الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قبل أن تعاتب، تعلم درساً في التغاضي
.
إنك وحينما تنظر في سيرة محمد الله صلى الله عليه وسلم، تدرك مراعاته لهذا الجانب في التعامل مع الآخرين، فلا ينتقم لنفسه، ولا يحمل في ثنايا فؤاده ما يدفعه إلى ذلك أو يدنس قلبه شيء من هذه القاذورات، وتأمل موقفه مع خادمه الصغير أنس بن مالك، وهو في ذلك العمر مظنّةٌ للوقوعِ في التقصيرِ والخطأ، ما قال له رسوله الله أُفٍ قط، ولا لشيء صنعه: لِمَ صنعتَه، ولا لشيء تركه: لِمَ تركتَه. (متفق عليه) والأمثلة من هذه السيرة في هذا الباب وفيرة، وبالاحتفاء والمطالعة للاقتداء جديرة.
وفي كتبُ السيَرِ من الأمثلة البليغة ما حُكي عن بنت عبد الله بن مطيع، أنّها قالت لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوماً ألأم من إخوانك! قال: مهْ، ولِمَ ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرتَ لزموك، وإذا أعسرتَ تركوك! فقال: هذا والله من كرمهم، يأتوننا في حال القوّة بنا عليهم، ويتركوننا في حال الضعف بنا عليهم!.
فانظر كيف تأوّل بكرمه هذا التأويل، حتى جعل
قبيح فعلهم حسنا، وظاهر غدرهم وفاءً، وهذا محض الكرم، ولباب الفضل، وبمثل هذا يَلزم ذوي الفضل أن يتأوّلوا الهفوات من إخوانهم.
وعلى هذا النحو كان خالد بن صفوان لمّا مر به صديقان، فعرج عليه أحدهما وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته.
ولئن كان العتاب باب فضل وخير فما هو ببالغ مزيّة التغاضي والمغفرة، وهل العتاب إلا سبيل إلى المغفرة والصفح؟! قال أعرابي لصاحب له:
قد درن ذات بيننا، فهلم إلى العتاب لنغسل به هذا الدرن، فقال له صاحبه:
إن كان كما تصف فذاك لبادرة ساءتك مني، إما لك وإما لي، فهلا أخذت بقول القائل:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة
…
فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
والله لا صفت مودتنا، ولا عذب شربها لنا إلا بعد أن يغفر كل واحد منا لصاحبه ما يغفره لنفسه من غير منّ ولا أذى.
وسبب ذلك كون العتاب غير مأمون العواقب، ولا مضمون النتيجة، وهذا ما أدركه الشاعر الذي يقول:
أردت عتابكم فصفحت إني
…
رأيت الهجر مبدؤه العتاب
يقول الأستاذ محمد الخضر رحمه الله في مقاله البديع:
"يرى الباحثون في طبائع البشر، أن ليس فيهم من يتخذ صديقاً ويرجّي منه أن يسير على ما يرضي صديقه في كل حال، ودلتهم التجارب على أن الصديق - وإن بلغت صداقته المنتهى - قد يظهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة، فلو أخذتَ تَهجُرُ من إخوانك كل من صدرت منه هفوة، لم تلبث أن تفقدهم جميعا، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديقٌ غير نفسك التي بين جنبيك، عرف هذا المعنى الشاعر الذي يقول:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تُلمه
…
على شعث أيّ الرجال المهذب
والذي يقول:
أُغمضُ للصديقِ عن المساوي
…
مخافَة أنْ أعيشَ بلا صديقِ
والذي يقول:
ومن يتتبع جاهداً كلّ عثرةٍ
…
يجدها ولا يسلم له الدهر صاحبُ
وقد عبر عن هذا المعنى بشار:
إذا كنتَ في كلِّ الأُمورِ مُعاتِباً
…
صديقكَ لمْ تلقَ الذي لا تُعاتبه
فعشْ واحداً أو صلْ أخاك فإنه
…
مقارفُ ذنبٍ مرةً ومُجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
…
ظمئت؛ وأيّ الناس تصفو مشاربه
وإذا كان الصفح عن الزلاّت من أفضل خصال الحمد، فأحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم، رجال عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها".
وقديمًا قال الأوّل:
تريد مهذّباً لا عيب فيه
…
وهل عودٌ يفوح بلا دخان؟!
ويقول الحسن بن وهب: من حقوق المودّة أخذ عفو الإخوان، والإغضاء عن التقصير إن كان.
وقد روي عن عليّ رضي الله عنه في قوله تعالى: {فَاصْفَح الصَفْحَ الجَمِيل} ، قال: الرضا بغير عتاب.
قال الأستاذ محمد الخضر رحمه الله:
"وإذا كانت نفس الإنسان التي هي أخصّ النفوس به، ومدبّرة باختياره وإرادته لا تعطيه قيادتها في كلّ ما يريد، ولا تجيبه إلى طاعته في كلّ ما يحب، فكيف بنفس غيره؟! فحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره، وفي ذلك يقول ابن الرّومي:
همُ الناس والدنيا ولابدّ من قذىً
…
يلمُّ بعينٍ أو يُكدّر مشربا
ومن قلّة الإنصاف أنّك تبتغي الـ
…
مهذّب في الدنيا ولست المهذّبا"
ويقول ابن حبّان رحمه الله:
"من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون
من المكروه، وترك التوقع لما يأتون من المحبوب، كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء، أقرب منه أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء".
"ثمّ ما أحسن أنْ يتغاضى المرء ويتغافل؛ فذلك من دلائل سموّ النفس وشفافيتها وأريحيتها، كما أنّه يعلي المنزلة، ويريح من الغضب وآثاره المدمّرة"(محمد إبراهيم الحمد).
وتغافل عن أمورٍ إنه
…
لم يفز بالحمد إلاّ من غفل
(ابن الوردي)
أغمض عيني عن صديقي تجسّما
…
كأني بما يأتي من الأمر جاهلُ
وما بي جهل غير أنّ خليقتي
…
تطيق احتمال الكره فيما تحاولُ
(ثعلب)
"قَد أكَلنا الطَيّبَ ولبسْنا اللّين وركِبنا الفارِهَ ولم يبقَ لي لذّة إلاّ صديقٌ أطرحُ مَعَهُ فيمَا بَيني وبَينه مُؤنةَ التحَفّظ".
(سُلَيمَان بن عَبدالملك)