المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: - الفلاسفة - أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة - جـ ١

[سعود بن عبد العزيز الخلف]

الفصل: ‌أولا: - الفلاسفة

‌مناهج المخالفين للسلف في التوحيد

‌أولاً: - الفلاسفة

الفلاسفة: هم الذين ينظرون إلى طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها وأسبابها الخفية وراء ظواهرها.

والفلاسفة لم يتوقفوا في النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا، ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو يسمونه الإلهيات. 1

وقبل أن نبين ما في كلام الفلاسفة في التوحيد من الخلل والخطل نشير إلى أن الفلاسفة دخلوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة، وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبداً، فتبقى هكذا محاولات بلا نتائج لهذا قالوا:"إن عالم ما بعد الطبيعة عالم درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق، فإذا هو شاعر". 2

ومرادهم بقولهم "فإذا هو شاعر" أي يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما هي عليه.

مدار المنهج الفلسفي في التوحيد:

إن الفلاسفة المتقدمين وخاصة من كان لهم دور في المتأخرين من فلاسفة اليهود والنصارى والمسلمين وهم فلاسفة اليونان ممن كانوا قبل المسيح عليه السلام في حدود

1 مبادئ الفلسفة ص24،25.

2 المرجع السابق ص26.

ص: 95

خمسمائة عام نظروا إلى الألوهية والربوبية نظرهم إلى سائر ما يحيط بهم من المخلوقات فكانوا على قولين في إثبات الخالق وإثبات وجوده:-

القول الأول: الملاحدة – وهم المنكرون لوجود الخالق تبارك وتعالى. وهم فرقتان:

الأولى: الدهريون. القائلون بالجوهر1 الفرد، وهم جماعة من الفلاسفة يعتقدون أن الكون تكون من جواهر مفردة، أي ذرات صغيرة كانت موجودة تتحرك في الفضاء، ثم بسبب الحركة الوقتية تتجمع فتحدث مظاهر الحياة والوجود. وعلى هذا المذهب ديمقريطس وهيرقليطس وأبيقور فيما يبدو. 2

الثانية: الوجوديون – وهم الذين يزعمون بأن الله تعالى عما يقولون هو هذا الكون كله، وليس له ذات قائم بنفسه، بل هو حال في كل شيء. وعلى هذا المذهب الرواقية ومنهم "زينون 3وسبينوزا" اليهودي. 4

وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله عز وجل وجوداً متميزاً عن سائر مخلوقاته، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلا، أما هؤلاء فقد زعموا أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، ولم يميزوه عن شيء من المخلوقات – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا -.

1 الجوهر كلمة ليست عربية ألأصل، بل معربة من الفارسية. انظر: اللسان 4/153، فكرة الجوهر ص26. ومعنى الجوهر هو عين الشيء، ومنهم من يقول: هو الحامل للأعراض المختفي خلف الظواهر، أو القائم بنفسه، إلى غير ذلك. انظر فكرة الجوهر ص53.

2 مبادئ الفلسفة ص164.

3 موسوعة الفلسفة 1/539.

4 الموسوعة الفلسفية ص240.

ص: 96

القول الثاني: المؤلهة 1 - وهم القائلون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله. وهم كثير من الفلاسفة منهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في كلامهم عن هذا الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله إلى أقوال تعود في جملتها إلى ادعاء أن الله تبارك وتعالى عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك، وهو محرك للأشياء كتحريك المعشوق لعاشقه، وهو علة وجود الأشياء.

وقالوا في إيجاد هذا الكون: إن المادة2 والصورة3 للأشياء أزلية غير مخلوقة، ثم إن الله تبارك وتعالى في زعمهم أوجد ما يسمونه النفس الكلية، ثم النفس الكلية صنعت نفوس الكواكب وجعلتها آلهة مثلها، ثم إن هذه النفوس تعاونت مع الله تعالى في صنع بقية العالم وتدبيره. 4

فهذا القول مما يعزى إلى أكبر الفلاسفة وأعظمهم عند أتباعهم كسقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم. وهو قول في غاية السقوط والانحراف، ولا يقاربه في الانحراف والسخف إلا قول الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق جل وعلا ويتضح بطلانه من وجوه:

1 -

أن كلامهم عن الخالق تبارك وتعالى كله من باب الظن والتخمين، لأنهم لم يروا الباري تبارك وتعالى، ولم يروا شبيهاً له، ولم يشهدوا خلق السماوات

1 لا يعني قولنا: "المؤلهة" سوى أنهم يثبتون وجود موجود أعلى قد يعزون إليه ترتيب الموجودات الأخرى أو إيجاده منه آلهة أخرى، أو يعزون إليه التصرف في الموجودات وتدبير شؤونها.

2 المادة: المراد بها عندهم جرم الشيء وجسمه قبل تصويره وإعطائه هيئة محددة.

3 الصورة: المراد بها الهيئة والشكل الذي يكون عليه الشيء.

4انظر هذا في كلام سقراط في موسوعة الفلسفة 1/579، وفي كلام أفلاطون في موسوعة الفلسفة 1/104، وفي كلام أرسطو في الموسوعة الفلسفية ص38.

ص: 97

والأرض ولا خلق أنفسهم، كما لم يأخذوا قولهم هذا عن مخبر صادق، فبالتالي لا يعدو أن يكون ظناً وتخمينا.

2 -

إن ما ذكروه في وصفهم لله تبارك وتعالى كلام فاسد لا يعدو أن يكون إثبات شيء ليس هو بشيء. وذلك يتضح من وجوه:

أولاً – قولهم إن الله تعالى عقل، وذلك يعني أن الله فكر أو فكرة أو شيء معقول ويعقل ويعقل. وهذا كله إثبات معنى بدون ذات، وهو أمر لا يعقل ولا يفهم، إنما المفهوم منه أنه لا ذات له جل وعلا، وكل مالا ذات له في الحقيقة لا وجود له أو لا وجود له بنفسه، بل يكون قائماً في غيره، أو صادراً عن غيره، مثل الأفكار والكلام، فهذه معاني تقوم بغيرها ولا تقوم بنفسها.

ثانياً – قولهم بأنه واحد أو أوحد إنما مرادهم بذلك نفي صفاته، وهذا تعطيل له ونفي لوجوده، لأن كل موجود لابد أن يوصف بالصفات، فإذا نفيت عنه الصفات فذلك نفي لوجوده.

ثالثاً – قولهم إنه لا يتغير معناه نفي لفعله وتشبيه له بالمعدوم أو الجماد، فإن الذي لا يتغير هو الذي لا يفعل، لأن الفعل يلزم منه التغير، بمعنى أنه يريد ويأمر وينهى إلى غير ذلك. أما إذا كان لا يتغير فمعنى ذلك أنه جماد أو معدوم وحاشاه تعالى من ذلك.

رابعاً – قولهم إنه لا يتحرك فيه نفي لحياته، لأن فرق مابين الحي والميت الحركة، فالشيء الذي لا يتحرك هو الميت.

خامساً – قولهم إنه محرك لغيره بدون أن يتحرك كلام غير صحيح، ولا يمكن وجوده مع دعاويهم السابقة التي تضمنت نفي ذاته ونفي فعله ونفي حياته، فكيف يمكن أن يقال عنه إنه محرك لغيره وهو لا ذات ولا صفات ولا فعل ولا حياة. ولو دقق الإنسان في هذا لبان له وظهر أنهم ينفون وجوده فالمعدوم كاسمه لا يمكن أن يوجد شيئاً ولا أن يؤثر في شيء.

ص: 98

فكل هذه الدعاوى التي ذكرها الفلاسفة في الله تبارك وتعالى دعاوى فاسدة معلوم فسادها ببداهة العقول، فإن أي عاقل نظر في المخلوقات المحيطة به أو نظر في نفسه أدنى نظرة أدرك أن خالقه لابد أن يكون ذا صفات عظيمة وجلال وكمال من جميع الوجوه، لأنه ما لم يكن كذلك فإنه لا يمكن أن يوجد هذا الخلق وهذا الكون، فإذا لم يكن له ذات فكيف يوجد ماله ذوات، وإذا لم يكن موصوفاً بصفات الكمال من السمع والبصر والعلم والحكمة والإرادة وغيرها فكيف يوجد الموصوفين بهذه الصفات، وما لم يكن فاعلاً مختاراً كيف يوجد الفاعلين المختارين، وما لم يكن حياً كيف يوجد الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لجاهل أن يعلم الناس القرآن أو الشرع أو الدين لأنه فاقد للعلم، وغير البصير لا يمكن أن يرشد الناس إلى الطريق، والميت لا يمكن أن يفعل ولا يحي الموتى ولا يبعث الحياة في الموجودات ففاقد الشيء لا يعطيه. ولكن هؤلاء الفلاسفة لم ينظروا إلى المخلوقات ليستدلوا بها على الخالق بعين صحيحة، وإنما نظروا إليها بعقول قد لوثتها الوثنية والإلحاد فأثمرت هذه المقولات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على إفلاسهم من النظر الصحيح والرأي السديد الذي يتوصل إليه أقل الناس حظا من العلم. فهذه المخلوقات المحكمة الصنع والعظيمة في خلقها وهيئتها والعظيمة في دورها وعملها تدل على حكيم عليم بصير خبير، لابد أن يكون موصوفاً بكل صفات الكمال ألا وهو الله جل وعلا.

أما قولهم في إيجاد المخلوقات فمتضمن للفساد من وجوه عديدة:

أولاً – إن قولهم إن المادة والصورة أزليتان وغير مخلوقتين قول فاسد، لأنه يلزم منه وجود المادة والصورة من غير شيء، وهذا معلوم الفساد ببداهة العقول، فإن كل موجود لابد له من موجد حتى ينتهي الأمر إلى الموجد الأول والخالق تبارك وتعالى، وإلا لزم التسلسل إلى ما لانهاية.

ص: 99

ثانياً – قولهم بأنه أوجد النفس الكلية ثم أوجد نفوس الكواكب الأخرى، كل هذا ضرب من الظن والتخمين، كما أنه مبني على ما ألفوه في مجتمعاتهم من الوثنية وعبادة الكواكب. ودعاوى أن لها تصرفاً في الكون بالإيجاد والخلق والتصرف، فصاغوا من كل ذلك تلك الدعاوى التي ظاهرها أنها مبنية على النظر والعقل وهي مبنية على الوثنية الجاهلة السخيفة.

وقبل أن ننهي الكلام عن قول الفلاسفة ودعاويهم في صفات الله تبارك وتعالى وفعله وإيجاده لهذا الكون لابد أن نشير إلى أمر مهم، وهو:

أن الفلاسفة قد يكونوا أجادوا بعض الإجادة في الكلام عن بعض المخلوقات أو الأمور المعنوية المتعلقة بالسياسة أو التربية ونحو ذلك، وكلامهم هذا مهما بلغوا فيه من حسن القول والإجادة لا يلزم أن يكونوا أهلاً لأن يتكلموا فيما وراء طاقة الإنسان وقدرته، سواء فيما يتعلق بالله عز وجل، أو المخلوقات غير الظاهرة للعيان، فإن ذلك غيب عن الإنسان، وعقل الإنسان وقدراته متعلقة بما يراه أو يرى شبيهاً له فيقيس عليه.

فبالتالي حديثهم عن الله جل وعلا وحديثهم عن تكوين الكون ومادته وأصله كله غير داخل تحت طاقتهم وقدرتهم، وكلامهم فيه لا يعدو أن يكون ككلام المتطفل على علم لا يحسنه. وهم في هذا مثل طبيب من أمهر الناس في الطب مثلاً هل يليق أن يذهب إليه بناءً على حذقه في الطب فيسأله عن مسألة شرعية أو مسألة متعلقة بالسياسة أو مسألة متعلقة بالهندسة، فلا شك أن هذا لا يليق ولا يصح.

ومن رام أن يأخذ من الطبيب جواب مسألة شرعية دقيقة أو مسألة متعلقة بالهندسة أو المحاسبة فهو مخطئ. فكذلك من رام أن يجد عند هؤلاء الفلاسفة علم ما يتعلق بالله عز وجل فقد أخطأ الطريق وأخطأ الهدف.

ص: 100

ثم إنه من رحمة الله عز وجل لما كانت وسائل البشر إلى معرفته المعرفة الصحيحة مسدودة إلا من خلال الوحي أنزل الله في ذلك كتبه وأرسل رسله لتعليم الناس وتعريفهم به، وهذا من أعظم الرحمة وأعظم المنة من الله عز وجل على خلقه، لأنه بذلك يهيئ من شاء الله منهم إلى رحمته العظمى ورضوانه الأكبر في جنات عدن.

ص: 101