المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: - المتكلمون - أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة - جـ ١

[سعود بن عبد العزيز الخلف]

الفصل: ‌ثانيا: - المتكلمون

‌ثانيا: - المتكلمون

المتكلمون لما عزلوا الشرع الشريف عن أن يكون مصدرهم في توحيد الله عز وجل، وجعلوا مصدرهم في ذلك العقل أو المسائل العقلية المقررة في علم الكلام المستوردة من فلاسفة اليونان الوثنيين، ضلوا في هذا الباب ضلالاً بعيدا.

فمن يقرأ الكتب الموسومة بأنها أصول الدين أو قواعد العقائد أو المطالب العالية من العلم الإلهي، ونحو ذلك من كتب المتكلمين يرى أنها تقرر نوعين من التوحيد فقط، وهما:

توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أما توحيد الألوهية فتهمله تمام الإهمال، فلا يذكرونه جملة وتفصيلا، مع أنهم في تقريرهم لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات أخطأوا أخطاءً بليغة، أثمرت لهم الانحراف الذي هم عليه في تلك العقائد. وهذا منهج عام سلكه سائر المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.

فمن أقوالهم في بيان المراد بالتوحيد وما يدخل فيه من الأنواع:

قول عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، المتوفى سنة415هـ يقول عن التوحيد في اصطلاح المتكلمين:"هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه والإقرار به".1

وقال الجويني الأشعري المتوفى سنة478هـ: "وإذا أحاط العاقل بحدث العالم واستبان أن له صانعاً، فيتعين عليه بعد ذلك النظر في ثلاثة أصول يحتوي أحدها على ذكر ما يجب لله تعالى من الصفات، والثاني يشتمل على ذكر ما يستحيل عليه، والثالث ينطوي على ذكر ما يجوز من أحكامه، وتنصرم بذكر هذه الأصول قواعد العقائد". 2

1 شرح الأصول الخمسة ص128.

2 الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص50.

ص: 102

وقال الغزالي وهو أشعري توفي سنة505هـ بعد أن ذكر أن الله ميز عصابة السنة بأنوار اليقين

حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين، ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين، فجمعوا بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول، وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليس له طائل ولا محصول، إن لم يتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة".1

فيظهر من هذه النصوص أن التوحيد لدى المتكلمين يتعلق بإثبات، أولاً: ربوبية الله تعالى، وثانياً: إثبات أسمائه وصفاته.

أما توحيد الألوهية فلم يذكروه ولا بكلمة واحدة، وأغفلوا الحديث عنه تماماً، فلا ذكر له في كتبهم. وسنبين موقفهم منه، بعد أن نبين كلامهم وموقفهم من توحيد الربوبية.

أولاً: توحيد الربوبية.

توحيد الربوبية لدى المتكلمين هو الغاية من أنواع التوحيد عندهم، وقد أجهدوا أنفسهم وكدوا أذهانهم في تقريره بالعبارات المطولة والمقدمات المنطقية والفلسفية والنتائج، حتى توصلوا في النهاية إلى إقرار هذا النوع من التوحيد.

والملاحظ في كلامهم في هذا النوع من التوحيد أنهم يقررونه من ناحيتين:

الناحية الأولى: إثبات وجود الله تعالى، والناحية الثانية: إثبات خلقه لهذا العالم.

1 قواعد العقائد للغزالي ص144.

ص: 103

قولهم في إثبات وجود الله عز وجل.

المتكلمون عموماً من المعتزلة والأشعرية بدأوا كتبهم في العقيدة والتوحيد بإثبات وجود الله تعالى، باعتبار أن أول ما يجب على الإنسان قبل أن يدخل في هذا الدين أن يعرف الله عز وجل، وقبل أن يعرفه فعليه إثباته والإقرار بوجوده.

وقد جعلوا عمدتهم في الاستدلال لإثبات الربوبية الاستدلال بحدوث العالم. وسلكوا في إثبات ذلك مسلكاً وعراً ومنهجاً عسرا، لا يتناسب مع خطورة المسألة وأهميتها ألا وهي وجود الله عز وجل، وإضافة إلى ذلك فإن المتكلمين جعلوا أول واجب على المكلف النظر في معرفة الله تعالى، وهذه المعرفة مبنية على إثبات حدوث العالم، فإذا كان حادثاً فلابد له من محدث، وهو الله تعالى.

ولإثبات ذلك سلكوا طرقاً منها:

الطريقة الأولى: الاستدلال بحدوث الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، ولإثبات ذلك مقدمات:

أولها: إثبات الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، وثانيها: إثبات حدوثها، وثالثها: إثبات استحالة تعري الجواهر أو الأجسام عن الأعراض، ورابعها: إثبات استحالة حوادث لاأول لها، خامسها: أن الجواهر لا تسبق الحوادث، سادسها: أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث. وكل حادث لابد له من محدث، وهذا المحدث هو الله عز وجل. وقد قال بهذه الطريقة عبد الجبار المعتزلي 1والجويني 2.

1 انظر شرح الأصول الخمسة ص92-96.

2 الإرشاد ص39-40. واستدل بحدوث الجواهر من ناحية إثبات ألأعراض، وإثبات عدم خلو الجواهر عنها.

ص: 104

الطريقة الأخرى: الاستدلال عليه بالإمكان والوجوب. ومعنى هذه الطريقة أن الموجودات منقسمة إلى قسمين، إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته.

وهذا الدليل مبني على مقدمات:

أولها: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح.

ثانيها: بيان أن هذه الحاجة حاصلة في حال الحدوث أو في حال البقاء.

ثالثها: أن ذلك المرجح يجب أن يكون موجوداً.

رابعها: أنه يجب أن يكون موجوداً حال حصول الأثر.

خامسها: أن الدور 1باطل.

سادسها: أن التسلسل 2 باطل.

ثم عند تمام الكلام في تقرير هذه المقدمات الست يحصل الجزم بأنه لابد من الاعتراف بوجود موجود واجب الوجود لذاته. ثم إذا تبين أن هذا العالم المحسوس يمتنع أن يكون واجب الوجود لذاته، فعند ذلك نعلم أن هذا العالم المحسوس يحتاج في وجوده إلى وجود موجود واجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى.

وقد قال بهذه الطريقة الرازي 3. وهاتان الطريقتان هما من أهم الطرق عند هؤلاء المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى.

1 الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، مثل: لا يوجد هذا إلا مع هذا، ويسمى الدور المعي أو الإقتراني، وقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا وهو الدور البعدي. انظر درء التعارض 3/143، التعريفات ص140.

1 هو ترتيب أمور غير متناهية، وهو على أنواع تسلسل في الآثار والشروط، والتسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة، والأخيران ممتنعان. انظر درء التعارض 3/144، التعريفات ص80.

2 المطالب العالية من العلم الإلهي 1/72-73.

ص: 105

الرد على المتكلمين في مسلكهم لإثبات وجود الله عز وجل:-

إن المسلك الذي سلكه المتكلمون لإثبات وجود الله عز وجل لاشك مسلك باطل، بل محرم. والدليل على بطلانه وتحريمه ما يلي:

أولاً - إن وجود الله عز وجل يثبته جل بني آدم، ولم ينكره إلا طائفة قليلة من الملاحدة1، الذين هم أتباع فرعون إمام الملاحدة ومن أخذ بقوله وقولهم من السابقين واللاحقين، وهؤلاء لا يشكلون إلا نسبة قليلة من مجموع بني آدم، أما الغالبية العظمى من بني آدم من أصحاب الأديان كاليهود والنصارى والهنود ومشركي العرب فضلاً عن المسلمين فيثبتون وجود الله عز وجل.

كما أن الله حكى عن فرعون أنه كان في قرارة نفسه مقراً بوجود الله عز وجل وربوبيته، وإنما جحد ذلك تكبراً وعلواً. قال الله عز وجل:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل13، 14] .

وقال موسى عليه السلام لفرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} [الإسراء102] . فإذا كان الأمر كذلك فهل يسوغ الاشتغال بتلك الطرائق التي يزعم المتكلمون أنهم يريدون أن يثبتوا بها وجود الله عز وجل وإرغام أنوف الملاحدة؟! .

ثانياً - إن أعظم الدعاة إلى الله عز وجل وأشدهم نصحاً للخلق هم الأنبياء عليهم السلام، وقد جادلهم أقوامهم فأقاموا الحجة عليهم بأوضح عبارة وأبين مقال، وما رأيناهم دعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله عز وجل، وإنما دعوهم إلى عبادة الله عز وجل وحده، مما يدل على أن من جاء إليهم الأنبياء ودعوهم كانوا يقرون بوجود

3 ذكر الشهرستاني أن الملاحدة قلة وشرذمة من طوائف مجهولين. انظر: الشهرستاني في نهاية الاقدام في علم الكلام ص 128، والآمدي في غاية المرام ص9.

ص: 106

الخالق، بل يقرون أنهم مربوبون له ومخلوقون، وإنما نازعوا في عبادة الله وحده لاشريك له. فإذا كان أنبياء الله عز وجل لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله عز وجل فمعنى ذلك أن وجود الله عز وجل أمر مسلم لا خلاف فيه.

ثالثاً - إن الإقرار بوجود الله عز وجل أمر فطري فطر الله عليه الناس. قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف 172] . بل إن المشركين كانوا يقرون بربوبية الله فضلاً عن وجوده، كما قال الله عز وجل عن المشركين:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان 25]

فعلى ذلك فلا حاجة إلى إتعاب النفس في أمر قد فطر عليه بنو آدم.

رابعاً - إن من أنبياء الله عليهم السلام من واجه الملحدين وأقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يستدلوا بتلك الأدلة التي استدل بها المتكلمون، فهذا إبراهيم عليه السلام فيما حكى الله لنا في قوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة258] .

وهذا نبي الله موسى عليه السلام واجه زعيم الملاحدة وإمامهم فرعون حين أنكر وجود رب العالمين، ورد عليه وأفحمه كما قال الله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ

ص: 107

اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء23 – 29] فلم يستطع فرعون أن يدفع الدليل وتحير في الإجابة، حتى اضطر إلى إخفاء خزيه وفضيحته بالتهديد بالسجن.

فلا شك أن الدليل الذي استخدمه كل من إبراهيم وموسى عليهما السلام كان كافياً بدليل أن الطغاة لم يستطيعوا أن يردوه.

خامساً - إنا نعلم قطعاً ويقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس إلى الاستدلال على وجود الله عز وجل بدليل حدوث الأجسام أو دليل الإمكان، بل ولا أثر عن أحد من الصحابة حرف واحد في ذلك. وهذا فيه واحد من أمرين:

- إما أنه دليل باطل غير صحيح.

- أو أنه دليل ضعيف لا يوصل إلى الغاية منه بالدرجة والسرعة المطلوبة.

سادساً - إن الأجسام والجواهر والأعراض وكذلك الإمكان مصطلحات فلسفية مختلف في إثباتها وتعريفها وتحديدها إلى أقوال عديدة 1، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل الذي أراد المتكلمون أن يجعلوه دليلاً على وجود الله عز وجل مختلف فيه، فكيف يستدل بشيء مختلف فيه على شيء المقصود من إثباته الوصول إلى اليقين.

1 انظر في ذلك مقالات الإسلاميين 2/5-57، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص35-37.

ص: 108

سابعاً – إن لتلك المقدمات التي استدل بها المتكلمون، -والتي سبق ذكرها- لإثبات حدوث العالم مقدمات طويلة مختلف فيها، فقد عارضها معارضون وأنكرها منكرون، فقد ذكر الرازي في "الأربعين" إثبات حدوث العالم وذكر له ست حجج، وذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض"، ثم ذكر معارضات أبي الثناء الأرموي في كتابه "لباب الأربعين" عليها فاستغرقت أكثر من خمسين صفحة في كتابه "درء التعارض" 1، ثم ذكر الحجج الأخرى والاعتراضات عليها فاستغرقت قرابة الثلاثين صفحة 2. وبعد أن ذكر شيخ الإسلام قدح المتكلمين بعضهم في بعض في استدلالهم بتلك المقدمات على حدوث الأجسام قال: "

وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية، ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها".3

أما الاستدلال بالإمكان فقد ذكره الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي" كما سبق ذكر ذلك إلا أنه حين أراد تقرير ذلك الدليل ذكر الاعتراضات والشبه حول الدليل، واستغرق ذلك حوالي مائة صفحة في كتابه المذكور 4.

فهل من المقبول عقلاً أو شرعاً أن يكون إثبات وجود الله عز وجل بهذا العسر الشديد، وهل يمكن أن يحصل القطع واليقين بوجود الله تعالى بمثل تلك الحجج الضعيفة؟

لاشك أن المعتمد على مثل تلك الحجج لن يجد في قلبه سوى الحيرة والشك وتخلخل اليقين، وهي الحالة التي وصل إليها كثير من أهل الكلام،فظهرت حسرة

1 درء التعارض بين العقل والنقل 2/344-399.

2 درء التعارض 3/3-30.

3 درء التعارض 3/31.

4 انظر المطالب العالية 1/74-175.

ص: 109

جرت على ألسنتهم لفوات ما فوتوا من برد اليقين، ورسوخ الاعتقاد، استعاضوا عنه بقيل وقال، كما هو ظاهر في كلام الرازي:

نهاية إقدام العقول عقال

وغاية سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا

وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقال

وكذلك قول أبي المعالي الجويني: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنه يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به". وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وهاأنذا أموت على عقيدة أمي. أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور". 1

ويظهر لنا من ذلك كله عظيم نصح أئمة الإسلام حين نهوا عن الكلام وحذروا منه، فهذا أبو يوسف رحمه الله يقول:"من طلب العلم بالكلام تزندق"2. وقال الشافعي رحمه الله: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" 3.

وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب الكلام"4. وقال: "لا يكاد أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" 5. وغيرهم كثير.

1 شرح العقيدة الطحاوية 208.

2 انظر الإبانة لابن بطة 2/538.

3 انظر قول الشافعي في شرف أصحاب الحديث للخطيب ص168، الذهبي في السير 10/29.

4 الإبانة الكبرى لابن بطة 2/539.

5 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/95.

ص: 110