الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثامناً –إن الاستدلال بحدوث الأجسام وحدوث الأعراض ونحوها من الأدلة هي أدلة محرمة، لأن المتكلمين لما استدلوا بها جعلوها قواعد مطردة ليست خاصة بالمخلوق، بل عمموها فأدخلوا فيها الخالق والمخلوق، فما جعلوه دليلاً لحدوث المخلوق وإيجاده من العدم جعلوه من وجه آخر دليلاً على وجود الخالق وإيجاده لهذا الكون، وقطعوا بأن ما ثبت به الخلق والحدوث لا يصح أن يوصف به الخالق بوجه من الوجوه، فأداهم هذا إلى إنكار أمور مقطوع بها شرعاً ونصوصها وأدلتها من أوضح الأدلة والبراهين، ومع ذلك فقد أنكروها وردوها حتى يسلم لهم الاستدلال بتلك البراهين على وجود الله عز وجل، وخلقه لهذا العالم.
فقد أنكر المعتزلة سائر الصفات بدعوى أن إثباتها يدل على الحدوث والجسمية، وأنكر الأشاعرة والماتريدية الصفات الذاتية مثل الوجه واليد والعلو وغيرها بدعوى أن ذلك يدل على الجسمية، ونفوا أيضاً الصفات الفعلية مثل الاستواء والنزول والمجيء والإتيان والكلام بحرف وصوت بدعوى أن ذلك يدل على الحدوث، وليس لهم حجة على نفي ذلك إلا هذه المسالك التي استدلوا بها على إثبات وجود الله.
فهذا يدل على أنه مسلك محرم إذ أوصل القائلين به إلى تعطيل الباري جل وعلا، وإبطال النصوص الشرعية أو ردها وعدم قبولها. وكفى بهذا دليلاً على التحريم.
منهج المتكلمين في إثبات الوحدانية في الربوبية:
بعد أن ذكرنا موقف المتكلمين من إثبات وجود الله عز وجل يجدر أن نذكر دليلهم على وحدانية الخالق.
دليل التمانع:
المتكلمون أثبتوا وحدانية الخالق جل وعلا بما يسمونه دليل التمانع، وهو أنه لا يمكن وجود خالقين، وذلك لأنا لو فرضنا وجود خالقين، ثم أراد أحدهما تحريك شيء وأراد الآخر تسكينه، فإن الأمر لا يخرج عن واحد من ثلاثة أمور: إما أن يتم ما أرادا جميعا، وهذا مستحيل، لأن الضدين لا يجتمعان، وإما أن لا يتم مرادهما، وهذا دليل على عجزهما، أو يتم مراد أحدهما ويمتنع مراد الآخر، فيكون من تم مراده هو الإله، والآخر ليس إلهاً لأنه عاجز، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً.
وزعموا أن الله عز وجل أشار الى هذا الدليل وذلك في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} . [.الأنبياء22]
وهذا الدليل الذي استدل به المتكلمون هو من جنس أدلتهم السابقة في إثبات وجود الخالق حيث أنها قد توصل للمراد ولكن بعسر وصعوبة، مع أن ما استدلوا له وأتعبوا أنفسهم في إقامة الحجة عليه مستقر في فطر بني آدم، كما أنه من المعلوم أنه لم يقل أحد أنه رب العالمين وأنه موجد لهذا الكون وخالقه سوى الله عز وجل، وقد قامت الأدلة في الأنفس والآفاق، وكذلك الآيات المنزلة في الكتب، وعلى ألسنة أنبياء الله على صدق ذلك، بل لا يوجد ما يعارض ذلك معارضة صحيحة، بل لا يوجد إلا ما يتفق مع ذلك.
فإذا لم يكن هناك معارض أصلاً في هذا، فلا حاجة لإقامة الدليل. ومن المعلوم أن من ادعى أنه رب وهو فرعون، فدعواه تلك خاصة بقومه ومن أظهر الدعوى بينهم، وليست عامة، ولم يقل أنه رب العالمين أو خالق هذا الكون أو موجده، مع أن دعواه السابقة بقوله:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات24] دعوى ظاهر لكل عاقل بطلانها.
أما من عدا فرعون فإنه لم يدع أحد أنه الرب الأعلى، ولا خالق السموات والأرض ولا خالق الناس، وإنما قد يرد ذلك على ألسنة الناس اعتقاداً في بعض من
يعبدونه، كما يدعي النصارى شيئاً من ذلك للمسيح عليه السلام بقولهم:"إن الأب خلق السموات والأرض بواسطة الابن الذي عندهم هو المسيح". فهذه دعوى يدعيها النصارى بدون أن يكون المسيح عليه السلام ادعاها لنفسه، ولا وردت على لسانه عليه السلام.
فبان بذلك كله أن رب العالمين وخالق السموات والأرض والكون كله هو الله عز وجل، ولا معارض له في هذا، ولا حتى بالباطل من بني آدم. فإقامة الحجة على أن الخالق واحد لا ثاني له هو إقامة للحجة والدليل في شيء غير مختلف فيه ولا معارض فيه.
كما أن الآية التي زعموا أنها شاهد لدليل التمانع الذي ذكروه ليست صريحة فيما قالوا، لأن الآية في نفي الألوهية عن غير الله عز وجل.
ومعنى الآية كما ذكر ابن جرير رحمه الله: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد مع الله حقيقة لفسدت السموات والأرض، وعدم فسادهما واتساق خلقهما ونظامهما دليل على أنه لا يوجد فيهما معبود بحق إلا هو سبحانه وتعالى.1
ويوضح معناها قول الله عز وجل: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون91]
وذلك يعني أنه لو كان يوجد آلهة مع الله لكان لكل إله خلق وعبيد، ولذهب كل إله معبود بعبيده وخلقه، ولاجتهد كل معبود أن يعلو على غيره، ولما لم يحصل شيء من ذلك دل ذلك على أنه لا يوجد آلهة مع الله عز وجل.2
ولو كان ما استدل به المتكلمون متفقاً مع الآية لوجب أن تكون الآية واردة في نفي الربوبية، وذلك بأن يقول:"لو كان فيهما أرباب". ولما لم يقل الله تعالى ذلك،
1 انظر تفسير ابن جرير الطبري 17/13 حيث نص على أن المنفي في الآية ألوهية غير الله عزو جل.
2 انظر تفسير ابن كثير 3/167.
تبين أنه يدلل على نفي الألوهية عن غيره سبحانه. والذي يدخل ضمن ذلك نفي الربوبية عن غيره وإثباتها لنفسه سبحانه وتعالى.
موقف المتكلمين من توحيد الألوهية:
إذا بحثت في كتب المتكلمين عن التوحيد ستقف على ثلاثة أنواع من التوحيد:
أولها: توحيد الذات، وثانيها: توحيد الصفات، وثالثها: توحيد الأفعال، أو اعتقاد أن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله وستجد الأدلة على ذلك. وقد سبق النقل عن المتكلمين في ذلك.
ومما يؤسف له أن كتبهم التي زعموا أنها قواعد العقائد والإرشاد إلى قواطع الأدلة وأصول الدين، إلى غير ذلك من المسميات لا يوجد فيها ولا كلمة واحدة عن توحيد الألوهية أو توحيد العبادة،وهو التوحيد الذي شغل الحيز الأكبر من أدلة آيات القرآن الكريم، حيث أقام الله عليه الحجة تلو الحجة،واستدل بتوحيد الربوبية عليه،وكل دليل أقامه بشأن التوحيد في القرآن إنما هو دليل صريح لتوحيد الألوهية،أما الربوبية والأسماء والصفات فإنها قد تكون عرضا أو ضمنا أو تكون مستدلا بها على توحيد الألوهية 0
كما أن دعوة الأنبياء وجدالهم لأقوامهم كان منصبا على هذا النوع من التوحيد، الذي خلق الناس من أجله وانحرف الناس عنه وأخلوا به، وهو التوحيد المتعلق بالعمل وهو العبادة التي تتضح بها عبودية الإنسان لربه عز وجل وهو أول أمر في القرآن الكريم حيث أمر بتوحيد العبادة مستدلا عليه بتوحيد الربوبية وذلك في قوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة21]
وهو ظاهر في سورة الفاتحة التي يكررها المسلم كل يوم سبع عشرة مرة، وذلك في قوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة5] .
فكيف غفل المتكلمون عن هذا الأصل الأصيل والمنار المنيف في الشرع الشريف؟! هذا أمر يحار له المسلم وينذهل له ويدهش أشد الدهش، مع دعوى هؤلاء المتكلمين أنهم حماة العقيدة وناصروها ومقيموا الحجة على أعدائها ومخالفيها، فإذا بهم يهملون الغاية التي من أجلها خلق الإنسان،والأمر الذي نزلت الكتب وأرسلت الرسل وقام سوق الجهاد من أجل الالتزام به والدعوة إليه وإخلاصه لله وحده لا شريك له، وهو الذي كان ديدن أنبياء الله ورسله من أولهم إلى آخرهم، ويستبدل به المتكلمون الكلام عن أصول لم يكن فيها كبير خلاف، مع أنهم في نفس الوقت سلكوا في تقريرها مسالك صعبة وعرة عسرة، وهم في ذلك كما قيل:"لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولاسمين فينتقل". فتلك المسالك على قلة الحاجة إليها صعبة عسرة، لم توصل إلى المراد إلا بأرتال من الضلالات والانحرافات الدينية.
فعلى هذا نقول: إن المتكلمين لم يعرفوا توحيد الألوهية ولم يعرجوا عليه في قليل ولا كثير، وحينما أشاروا إلى شيء من ذلك فإنهم أخطأوا في تلك الإشارات على ندرتها وقلتها. ويتضح ذلك من خلال بيان ما يلي:
أولاً: معنى الإله:-
الإله في اللغة: هو المعبود.
والله: اسم علم على الإله المعبود بحق، أصله إله، دخلت عليه أل، فصار الإله، ثم حذفت همزته وأدغم اللامان فصار "الله".1
هذا ما ذكره أهل اللغة في معنى الإله، وأصل كلمة الله عند من يرى أنها مشتقة.
1 المعجم الوسيط ص25.
إلا أن المتكلمين خالفوا ذلك لهوى في نفوسهم، فزعموا أن الإله هو القادر على الاختراع.
قال الشهرستاني: "إن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيه غيره، ومن أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين". 1
وقال البغدادي: "واختلف أصحابنا – يعني الأشاعرة – في معنى الإله، فمنهم من قال: إنه مشتق من الإلهية وهي قدرته على اختراع الأعيان. وهو اختيار أبي الحسن الأشعري.2
فهذا ما أوردوه في معنى ألإله، حيث فسروا معنى الإله بما يدل عليه معنى الرب، وتركوا ما دلت عليه اللغة من أن الإله هو المعبود والرب هو الخالق.
ثانياً: معنى "لا إله إلا الله":-
"لا إله إلا الله" كلمة التوحيد ورأس الإسلام،ومع ذلك لا يجد الناظر للمتكلمين فيها كلام ولا بيان إلا النزر اليسير، وقد أخطأوا في هذا النزر اليسير.
فأبو حامد الغزالي يقول: "أن كلمتي الشهادة – يعني لا إله إلا الله محمداً رسول الله – على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله، وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم" 3
وفسر السنوسي الشهادة بأحد معنيين:
أحدهما: أن المراد بالإله المعبود الحق، وعلى هذا يكون معنى الشهادة: لا مستحق للعبودية في الوجود إلا الفرد الذي هو خالق العالم جل وعلا.
1 نهاية الأقدام في علم الكلام ص91.
2 أصول الدين ص123.
3 قواعد العقائد ص144.
وإن شئت قلت في معنى "الإله" هو المستغني عن كل ما سواه، والمفتقر إليه كل ما عداه، وعلى هذا يكون معنى "لا إله إلا الله" لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله تعالى.
وهو أظهر من المعنى الأول وأقرب منه، وهو أصل له، لأنه لا يستحق أن يعبد أي يذل له كل شيء إلا من كان مستغنياً عن كل ما سواه مفتقراً إليه كل ما عداه، فظهر أن العبارة الثانية أحسن من الأولى.1
بهذا فسر السنوسي كلمة "لا إله إلا الله" وهو وإن كان أحسن في القول الأول بأن "لا إله إلا الله" لا مستحق للعبودية إلا الله، فإنه أخطأ في تفسير معنى الله بأنه خالق العالم.
كما أخطأ في القول الذي رجحه وحسنه وهو أن "لا إله إلا الله" تعني لا مستغني في الوجود عما سواه إلا الله، وهذا معنى الربوبية الذي كان يقر به المشركون، فلو كان هذا معنى لا إله إلا الله لما أنكرها المشركون، ولا رضوا بأن تسفك دماؤهم وتسبى نساؤهم في الوقت الذي كانوا يقرون بما طلب منهم ودعوا إليه.
ولاشك أن هذا من الخلل في فهم نصوص الشرع وسوء الأصول التي بنوا عليها أقوالهم في العقيدة، فأعرضوا عن المعنى الشرعي في تفسير الإله، وتفسير لا إله إلا الله حتى يستقيم لهم الدعاوى التي ادعوها وجادلوا عنها من إثبات وجود الله تعالى وإثبات ربوبيته، بدعوى أنهم شرحوا بما قالوا أصل الدين ورأس الإسلام وهو شهادة التوحيد.
1 شرح أم البراهين ص74. وانظر منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل 1/583.
موقف المتكلمين من الشرك:
كما سبق أن ذكرنا أن موقف المتكلمين من توحيد الألوهية هو الإهمال والإعراض، فذلك موقفهم من الشرك أيضاً، فلا تجد في كتبهم ذكراً للشرك في الألوهية بدعاء غير الله أو الاستغاثة به أو الطواف بالقبور أو اللجوء لأصحابها والذبح أو النذر عندها، إلى غير ذلك من أنواع الشرك التي حذر الله منها، وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم منها ومن الطرق الموصلة إليها، فكان في ذلك وقاية وحماية للمسلمين من الوقوع في هذا الانحراف، إلى أن جاء المتكلمون فأهملوا بيان توحيد الألوهية، كما أهملوا التحذير من ضده وهو الشرك، فجهل المسلمون توحيد الألوهية ووقعوا في ضده وهو الشرك، حتى صار لدى كثير من المسلمين في بلدانهم قبوراً أوثاناً يعكفون عندها، ويدعون عندها وينذرون ويذبحون لها، وهم يظنون أن ذلك قربة إلى الله عز وجل، وأن هؤلاء الموتى واسطة شرعية ووسيلة مقبولة عند الله عز وجل.
وما ذلك إلا لإعراض المتكلمين عن بيان الشرك والتحذير منه. مما جعل المسلمين يجهلونه فيقعون فيه، ظناً منهم أن ذلك ليس شركاً، وأن الشرك إنما هو في اعتقاد أن خالقاً مع الله أوجد هذا الكون كما أوعز إلى ذلك المتكلمون بتركيزهم على إثبات الوحدانية في الذات، والوحدانية في الأفعال.
أما الوحدانية في العبادة فقد أهملوها، ولم يذكروها، فصار المسلم يظن أن لا شرك فيها، مع أن الشرك الذي حذر منه الله عز وجل إنما كان في هذا النوع، وهو بلية بني آدم ومصيبتهم التي حذرهم منها رسل الله عليهم الصلاة والسلام.