المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌اولا: توحيد الربوبية - أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة - جـ ١

[سعود بن عبد العزيز الخلف]

الفصل: ‌اولا: توحيد الربوبية

‌منهج السلف الصالح في التوحيد

‌اولا: توحيد الربوبية

منهج السلف الصالح في التوحيد

التوحيد: مصدر وحد يوحد توحيدا فهو موحد، والواحد والأحديدور معناه على الانفراد.

وشرعاً: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته وواحد في ريوبيته وواحد في صفاته لا مثيل له وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له.

فهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله عز وجل من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك كما يبطل دعوى من زعم وحدة الوجود، وأن الله هو هذا الكون من حولنا متوزع في ذراته تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهو سبحانه واحد في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين لا في الخلق ولا في التدبير.

وهو سبحانه واحد في صفاته لا مثيل له في شيء من صفاته فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

كما يتضمن التعريف وجوب إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، إذ لا معبود بحق سواه.

أنواع التوحيد الثلاثة:

يصرح السلف رحمهم الله بأن الواجب على العباد إخلاص التوحيد لله تعالى، والتوحيد عندهم ثلاثة أنواع، هي:

أولا: توحيد الربوبية.

هو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحوها مما هو من خصائص الربوبية.

ص: 74

وهذا النوع من التوحيد، وهو الإقرار بربوبية الله جملة وأنه الخالق والرازق ليس فيه كبير خلاف بين بني البشر، فقد ذكر الله تعالى إقرار المشركين بذلك. قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت 61] وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت63] وقال {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون84 – 89] وقال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النمل60 – 64] .

فهذه الآيات وغيرها كثير تقرر أن المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بربوبية الله تعالى ولكنهم يكفرون بالألوهية.

قال ابن جرير في تفسيره لآية العنكبوت: "ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السموات والأرض فسواهن

ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله فأنى يؤفكون يقول جل ثناؤه، فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له".1

وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف106] قال: "من إيمانهم إذا قيل

1 تفسير ابن جرير الطبري 21/11

ص: 75

لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا الله وهم مشركون.

وروى نحوه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء وابن زيد، ونذكر رواية ابن زيد لما فيها من التفصيل حيث جاء فيها أنه قال:"ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله يعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا".

وقال ابن جرير مفسرا للآية السابقة: "وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف عز وجل صفتهم.....بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أربابا وزعمهم أن له ولدا تعالى الله عما يقولون"1

كما روى ابن جرير في قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت65] عن قتادة أنه قال:"فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك".2

فهذه النصوص تثبت أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية لله عز وجل ولكنهم يشركون في العبادة والألوهية وهذا ما كانوا أنكروه على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الله عز وجل في قوله: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص5] وهو الذي استنكره أيضا المشركون قبل مشركي مكة، كما

1تفسير ابن جرير 13/77-79

2 تفسير ابن جرير 21/13

ص: 76

ذكر الله تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِين} [الأعراف70] .

وهذا أمر معلوم ظاهر لكل من نظر إلى النصوص الشرعية،أدرك أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون الله ويقرون له بالربوبية يقرون له بأمور أكثر من الخلق والرزق كما قال زهير بن أبي سلمى:

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفى ومهما تكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

ليوم الحساب أو يعجل فينتقم1

وكما قال عنترة:

يا عبل أنى من المنية مهرب

إن كان ربي في السماء قضاها2

بل كانوا يعبدونه بأنواع من العبادة كالحج والدعاء والاستغاثة به في حال الشدائد إلا أنهم كانوا يشركون معه آلهتهم ويزعمون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، قال جل وعلا {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر3] .

أدلة توحيد الربوبية:

إن الأدلة على توحيد الربوبية ظاهرة واضحة وكثيرة عديدة، نذكر منها:

أولاً: دليل الفطرة:

الفطرة لغة: هي الخلقة. 3

والمراد بدليل الفطرة أن الله تعالى خلق العباد مفطورين على الإقرار به، واعتقاد أنه خالقهم وربهم. وهذا هو المروي عن كثير من السلف، فقد روى ابن جرير الطبري

1 تيسير العزيز الحميد ص34.

2 تيسير العزيز الحميد ص34.

3 اللسان 5/3433.

ص: 77

بسنده أن عمر رضي الله عنه مر بمعاذ بن جبل فقال: "ما قوام هذا الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم30]، والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.

وروى عن مجاهد أنه قال: فطرة الله الإسلام ". 1 وهو قول أكثر السلف.2 وقد دل على ذلك أدلة عديدة، منها:

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف172] .

وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان –يعني عرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: "ألست بربكم"قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين".3

وكذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء".4

وحديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به

1 تفسير ابن جرير 21/40.

2 انظر شفاء العليل 2/297-315، وانظر القائد إلى تصحيح العقائد ص18.

3 حم 1/272 وذكر ابن كثير في تفسيره 2/241 روايات عديدة في هذا المعنى ورجح وقفها على ابن عباس رضي الله عنه.

4 أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، فتح الباري 3/246

ص: 78

سلطانا

" 1 الحديث.

فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق وأنه ربهم وخالقهم وأنهم تتغير فطرهم تلك بما يحرفهم إليه آباؤهم من اليهودية والنصرانية وغيرهما.

ثانياً: دليل الآيات

المراد بدليل الآيات، هي العلامات الدالة على ربوبية الله تعالى، وهي كثيرة:

1 -

الآيات الكونية: وهي جميع ما يحيط بالإنسان ويصل إليه بنظره وفكره من مخلوقات الله، كالسماء والأرض والشجر والجبال والدواب والبحار والإنسان ففي كل ذلك آيات باهرات واضحات على ربوبية الله تعالى.

وقد لفت الله تعالى نظر الإنسان إلى ذلك. قال عز من قائل {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران190] ، و {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات20.

ولما سأل فرعون موسى عليه السلام عن رب العالمين، أجابه موسى عليه السلام بما يقطع حجته ويفضح كذبه. قال تعالى:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء 23 – 26] .

فهذه آيات ظاهرة ألجمت إمام الملاحدة وأخرسته وأظهرت خزيه وفجوره.

والآيات الكونية ظاهرة لكل إنسان لا تحتاج إلى كبير عناء في إدراك أن لها موجداً أوجدها له كل صفات الكمال والجلال، وقد حدد الله تعالى وحصر الأوجه

1 أخرجه مسلم كتاب الجنة، باب 16 4/2197، وأحمد 4/162.

ص: 79

الممكنة في إيجاد الخلق وذلك في قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} [الطور 35] .

فلا يخرج الأمر عن واحد من هذه الثلاثة، إما أن تكون الأشياء مخلوقة هكذا صدفة بدون موجد وخالق، وذلك باطل ببديهة العقول، وإما أن يكون الإنسان أوجد نفسه وأوجد غيره، وهذا باطل يعلمه كل إنسان من نفسه ويتيقنه. فإذا لم يكن واحداً من هذين فلا يبقى إلا الأمر الثالث، وهو أن لها خالقاً وهو الله تعالى الذي أوجدها ودبرها وهو المتصرف وحده فيها.

2 -

الآيات التي أظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه.

الآيات والمعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه، هي دلائل عظيمة دالة على ربوبية الله وألوهيته،وصدق أنبيائه تعالى فيما دعوا إليه أقوامهم من التوحيد وقد سماها الله تعالى آيات.قال تعالى:{سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة 211] .وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} [الإسراء 101 – 102] .

قال ابن القيم رحمه الله: "وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات". 1

1 الصواعق المرسلة 3/1197.

ص: 80

3 -

الآيات المتلوة.

المراد بالآيات المتلوة كلام الله المنزل على أنبيائه، ومن أعظم ذلك القرآن الكريم، فهو آية مستقلة كافية من جميع الوجوه في الدلالة على الخالق تبارك وتعالى أصرح دلالة وأوضحها وأصدقها وأكملها. قال تعالى:{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ، وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت 49 – 51] .

فمن رام إثبات وجود الخالق تبارك وتعالى وربوبيته وألوهيته من خلال النص على ذلك فهو متوفر في القرآن، ومن رام إثبات ذلك من خلال إعجاز النص المنزل فذلك متوفر، فيكون من جنس آيات الأنبياء المحسوسة، بل هو أعظمها. وقد قال عليه الصلاة والسلام:"ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر وأوتيت روحاً فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".1

ومن هذه الناحية الأخيرة فإن كل إنسان يستطيع أن يجد في القرآن الدلالة على أن القرآن تنزيل من حكيم حميد،فالعالم بالتاريخ أو الجغرافيا أو الأحياء أو الطب أو الفلك أو غير ذلك من العلوم لو نظروا في القرآن لوجدوا فيه الآيات البينات التي ترشدهم إلى أنه حق نزل بالحق،ويدعوا إلى الحق، كما قال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت 53] .

1انظر مسلم كتاب الإيمان رقم 383،1/363 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 81