المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أركان عقد البيع: - الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي - جـ ٦

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌الجُزء السادس

- ‌المقدمة

- ‌البَاب الأوَّلالبَيع

- ‌حكمة التشريع:

- ‌أركان عقد البيع:

- ‌قبض المبيع وضمانه

- ‌الخيارات في البيع

- ‌البيوع الخاصة

- ‌ البيوع الجائزة:

- ‌ البيوع المنهي عنها

- ‌بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها (الضمان)

- ‌البيع بالتقسيط

- ‌من آداب البيع:

- ‌الإقالة

- ‌الباب الثانيالسلم

- ‌حكمة تشريعه:

- ‌أركانه وشروطه:

- ‌عقد الاستصناع

- ‌بيع المنازل على الخارطة

- ‌الباب الثالثالرّبا

- ‌تعريف الربا:

- ‌الأموال التي يجري فيها الربا:

- ‌أنواع الربا وحكم كلّ منها:

- ‌تبايع الأموال الربوية وشروط صحته:

- ‌المزابنة والمحاقلة:

- ‌ العرايا

- ‌بيع اللحم باللحم

- ‌ بيع الحيوان بالحيوان

- ‌ بيع اللحم بالحيوان:

- ‌حكم التعامل الربوي

- ‌ربا القرض

- ‌الباب الرّابعالَصَرْف

- ‌الصرف

- ‌البَاب الخَامسالقرض

- ‌حكمة تشريعه:

- ‌ما يجب رده بدل القرض:

- ‌الشروط في القرض:

- ‌شرط الأجل في القرض:

- ‌الباب السادسالهبة

- ‌تعريفها:

- ‌مشروعيتها:

- ‌المكافأة على الهبة:

- ‌حكمة مشروعيتها:

- ‌أركان الهبة وشروطها:

- ‌العمري والرقبي

- ‌هبة ما كان مشغولاً بغيرة أو متصلاً به:

- ‌هبه المشاع

- ‌لزوم الهبة بالقبض:

- ‌شروط القبض:

- ‌حكم الهبة:

- ‌صفة حكم الهبة، وحكم الرجوع فيها:

- ‌الهبة المطلقة والهبة بثواب:

- ‌التسوية في الهبة للأولاد وعطاياهم:

- ‌المساواة بين الوالدين في العطايا:

- ‌المساواة بين الإخوة في الهبات:

- ‌البَاب السابعالإجارة

- ‌أركان الإجارة وشروطها:

- ‌أقسام الإجارة وشروطها:

- ‌حكم الإجارة:

- ‌حق استيفاء المنفعة:

- ‌الإجارة الفاسدة وأُجرة المثل:

- ‌ضمان العين المستأجرة:

- ‌ضمان الأجير:

- ‌انتهاء الإجارة:

- ‌الخيارات في عقد الإجارة

- ‌اختلاف المؤجر والمستأجر

- ‌البَاب الثَامنالجعَالة

- ‌حكمتها:

- ‌أحكامها:

- ‌البَاب التَاسِعالصُلح

- ‌حكمة مشروعيته:

- ‌أنواع الصلح:

- ‌أركان الصلح وشروطها:

- ‌التزاحم على الحقوق المشتركة

- ‌مبطلات الصلح:

- ‌حكم الصلح بعد بطلانه:

- ‌الباب العاشرالحوالة

- ‌أركان الحوالة وشروطها:

- ‌شروط صحة الحوالة:

- ‌حكم الحوالة:

- ‌انتهاء الحوالة:

- ‌حوالة المحال أو المحال عليه:

- ‌الحوالة البريدية:

الفصل: ‌أركان عقد البيع:

وهذا الذي ثبت في الكتاب والسنّة أجمعت عليه الأمة في مختلف العصور والأزمان.

‌حكمة التشريع:

إن الناس في حاجة إلى كثير من السلع، ولا يستطيع كلّ منهم أن ينتج جميع ما يحتاج إليه منها، فكان لا بدّ من أن يبادل بعضهم بعضاً بهذه السلع، وهذا التبادل لا يحصل إذا لم يكن هناك تراضٍ عليه، وهذا التراضي هو عقد البيع. وكذلك ربما ملك بعضهم النقد ولم يملك سلعاً، وعكس ذلك يقع، فيحتاج ذو النقد إلى السلع، وذو السلع إلى النقد، وكل ذلك لا يحصل غالباً إلا بالبيع. وأيضاً من شأن الإنسان أن يسعى إلى الربح، والبيع والشراء هو الطريق السليم لتحصيل ذلك، والله تعالى أعلم.

‌أركان عقد البيع:

علمنا أن البيع عقد، وكل عقد لا بدّ فيه من أركان حتى يوجد، ولا بدّ لهذه الأركان من شروط حتى يصحّ العقد، وبالتالي تترتب عليه آثاره، وهي ما قرره شرع الله تعالى له من أحكام، ولنتكلم عن ذلك كله بعون الله تعالى فنقول: أركان عقد البيع ثلاثة:

الركن الأول: العاقدان

هما البائع والمشتري اللذان يقوم العقد بتوافق إرادتيهما، ويشترط في كل منهما:

1 -

أن يكون رشيداً، أي بالغاً عاقلاً يحسن التصرف في المال. فلا يصح بيع ولا شراء الصبي والمجنون، وكذلك المحجور عليه لسفه، أي لسوء تصرفه بالمال: إما بإنفاقه في المحرمات، أو تبديده في المباحات، أو لغفلة وعدم خبرة.

ودليل هذا:

قوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (النساء6) فقد أمر الله تعالى الأولياء باختبار مَن كانوا تحت ولايتهم من اليتامى بالمعاملة حين يبلغون، فإن ظهر منهم حسن تصرف بالمال دفعت إليهم وسلطوا عليها، فدلّ ذلك على أن

ص: 11

الرشد شرط للتسليط على المال وصحة التصرّف فيه، والبيع والشراء تصرف بالمال، فاشترط فيه الرشد.

وكذلك كل من الصبي والمجنون ليس أهلاً للتصرف، لأنه غير مكلف، قال صلى الله عليه وسلم:" رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم - أي يبلغ "(أبو داود: الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حداً، رقم: 4401).

ورفع القلم يعني عدم المؤاخذة، والعقود تترتب عليها أحكام، ومن كان غير مؤاخذ عن تصرفاته فليس أهلاً لإنشائها.

2 -

أن يكون مختاراً مريداً للتعاقد: أي أن يبيع أو يشتري وهو قاصد لما يقوم به من تصرف بملء حريته ورغبته، راضياً بالتعامل الذي ينشئه.

ودليل ذلك قوله تعالى: {إِلَاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (النساء29). وقوله صلى الله عليه وسلم "إنما البيع عن تراض"(أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب: بيع الخيار، رقم: 2185). أي إنما يعتبر ويصح إذا كان عن تراضٍ من المتعاقدين.

فعلى هذا لا يصح بيع المكروه ولا شراؤه، لعدم تحقق الرضا منه، وذلك أن الرضا أمر خفيّ، يدل عليه التصرف القولي أو الفعلي حال عدم الإكراه، وأما حال الإكراه فلم يبق القول الظاهر مظنة للرضا الخفي، وإنما أصبح مشكوكاً فيه أو مقطوعاً بعدم وجوده، فلم تعتبر الأقوال، ولم يصح البيع.

ومثل المكره من تلفّظ بالبيع أو الشراء هازلاً، لأنه في معنى المكره، من حيث عدم الرضا بهذا التعامل وعدم القصد إليه.

ويستثنى من عدم صحة بيع المكره ما لو كان الإكراه بحق، كأن يكون على إنسان ديون يماطل في وفائها، ولديه سلع يمتنع عن بيعها، فللقاضي أن يجبره على بيعها لأداء الحقوق لأصحابها، ويكون البيع هنا صحيحاً إقامة لرضا الشارع مقام رضا العاقد.

3 -

تعدّد طرفي العقد: أي أن يوجد عاقدان بأن يكون البائع غير المشتري

ص: 12

وذلك لأن مصالح كل منهما تتعارض مع مصالح الآخر، فالبائع يرغب بثمن أكبر وشروط أقل، والمشتري يرغب بشروط في المبيع أفضل وبثمن أقل، وهكذا. كما أن للبيع أحكاماً تتعلق بقبض المبيع وأحكاماً تتعلق بقبض الثمن، وكل منها تترتب عليه مسؤوليات قد تعارض الأخرى، فلا يمكن أن يكون الجميع من مسؤولية شخص واحد.

وعلى هذا فلو وكَل أحداً ببيع بعض أمواله فليس لهذا الوكيل أن يشتريها لنفسه، ولو وكَّلَ أحداً بشراء سلع ما، وكان الوكيل يملك هذه السلع فليس له أن يشتريها من نفسه لموكِّله. وكذِّلك لو كان رجل وكيلاً عن شخصين: فليس له أن يشتري من مال أحدهما للآخر، للمعنى الذي سبق، ولأن حقوق البيع من قبض وتسليم وغيرها تتعلق بالوكيل، وقد تحتاج إلى الخصومة والتقاضي، فلا يمكن أن يكون الشخص الواحد خصماً ومخاصماً في آن واحد

ويستثنى من ذلك: بيع الولي - وهو الأب - مال ابنه القاصر من نفسه: لأنه لا يُتَّهم بغَبْنه لمزيد شفقته عليه. وكذلك بيع القاضي أموال القاصرين الذين تحت ولايته بعضهم من بعض، لأن ولايته عامة، وقد يضطر إلى مثل هذا البيع.

4 -

البصر: فلا يصح بيع الأعمى ولا شراؤه، لأن في ذلك جهالة فاحشة، فيوكل مَن يشتري له أو يبيع.

الركن الثاني: الصيغة:

وهي اللفظ الذي يصدر من المتعاقدين، معَّبراً عن رغبتهما في التعاقد ورضاهما به وقصدهما إليه. فقد علمنا أن الرضا شرط لصحة عقد البيع، وأن الرضا أمر خفيّ أُقيم مقامه ما هو مظِنّة له، وهو التصرف الذي يعتّبر به العاقدان عن رضاهما بالبيع، وهذا التصرف هو الصيغة، وتشمل الإيجاب من البائع، كقوله: بعتك هذا الثوب بكذا، والقبول من المشتري، كقوله: قبلته، أو اشتريته، وما إلى ذلك.

ص: 13

والصيغة قد تكون صريحة وقد تكون كناية:

فالصريحة: كل لفظ تكون دلالته ظاهرة على البيع والشراء، كقوله: بعتك وملّكتك، وقول المشتري: اشتريت وتملّكت، ويكفي في القبول أن يقول: قبلت.

والكناية: هي اللفظ الذي يحتمل البيع كما يحتمل غيره، كقول البائع: جعلتُه لك بكذا، أو: خذه بكذا، أو تسلَّمه بكذا، وقول المشتري: أخذته أو تسلّمته.

فالصيغة الصريحة ينعقد بها البيع - إذا توفّرت شروطها - بمجرد التلفظ بها، ولا تحتاج إلى نيّة. بينما ألفاظ الكناية لا ينعقد فيها البيع إلا إذا اقترنت بنيته، أو دلّت القرائن على إرادته.

وهل ينعقد البيع بالمعاطاة؟ كأن يُقبض البائع المبيع ويُقبضه المشتري الثمن، من غير أن يتلفظ واحد منهما بشيء، أو يتلفظ أحدهما ويسكت الآخر.

المشهور في المذهب: أنه لا بدَّ من التلفظ من العاقدين، وأن البيع لا يصح بالمعاطاة. وبعض فقهاء المذهب صحَّح البيع بالمعاطاة في غير النفيس من الأشياء كرطل خبز وحزمة بصل ونحو ذلك، ولم يصححه في النفائس من السَّلَع والمبيعات ذات القيمة العالية.

وأجاز ذلك مطلقاً المتأخرون من فقهاء المذهب - كالنووي رحمه الله تعالى - إذا جرى به العرف. وهذا أيسر للناس وأرحم، وأبعد عن إيقاعهم في الإثم وإبطال بياعاتهم، ولا سيما في هذه الأيام التي أصبح البيع بالمعاطاة فيها هو الشائع والغالب، وقلما تجد متبايعين يتلفظان بإيجاب أو قبول.

وما سبق بالنسبة لمن يستطيع النطق، وأما الأخرس: فيُكتفى منه بإشارته المفهمة، المعهودة عنه في مثل هذا التصرف، فإنها تنوب منه مناب النطق للضرورة، لأنها تدل على ما في نفسه كما يدل اللفظ عما في نفس الناطق. وتقوم الكتابة منه مقام الإشارة، بل هي أولى، لأنها أقوى في الدلالة على الإرادة والرضا.

ص: 14

ويشترط في صيغة العقد ما يلي:

1 -

أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول بما يُشعر عرفاً بالإعراض عن القبول، وهو ما يسمى باتحاد مجلس العقد، فلو أوجب البائع البيع، ثم حصل سكوت طويل، أو كلام أجنبي عن العقد ولا صلة له به، ولو قصر الزمن، ثم قبل المشتري، لم يصح العقد. فلو استمر الحديث عن البيع دار حوله، ثم قبل بعد، صحّ العقد وإن طال الفصل.

2 -

أن يكون القبول موافقاً للإيجاب ومطابقاً له في كل جوانبه، فلو قال: بعتك بمائة، فقال: اشتريت بخمسين. أو قال: بعتك هذه الدار بألف، فقال: اشتريت نصفها بخمسين. أو قال: بعتك بألف معجَّلة، فقال: اشتريت بألف مؤجلة. لم ينعقد البيع في جميع هذه الصور، لعدم توافق القبول مع الإيجاب، إلا إذا قبل الموجب ثانيةً بما قبله القابل أولاً، فيصير الإيجاب الأول لاغياً، والقبول الأول إيجاباً، والقبول الثاني هو القبول الذي وافق الإيجاب.

3 -

عدم التعليق على شرط أو التقييد بوقت، بأن تكون الصيغة تدل على التنجيز في العقد والتأبيد في التمليك، فلو قال: بعتك هذه الدار إن جاء فلان أو شهر كذا، فقال: قبلت، لم يصح العقد، لوجود الشرط. وذلك لأن التعليق يدل على عدم الجزم بإرادة البيع والرضا به، وقد علمنا أن الرضا شرط في صحته. وكذلك لو قال: بعتك هذه السيارة سنة مثلاً، فقال: اشتريت، لم ينعقد البيع، لوجود التقييد بالوقت. وذلك لأن ملكية الأعيان لا تقبل التوقيت.

وهذا إذا كان التوقيت أو التعليق في المبيع، أما لو كان في الثمن، كما لو باعه على أن يوفيه الثمن أول شهر كذا أو بعد شهرين مثلاً، فإن البيع صحيح، لأن الثمن دين يثبت في الذمة، فيقبل التوقيت والتعليق، بخلاف الأعيان.

فإذا كان البيع مقايضة، أي بيع سلعة بسلعة كبيع سيارة بسيارة مثلاً أو دار، فلا تقبل التعليق أيضاً.

ص: 15

الركن الثالث: المعقود عليه:

وهو ما يسمى محل العقد، وهو في عقد البيع: المبيع والثمن، ويشترط في كلِّ منهما شروط، وإليك بيانها:

1 -

أن يكون المبيع موجوداً عند العقد: فلا يجوز بيع ما هو معدوم، كبيع ما ستثمره أشجاره، وما ستحمل به أغنامه. وكذلك ما كان في حكم المعدوم، كبيع ما تحمله الأغنام ونحوها، أو ما في الضرع من اللبن ونحوه.

ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، فقد روى نهى أصحاب السنن عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني عن بيع ما ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق؟ فقال:" لا تبع ما ليس عندك "(انظر: سنن أبي داود: البيوع والإجارات، باب: في الرجل بيع ما ليس عنده، رقم: 3503).

وكذلك: فإن في هذا النوع من البيع غرراً، لأنه على خطر الوجود وعدمه، ولما فيه من الجهالة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغَرَر. (مسلم: البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر، رقم 1513).

2 -

أن يكون مالاً متقوماً شرعاً: وذلك شرط في المبيع والثمن، ويخرج بذلك جميع الأعيان النجسة والمحرمة شرعاً، فلا يصح كون المبيع أو الثمن خمراً أو ميتةً أو دماً أو زبْلاً أو كلباً.

ودليل ذلك: ما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنها: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال:" لا، هو حرامُ " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك " قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه ". (أخرجه البخاري في البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، رقم:2121. ومسلم في المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة

، رقم: 1581). [يستصبح: أي يوقدونها في المصباح ليستضيئوا بها. جملوه: أذابوه.

ص: 16

شحومها: شحوم البقر والغنم، كما ذكر القرآن في (الأنعام: 146)].

وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب. (أخرجه البخاري في البيوع، باب: ثمن الكلب، رقم 2122. ومسلم: المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب. رقم: 1567).

ويقاس على ما ذكر كل ما في معناه من الأعيان النجسة والمحرمة.

ويلحق بها الأعيان المتنجسة التي لا يمكن تطهيرها، كالخل واللبن والزيت والسمن المائع ونحوه.

أما الأعيان التي يمكن تطهيرها إذا تنجست فلا مانع من بيعها أو جعلها ثمناً لأنها في حكم الأعيان الطاهرة.

3 -

أن يكون منتفعاً به شرعاً وعرفاً: أي أن تكون له منفعة مقصودة عرفاً ومباحة شرعاً، فلا يصح بيع الحشرات أو الحيوانات المؤذية التي لا يمكن الانتفاع بها أو لا تقصد منفعتها عادة، وكذلك آلات اللهو التي يمتنع الانتفاع بها شرعاً، لأن بذل البدل مقابل مالا نفع به إضاعة للمال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. (البخاري: الاستقراض، باب: ما ينهى عن إضاعة المال، رقم: 2277).

ويجوز بيع الفهد للصيد، والفيل للقتال، والقرد للحراسة، والنحل للعسل، ونحو ذلك، لأن فيها منفعة مقصودة عرفاً ومباحة شرعاً، ولم يرد نهي عن شيء منها بخصوصه كالكلب مثلاً.

وكما لا يصح بيع ما ذكر من الأشياء لا يصح جعلها ثمناً.

ولو كان المبيع أو الثمن لا نفع فيه عند العقد، ولكن ينتفع به مستقبلاً - كالمُهْر الصغير - جاز بيعه أو جعله ثمناً.

4 -

أن يكون مقدوراً على تسليمه حساً وشرعاً: فإن كان العاقد عاجزاً عن تسليم المبيع أو الثمن - عن كان معيناً - وقت لعقد فلا ينعقد البيع، لأن العاقد الآخر ليس على يقين في هذه الحالة أنه سيحصل على عوض عما يبذله، وبالتالي يكون في بذله له إضاعة للمال، وهو منهي عنه كما علمت.

ص: 17

وعليه: فلا يصح بيع سيارة ضائعة، أو طائر في الهواء أو سمك في الماء، ونحو ذلك لعدم القدرة على تسليمها حسّاً.

كما لا يصحّ بيع جزء معَّين من مبيع لا يقبل القسمة، أي إن قسمته تنقص قيمته وتجعله غير صالح للانتفاع به ككتاب أو سيف أو بيت صغير ونحو ذلك، لأنه غير مقدور على تسليمه شرعاً، إذ إن تسليمه لا يكون إلا بقسمته وتمييزه، وفي ذلك نقصه وذهاب منفعته، وهو تضييع للمال، وهو منهي عنه كما علمت.

أما لو بيع جزء منه غير معين - أي على سبيل الشيوع - فإن ذلك جائز، لأن المشتري لا يحق له أن يطالب بقسمته، ويكون الانتفاع به على التناوب.

5 -

أن يكون للعاقد سلطان عليه بولاية أو ملك: فيصح بيع المالك لمال نفسه وشراؤه به، لأن الشرع جعل له سلطاناً على ماله. وكذلك يصح بيع الولي أو الوصيّ لما مَنْ تحت ولايته من القاصرين وشراؤه به، كما يصح بيع الوكيل لمال موكَّله وشراؤه به، لأن لهؤلاء جميعاً سلطاناً على المال، إما بتسليط الشرع كالأولياء والأوصياء، وإما بتسليط المالك نفسه كالوكلاء. فإذا تصرف بالمال بيعاً أو شراءً من لا سلطان له عليه - وهو الذي يسمى في رف الفقهاء الفضولي - كان تصرفه باطلاً، لقوله صلى الله عليه وسلم:" لا بيع إلا فيما تملك "(أخرجه أبو داود في البيوع، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم 3503. وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه).

ويستثنى من ذلك ما لو باع مال مَن يرث منه ظاناً حياته، فتبين أن المورِّث كان ميتاً عند العقد، فيُصحَّح البيع وتترتب علي آثاره، لأنه تبيّن خطأ ظنه، وأنه في الحقيقة مالك لما تصرف فيه وليس فضولياً، والعبرة في العقود بما في حقيقة الأمر، لا بما في ظن العاقد.

6 -

أن يكون معلوماً للعاقدَيْن: فلا يصح البيع إذا كان في المبيع أو الثمن جهالة لدى العاقدين أو أحدهما، تقضي في الغالي إلى النزاع والخصومة، لأن في

ص: 18

ذلك غرراً، وقد علمت أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغَرَرِ. فلا يصح بيع ما يجهله العاقدان أو أحدهما، ولا جعله ثمناً.

كما لا يصح بيع واحد من أشياء دون تعيينه، ولا البيع به.

ولا يصح بيع شيء معين بألف مثلاً، دون بيان المراد من الألف، ولا عرف في مكان البيع يحدد المراد منها، فإن كان عرف فسِّرت به، كما لو باع في سورية مثلاً مبيعاً وقال ثمنه ألف، فالعرف يحدد أنه ألف ليرة سورية.

ولا يصح أن يبيع سلعةً ما أو داراً مثلاً بما باع به فلان داره، دون أن يكون العاقدان على علم بما باع به، وهكذا.

ويمكن أن يحصل العلم بالأمور التالية:

1 -

إن كان العوض حاضراً ومشاهداً صح بيعه ولو لم يبيّن مقداره ولا صفته الظاهرة، كما لو باع سيارة مشاهدة ومشاراً إليها بثمن معين، ولم يبّين نوع السيارة وطرازها. وكذلك لو باع صُبْرة من قمح مثلاً بألف ليرة سورية، دون أن يبيِّن مقدارها. وكذلك لو باعه سلعة حاضرة بهذه الدراهم مثلاً، فكل ذلك صحيح، لقيام المشاهدة والتعيين مقام العلم.

2 -

إذا رأى المتعاقدان البدل قبل العقد، وكانا ذاكرَيْن لأوصافه، وكان مما لا يتغيّر غالباً خلال المدة التي كانت بين الرؤية والعقد، كالثوب والدار ونحو ذلك.

فإن كان مما يتغيّر غالباً في تلك المدة فلا يكفي ذلك.

3 -

رؤية بعض العوض إذا كانت تغني عن رؤية باقية، كرؤية جزء من القماش الذي يدل على باقي الثوب، أو رؤية أنموذج من الأشياء المتماثلة.

4 -

رؤية ظاهر العوض الذي يُعتبر حافظاً لباقية، كالبطيخ والرمان والبيض، فيُكتفى برؤية قشره، كما يُكتفى برؤية القشرة السفلى من الجوز واللوز إذا تم نضجه، لأن بقاء هذه القشور من مصلحة هذه الأشياء.

فإذا كان مما يؤكل مع قشره الخارجي كفت رؤية قشرته الخارجية وصحّ بيعه.

ص: 19