المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ثانياً: الوعيدية المراد بالوعيدية: هم من قطع بإنفاذ الوعيد في أهل - أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة - جـ ١

[سعود بن عبد العزيز الخلف]

الفصل: ‌ ‌ثانياً: الوعيدية المراد بالوعيدية: هم من قطع بإنفاذ الوعيد في أهل

‌ثانياً: الوعيدية

المراد بالوعيدية: هم من قطع بإنفاذ الوعيد في أهل الإيمان والإسلام،ولم ير لأهل الفسق في الرحمة نصيب ولا رجاء.

والمراد بهم هنا: المعتزلة والخوارج.

وسنذكر قول الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان في زيادته ونقصانه.

أولاً: قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان:

الخوارج والمعتزلة قالوا: إن الإيمان هو جميع الطاعات الواجبة وهو لا يزيد ولا ينقص.1

ومن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئاً من المنهيات، فقد خرج من الإسلام ودخل في الكفر عند الخوارج، أما المعتزلة فعندهم أنه خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر فهو في منزلة بين المنزلتين

الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة وقول السلف:

الخوارج والمعتزلة وافقوا السلف في تعريف الإيمان بإدخال الأعمال في مسمى الإيمان إلا أنهم خالفوا السلف بأن جعلوا الأعمال شرطاً في صحة الإيمان، فمن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئاً من المنهيات عند الخوارج خرج من الإيمان ودخل في الكفر، وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.

1 انظر أصول الدين للبغدادي ص249، مقالات الإسلاميين 1/168، شرح الأصول الخمسة ص139، مسائل الإيمان ص397.وانظر أيضاً قول الخوارج في الإيمان لأبي عبيد ص101.

ص: 66

أما عند السلف فإن الأعمال من الإيمان، فمن أخل بش من الواجبات أو ارتكب شيئاً من المنهيات نقص إيمانه عن القدر الواجب، وعرض نفسه للعقوبة ولم يستحق اسم الإيمان المطلق إلا أنه لا يخرج من الإيمان إلا بارتكاب عمل كفري أو ترك الصلاة على قول كثير من العلماء.

أدلة الخوارج والمعتزلة:

الخوارج والمعتزلة خالفوا السلف في مسمى وحكم من أخل بشيء من الواجبات، أو ارتكب شيئاً من المحرمات، فسماه الخوارج كافراً، وحكموا عليه به، أما المعتزلة فقد أخرجوه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر. وقد استدل كل منهم بأدلة.

أولاً: أدلة الخوارج والمعتزلة.

استدل الخوارج على قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة بالأدلة التي ورد فيها إطلاق الكفر على مرتكب بعض المعاصي مثل قول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44] . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر".1 أو قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر"2.

واستدل المعتزلة بالنصوص التي تسلب الإيمان عن العاصي وتصفه بالفسق، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.." 3، أو حديث "لا إيمان

1 مختصر صحيح مسلم ص37 ح 57، باب إذا أبق العبد فهو كفر.

2 مختصر صحيح مسلم ص34 ح 50، باب من قال لأخيه كافر.

3 مختصر صحيح مسلم ص31، باب لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.

ص: 67

لمن لا أمانة له" 1، أو حديث "والله لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه" 2 ونحو ذلك من الأحاديث.

الرد على الوعيدية:

الرد على الخوارج والمعتزلة يكون من وجهين:

الوجه الأول: في بيان معنى النصوص التي استدل بها كل من الخوارج والمعتزلة.

أولاً: أدلة الخوارج:

الأدلة التي استدل بها الخوارج وفيها وصف عامل بعض الأعمال بالكفر للعلماء فيها عدة أجوبة، منها:

1 -

أن المقصود بذلك المستحل للفعل المذكور، لأن المستحل لذلك مكذب لنص القرآن أو السنة في تحريم الفعل المنهي عنه، فيكون بذلك كافراً.

2 -

أن المراد أن ذلك الفعل مؤد إلى الكفر، لأنه كما قيل: المعاصي بريد الكفر.3

3 -

أن المراد به كفر النعمة وكفر الإحسان.

4 -

أن المراد التغليظ، وليس الكفر بالله.4

5 -

أن ذلك الفعل من أخلاق الكفار وأعمالهم، ولا يعني أن صاحبه كافر خارج

1 أخرجه أحمد في مسنده 3/438-440.

2 أخرجه البخاري 10/457، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه.

3 شرح النووي على مسلم 2/50.

4 تحفة الأحوذي 1/419.

ص: 68

من الإسلام.1

6 أن المراد ليس الكفر الأكبر، وإنما هو كفر دون كفر.

ومما يدل على صحة هذا، أن الشارع ورد عنه تقسيم بعض هذه التسميات إلى قسمين، وذلك مثل قوله عليه الصلاة والسلام:"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر..". فدل هذا على أن الشرك شركان أكبر وأصغر.

وكذلك ما ورد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لما نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام82] شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك،ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان13] 2

فهذا دليل على أن الظلم ظلمان، ظلم دون ظلم، وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب، وظلم عظيم وهو الشرك.

ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً،ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أئتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". 3

1 بهذا قال البخاري رحمه الله، حيث بوب في الصحيح: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك. انظر فتح الباري 1/84. وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان ص96.

2 أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء. انظر صحيح البخاري مع الفتح 6/537.

3 أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. انظره مع الفتح 1/89

ص: 69

فهذا دليل على أن النفاق منه ما يكون أكبر، وهو النفاق في الإيمان بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، وهو أن يكون فيه من أخلاق المنافقين.

ومن هذا الباب لفظ الكفر، فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكفر على بعض الأعمال، وفسره بغير الكفر بالله، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام فيما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط" 1 ومما يدل على هذا المعنى ماروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة44] قال: هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله. وروي عنه أنه قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.

وروي عن عطاء أنه قال في الآية كفر دون كفر، فسق دون فسق، وظلم دون ظلم. ومثله قال طاووس، وهو ما رجحه ابن جرير.2

وهو ما يشير إليه صنيع النووي في تبويبه لصحيح مسلم، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وما رجحه شارح الطحاوية،وهو أرجح الأقوال في جواب الأحاديث التي وصفت بعض الذنوب بالكفر 3.والله أعلم.

1 أخرجه البخاري في الإيمان. انظره مع الفتح 1/83.

2 تفسير ابن جرير 1/355 - 358.

3 شرح النووي على مسلم 2/57، مجموع الفتاوى 7/524، شرح الطحاوية ص444.

ص: 70

ثانياً: أدلة المعتزلة.

الأدلة التي استدل بها المعتزلة وفيها نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الأعمال، فليس المراد بنفي الإيمان أنه لم يبق معه شيء من الإيمان، وإنما هو نفي لكماله الواجب الذي يعرض تاركه للعقوبة، فقوله:"لا إيمان لمن لا أمانة له" يعني أنه فاقد للجزء المهم من الإيمان الذي بفقده يصبح صاحبه كأنه خال منه، وهو مثل صانع يصنع عملاً لأحد،إلا أنه لم يحسنه فيقال له: ما صنعت شيئاً، أو مثل طالب العلم يذهب ليتعلم العلم ثم لم يحسن التعلم فجاء علمه قليلاً ضعيفا فيقال عنه إنه لم يتعلم شيئاً، ولا يعني ذلك نفي الصفة ولا نفي العلم بتاتاً، وإنما يعني نفي حقيقته، ونفي الشيء الذي به يستحق أن يوصف به.

فكذلك الإيمان إذا وقع صاحبه في تلك الذنوب، إنما ينفي عنه حقيقته وإخلاصه، الذي لو كان موجوداً عنده لعصمه وأبعده عن تلك الموبقات والمحرمات.1 والله أعلم.

الوجه الثاني: وهو في بيان أن المعاصي لا تزيل الإيمان ولا توجب كفر فاعلها:

أجمع أهل السنة على أن المعاصي لا توجب الكفر واستدلوا لذلك بعدة أدلة:

1 -

أنه لو كان كفراً مخرجاً من الملة لكانوا بذلك مرتدين،ووجب قطع نكاحهم وتوارثهم، ولوجب قتلهم لردتهم. وهذا كله لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم الله بذلك

1 انظر الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام ص90 - 98، مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص377، شرح مسلم للنووي 2/41، فتح الباري 12/61

ص: 71

فنجد أن الله حد الحدود في الزاني البكر الجلد، وفي الثيب الرجم، وفي شارب الخمر الجلد، وفي السارق القطع. والنبي صلى الله عليه وسلم نفذ هذه الحدود فيمن ارتكب شيئاً من المنهيات، ولم يقتل إلا من كان حده القتل، وكذلك فعل أصحابه رضوان الله عليهم. فهذا دليل واضح على أنه لا يخرج من الإسلام ولا يكفر.

2أن الله جل وعلا قد أثبت الإيمان لبعض العصاة في مثل قوله عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات9] .

فوصفهم بالإيمان في حال القتال، وهذا يدل على أنهم لا يخرجون بذلك من الدين. وكذلك قال صلى الله عليه وسلم في كلامه عن الحسن بن علي رضي الله عنه:"إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".1

فوصفهم بالإسلام مع وقوع القتال بينهم، مما يدل على عدم خروجهم من الإسلام.

3أنهم في الآخرة تحت المشيئة داخلون تحت عموم قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء48] .

كما ثبت في أحاديث كثيرة خروج أناس كثير من العصاة من النار، كما أن أحاديث الشفاعة تدل على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، فلو كان مرتكبو الكبائر كفاراً كفراً أكبر لكانوا من الخالدين في النار، وفي هذا كفاية ومقنع لمن هداه الله.

وقبل أن نختم الكلام في هذه المسألة نشير إلى أمر مهم اشترك فيه سائر المخالفين للسلف في الإيمان وهو:

أنهم زعموا أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله.

1 أخرجه البخاري 5/361ح2704 كتاب الصلح.

ص: 72

فالمرجئة زعموا أن الإيمان شيء واحد وهو التصديق أو القول والتصديق أو القول، وهذا عندهم شيء واحد لا يتجزأ، فلو زال بعضه لزال كله، فلو زال بعض الإيمان وهو التصديق لصار شكاً وذلك كفر.

وكذلك قال المعتزلة والخوارج أن الإيمان كل لا يتجزأ فهو قول واعتقاد وعمل، ولو زال جزء منه سواء من القول أو الاعتقاد أو العمل زال المسمى كله فلا يسمى إيماناً، وإنما يسمى كفراً، كما هو عند الخوارج،أو منزلة بين المنزلتين كما هو عند المعتزلة.

والحق خلاف قولهم جميعا، فإن الإيمان مركب من ثلاثة أشياء، وهو القول والاعتقاد والعمل، وزوال جزء منه لا يزيل مسماه ما لم يكن في ذلك الجزء هو الأصل الذي يبنى عليه الدين كله. وذلك مثل الشجرة فإنها مكونة من جذور وساق وأغصان أوراق فلو زال جزء من الأغصان أو الأوراق فإنها تبقى على اسمها ولا يزول عنها الاسم بزوال الجزء، ولكنها توصف بالنقص.

وكذلك سائر المركبات من المكيلات والموزونات لو زال منها جزء فإنها لا تفقد مسماها، وإنما تفقد كمالها، فكذلك الإيمان زوال جزء منه لا يزيل مسماه، وإنما يزيل عنه وصف الكمال فقط 1. والله أعلم.

1 مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص365، جامع العلوم والحكم لابن رجب ص43

ص: 73