الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: " قال الله تعالي: ثلاثةُ أنا خصمُهم يوم القيامة: رجلّ أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يعطه أجْرَه ُ".
(البخاري: الإجارة، باب: إثم مَن منع أجر الأجير، رقم: 2150).
[أعطي بي: عاهد باسمي أو حلف. غدر: نقض العهد ولم يف به، أو: لم يبر بقسمه. باع حرّاً: أي ادّعي أنه عبد مملوك فأعطاه مقابل ثمن وأخذ الثمن. فاستوفي منه: أي استوفي منه العمل الذي استأجره للقيام به].
أركان الإجارة وشروطها:
للإجارة أركان أربعة، وهي: عاقدان، وصيغة، ومنفعة، وأُجرة.
1 -
الركن الأول: العاقدان: وهما المؤجر والمستأجر.
ويُشترط في كلَّ منهما أن يكون أهلا للتعاقد، بأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح عقد الإجارة من مجنون ولا صبي، لأن كلاً منهما لا ولاية له على نفسه ولا على ماله. وأن يكون غير محجور التصرف في المال، لأنها عقد يُقصد به المال، فلا يصحّ إلا من جائز التصرف فيه.
2 -
الركن الثاني: الصيغة: وهي الإيجاب والقبول.
فالإيجاب: كلُّ لفظ يصدر من المؤجر ويدل علي تمليك المنفعة بعوض دلالة ظاهرة، سواء أكان صريحاً أم كناية.
فمن الصريح: آجرتك هذا أو أكريتك، أو ملكتك منافعه سنة بكذا.
ومن الكناية: اسكن داري شهراً بكذا، أو جعلت لك منفعة هذا الشيء بكذا.
والقبول: كل لفظ يصدر من المستأجر ويدل علي الرضا بتملك المنفعة دلالة ظاهرة، كقوله: قبلت أو استأجرت أو اكتريت أو استكريت، ونحو ذلك.
ويقوم مقام الصيغة التعاطي إن جري العرف بذلك، كأن يدخل سيارة لنقل الركاب إلي مكان معلوم، دون أن يجري عقداً، ويعطي الأُجرة عند وصوله أو قبله، فإن ذلك صحيح، لأن التعاطي له حكم الإيجاب والقبول في الدلالة علي الرضا بالعقد إن جري به العرف.
ويشترط في الصيغة:
أ - موافقة الإيجاب والقبول، فلو قال: آجرتك داري بمائة شهراً، فقال: قبلت بتسعين، لم يصح العقد للمخالفة بين الإيجاب والقبول، وذلك عنوان عدم الرضا الذي جُعلت الصيغة دليلاً عليه، وهو شرط صحة العقد.
ب - أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول بسكوت أو كلام أجنبي عن العقد، لأن ذلك مُشعر بالإعراض عن العقد.
جـ - عدم تعليقها علي شرط: كإذا جاء زيد فقد أجرتكها بكذا.
3 -
الركن الثالث: المنفعة: ويشترط فيها شروط عدة، منها:
أ - أن تكون متقوّمة، أي معتبرة ومقصودة شرعاً أو عرفاً، ليحسن بذل المال في مقابلتها، كاستئجار دار للسكن، أو دابة أو سيارة للركوب، لأنها إذا لم تكن ذات قيمة شرعاً كان بذل المال في مقابلها سفهاً وتضييعاً، وقد نهي الشرع عن إضاعة المال:
ـ فلا يصح استئجار آلات اللهو، لحرمة منفعتها. وكذلك لا يصح استئجار لتصوير ذي روح، أو من تغنِّي أمام الأجانب، لحرمة ذلك.
ـ ولا يصحّ استئجار كلب لصيد أو حراسة، لأن عينه لا قيمة لها شرعاً، فلا قيمة لمنفعته.
ـ ولا يصح استئجار رجل ليقول كلمة لا تُتعب، وإن روّجت سلعة أو حصلت منفعة، وكذلك استئجار دراهم أو دنانير للتزيين بها.
لأن مثل هذه المنفعة غير مقصود عرفاً، ولم يعتد الناس استيفاءه بعقد الإجارة.
ب ـ أن يكون في مقدور المؤجر تسليمها، ليتمكن المستأجر من استيفائها. فلو كان المؤجر عاجزاً عن تسليم المنفعة، حساً أو شرعاً، لم تصح الإجارة.
ـ فلا تصحّ إجارة مغصوب لغير مَنْ في يده، ولا يقدر علي انتزاعه مَمن في يده عقب العقد.
ـ ولا يصحّ تأجير سيارة مفقودة أو ضائعة.
ـ ولا يصح استئجار أرض للزراعة، ليس لها ماء دائم، ولا يكفيها المطر المعتاد أو ما في معناه كالثلوج والنداوة.
لعدم القدرة علي تسليم المنفعة في هذه الأشياء حسَاً.
ومما لا تصح إجارته لعدم القدرة علي تسليم منفعة شرعاً:
ـ استئجار المرأة الحائض أو النفساء لخدمة المسجد، لأن الخدمة تقتضي مكثها وترددها في المسجد، ولا يجوز لها ذلك، وإن أمنت تلويثه، لأنه أجيز لها العبور فيه، ولا التردّد والمكث. فهي لا تقدر علي تسليم المنفعة شرعاً.
ولو استؤجرت غير الحائض لهذا، فحاضت أو نفست، انفسخت الإجارة، فإذا دخلت المسجد حال حيضها وقامت بالخدمة كانت آثمة، ولم تستحق الأجرة. ومثل خدمة المسجد تعليم القرآن.
ـ وكذلك لا تصح إجارة امرأة متزوجة، لرضاع أو خدمة بغير إذن الزوج، لأن أوقاتها مستغرقة بحقه، فلا يجوز لها شرعاً شغل شيء من وقتها بغير حقه إلا بإذنه. فهي عاجزة إذن ـ شرعاً ـ عن تسليم المنفعة التي استؤجرت لها.
ـ وكذلك لا يجوز إجارة امرأة مطلقاً للقيام بعمل يقتضي سفراً من غير صحبة زوج أو ذي رحم محرم، أو يقتضي خلوة بأجنبي، للحرمة الثابتة بالنهي الصريح والصحيح عن ذلك، فهي إذن غير قادرة شرعاً علي تسليم مثل هذه المنفعة.
جـ - الشرط الثالث للمنفعة: أن يكون حصولها للمستأجر، لا للمؤجر: فلا تصح الإجارة علي القُرب التي تحتاج إلي نيّة ولا تدخلها النيابة كالصلاة والصوم، لأن منفعتها ـ وهي الثواب ـ تعود علي المؤجر لا المستأجر، ولأن القصد منها امتحان المكلف بالامتثال وكسر النفس، ولا يقوم غيره مقامه في هذا.
وتصحّ الإجارة علي كل قربة وعبادة تدخلها النيابة وإن كانت تحتاج إلي
نيّة. فتصحّ الإجارة علي الحج عن العاجز والميت، وكذلك الصوم عن الميت، ولذبح أُضحية، ونحر هدي، وتفرقة زكاة. لأن هذه العبادات ثبت في الشرع النيابة فيها عن غير المكلّف بها أصلاً
وأما القرب والعبادات التي لا تحتاج إلي نيّة كفروض الكفالة:
ـ فإذا كانت شائعة في الأصل ـ أي أن كل مسلم مخاطب بها، ولكنها إذا فعلها بعض المسلمين سقطت عن الباقين ـ كالجهاد، فلا يصحّ الاستئجار عليها، لأن المسلم الذي أجّر نفسه للجهاد إذا حضر المعركة تعيّن عليه الجهاد، فيقع جهاده عن نفسه لا عمّن استأجره، فلا تعود المنفعة علي المستأجر، وإنما تعود علي المؤجر، فلا تصحّ الإجارة.
ـ وإن لم تكن شائعة في الأصل صحت الإجارة عليها، كتجهيز الميت من غسل وتكفين ودفن، فإنه يختص في الأصل بتركته، فإن لم تكن تركة فبمَن تجب عليه نفقته، فإن لم يكن، وجب علي أغنَياء المسلمين القيام به.
وكذلك تعليم القرآن أو بعضه، لأن الأصل في التعليم أنه يختص بمال المتعلم أو مَن تلزمه نفقته. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله ". (أخرجه البخاري في الطب، باب: الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم: 5405).
ومثل القرآن تعليم مسائل العلم والقضاء ونحو ذلك من فروض الكفاية، التي لا يقصد في الأصل كل مكلّف، فإذا استؤجر عليها وقام بها لم تقع عنه، لأنه غير مقصود بفعله، فلا تعود منفعته عليه.
وكذلك الشعائر غير الواجبة كالأذان، فإنه تصح الإجارة عليه.
د ـ الشرط الرابع: أن لا يكون في المنفعة استيفاء عين قصداً: فلا تصحّ إجارة البستان لاستيفاء ثمرته، ولا الشاة لاستيفاء صوفها أو لبنها أو نتَاجها، لأن الأصل في عقد الإجارة تمليك المنافع، فلا تملك الأعيان بعقدها قصداً. ولأن هذا في الحقيقة استهلاك لا انتفاع، وموضوع الإجارة في الأصل الانتفاع لا الاستهلاك.
فإذا تضمن عقد الإجارة استيفاء منفعة تبعاً لا قصداً جاز، كما إذا استأجر امرأة للحضانة والإرضاع، أو للإرضاع فقط، فإن ذلك يستتبع استيفاء لبن المرضع وهو عين، فيصحّ ذلك للضرورة أو الحاجة الداعية إليه.
قال تعالي: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} الطلاق6.
ومثل هذا لو استأجر داراً للسكني، ولها حديقة فيها أشجار مثمرة، جاز، لأن استهلاك الثمر تبع لاستيفاء المنفعة.
هـ ـ الشرط الخامس من شروط المنفعة: أن تكون معلومة للعاقدين عيناً وصفة وقدراً. فيشترط لصحة الإجارة:
- العلم بعين المنفعة: ويكون ذلك ببيان محلها، فلا تصحّ إجارة إحدى الدارين داراً دون تعيين، لجهالة عين المنفعة بجهالة محلها. وكذلك لو قال: أجرتك داراً، دون بيان أوصافها أو الإشارة إليها. وذلك أن المنفعة هي محل العقد في الإجارة، فلا بدّ من تعيينها ليصحّ العقد، ولما كانت المنفعة ليست شيئاً مادياً يمكن تجسيده وتعيينه، استُعيض عن ذلك ببيان محلها للضرورة، فيقوم بيان محل المنفعة مقام بيانها.
- العلم بنوع المنفعة وصفتها: وذلك حين يكون المستأجَر يختلف الناس في الانتفاع به اختلافاً ظاهراً لا يُتسامح به عادة.
فلا تصحّ إجارة أرض للزراعة دون أن تُعيَّن المزروعات التي ستزرع فيها، لأن أثر المزروعات علي الأرض يختلف من النوع إلي نوع، فإذا ذكر المستأجر أنه يستأجرها ليزرع فيها ما يشاء صحّ العقد، لأنه يُحمل علي الأشد، فإذا انتفع فيها بالأخف كان له ذلك من باب أولي.
فإذا كانت المنفعة المرادة مما لا يختلف الناس فيها اختلافاً ظاهراً يؤدي إلي المنازعة صحت الإجارة دون بيان نوعها، وذلك كاستئجار الدور للسكني، فلا يشترط بيان مَن سيسكن معه من أُسرته، أو بيان ما سيضع في البيت من أثاث وأمتعة، لأن ذلك مما يتسامح الناس فيه عادة.
فإذا انتفع بها بخلاف الغالب والمعتاد لم يكن له ذلك، كما إذا انتفع بالدار بصناعة أو تجارة.
وعليه: يشترط لصحة إجازة الدار إذا كانت في محلة ينتفع الناس فيها بالدور بالسكني وغيرها، أن يبيِّن نوع المنفعة من سكني أو تجارة أو صناعة، كما ذكرنا، وأن يبيّن نوع التجارة أو الصناعة كذلك.
وكذلك يشترط لصحة الإجارة علي عمل: أن يبيّن نوع العمل الذي سيقوم به الأجير.
- العلم بقدر المنفعة: ويختلف تقدير المنفعة باختلاف نوعها: فمنها ما يُقدَّر بالزمن، ومنها ما يقدر بالعمل، ومنها ما يصحّ فيه الأمران.
أـ فما تقدر فيه المنافع بالزمن: هو كل منفعة لا يمكن ضبطها بغيره وتقلّ وتكثر، أو تطول وتقصر، كإجارة الدور للسكني، فإن سكني الدار تطول وتقصر، وكالإجارة للإرضاع، فإن ما يشربه الرضيع من اللبن يقلّ ويكثر، وكالإجارة لتطيين جدار، فإن التطيين لا ينضبط رقّة وسماكة.
فمثل هذه المنافع لا يمكن تقديرها بغير الزمن، لأن تحصيلها لا ينضبط بغير ذلك. ولهذا جاء علي لسان شعيب عليه السلام:(عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) فقد قدّر منفعة استئجار موسي عليه السلام بالزمن، وإنما استأجره للرعي ونحوه، والرعي من هذا النوع من المنافع.
ما تجوز عليه الإجارة من الزمن:
وإذا قدرت المنفعة بالزمن وجب أن يكون مدة معلومة، تبقي فيها العين المؤجرة غالباً، ليتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة المعقود عليها.
والمرجع في معرفة المدة التي تبقي فيها كل عين غالباً إنما هو العرف وأهل الخبرة. ويختلف ذلك من عين إلي عين:
ـ فالأرض ـ مثلاً ـ تصح إجارتها مائة سنة أو أكثر.
ـ والدار: تصح إجارتها ثلاثين سنة.
ـ والدابة: تصح إجارتها عشر سنين.
وهكذا كل شيء علي ما يليق به، ويقدر أهل الخبرة أنه يبقي هذه المدة.
ما يستثني من زمن الإجارة:
ويستثني من الزمن المستأجر عليه الزمن الذي تستغرقه العبادات الواجبة التي لا تؤدَّي إلا في المدة المستأجر عليها، وكذلك أوقات الطعام المعتادة لدي الإُجراء والمستأجرين. وكذلك إذا كانت المدة مقدرة بزمن طويل: استُثني أيام الأعياد الثابتة بالشرع، وأيام التعطيل الثابتة بالعُرْف، فإن الأجير يستحق الأجر علي هذه الأيام وتلك الأوقات ولو لم ينص عليها في العقد، فلا ينقصه المستأجر شيئاً من الأجر المتفق عليه لليوم أو الشهر أو السنة.
ب ـ ما تقدر فيه المنافع بالعمل: وذلك إذا كانت المنفعة معلومة في ذاتها ولكنها قد تستغرق زمناً يقصر أو يطول، فلا يمكن ضبطها به.
وذلك كالاستئجار لخياطة ثوب، وطلاء جدار، وطبخ طعام، ونحو ذلك.
فإن مثل هذه المنافع تقدّر بالعمل ولا تقدّر بالزمن، لأن الزمن فيها قد يطول وقد يقصر، بينما العمل فيها منضبط ومحدد.
جـ ما يصحّ تقدير المنفعة فيه بالزمن أو العمل: وذلك كاستئجار شخص لخياطة أو سيارة للركوب، فيصحّ تقدير المنفعة بالزمن كأن يستأجر يوماً ليخيط هذا الثوب. ويصحّ أن يستأجر السيارة لتوصله من دمشق إلي مكة مثلاً، فيكون تقدير المنفعة بالعمل، ولا ينظر إلي ما يستغرق من الوقت، كما يصحّ أن يستأجر السيارة يوماً أو يومين، فتكون المنفعة مقدرة بالزمن، سواء قطع بها المسفة أم لا، وركبها أم لا.
ولا يصح أن تقدر المنفعة بالزمن والعمل معاً، كما إذا استأجره ليخيط له هذا الثوب بيوم، أو ليبني له هذا الجدار بيومين، أو ليوصله من دمشق إلي مكة بثلاثة أيام، لأن العمل قد لا يستغرق الوقت المحدد، وقد يزيد عنه، فيكون في ذلك غرر، فلا يصح العقد.
4 -
الركن الرابع: الُأجرة: ويشترط في الأجرة ما يشترط في الثمن في العقد البيع، لأن الأجرة في الحقيقة هي ثمن المنفعة المملوكة بعقد الإجارة. فيشترط فيها:
أ - أن تكون طاهرة: فلا يصحّ عقد الإجارة إذا كانت الأُجرة كلباً أو خنزيراً أو جلد ميتة لم يُدبغ أو خمراً، لأن هذه الأشياء نجسة العين. ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن ثمن الكلب. وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". (البخاري: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام. وباب: ثمن الكلب، رقم: 2121، 2122. ومسلم في المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي، وباب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، رقم: 1567، 1581).
وكذلك إذا كانت عيناً متنجسة لا يمكن تطهيرها، كالخل واللبن والدهن المائع والزيت والسمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة السمن المائع إذا تنجس. روي ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع في السمن فتموت؟ قال: " إنْ كان جامداً ألقي ما حَوْلَها وأكَلَهُ، وإن كان مائعاً لم يقربه ". وفي رواية: " فأريقوه". (انظر: موارد الظمآن إلي زوائد ابن حبان: الأطعمة، باب: في الفأرة تقع في السمن، رقم: 331).
فالأمر بإراقته والنهي عن قربه دليل علي أنه لا يمكن تطهيره، وبالتالي لا يجوز بيعه.
ولما كانت هذه الأشياء لا يصحّ بيعها لنجاستها لم يصحّ جعلها أُجرة.
وقيس علي ما ذُكر غيرها من الأعيان النجسة التي لم تذكر، وهي في معناها.
ب - أن تكون منتفعاً بها: فلا يصحّ جعل الأجرة شيئاً لا يُنتفع به: إما لخسْته كالحشرات وكحبَّتي حنطة، وإما لإيذائه كالحيوانات المفترسة، وإما لحرمة استعماله شرعاً كآلات اللهو والأصنام والصور. وذلك لأن هذه الأشياء وأمثالها مما لا نفع فيه لا يُعََد مالاً، فلا يصحّ أخذ المال في مقابلته. والمنفعة التي هي محل عقد الإجارة مال متقوم كما ذكرنا، فلا يصح بذلها في مقابلة ما لا يُعدّ مالاً.
جـ - أن تكون نقدوراً علي تسليمها: فلا يصحّ أن تكون الأجرة طيراً في الهواء، ولا سمكاً في الماء، كما لا يصحّ أن تكون مالاً مغصوباً إلا إذا كانت لمن في يده المغصوب، أو لقادر علي انتزاعه منه.
د - أن يكون للعاقد ولاية علي دفعها: بملك أو وكالة، فإن كانت الأُجرة لا ولاية للعاقد عليها بما ذُكر لم تصح الإجارة.
هـ - أن تكون معلومة للعاقدين: فلا تصحّ إجارة الدار بما تحتاجه من عمارة، ولا إجارة سيارة بوقودها، أو دابة بعلفها، لجهالة الأُجرة في هذه الحالات.
ومن الجهالة في الأُجرة أن تجعل جُزءاً من المأجور يحصل بعمل الأجير، كما إذا استأجره ليذبح شاة ويسلخها بجلدها أو جزء منها، للجهالة بثخن الجلد أو قدر الجزء.
وكذلك إذا استأجره ليطحن له قدراً معيناً من القمح بجزء مما يخرج من دقيقه، كربعه أو خمسه، للجهالة بقدر الدقيق. ولأن الأجير ينتفع هنا بعمله، فيكون عاملاً لنفسه من وجه، فلا يستحق الُأجرة علي عمله. وقد روي الدارقطني (البيوع / الحديث: 195): أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن قَفيز الطَّحَّان. وقد فسر بأن تُجعل أُجرة الطحن قفيزاً مطحوناً مما استؤجر لطحنه.
[القفيز: مكيال كان معروفاً].
فلو استأجره بجزء من الحنطة ليطحن باقيها صحّ، لانتفاء المعني الذي مُنع من أجله، وهو الجهالة وكون الأجير عاملاً لنفسه.
ويدخل في هذا المنع من باب أولي:
- أن يعطي من يقوم بحصاد الزرع ـ بنفسه أو بواسطة الآلات ـ جزءاً من المحصول ـ كالعشر أو نحوه ـ أُجرة علي الحصاد.
- أن يعطي جباة الأموال، للجمعيات ونحوها، جزءاً مما يجبونه من الأموال كاثنين في المائة ونحو ذلك.