المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ حديث أبي هريرة، وأبي سعيد - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٥

[ابن الوزير]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌الإشكال السادس: أنَّ الأمة مجمعةٌ على إطلاق كثير من أسماء الله الحسنى وألفاظ القرآن الكريم

- ‌ حديث أبي بكر الصديق

- ‌ حديث أبي هريرة، وأبي سعيدٍ

- ‌ حديث عبد الله بن مسعودٍ

- ‌ حديث علي بن أبي طالب

- ‌ حديث عديِّ بن حاتم

- ‌ حديث أنس بن مالك

- ‌ حديث بريدة بن الحصيب

- ‌ حديث أبي رزين العُقيلي

- ‌ حديث جابر بن عبد الله:

- ‌ حديث أبي أمامة

- ‌ حديث عمار بن ياسر

- ‌ حديث عائشة

- ‌ حديث عبد الله بن عمر

- ‌ حديث عمارة بن رُويبة

- ‌ حديث سلمان الفارسي

- ‌ حديث حذيفة بن اليمان

- ‌ حديث ابن عباس

- ‌ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص

- ‌ حديث أُبيِّ بن كعبٍ:

- ‌ حديث كعب بن عجْرَةَ

- ‌ حديث فضالة بن عبيد

- ‌ حديث عبادة بن الصامت:

- ‌الوهم السادس والعشرون: وهم أنهم كفار تصريحٍ

- ‌الوهم السابع والعشرون: وهم أنهم أنكروا القدر الضروري في شكر المنعم

- ‌قول المعتزلة: إن ظاهر هذه الآيات قبيحٌ، جنايةٌ عظيمةٌ على كتاب الله تعالى

- ‌حاصل مذهب أهل السنة على التقريب

- ‌ تصريح أئمة الأشعرية بأن إرادة الله تعالى لأفعال العباد حيث يطلق مجازٌ

الفصل: ‌ حديث أبي هريرة، وأبي سعيد

قال: ثم يقول الله عز وجل: انظروا في النار، هل تَلْقَوْنَ من أحدٍ عَمِلَ خيراً قطُّ، قال: فيجدون في النار رجلاً، فيقول له: هل عملت خيراً قط؟ فيقول لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع، فيقول الله عز وجل: اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي، ثم يُخرجون من النار رجلاً، فيقول له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، غير أني قد أمرت ولدي إذا مِتُّ فاحروقوني بالنار، ثم اطحنوني (1)، حتى إذا كنت مثل الكُحْل، فاذهبوا بي إلى البحر، فاذروني في الرِّيح (2)، فوالله لا يقدر عليَّ رب العالمين أبداً. فقال الله عز وجل له: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، قال: فيقول الله عز وجل: انظر إلى مُلَكِ أعظم ملك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، قال: فيقول: أتسخرُ بي، وأنت الملك؟ قال: وذاك الذي ضحكتُ منه من الضحى.

فصل: وأما‌

‌ حديث أبي هريرة، وأبي سعيدٍ

، ففي " الصحيحين "(3)، و" الترمذي " (4) عن أبي هريرة أن ناساً قالوا: يا رسول الله. هل نرى ربَّنا يوم

(1) تحرفت في (ش) إلى: اطرحوني.

(2)

في (أ): البحر.

(3)

أما حديث أبي هريرة، فهو في البخاري (7437)، ومسلم (182). وأخرجه أبو داود (4730)، والترمذي (2560)، وأحمد 2/ 275 و293 و368 و524، والحميدي (1178)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص 170 و171 و174، وابن أبي عاصم في " السنة "(443) و (444) و (445) و (446) و (447) و (448) و (449) و (453) و (454) و (455) و (456) و (475)، والطيالسي (2383)، والآجري في " الشريعة " ص 259، وابن منده في الإيمان (802) و (803) و (804) و (805) و (807) و (808) و (809)، واللالكائي (814) و (817) و (819) و (824). وانظر " ابن حبان "(8429).

أما حديث أبي سعيد، فهو في البخاري (7439)، ومسلم (183). وأخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " ص 169 و172 و173، وابن أبي عاصم في " السنة "(452) و (457) و (458)، والآجري في " الشريعة " ص 260 و261، واللالكائي (818).

وصححه ابن حبان (7377) بتحقيقي.

(4)

ساقطة من (ب)، ولم ترد في " حادي الأرواح ".

ص: 132

القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحابٌ؟ " قالوا: لا. قال: " فإنكم ترونه كذلك ".

يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبعهُ: فيتَّبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهيم الله عز وجل في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه.

ويُضرَبُ الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمَّتي أول من (1) يُجيز، ولا يتكلم يومئذٍ إلَاّ الرسل، ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوكِ السعدان، هل رأيتم السعدان "؟ قالوا (2) نعم يا رسول الله.

قال: " فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلَاّ الله عز وجل، تخطَفُ الناس بأعمالهم، فمنهم المُوثَقُ (3) بعمله، ومنهم المُجازى حتى ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يُخرج برجمته (4) من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلَاّ الله، فيعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم (5) إلَاّ أثر السجود، وحرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتَحَشُوا (6)، فيُصَبُّ عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة

(1) في (ش): ما.

(2)

في (ج): فقالوا.

(3)

قال القاضي: روي على ثلاثة أوجه، أحدها: المؤمن بقي، والثاني: الموثق، والثالث: الموبق، يعني: بعمله. وقال هو وغيره عن الرواية الثالثة: هي أصحها.

(4)

ساقطة من (ب).

(5)

في (ج) و (ش): من ابن آدم.

(6)

أي: احترقوا.

ص: 133

في حميل السيل (1).

ثم يفرغ من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ مقبل بوجهه على النار وهو من آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، فيقول: أي ربِّ، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني (2) ريحُها، وأحرقني ذَكَاؤُها، فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره، فيعطي ربه من عهودٍ ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدِّمني إلى باب الجنة. فيقول الله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك فيقول: أي ربِّ، فيدعو الله، حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتُك ذلك أن تسأل (3) غيره؟ فيقول: لا وعزِّتِك، فيعطي ربه ما شاء من عهودٍ ومواثيق (4)، فيقدمهُ إلى باب الجنة. فإذا قام على باب الجنة انفهقت (5) له الجنة (6)، فرأي ما فيها من الخير والسرور، فيسكت (7) ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي ربِّ، أدخلني الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألَاّ تسأل غير ما أُعطيت (8)؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدَرَكَ! فيقول: أي ربِّ، لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال

(1) الحِبَّة: هي بزر البقول والعشب تنبت في البراري، وجوانب السيول، وجمعها حِبَب.

وحميل السيل: ما جاء به السيل من طين أو غثاء، ومعناه محمول السيل، والمراد التشبيه في سرعة النبات، وحسنه، وطراوته.

(2)

أي: سمَّني، وآذاني، وأهلكني، وقوله:" وأحرقني ذكاؤها "، أي: لهبها واشتعالها.

(3)

في (ب): تسألني.

(4)

من قوله: " ما شاء فيصرف " إلى هنا ساقط من (ش).

(5)

أي: انفتحت واتسعت.

(6)

قوله: " فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة " ساقط من (ج).

(7)

في (ش) و (ج): فسكت.

(8)

في (ش): أعطيتك.

ص: 134

يدعو الله حتى يضحك الله عز وجل منه، فإذا ضَحِكَ منه، قال: ادخُل الجنة، فإذا دخلها، قال الله تعالى له: تَمَنَّهْ. فيسألُ ربه ويتمنى، حتى إن الله تعالى ليُذَكِّره يقول: من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله عز وجل: ذلك لك ومثله معه.

قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة ما يَرُدُّ عليه من حديثه شيئاً حتى إذا حدَّث أبو هريرة أن الله عز وجل قال لذلك الرَّجل: ومثله معه، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة: ما حفظت إلَاّ قوله: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (1) ذلك لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً الجنة (2).

وفي الصحيحين و" النسائي "(3) أيضاً عن أبي سعيدٍ الخدري أن ناساً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم هل تُضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة (4) صَحْواً ليس معها سحاب "؟ قالوا: لا يا رسول الله، " وهل تُضارُّون في رؤية (5) القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها (6) سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: " ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلَاّ كما تضارون في رؤية أحدهما.

إذا كان يوم القيامة أذن مؤذِّنٌ ليتَّبِع كل أمة ما كانت تعبد (7)، فلا يبقى أحدٌ

(1) في (ب): يقول.

(2)

" دخولاً الجنة " ساقطة من (ش).

(3)

لم ترد نسبته إلى النسائي في " حادي الأرواح "، وهو الصواب، فإن النسائي لم يروه، ولم يعزه المزي في " أطرافه " إليه. انظر " التحفة " 3/ 410.

(4)

في (ش): في الظهيرة.

(5)

من قوله: " الشمس بالظهيرة " إلى هنا ساقط من (ب).

(6)

في (ب): فيه.

(7)

في (ب): تعبده.

ص: 135

كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلَاّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجرٍ وغُبَّر (1) أهل الكتاب، فيُدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ (2) من صاحبٍ (3) ولا ولدٍ، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربُّ فاسقنا، فيُشارُ إليهم: ألا تَرِدُون (4)؟ فيُحشرون إلى النار كأنها سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضاً فيتساقطون في النار.

ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ماذا (5) كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فيقال ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا (6) فاسقنا، قال: فتشار إليهم: ألا تردون (7)، فيحشرون إلى جهنم كأنهم سرابٌ يحطم بعضُهم بعضاً، فيتساقطون في النار.

حتى إذا لم يبق إلَاّ من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجرٍ، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورةٍ من التي رأوْهُ فيها، قال: فما تنتظرون (8)؟ لتتبع (9) كل أمةٍ ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشركُ بالله شيئاً -مرتين أو ثلاثاً- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية

(1) الغُبّر: جمع غابر، أي: من بقايا أهل الكتاب. وقد تصحفت في الأصوله إلى: " غير ".

(2)

في (ش): اتخذ الله.

(3)

في (ب): " صاحبه " وكذا كتب فوقها في (أ).

(4)

في (ش): فلا تروون.

(5)

في (ش): ما.

(6)

في (ش) و (ج): يا رب.

(7)

في (ش): تروون.

(8)

في الأصول: تنظرون.

(9)

كذا الأصول غير (ش)، ففيها:" إذ تتبع "، ورواية مسلم:" تتبع " بلا " إذ " ولفظ البخاري: " ما يحبسكم وقد ذهب الناس ".

ص: 136

تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيُكشَفُ عن ساقٍ (1)، فلا يبقى من كان يسجد لله

(1) في (ش): فيكشف الله عن ساق، ولفظ البخاري (4919) من طريق سعيد بن أبي هلال:" يكشف ربنا عن ساقه " قال الإسماعيلي كما في " الفتح " 8/ 664 بعد أن أخرجه من رواية سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم: وقوله " عن ساقه " نكرة، ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم بلفظ " يكشف عن ساق "، وقال: هذا أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة.

قلت: وقد جاء عن ابن عباس في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} قال: عن شدة في الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدت به، ومنه:

قد سَنَّ أصحابُك ضَرْبَ الأعناقِ

وقامت الحربُ بنا على ساقِ

وأسند البيهقي في " الأسماء والصفات " ص 345 الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب، ثم أنشد الرجز المتقدم.

وأسند البيهقي أيضاً ص 346 من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد القيامة والساعة لشدتها.

وأنشد الإمام الخطابي كما في " الأسماء والصفات " في إطلاق الساق على الأمر الشديد:

عَجِبتُ من نفسي ومن إشفاقِها

ومن طرادي الطيرَ عن أرزاقها

في سَنَةٍ قد كشفت عن ساقِها

وفي " جامع البيان " 29/ 38 للطبري: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد.

وقال الآلوسي في " تفسيره " 29/ 34 - 35: المراد بذلك اليوم عند الجمهور يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها والتشمير عنها مَثَلٌ في شدة الأمر، وصعوبة الخطب، حتى إنه يستعمل بحيث لا يُتصور ساق بوجه، كما في قول حاتم:

أخو الحرب إن عَضَّتْ به الحربُ عَضَّها

وإن شَمَّرتْ عن ساقِها الحربُ شَمَّرا

وقال الراجز:

عجبت من نفسي ومن إشفاقها .......

وأصله بشمير المخدرات عن سُوقهن من الهرب، فإنهن لا يفعلن ذلك إلَاّ إذا عَظُم الخَطْبُ، واشتدَّ الأمرُ، فيذهلن عن الستر بذيل الصيانة، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وعكرمة وجماعة، وقد روي أيضاً عن ابن عباس. أخرج عبد بن =

ص: 137

تعالى من تلقاء نفسه إلَاّ أذن الله له (1) بالسجود، ولا يبقى من كان يسجُدُ اتِّقاء ورياءً إلَاّ جعل الله ظهره طبقةً واحدةً، كلما أراد أن يسجد، خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في صورته (2) التي رأوه فيها أول مرةٍ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربُّنا.

ثم يُضرَبُ الجسر على جَهَنَّم، وتحُلُّ الشفاعة. قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: " دحضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خطاطيف وكلاليبُ وحَسَكَةٌ تكون بنَجدٍ (3) فيها شويكةٌ يقال لها: السعدان، فيمرُّ المؤمنون كَطَرْفِ العين (4)، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسلٌ، ومكدوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحدٍ منكم بأشدَّ مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويُصلُّون، ويحُجُّون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتُحَرَّمُ صورهم على النار، فيُخرِجُون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى رُكبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ مِمَّن أمرتنا، فيقول: ارجعوا، فَمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتَنَا، ثم يقول: ارجِعُوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال (5) نصف دينار من

= حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصحه، والبيهقي في " الأسماء والصفات " من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سُئل عن ذلك، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:

صبراً عناق إنه شر باق

قد سَنَّ لي قومُك ضربَ الأعناقِ

وقامت الحربُ بنا على ساق

(1)

ساقطة من (ش).

(2)

تحرفت في (ش) إلى: تصوره.

(3)

تحرفت في الأصول إلى: تتخذ.

(4)

ساقطة من (ش).

(5)

ساقطة من (ج).

ص: 138

خيبر فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحداً. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً.

وكان (1) أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].

فيقول الله عز وجل: شَفَعتِ الملائكة، وشفع النبيون، وشفع (2) المؤمنون، ولم يبق إلَاّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حُمَماً، فيُلقيهم في نهرٍ في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرُجون كما تخرج الحِبَّة في حَميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر (3)، وما يكون منها إلى الظِّلِّ يكون أبيض؟ " فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال:" فيخرجُون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجَنَّة هؤلاء عُتَقَاء (4) الله الذين أدخلهم الله الجنة (5) بغير عملٍ عملوه، ولا خير قدَّموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين. فيقول لكم عندي أفضلُ من هذا، فيقولون: ربنا، وأيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً "(6).

(1) في الأصول: " وقال "، والمثبت من (ب) و"صحيح مسلم " و" حادي الأرواح ".

(2)

في (ش): ويشفع.

(3)

في (ش): أصفر وأخضر.

(4)

في الأصول: " شفعاء "، والمثبت من (ب) و (ج) ومصادر التخريج، وكذا كتب فوقها في (أ).

(5)

وردت في (أ): فقط.

(6)

أخرجه بطوله البخاري (7439)، ومسلم (183)، وأحمد 3/ 16، وعبد الله بن أحمد في " السنة "(237)، وأخرج بعضه البخاري (6549) و (6560).

ص: 139

فصل: وأما حديث جرير (1) بن عبد الله، ففي " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه، قال: كنَّا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال:" إنكم سَتَرَوْنَ ربَّكم عِياناً كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا "، ثم قرأ:{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب} (2)[ق: 39].

رواه عن إسماعيل بن أبي خالد (3): عبد الله بن إدريس الأودي، ويحيى ابن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن محمد (4) المحاربي، وجرير بن عبد الحميد، وعبيدة بن حميد، وهشيم (5) بن بشير، وعليُّ بن عاصم، وسفيان بن

(1) تحرف في (ب) إلى: جابر.

(2)

أخرجه البخاري (554) و (573) و (4851) و (7434) و (7435) و (7436)، ومسلم (633)، وأبو داود (4729)، والترمذي (2554)، وابن ماجه (177)، وأحمد 4/ 360 و362 و365، والحميدي في " مسنده "(799)، وابن أبي عاصم في " السنة "(443) و (444) و (445) و (446) و (447) و (448) و (449) و (450) و (451)، والأجري ص 257 - 259، وابن منده في " الإيمان "(791) و (792) و (793) و (794) و (795) و (796) و (797) و (798) و (799) و (800) و (801) و (815)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص 168، 169، واللالكائي (825) و (826) و (827)، والطبراني في " الكبير "(2224) و (2225) و (2226) و (2227) و (2229) و (2232) و (2233) و (2234) و (2235) و (2236) و (2237) و (2288) و (2292).

وصححه ابن حبان (7442).

(3)

موارد هذه الروايات تنظر في " صحيح ابن حبان " وكتاب " الإيمان " لابن منده، و" السنة " لابن أبي عاصم، و" شرح أصول اعتقاد أهل السنة " للالكائي، وكتاب " الرؤية " للدارقطني. وذكر الحافظ في " الفتح " 13/ 427 أن شيخ الإسلام الهروي ساقه في كتاب " الفاروق " من رواية أكثر من ستين نفساً عن إسماعيل بلفظ واحد.

(4)

ساقطة من (ب).

(5)

تحرفت في (ج) إلى: هشام.

ص: 140

عيينة، ومروان بن معاوية، وأبو أسامة (1)، وعبد الله بن نُمير، ومحمد بن عُبَيْدٍ، وأخوه يعلى بن عبيد، وكيعُ بن الجَّراح، ومحمد بن فضيل (2)، والطُّفاوي، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن أبي (3) خالد، وعنبسة بن سعيد، والحسن بن صالح بن حيّ، وورقاء بن عمر، وعمَّار بن رُزيق (4)، وأبو الأغر سعيد (5) بن عبد الله، ونصر بن طريف، وعمار بن محمد، (6) والحسن بن عياش أخو أبي بكر، ويزيد بن عطاء، وعيسى بن يونس، وشعبة بن الحجَّاج، وعبد الله بن المبارك، وأبو حمزة السُّكَّري، وحسين بن واقد، ومُعتَمِرُ (7) بن سليمان، وجعفر بن زياد، وخداش بن المهاجر، وهُرَيْم (8) بن سفيان، ومِنْدَلُ (9) بن علي، وأخوه حِبَّان بن علي، وعمرو (10) بن مرثد، وعبد الغفار بن القاسم، ومحمد بن بشر الحريري، ومالك بن مغول، وعصام بن النعمان، وعلي بن القاسم الكندي، وعُبيدة بن الأسود الهمداني، وعبد الجبار بن المقياس، والمُعلَّى بن هلال، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، والصباح بن محارب، ومحمد بن عيسى، وسعيد بن حازم، وأبان بن أرقم، وعمرو بن النعمان، ومسعود بن سعدٍ الجعفيُّ، وغنَّام بن علي، وحسن بن حبيب، وسنان بن هارون البُرجمي، ومحمد بن سعيد (11) الواسطي، وعمرو بن هشام، ومحمد بن مروان، ويعلى بن

(1) هو حماد بن أسامه كما في " تهذيب الكمال " 3/ 71.

(2)

تحرفت في (ش) إلى: فضل.

(3)

ساقطة من (أ).

(4)

تحرف في (ب) إلى: زريق.

(5)

في (ش): سعد.

(6)

في (ش): بن.

(7)

في (ش): " معمر "، وهو تحريف.

(8)

في (ب): " هذيم "، وهو تحريف.

(9)

تحرفت في الأصول إلى: مدل.

(10)

في (ش): " معمر "، وهو خطأ.

(11)

ساقطة من (ج).

ص: 141

الحارث المحاربي، وشعيب (1) بن راشد، والحسن بن دينار، وسلَاّم بن أبي مطيع، وداود بن الزِّبرِقان، وحمادُ بن أبي حنيفة، ويعقوب بن حبيب، وحَكَّام بن سلم، وأبو مقاتل بن حفص، ومسيب (2) بن شريك، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وعمرو بن شمر الجُعفي، وعمرو بن عبد الغفار الفُقيمي (3)، وسيف بن هارون البُرجميُّ أخو سنان، وعائذ بن حبيب، ومالك بن سعد (4) بن الحسن، ويزيد بن عطاء مولى ابن عوانة، وخالد بن يزيد، وعُبيدُ (5) الله بن موسى، وخالد بن عبد الله الطحان، وأبو كُدَيْنَة (6) يحيى بن المهلَّب، ورَقَبَة بن مَصْقَلَة (7)، ومَعْمَرُ بن سليمان الرَّقِّي، ومرَجَّى بن رجاء، وعمرو بن جرير، ويحيى بن هاشم السمسار، وإبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، وعبد الله بن عثمان - شريك شعبة- وعبد الله بن فرُّوخ، وزيد بن أبي أُنيسة، وجوَّده، فقال:" ستُعَاينُون ربكم عز وجل كما تعاينون هذا القمر ". وأبو شهاب الحنَّاط، وقال:" سترون ربكم عِياناً "، وجارية (8) ابن هرم، وعاصم بن حكيم، ومقاتل بن سليمان، وأبو جعفر الرازي، والحسن ابن أبي جعفر، والوليد بن عمرو، وأخوه عثمان بن عمرو (9)، وعبد السلام [بن](10) عبد الله بن قُرة (11) العنبري، ويزيد بن

(1) في (ب): سعيد.

(2)

تحرفت في (ش) إلى شبيب.

(3)

تحرفت في (أ) و (ج) و (د) إلى: " النقيمي "، وفي (ش):" التغمي "، والمثبت من " الجرح والتعديل " 6/ 246، و" الأنساب " 9/ 324.

(4)

في (ب): سعيد.

(5)

تحرفت في (ش) إلى: عبد.

(6)

تحرفت في (ج) و (د) و (ش) إلى: لدينة.

(7)

تحرف في (ش) إلى: مقصلة.

(8)

تحرفت في (ش) و (ج) و" حادي الأرواح " إلى: " حارثة ". وجارية هذا مترجم في " الميزان "، وهو هالك.

(9)

" ابن عمرو " ساقطة من (ش).

(10)

زيادة من " حادي الأرواح ".

(11)

في (ب): " مرة " وفي (ج): مرد.

ص: 142