يدْفع إِلَى فَاطِمَة مِنْهَا شَيْئا فَوجدت فَاطِمَة على أبي بكر ذَلِك فَهجرَته فَلم تكَلمه حَتَّى توفيت وَعَاشَتْ بعد النَّبِي صلى الله عليه وسلم سِتَّة أشهر فَلَمَّا توفيت دَفنهَا زَوجهَا عَليّ لَيْلًا وَلم يُؤذن بهَا أَبَا بكر وَصلى عَلَيْهَا وَكَانَ لعَلي من النَّاس وَجه حَيَاة فَاطِمَة فَلَمَّا توفيت استنكر عَليّ وُجُوه النَّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته وَلم يكن بَايع تِلْكَ الْأَشْهر فَأرْسل إِلَى أبي بكر أَن ائتنا وَلَا يأتينا مَعَك أحد كَرَاهِيَة ليحضر عمر فَقَالَ عمر لَا وَالله مَا تدخل
عَلَيْهِم وَحدك فَقَالَ أَبُو بكر وَمَا عسيتهم أَن يَفْعَلُوا بِي وَالله لآتينهم فَدخل عَلَيْهِم أَبُو بكر رضي الله عنه فَتشهد عَليّ فَقَالَ إِنَّا قد عرفنَا فضلك وَمَا أَعْطَاك الله وَلم ننفس عَلَيْك خيرا سَاقه الله إِلَيْك وَلَكِنَّك استبددت علينا الْأَمر وَكُنَّا نرى لقرابتنا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن لنا نَصِيبا حَتَّى فاضت عينا أبي بكر فَلَمَّا تكلم أَبُو بكر قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقرابة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَأما الَّذِي شجر بيني وَبَيْنكُم من هَذِه الْأَمْوَال فَإِنِّي لم آل فِيهِ عَن الْخَيْر وَلم أترك أمرا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فِيهَا إِلَّا صَنعته فَقَالَ عَليّ لأبي بكر موعدك العشية لِلْبيعَةِ فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر رقى الْمِنْبَر فَتشهد وَذكر شَأْن عَليّ وتخلفه عَن الْبيعَة وعذره بِالَّذِي اعتذر إِلَيْهِم ثمَّ اسْتغْفر وَتشهد عَليّ فَعظم حق أبي بكر وَحدث أَنه لم يحملهُ على الَّذِي صنع نفاسة على أبي بكر وَلَا إنكارا للَّذي فَضله الله بِهِ وَلَكنَّا كُنَّا نرى لنا فِي هَذَا الْأَمر أَي المشورة كَمَا يدل عَلَيْهِ بَقِيَّة الرِّوَايَات نَصِيبا فاستبد علينا فَوَجَدنَا فِي أَنْفُسنَا فسر بذلك الْمُسلمُونَ وَقَالُوا أصبت وَكَانَ الْمُسلمُونَ إِلَى عَليّ قَرِيبا حِين رَاجع الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
فَتَأمل عذره وَقَوله لم ننفس على أبي بكر خيرا سَاقه الله إِلَيْهِ وَأَنه لَا يُنكر مَا فَضله الله بِهِ وَغير ذَلِك مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث تَجدهُ بَرِيئًا مِمَّا نسبه إِلَيْهِ الرافضة وَنَحْوهم فَقَاتلهُمْ الله مَا أجهلهم وأحمقهم
ثمَّ هَذَا الحَدِيث فِيهِ التَّصْرِيح بتأخر بيعَة عَليّ إِلَى موت فَاطِمَة فينافي مَا تقدم عَن أبي سعيد أَن عليا وَالزُّبَيْر بايعا من أول الْأَمر لَكِن هَذَا الَّذِي مر عَن أبي سعيد من تَأَخّر بيعَته هُوَ الَّذِي صَححهُ ابْن حبَان وَغَيره
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأما مَا وَقع فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي سعيد من تَأَخّر بيعَته هُوَ وَغَيره من بني هَاشم إِلَى موت فَاطِمَة رضي الله عنها فضعيف فَإِن الزُّهْرِيّ لم يسْندهُ وَأَيْضًا فَالرِّوَايَة الأولى عَن أبي سعيد هِيَ الموصولة فَتكون أصح
وَعَلِيهِ فبينه وَبَين خبر البُخَارِيّ الْمَار عَن عَائِشَة تناف لَكِن جمع بَعضهم بِأَن عليا بَايع أَولا ثمَّ انْقَطع عَن أبي بكر لما وَقع بَينه وَبَين فَاطِمَة رضي الله عنها مَا وَقع فِي مخلفه صلى الله عليه وسلم ثمَّ بعد مَوتهَا بَايعه مبايعة أُخْرَى فَتوهم من ذَلِك بعض من لَا يعرف بَاطِن الْأَمر أَن تخلفه إِنَّمَا هُوَ لعدم رِضَاهُ ببيعته فَأطلق ذَلِك من أطلق وَمن ثمَّ أظهر عَليّ مبايعته لأبي بكر ثَانِيًا بعد مَوتهَا على الْمِنْبَر لإِزَالَة هَذِه الشُّبْهَة على أَنه سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الرَّابِع من فَضَائِل عَليّ أَنه لما أَبْطَأَ عَن الْبيعَة لقِيه أَبُو بكر فَقَالَ لَهُ أكرهت إمارتي فَقَالَ لَا وَلَكِن آلَيْت لَا أرتدي بردائي إِلَّا إِلَى الصَّلَاة حَتَّى أجمع الْقُرْآن فزعموا أَنه كتبه على تَنْزِيله
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْعذر الْوَاضِح مِنْهُ رضي الله عنه تعلم مِمَّا قَرَّرْنَاهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على حقية خلَافَة الصّديق وَأَنه أهل لَهَا وَذَلِكَ كَاف لَو لم يرد نَص عَلَيْهِ بل الْإِجْمَاع أقوى من النُّصُوص الَّتِي لم تتواتر لِأَن مفاده قَطْعِيّ ومفادها ظَنِّي كَمَا سَيَأْتِي
وَحكى النَّوَوِيّ بأسانيد صَحِيحَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَن من قَالَ إِن عليا كَانَ أَحَق بِالْولَايَةِ فقد خطأ أَبَا بكر وَعمر والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرَاهُ يرْتَفع لَهُ مَعَ هَذَا عمل إِلَى السَّمَاء وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عمار بن يَاسر نَحوه