الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهج المبتدعة في العقيدة
أولا: المتكلمون
…
منهج المبتدعة في العقيدة
المبتدعة خالفوا السلف وانحرفوا عنهم في العقيدة وما ذلك إلا لمخالفتهم لهم في المنهج الذي اعتمدوه في تقرير العقيدة.
ويمكن تلخيص منهج المبتدعة عموما في أصل واحد وهو: تقديم الآراء والأهواء والكشف ونحو ذلك على النقل والشرع في تقرير مسائل العقيدة. بيان ذلك:
أن المبتدعة بسبب اختلاف مشاربهم ومقاصدهم ولما لم يأتلفوا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم صاروا أقوالا شتى متفرقة قد يجمعها بعض الأصول كما يجمع المتكلمين بعض الأصول ولكنهم يتفرقون كثيرا عند التفريعات.
وهكذا سائر المبتدعة من الخوارج والرافضة والصوفية لأن الأصول التي يلتقون عليها تصطدم دائما بالمقاصد والأهواء، فيتفرقون وينقسمون بسبب ذلك انقسامات داخلية وانشطارات متعددة تجعل الفرقة الواحدة لها مسمى واحد كبير لكنه يضم تحت مسماه فرقاً كثيرة متناحرة مختلفة.
وسنذكر منهج بعض المخالفين ونبين بطلانه.
أولا: المتكلمون
المتكلمون هم الذين يقررون مسائل العقيدة أو بعضها عن طريق الأدلة العقلية ومنهجهم في ذلك هو: تقديم العقل على النقل.
فتقديم العقل على النقل سمة ومنهج واضح ظاهر لدى الفلاسفة والمتكلمين، سواء كانوا جهمية أو معتزلة أو أشعرية أو ماتريدية، فكل هؤلاء في أبواب ضلالهم وانحرافهم عن الحق قدموا العقل على النقل بل كثير منهم لا يعتبر إمكانية الوصول إلى الحق إلا عن طريق العقل.
ومن الأمثلة على ذلك قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه "شرح الأصول الخمسة" ص 88: "الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل".
وقال الآيجي في المواقف وهو من الأشاعرة: "ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهذا لا يثبت إلا بالعقل
…
ثم قال: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل لا. ثم قال بعد أن ذكر أن الدليل النقلي أي الشرعي يفيد الظن قال: لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعا"1.
وقال الجويني الأشعري: "إنه إذا ورد الدليل السمعي مخالفا لقضية العقل فهو مردود قطعا: "2.
وقال الرازي وهو أشعري: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك
…
يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها" 3.
فهذا شأن أهل البدع من المتكلمين والفلاسفة تقديم العقل على النقل واعتبار العقل الأصل والشرع فرع له، لهذا عند التعارض لا يقيمون للنقل والشرع وزنا.
دليلهم:
المتكلمون عموماً قدموا العقل على النقل بدون أن يكون لهم أدنى دليل شرعي أو حتى دليل عقلي إنما قعدوا قاعدة فقالوا: إن العقل هو أصل الشرع
1 المواقف ص: 40129.
2 الإرشاد، ص: 359-360.
3 أساس التقديس ص:210.
فلهذا لا يستدل بالفرع على الأصل. وفي هذا يقول عبد الجبار المعتزلي في تعليله الاستدلال بالعقل دون الشرع في معرفة الله: "إن معرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل فلأن ما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله والحال هذه، كنا مستدلين بفرع الشيء على أصله وذلك لا يجوز". 1
وكذلك قال الرازي بعد أن أوهم نفسه أنه يوجد تعارض بين العقل والنقل فجعل للخروج من هذا الإشكال أن يعتقد أن النص الشرعي غير صحيح أو يعتقد أن معناه غير صحيح وعلل ذلك بأن العقل هو الذي دلنا على صحة الشرع فبالتالي لا يمكن أن نقدم الشرع على العقل، لأن الشرع عنده صار بذلك فرعاً والعقل أصلاً".2
الرد عليهم:
لا شك أن المتكلمين قد اضطربت أفهامهم وفسد حسهم الديني، حتى زعموا أن العقل 3 مقدم على الشرع بدون أن يكون لهم أدنى دليل شرعي أو عقلي صحيح سوى الدعوى بأن العقل أصل والشرع فرع. وفساد هذه الدعاوي وبطلانها ظاهر من أوجه عدة:
أولاً – الرد عليهم في دعواهم أن العقل أصل والشرع فرع:
1 -
نسأل المتكلمين: ما هو العقل الذي يجعلونه مقدماً على الشرع؛ هل هو عقل الفلاسفة اليونانيين الوثنيين أم عقول الجهمية، أم عقول المعتزلة أم عقول
1 شرح الأصول الخمسة ص88.
2 انظر ما سبق ص وانظر أساس التقديس ص220.
3 إن مراد المتكلمين ب "العقل" هو الأدلة العقلية التي زعموا أنهم يثبتون بها وجود الله تعالى، وهي أدلة فاسدة مأخوذة من الفلاسفة سيأتي ذكرها وبيان فسادها، وتلك الأدلة جعلوها أصلاً وحاكماً فما خالفها فهو مردود سواء من القرآن أو السنة، وما وافقها فهو المقبول، مع اختلافهم واضطرابهم فيها وفي لوازمها حتى صاروا مختلفين إلى جهمي ومعتزلي وأشعري.
الأشاعرة؟ فهؤلاء جميعا يدعون العقل وهم مختلفون.فأي عقل من تلك العقول يزعم هؤلاء المتكلمون أنه مقدم على الشرع.
والواقع أنهم يقدمون عقل اليونانيين الوثنيين المشركين على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فأي فساد في الدين أعظم من هذا وأي انحراف أكبر من هذا نعوذ بالله من الخذلان.
2 -
إن معرفة الله تعالى والإيمان به ليس منوطاً بالأدلة العقلية كما يتوهم المتكلمون، لأن معرفة الله والإقرار به قد جعله الله في فطر بني آدم، كما أن جل الذين آمنوا من بني آدم إن لم يكن كلهم قد اهتدوا إلى الإيمان بدون أن يعرفوا تلك الأدلة، كما أن الهداية هي من الله تعالى فليست منوطة بالعقل أو بالأدلة العقلية، بل هي نور من الله يقذفه في قلب من شاء من عباده. فعلى هذا تكون دعوى المتكلمين إن الأدلة العقلية هي التي استدلوا بها على الله تعالى كاذبة خاطئة.
3 -
إذا كان العقل دل المتكلمين على صحة الشرع وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الواجب عليهم هنا أن يسلموا للشارع وينقادوا لكلامه، لأنه أمرهم بذلك، وهم قد أقروا لله بالألوهية وللرسول عليه الصلاة والسلام بالرسالة. فيلزمهم بناء على ذلك أن لا يقدموا على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم رأياً ولا هوى ولا قول أحد من الناس، لأن الله أمرهم بذلك. وهذا مثل ما لو أن إنساناً كان في صحراء فتاه عن الطريق وهو يريد الذهاب إلى منطقة معينة، فلم يهتد للطريق فوجد رجلاً عرف من حاله وكلامه أنه خبير بالطريق الموصلة إلى البلدة التي يريد الذهاب إليها، فطلب منه أن يرشده الطريق. فهل يليق بعد ذلك أن يعترض عليه ويأبى أن ينقاد إليه؟ إنه إن فعل ذلك فهذا دليل على أنه لم يقر للرجل بأنه خبير بالطريق، وفي ذلك طعن في حكمه على الشخص من قبل بأنه خبير بالطريق. فكذلك من لم
يسلم لله ولرسوله بعد أن استدل على صحة وصدق الشارع، فإن ذلك قدح في دلالة العقل وقدح في إيمانه ويقينه بأن الشارع صادق ناصح.
ثانياً – الرد عليهم بادعاء التعارض بين العقل والنقل:
المتكلمون يزعمون وجود تعارض بين العقل والنقل في المسائل التي خالفوا فيها الحق، وهذه دعوى غير صحيحة بنفسها، ولا وجود لها إلا في عقولهم المريضة، أما الواقع فإن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح. والدليل على ذلك أمور:
أ - أن الذي خلق العقل هو الذي أنزل الشرع فكيف يمكن أن يكون بينهما تعارض.
ب - أن الله تعالى في القرآن الكريم قد دعا في مواطن عديدة إلى استخدام العقل والنظر من خلاله إلى آياته وبيناته ليصل الإنسان إلى الإيمان بالله ورسله قال جل وعلا: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد24] وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ46] .
ج - أن الله عز وجل قد أبان في مواطن عدة من كتابه أن سبب هلاك من هلك من أهل النار أنهم لم يستخدموا عقولهم الاستخدام الصحيح قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك10] وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف179] . فلهذا لا يمكن أن يكون بين العقل الصحيح والنقل الصحيح تعارض بحال من الأحوال.
ثالثاً – الرد عليهم في تقديم العقل على النقل في حال التعارض:
إن تقديم العقل على النقل في حال التعارض انحراف عن دين الله وفساد وهو باطل من عدة وجوه:
1 -
أن الله تعالى أمرنا باتباع كتابه وسنة نبيه ولم يأمرنا باتباع العقل كما لم يجعل اتباع الكتاب والسنة مشروطا بموافقة العقل وقبوله للأمر، فمن قدم العقل على الشرع أو قيد قبوله للشرع بموافقة العقل فقد افترى على الله عز وجل وقيد كلام الله وأمره بقيد من عند نفسه.
2 -
أن تقديم العقل على النقل يؤدي إلى إبطال الشرع، وذلك أن العقول متفاوتة متباينة، وأصحابها أكثر الناس اختلافا، فيؤدي ذلك إلى أن كل صاحب مذهب منحرف وهدف سيئ يدعي أن الشرع مخالف لعقله فيبطل الشرع وتندرس معالمه.
3 -
أن من زعم أنه لا يقبل الشرع إلا إذا وافقه العقل فيه شبه من إبليس حيث رد الأمر بما يرى أنه حجة عقلية، فقد أمره الله تعالى بالسجود، فاحتج على ذلك بأنه خير من المسجود له لأنه خلق من نار وآدم خلق من طين فعارض الأمر بعقله فاستحق اللعن والإبعاد من رحمة الله.
4 – إن الإيمان لا يثبت في القلب إلا بالتسليم والاستسلام للشرع، أما معارضته بالشبه العقلية وعرضه عليها فإن ذلك مورث للشك والحيرة، وهذا أمر معلوم مجرب، وقد صرح به كبار أئمة الكلام، حيث أكدوا أنهم قد أوقعوا أنفسهم في الحيرة والشك، الذي نسأل الله العافية لا مخرج منه، وذلك لأنهم قد هدموا يقينهم، وخلخلوا عقيدتهم بالشبه العقلية والمناهج الفلسفية.
وفي هذا يقول محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي صنفه: "أقسام اللذات":
نهاية إقدام العقول عقال
…
وغاية سعى العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
…
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
…
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ، وأقرأ في النفي:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} . ثم قال:"ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"1.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "نهاية الأقدام في علم الكلام"
لقد طفت في تلك المعاهد كلها
…
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على
…
ذقن أو قارعا سن نادم "2
وقال شمس الدين الخسر وشاهي وقد دخل عليه بعض الفضلاء يوما فقال: "ما تعتقد؟ قال: "ما يعتقده المسلمون" فقال شمس الدين: "وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ فقال الرجل: نعم. فقال شمس الدين: "اشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى اخضل لحيته".3
فهذا فيه كفاية ومقنع لمن أراد الله هدايته.
1 شرح الطحاوية، ص:192.
2 نهاية الأقدام، ص:3.
3 شرح الطحاوية ص192.