المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عقب حنين (المعركة): - العتاب بين الأصدقاء

[أبو نصية التميمي]

فهرس الكتاب

- ‌الإهداء

- ‌المقدمة

- ‌ما هو العتاب

- ‌هل اللوم والعتاب من صفات الصديق الصادق

- ‌قبل أن تعاتب، تعلم درساً في التغاضي

- ‌بعض الكلام؛ يشمّ ولا يفرك

- ‌من آداب العتاب

- ‌ادّخر عتابك للمواقف الحرجة

- ‌لا تذكّره بأخطائه القديمة ولا تعاوده العتاب على الخطأ مرتين

- ‌أنصف المعاتَب؛ وتخيّر له الوقت والأسلوب المناسب

- ‌عليك بالرفق

- ‌أطفئ الغضب

- ‌استعطاف المعاتب

- ‌تحدث للقلوب:

- ‌العتاب للخاصّة

- ‌الخطورة في كتمان العتاب

- ‌متى تعلم بأنك نجحت في عتابك

- ‌كيف يفعل من وقع في العتاب المذموم

- ‌ما يعينك على ترك العتاب المذموم

- ‌صورة من العتاب

- ‌خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عقب حُنين (المعركة):

- ‌الصداقةبقلم العلامة محمد الخضر حسين رحمه الله

- ‌ما هي الصداقة

- ‌الصداقة فضيلة:

- ‌الداعي إلى اتخاذ الأصدقاء:

- ‌الاستكثار من الأصدقاء:

- ‌علامة الصداقة الفاضلة:

- ‌الصداقة تقوم على التشابه:

- ‌البعد من صداقة غير الفضلاء:

- ‌الاحتراس من الصديق:

- ‌هل الصداقة اختيارية

- ‌الصديق المخلص عزيز:

- ‌الإغماض عن عثرات الأصدقاء:

- ‌معاملة الأصدقاء بالمثل:

- ‌عتاب الأصدقاء:

- ‌أثر البعد في الصداقة:

- ‌الصداقة صلة بين الشعوب:

- ‌النتائج والتوجيهات:

الفصل: ‌خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عقب حنين (المعركة):

‌صورة من العتاب

.

بل من أرقى صور العتاب، وأمثَلِ أساليب الخطاب، عتابٌ حلو المذاق، بديع السياق، ممزوج بالتأديب المعتدلِ ما بين التأنيب والتطييب، دونك إياه، تحسسه وتأمله، تفهم الدرس بإذن الله.

‌خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عقب حُنين (المعركة):

_ إن غنائم المسلمين التي غنموها في معاركهم مع رسول الله ليست بشيء في مقابل ما غنموه من حُنين وحدها، فلقد كانت تلك المعركة أمراً استثنائياً له حساباته الخاصة.

_ وها هو الرسول الأعظم - وهو أعدلُ الناسِ على الإطلاق - يقسم الغنائم فيعطي أبا سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية، وحكيم بن حزام والنضر بن الحارث بن كلدة والعلاء بن حارثة الثقفي والعباس بن مرداس وغيرهم من رجالات قريش والعرب، إلا ذلك الحي من الأنصار لم يكن لهم من القسمة حظوة ولا نصيب!

_ إن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وحيٌ يجلّ عن الخطأ والحَيدة، وعندما يظهر لنا أنها على

ص: 79

خلاف الرأي والحكمة، فذلك لقصور مداركنا وعجزها عن استيعاب القرار الحكيم، كما حصل من عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية - قبل أن يتبين له وللآخرين أنّ ذلك الصلح هو الفتح المبين-، وهو الذي صدر من نبي الله موسى مع الخضر عليهما السلام وها هو الآن يتكرر على أعقاب قسمةِ غنائم حنين.

_ فلقد وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم لما ما نالهم من القسمة الذي نال غيرهم، فكثرت منهم القالةُ حتى قال قائلهم: لقيَ واللهِ رسولُ الله قومَه، وفي ذلك قال شاعر الإسلام الأوّل حسّان بن ثابت:

دعْ عنك شمّاءَ إذْ كانت مودتها

نزرا وشرّ وصالِ الواصل النزرُ

وأت الرسول فقل: يا خير مؤتمن

للمؤمنين إذا ما عدد البشرُ

علام تُدعى سليم وهي نازحة

قدّام قوم همْ آووا وهم نصروا

سمّاهم الله أنصارا بنصرهم

دين الهدى وعوان الحرب تستعرُ

_ إن الأنصار يقدمون في الإسلام على رأس الهرم - واللهُ اختصهم على العالمين ليكونوا شركاءَ في تبليغ الدعوة الإسلامية الخالدة، أفلا يجدوا اليوم في أنفسهم من هذه القسمة شيئا؟!

_ دخل سعد بن عبادة على رسول الله صلّى الله

ص: 80

عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمتَ في قومك وأعطيتَ عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء.

قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟

قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي.

قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة.

فخرج سعد وجمع الأنصار، وبعد قليلٍ ستُعقد جلسةُ عتابٍ تاريخيةٍ يتحادث الناس عنها دهراً طويلاً.

_ لما اجتمعوا أتى سعدٌ رسول الله مخبراً باجتماع القوم، فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

"يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وجدَةٌ وجدّتموها عليّ في أنفسكم؟

ألم آتكم ضلاّلاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءَ فألّف الله بين قلوبكم"؟

قالوا: "بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل".

قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار"؟

ص: 81

قالوا: "بم نجيبك يا رسول الله، للهِ ولرسوله المن والفضل".

قال صلى الله عليه وسلم: "أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدّقتم:

أتيتنا مكذَّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك؛

أَوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصارِ في أنفسكم على لِعَاعَةٍ من الدنيا تألّفتُ بها قوماً لِيُسْلِموا (1)، ووكلتُكُمْ إلى إسلامكم.

ألا ترضَون يا معشَرَ الأنصار، أن يذهبَ الناسُ بالشّاةِ والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟

فو الذي نفسُ محمّدٍ بيده لولا الهجرة لكنتُ امرءً منَ الأنصار، ولو سلَكَ الناسُ شعباً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار.

(1) عن أنسٍ رضي الله عنه أَن رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلينِ فأعطاه إياه، فأتى قومه فقالَ: أي قومِ: أسلمُوا فوَاللَّهِ إنّ محمداً ليعطِي عطاءً ما يخَافُ الفقرَ، فقالَ أنسٌ: إن كان الرجل ليُسلِمُ ما يريد إلاّ الدُّنيَا، فما يُسلمُ حتى يكُونَ الإسلام أَحبَّ إليه من الدنيا وما عليها). صحيح مسلم:(4276).

ص: 82

اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".

لقد كانت الأنصار أبرّ وأوفى من أن يجدوا في أنفسهم شيئاً على تلك اللعاعة، فلا عجب إذاً إذا بكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا:"رضينا برسول الله قسماً وحظاً".

ص: 83