المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل التاسعرشيد رضا - الفكر العربي في عصر النهضة

[ألبرت حوراني]

الفصل: ‌الفصل التاسعرشيد رضا

‌الفصل التاسع

رشيد رضا

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كانت تحوم في مختلف أرجاء العالم الإسلامي أفكار شبيهة بأفكار محمد عبده، كما كانت تظهر في جميع البلدان الإسلامية المتقدمة نخبة من المصلحين أمثاله. ولعله من التبسيط أن يعزى ذلك إلى تأثير الأفغاني ومحمد عبده. إذ يمكن القول، من جهة أخرى، إن مجلة «العروة الوثقى» لم تكن لتملك مثل ذلك التأثير لولا وجود فئات إسلامية صغيرة ترى رأي القائمين عليها.

كان من هذه الفئات، في تونس، تلك التي تألفت من بعض رفاق خير الدين وأتباعه، نخص بالذكر منهم محمد بيرم. كان هذا من أسرة أنجبت سلسلة من علماء الدين، وصاحب عدد من المؤلفات في إصلاح الشريعة، فضلًا عن كتاب مهم في تأريخ عصره. وكان منها، في بغداد، علماء أسرة الألوسي. فقد وضع أحدهم شرحًا مسهبًا للقرآن، وملخصًا متقنًا للتعاليم التقليدية، كما وضع آخر، وهو من جيل لاحق، دفاعًا عن ابن تيمية ضد تهمة الانحراف، مما يدل على أن الوهابية كانت آخذة في التأثير في المسلمين المثقفين المنتمين إلى مذاهب أخرى (1). ومنها أيضًا من احتلوا المراكز الكبرى للتعليم الإسلامي في حلب ودمشق وطرابلس والقدس، كطاهر الجزائري (1851 - 1920) الذي عاصر محمد عبده وكان على صلة به. وهو من أصل جزائري ومن بطانة الأمير عبد القادر الشهير. وقد كتب في الأدب واللغة، واحتل مكانة مرموقة بفضل مسعاه

ص: 268

في إقامات المدارس الحديثة وصيانة الكتب القديمة. فهو الذي أنشأ المكتبة الظاهرية في دمشق وجعل منها دارًا للمخطوطات التي كانت موزعة في جوامع المدينة ومدارسها القديمة. ومن هؤلاء أيضًا الشيخ حسين الجسر (1845 - 1909) من طرابلس، الذي أبدى في حياته وتآليفه الاهتمام ذاته بالتوفيق بين التعاليم القديمة والحديثة، وبتبني ما لا يهدم معتقدات الإسلام وقيمه من نزعات العالم الحديث.

وقد تخرج الأستاذ الجسر من الأزهر، حيث تأثر بتعاليم المرصفي. ثم أصدر صحيفة من أوليات الصحف العربية، وأسس «المدرسة الإسلامية الوطنية» في مسقط رأسه طرابلس. كان منهاج هذه المدرسة يشتمل على تعليم اللغات العربية والفرنسية والتركية، والعلوم الدينية، والمنطق، والرياضيات، والعلوم الطبيعية الأوروبية الحديثة. وكانت جميع كتب تدريس هذه العلوم الحديثة مترجمة إلى لغة عربية واضحة صحيحة بفضل الدكتور فان دايك، المرسل الأميركي، الذي كان يزود بها الكلية البروتستانتية السورية (2). ووضع الشيخ الجسر «الرسالة الحميدية» ، وهي عرض للعقيدة الإسلامية، توخى منه تعريف الإسلام بطريقة جديدة وسهلة المنال، تلبية لرغبة في فهم هذا الدين أخذت تظهر، أو هكذا اعتقد، لدى غير المسلمين. وفي هذه «الرسالة» يقف المؤلف، في كثير من المسائل، الموقف التقليدي، لا الموقف الذي جعله محمد عبده عنوان السنة الجديدة. فيقول، مثلًا، إن الجهاد مشروع لا للدفاع عن الإسلام فحسب، بل لهداية الذين يصرون على رفضه أيضًا. وهو يدافع عن المفهوم الإسلامي للرق، ويقبل بالرأي التقليدي القائل إن باب الاجتهاد قد أقفل بنهاية القرون الثلاثة الأولى. والحجة على ذلك أن علماء تلك العصور كانوا يتكلمون بسلطان أقوى من الذين جاؤوا بعدهم، وأنهم كانوا أقرب زمنيًا إلى النبي وإلى الذين عرفوه، وأن جميع المسائل الهامة قد انتهت إلى حل، بعدهم بزمن قصير (3). لكن طريقة معالجته لشخصية محمد وتعاليمه يمكن اعتبارها

ص: 269

نهجًا جديدًا، وبالأخص إلحاحه على حق العقل في تفسير نصوص القرآن والحديث (4). فهو يدعو إلى تفسيرها حرفيًا ما لم يتعارض هذا التفسير الحرفي صراحة مع أحد المبادئ العقلية. عندئذ يجب تفسيرها رمزيًا، إذ لا يجوز قبول أي تفسير يتناقض والدليل العقلي القاطع.

وكان بين السوريين واللبنانيين من الجيل اللاحق فريق أعدته تعاليم أمثال هؤلاء لاستساغة أفكار الأفغاني ومحمد عبده وتقبلها تقبلًا تامًا، منهم عبد القادر المغربي الذي كان، في سني حداثته، على اتصال وثيق بالأفغاني حين كان في إسطنبول؛ ومحمد كرد علي؛ والأمير شكيب أرسلان؛ ومحمد رشيد رضا. وقد دفعت الحياة بكل منهم في سبيل مختلف، فصرف كرد علي والمغربي حداثتهما في العمل الصحفي في القاهرة ودمشق، ثم انصرفا في عهد النضج إلى التعليم، فأسسا المجمع العربي في دمشق، وغدا كرد علي مؤرخ المدينة. أما شكيب أرسلان، فمع أنه لم يتخل قط عن الاهتمام بالإصلاح الإسلامي، فقد جذبته السياسات القومية العربية، كما سنرى. وأما رشيد رضا (1865 - 1925) فقد ثابر على السير، أكثر من سواه، في الاتجاه الذي شقه لهم محمد عبده (5).

ولد رشيد رضا في قرية قرب طرابلس، من عائلة شبيهة بعائلة محمد عبده، من حيث أنها قروية ذات مكانة وإرث من العلم والتقوى. بدأ دراسته على النهج القديم في «الكتاب» . إلا أنه استطاع، وهو من الجيل اللاحق بجيل أستاذه محمد عبده، أن يستفيد من التربية الحديثة، فاستقى شيئًا من العلوم الجديدة، وتعلم اللغة الفرنسية في مدرسة حكومية تركية ثم في مدرسة حسين الجسر في طرابلس. لكنه امتلك أيضًا ناصية الفقه واللغة العربية. وها هي كتاباته تشهد له بالعلم الراسخ من الطراز القديم.

ترك لنا رشيد رضا ما لم يكن نادرًا في العربية. كما كان يتصور، وهو سيرة لحياته يصف فيها تكونه الذهني والروحي خلال ما يقرب من الثلاثين سنة الأولى من عمره (6)، وتظهر التأثيرات

ص: 270

الكبرى التي فعلت فيه. ففي مدرسة حسين الجسر، ومن خلال كتابات صحفيي القاهرة اللبنانيين، لاحت له بعض ملامح العلم الحديث وعالم أوروبا وأميركا الجديد. وذلك بالإضافة إلى تأثره بالقدامى من العلماء المسلمين، لا سيما الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» ، حيث يقيم الغزالي توازنًا بين الطاعة الخارجية للشريعة وبين التقوى الشخصية الداخلية التي كان رشيد رضا، كمحمد عبده، يعلق عليها وعلى النوايا الحسنة أهمية كبرى ويعتبرها شرطًا ضروريًا لجعل الصلاة والأفعال مقبولة. إلا أن هذا التوازن قد اختل لدى الأجيال اللاحقة، فتحولت التقوى الداخلية المنضبطة بالشريعة إلى تمارين صوفية طليقة من قيود الشريعة اتخذت لنفسها طقوسًا وعقائد خاصة بها. وقد تنبه رشيد رضا إلى هذا الأمر على أثر التحاقه، تحت تأثير الغزالي، بإحدى الطرق الصوفية وممارسته الحياة الروحية على يد شيخ من مشايخها. فبعد أن اختار طريقة النقشبندي وتبع، لمدة، تعاليمها ومارس تمارينها الزهدية الصارمة، أخذ يشعر بأخطار الأنظمة الصوفية. وأخيرًا انفجرت شكوكه بعنف، في حلقة من حلقات المولويين الملقبين «بالدراويش الراقصين» ، فنهض وغادر المكان غاضبًا (7).

كانت هذه الخبرة أحد العوامل التي حملته، في السنوات اللاحقة، على التقرب من تعاليم ابن تيمية ومسالك الوهابيين، بالرغم من أنه، عندما كتب سيرة حياته، لم يكن قد تعرف بعد إلى ابن تيمية إلا من خلال كتابات أخصامه. ولم يكن يعرف شيئًا عن الوهابيين سوى رفض السنة لهم وبعض الأساطير عنهم كالتي تروي أنهم كانوا يربطون خيولهم في جامع النبي (8). ثم تعرف إلى أفكار الأفغاني ومحمد عبده، كما اطلع على مجلة «العروة الوثقي» للمرة الأولى بين عامي 1884 و 1885، أي في أوائل عهد صدورها. وكذلك التقى، حوالي ذلك التاريخ، بمحمد عبده عندما زار طرابلس (9). غير أن المجموعة الكاملة للمجلة لم تقع

ص: 271

بين يديه إلا بعد نحو عشر سنوات من ذلك التاريخ، أي بين عامي 1892 و 1893، فكان تأثيرها فيه عميقًا. وفي هذا يقول: «ثم إني رأيت في محفوظات والدي بعض نسخ الجريدة فكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال ما قذف بي من طور إلى طور ومن حال إلى حال

والذي علمته من نفسي بالخبر ومن غيري بالخبر ومن التاريخ أنه لم يوجد لكلام عربي في هذا العصر ولا في قرون قبله بعض ما كان لها من إصابة موقع الوجدان من القلب والاقناع من العقل» (10).

وراودت رشيد رضا طويلًا فكرة الذهاب إلى إسطنبول للالتحاق بالأفغاني، لكن هذا لم يتحقق. ولم يمر زمن طويل حتى كان تأثير محمد عبده فيه قد حجب تأثير الأفغاني. ففي 1894 كرر عبده زيارته لطرابلس. فلقيه رشيد رضا للمرة الثانية وتحدث إليه طويلًا. وغدا، منذ تلك البرهة حتى مماته، تلميذه الأمين وشارح أفكاره، وحامي سمعته، ومؤرخ حياته. إلا أننا نجد، بين تلاميذ محمد عبده الآخرين، من ألقى شكًا على ادعاء رشيد رضا خلافة محمد عبده الروحية. والواقع أن عقائد محمد عبده قد تعرضت لبعض التحوير على يده، كما سنرى فيما بعد. لكن لا يمكن الشك مطلقًا في صدق إخلاصه له. وفي 1897، غادر سوريا إلى القاهرة. وفي السنة اللاحقة، أصدر العدد الأول من مجلة «المنار» التي أصبحت منبرًا للدعوة إلى الإصلاح وفقًا لمبادئ محمد عبده. وقد استمر على إصدارها بانتظام شبه كامل حتى وفاته في 1935. ويمكن القول إن «المنار» كانت، منذ تأسيسها، بمثابة سجل لحياة رشيد رضا. ففيها كان يفرغ تأملاته في الحياة الروحية، وشروحه للعقيدة، ومجادلاته اللامتناهية والعنيفة في هجومها ودفاعها على السواء، وينشر الأخبار التي كانت تأتيه من أطراف العالم الإسلامي، وآراءه في سياسات العالم، وشروحه الكبرى للقرآن. وهي الشروح التي سماها «تفسير

ص: 272

المنار»، التي بناها على محاضرات محمد عبده وكتاباته. وقد واظب على كتابتها حتى وفاته، دون أن يتمكن من إنهائها. لكن نشاطاته الأخرى كانت عديدة أيضًا. فقد وضع مؤلفات عديدة، منها ما كان مجموعة لمقالات له نشرت أولًا في «المنار» ، ومنها ما كان جديدًا ومهمًا، كسيرة محمد عبده، وهي أهم مصدر لتاريخ الفكر العربي الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر. وقد حقق كذلك إحدى الأفكار العزيزة على قلب محمد عبده، فأسس دارًا للمرسلين والمدربين الروحيين المسلمين، دعاها «دار الدعوة والإرشاد» ، بعد أن حاول أولًا تأسيسها في إسطنبول تحت رعاية «تركيا الفتاة» فلم يفلح. لكن نشاطها توقف عند وقوع حرب 1914. ثم إنه لعب دورًا هامًا في السياسات الإسلامية، واشترك في المؤتمرين الإسلاميين المنعقدين، الأول في مكة في 1926، والثاني في القدس في 1931. وبصفته «سوريا» ، فقد بقي على هامش السياسات المصرية، لكنه لم يكن غريبًا عنها، كناطق باسم محمد عبده. فكانت صلته بالخديوي عباس حلمي سيئة، حين كان الخديوي على خلاف مع عبده، لكنها تحسنت فيما بعد. وفي احتفالات الذكرى المئوية، وجه، على غرار محمد عبده، نقدًا قاسيًا إلى محمد علي، شمل مجمل الخط السياسي الذي سارت عليه الأسرة العلوية (11). غير أن الخديوي قدم بعد مدة معونة مالية لداره. فكان لهذه البادرة. ولصلاته الطيبة أيضًا مع علي يوسف، شأن في معارضته لمصطفى كامل وللوطنيين من حزبه. إذ كان يعتقد أن علي يوسف رجل نزيه ومستقل الرأي، بخلاف مصطفى كامل (12). وقد لعب رشيد رضا دورًا أكبر في كفاح سوريا السياسي، منذ ثورة «تركيا الفتاة» حتى وفاته، وذلك في حزب اللامركزية قبل 1914، وفي المفاوضات التي جرت في أثناء الحرب مع البريطانيين، وكرئيس للمؤتمر السوري في 1920، وكعضو للوفد السوري الفلسطيني إلى جنيف في 1921، وفي اللجنة السياسية في القاهرة عند وقوع الثورة السورية عامي

ص: 273

1925 و 1926. غير أن جميع هذه النشاطات لم تكن سوى نتائج جانبية لعمله الأساسي، أي كقيم على أفكار محمد عبده.

كانت نظرة رشيد رضا ورفاقه إلى الإسلام، إجمالًا، نظرة الأفغاني وعبده. فهو يبدأ بالسؤال:«لماذا البلدان الإسلامية متخلفة في كل ناحية من نواحي التمدن؟ » ويجيب عليه، بالاستناد إلى العلاقة الجوهرية بين الحقيقة الدينية والازدهار الدنيوي، أن تعاليم الإسلام وقواعده الخلقية من شأنها، إذا فهمت على حقيقتها وطبقت بكاملها، أن تؤدي إلى الفلاح، لا في الآخرة فحسب، بل في هذه الدنيا أيضًا- الفلاح في جميع أشكاله المعروفة في العالم: القوة والهيبة والتمدن والسعادة. أما إذا لم تفهم على حقيقتها أو لم تطبق، فإنها تفضي إلى الضعف والفساد والبربرية. وهذا ينطبق ليس على الأفراد فحسب، بل على الجماعات أيضًا. فالأمة الإسلامية كانت قلب العالم المتمدن حين كانت حقًا إسلامية. أما الآن، فالمسلمون متخلفون في مضمار العلم والتمدن أكثر من غير المسلمين. وليس من الضروري لإثبات ذلك أن نقابل بين مسلمي الشرق الأدنى ومسيحي أوروبا، بل يكفي أن نقابل بينهم وبين المسيحيين الشرقيين المقيمين بينهم. فما هو، بعد قرن من التربية الحديثة، عدد أصحاب الرأي المستقل في مصر، أو قل بين المسلمين الهنديين إذا ما قيس بالهندوسيين والبارسيين؟ إن سبب هذا التخلف هو أن المسلمين قد فرطوا بحقيقة دينهم بتشجيع من حكام سياسيين فاسدين. فالإسلام الحقيقي ينطوي على أمرين: القول بالتوحيد، والشورى في شؤون الدولة. وقد حاول الحكام المستبدون حمل المسلمين على تناسي الثاني بتشجيعهم على التخلي عن الأول (13). لكن ما حدث في الماضي يمكنه أن يحدث من جديد: فالمدنية الإسلامية انبثقت من لا شيء بفضل القرآن ومبادئه الخلقية الموضوعة، ويمكن بعثها من جديد بعودة المسلمين إلى القرآن. وليس من الوارد القول بأن المدنية الحديثة قائمة على التقدم التقني، وإذن، لا يمكن بعث المدنية

ص: 274

الإسلامية ما دام المسلمون متخلفون تقنيًا. إذ أن المهارة التقنية في متناول الجميع، واكتسابها يتوقف على بعض الملكات الخلقية والمبادئ العقلية. فإذا اكتسب المسلمون هذه الملكات والمبادئ، تمكنوا بسهولة من اكتساب المهارة التقنية. وعل كل، فإن هذه العادات والمبادئ موجودة في الإسلام (14).

ما هي إذن تلك المبادئ المشتركة بين الإسلام والمدنية الحديثة؟ يقول رشيد رضا إنها السعي قبل كل شيء. فالجهاد الإيجابي هو جوهر الإسلام. وهذا هو معنى كلمة «الجهاد» في مفهومها الأعم (15). والأوروبيون يتصفون بهذه الحيوية أكثر من سواهم في العالم الحديث، ولهذا تمكنوا من اكتساح العالم. فهم مستعدون لبذل حياتهم ومالهم في سبيل أمتهم، فيخلصون لها ذلك الإخلاص الأعمى الذي يشكل أساس قوة الأمم (16). لكن المسلمين كانوا هكذا، ويمكنهم العودة إلى ما كانوا عليه، وإن بطريقة مختلفة. فالأوروبيون نشيطون وناجحون، لأنهم تخلوا عن دينهم اللادنيوي واستعاضوا عنه بمبدأ الوطنية. أما المسلمون، فبوسعهم أن يجدوا مبدأ الوحدة والولاء هذا في دينهم نفسه. إذ أن ميزة الإسلام الثانية، إلى جانب السعي والجهاد، هي أنه أنشأ جماعة واحدة ليست، على غرار الكنيسة، مجموعة من الناس يربطهم الإيمان والعبادة لكن تفرقهم خصائصهم الطبيعية، بل جماعة بكل معنى الكلمة. فتاريخ الخلافة الطويل، وانتشار ثقافة مشتركة، وقرون من الاحتكاك والزواج المختلط، قد أنشأ أمة هي كنيسة و «أمة» في آن واحد، تجمعها وحدة الدين والشريعة، والمساواة. وتبادل الحقوق والواجبات، كما تجمعها أيضًا روابط طبيعية، وبالأخص رابطة اللغة، إذ أن اللغة العربية هي وحدها لغة التقوى والعقيدة والشريعة أينما وجد الإسلام (17).

لا سبيل، إذن، إلى المبالغة في وصف أهمية الوحدة وعار الانقسام، في نظر رشيد رضا وأقرانه من الكتاب. إلا أنهم، عندها

ص: 275

يتحدثون عن الوحدة، لا يعنون الوحدة القائمة على الشعور أو التقاليد فقط. فهم يعلمون حق العلم، كما كان يعلم الأفغاني، كم هي مؤقتة ومتقلبة تلك الوحدة الشعورية الصرف، وكم تكون خطرة إذا كانت ثابتة. وهم لا يعنون أيضًا أن على الوحدة أن تتجسد بالضرورة في شكل دولة إسلامية واحدة. وسنرى فيما بعد نوع الوحدة السياسية التي كان رشيد رضا يراها ممكنة. لكنهم يعنون بالوحدة الإسلامية، جوهريًا، وحدة القلوب بين المؤمنين العائشين معًا في تساهل متبادل، والتعاون الإيجابي بين الجميع على تنفيذ وصايا الدين. وهذه الجماعة القائمة على هذا الأساس تستمد سلطتها من الله، بشهادة الحديث القائل:«لن تجمع أمتي على خطأ» . أما ممارسو السلطة فيها، فهم «أهل الحل والعقد» . وهي عبارة غامضة قد تعني، إجمالًا، أولئك المسؤولين عن وحدة الأمة واستمرارها، أو بتعبير أدق، علماء الشريعة وأصحاب السلطة السياسية.

لكن الوحدة مرتبطة، ضرورة، بالحقيقة. فلا يمكن أن يكون اتفاق حقيقي بين المسلمين ما لم يكونوا كلهم متفقين على الحقيقة، والعكس بالعكس. فالاتفاق هو علامة الحقيقة. وامتلاك الحقيقة هو، في اعتقاد رشيد رضا، الميزة الثالثة والأساس الأثبت للإسلام. والإسلام الحق هو ما أعلنه النبي والسلف الصالح، وهو نظام من العقائد والمعاملات بسيط نسبيًا ومن السهل فهمه، حواه القرآن والحديث وسنة النبي وأصحابه. وقد أنزل بكامله في أيام النبي الذي أعلن في حجة الوداع:«اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» . وعلى هذا، فإن إسلام السلف الصالح هو إسلام الجيل الأول الذي عرف النبي، وأن الإجماع الوحيد المقبول هو إجماع ذلك الجيل (18).

هنا نلحظ ابتعادًا عن تعاليم محمد عبده. وهو ابتعاد يدل على عقلية رشيد رضا وطريقته في التفكير. فعندما تحدث محمد عبده عن السلف

ص: 276

الصالح، كان يعني، إجمالًا، منشئي التقليد الأساسي للفكر والتقوى الإسلاميين من عهد النبي حتى الغزالي. وقد اكتفى، إما للغموض في بعض مفاهيمه، وإما لحسه الشديد بما للوحدة من أهمية فائقة، ببناء جهاز فكري موحد من عناصر كان من الممكن أن يظهر التناقض بينها، فيما لو دفع بأي منها إلى نتائجه المنطقية. أما رشيد رضا فقد كان يتحلى، فضلًا عن روحية التلميذ، بقوة عقلية ووضوح فكري جعلاه، بالرغم من إلحاحه على الوحدة، أقل ليونة من محمد عبده في التعبير عن أفكاره وأكثر تعصبًا لها. لذلك نجد النزعة السنية أبرز في تفكيره منها في تفكير محمد عبده، أو تفكير جمال الدين الأفغاني (الذي كان على الأرجح، شيعيًا، كما رأينا سابقًا). وكان يعتقد أن الوحدة بين السنة والشيعة ضرورة ماسة، وأن من المكن تحقيقها على قاعدتين: الأولى أن تتعاون الطائفتان على ما يتفقان عليه، وأن تعذر إحداهما الأخرى في ما يختلفان فيه. والثانية أنه إذا تهجم أحد من إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى فالواجب أن يتولى الرد عليه من هم من طائفته (19).

إنها لعواطف نبيلة ولا ريب. لكن ما كان أسرع رشيد رضا، عند وقوع الخلاف، أو إدراكه تعذر تحقيق الوحدة، إلى إلقاء اللوم على الشيعيين واتهام زعمائهم بالبواعث الدنيئة. فزعم أن أكثر البدع والخرافات إنما جاءت من غلاة الشيعة (20)، وأن زعماءهم كانوا يعرقلون الوحدة بسبب تهافتهم على المال والجاه العريض، وأن الشيعة نفسها قد انبثقت عن خلاف عقائدي لم يكن قائمًا في عهد السلف الصالح، بل أثارته خصوصًا دسائس معتنقي الإسلام الأول من اليهود، كما شاع عند علماء الكلام من الأقدمين. فلا عجب، إن كانت علاقة رشيد رضا بالكتاب الشيعيين لا تخلو من التوتر.

لقد فسر رشيد رضا المذهب السني تفسيرًا مستمدًا من الحنبلية المتزمتة التي كانت سائدة في سوريا، خصوصًا دمشق، أكثر منها في مصر. ومع أنه خالف ابن تيمية في بعض النواحي، فقد لا يقل ما

ص: 277

استقاه من تآليفه التي نشر بعضها في «المنار» عما استقاه من تعاليم الغزالي. وهذا العطف على الحنبلية هو ما حمله، في ما بعد، على الاندفاع في تأييد انبعاث الوهابية في أواسط الجزيرة العربية، وسياسة زعيمها عبد العزيز بن سعود، مرحبًا بفتح الوهابيين للحجاز، ومبرئًا إياهم من تهمة الخروج على الدين، معلنًا أن عقيدتهم سنية صرف ودينهم دين المسلمين الأولين. فهم، وإن قاوموا كل فكرة تضع محمدًا في مرتبة فوق البشر، يعتبرون رتبة محمد بين البشر أعلى الرتب. وهم، فيما يختص بالأولياء، لا يعارضون الفكرة القائلة بأن هؤلاء اجترحوا أعمالًا خارقة، وإنما يعارضون جهل الجهلاء الذين يخصونهم بالتعبد الذي لا يجوز إلا الله وحده (21). ورأى رشيد رضا أن ابن سعود يكاد يكون أفضل من حافظ على المبادئ الجوهرية للسنة ودافع عنها بعد الخلفاء الأربعة الأولين (22). وهو في هذا القول لم يسلم من تلميح أعدائه إلى أنه باع نفسه من ابن سعود. وقد رد على ذلك بأن ما حمله على التخلي عن رأيه الأول في أن الوهابية بدعة إنما هو القراءة والتفكير، وإنه لم يتصل بابن سعود إلا فيما بعد، وأن هذا الاتصال نفسه لم يكن إلا على مستوى سياسي، وكجزء من خطة ترمي إلى تحقيق اتحاد بين زعماء العرب يقف سدًا في وجه التدخل الأجنبي (23).

أما بصدد التطور اللاحق للفكر الصوفي وكيفية ممارسته في الإسلام السني، فقد حذا رشيد رضا حذو محمد عبده في استنكاره، كما حذا حذوه في التمييز بين التصوف الصحيح والتصوف المزيف. فرأى أن من الضروري للمسلم أن يضيف إلى العقيدة السليمة والأعمال الصالحة التي تقتضيها الشريعة شيئًا آخر هو «الصدق والإخلاص والأخذ بالعزائم ومحاسبة النفس» (24)، على أن لا يؤدي ذلك إلى الخروج على حقائق الدين وإلى عبادات لا تؤيدها الشريعة. فمثل هذا التصوف ينطوي على أخطار روحية. ذلك أن الإغراق في الاستسلام لإرادة الشيخ يصبح حاجزًا بين النفس والله، كما قد تؤدي الطقوس

ص: 278

الروحية التي ابتدعتها الطرق الصوفية إلى إهمال أشكال العبادة التي أمر الله بها صراحة في القرآن، ناهيك بعادة استحضار الأرواح التي تنطوي على أخطار عقائدية. كان من المعقول أن يوافقه الإمام محمد عبده على مثل هذه الانتقادات؛ غير أن رشيد رضا كان يشك في بواعث المتصوفين. فقال: مرددًا صدى ما دار من جدل سابق، بأن هذا النوع من التصوف قد دخل الإسلام على يد جماعة من الزرادشتين «لإفساد دين العرب وتقويض دعائم ملكهم بالشقاق الداخلي لتتمكن تلك الجمعيات بذلك من إعادة ملك المجوس وسلطان دينهم اللذين أزالهما العرب بالإسلام» (25).

وكان رشيد رضا ورفاقه ينتقدون الصوفيين أيضًا لاعتبارات عملية. فهم، في نظرهم، لا يضعفون المجتمع فحسب، بل يشكلون خطرًا على الدين أيضًا، إذ أنهم يهملون واجباتهم في هذه الدنيا بانصرافهم إلى أمور لا قيمة لها (26)، ويفسدون الإسلام بإظهاره بمظهر دين الخضوع الأعمى لا دين القوة والسعي. زد على ذلك أن احتفالاتهم تفسح المجال للسكر وتعاطي المخدرات وأنواع أخرى من الموبقات (27).

إلا أن إلحاح رشيد رضا على طبيعة الإسلام التي لا تتغير لا يعني تصلبًا في تفكيره. إذ أنه يميز، على غرار الحنبلين، بين ما هو جوهري في الإسلام وبين ما هو عرضي. فهو يقر بالفارق بين ما نص عليه القرآن والحديث الصحيح وبين تلك العادات والتقاليد التي نشأت وتراكمت حولهما. كما يقر بالفارق بين أفعال العبادة وبين الأفعال الخلقية، بين الأفعال التي تتصل بالله وبين الأفعال التي تتصل بالناس. فالأولى قد وضعت بشكلها النهائي الكامل في القرآن والحديث ولا يمكن تعديلها أو الإضافة إليها. وإجماع الجيل الأول، أي إجماع أولئك الذين عرفوا النبي وسمعوا كلماته، ملزم بحقها. وهذا ينطبق أيضًا على العادات الدينية الشخصية التي لا تقع تحت أي موجبات دينية معينة ولا تؤثر على العلاقات مع الآخرين. إذ من الأفضل، إجمالًا، أن يقتدي المسلمون اليوم

ص: 279

بسنة المسلمين الأول كما أوردها الحديث، لما في ذلك من تقوية لأواصر الجماعة. غير أن من واجب المسلمين أن يقوموا بذلك من تلقاء أنفسهم، بفعل عفوي صادر عن وجدانهم. وليس لأحد الحق في إكراههم على ذلك (28). أما مجموعة العلاقات البشرية فلم تضبطها ولا يمكن أن تضبطها نصوص صريحة. فإذا وجد بشأنها مثل هذه النصوص، وكانت دقيقة صريحة لا إشكال فيها، فلا مجال للأخذ والرد فيها وعلى الناس أن يتقيدوا بها. غير أنه لا بد من إضافة شرطين. الأول هو أنه عندما يتعارض نص خاص مع نص عام يتضمن مبدأ خلقيًا عامًا، كمبدأ «لا ضرر ولا ضرار» أو كمبدأ «الضرورات تبيح المحظورات» ، فمن الواجب ترجيح العام على الخاص (29). والثاني هو أنه عندما تجابهنا مسائل لم يرد بها نص قط، أو ورد بها نص غامض أو مشكوك في صحته، فيجب اللجوء إلى العقل البشري لمعرفة ما هو أكثر انسجامًا مع روح الإسلام. وعلى العقل أن يهتدي، في عمله هذا، بمبدأ المصلحة، مفسرًا على ضوء المبادئ العامة الواردة في القرآن والحديث.

لقد رأينا أن مبدأ المصلحة لم يكن جديدًا على الفقهاء المسلمين. وها أن رشيد رضا يستشهد، في دعمه لهذا المبدأ، بابن قيم الجوزية وبابن تيمية وسواهما. لكنه يذهب، في بعض النواحي، أبعد من معلميه، فيصرح تصريحًا بما تضمنته كتاباتهم تضمينًا. فالمصلحة كانت، وفقًا للفكر التقليدي، مبدأ ثانويًا، أي مبدأ إرشاد في عملية القياس، لا بديلًا عن القياس نفسه. أما لدى رشيد رضا، فإنها تكاد تصبح هي نفسها المبدأ الإيجابي الحاسم عوضًا عن القياس. كما أن الأوامر والنواهي، سواء كانت عامة أم خاصة، تتخذ لديه طابعًا سلبيًا، فتصبح مجرد حدود يجب على العقل أن لا يعمل إلا ضمن نطاقها. إن هذا الرأي من شأنه أن يفضي إلى نتائج خطيرة، نظرًا لتغير المصالح بتغير الأحوال. فكأنما رشيد رضا أراد أن يقول، من وراء ذلك، أن ليس هناك في الشؤون الخلفية الاجتماعية من

ص: 280

إجماع. حتى ولا عند الجيل الأول، ولا يمكن أن يكون. وهذا يعني أن للأمة الإسلامية صلاحية التشريع. فصلاحيات حكام الأمة لا تقتصر على الصلاحيات التنفيذية والقضائية، بل تتعداها إلى صلاحيات التشريع في سبيل المصلحة العامة. وإذن، من الممكن وضع قوانين خاضعة للشريعة، بحيث يتغلب حكم الشريعة على حكمهم في حال التصادم بينهما. لكنها تبقى، في غير ذلك من الحالات، مستقلة تستمد قوتها الإلزامية من مبادئ الإسلام العامة. إذ من حق الأمة الإسلامية، بل من واجبها أيضًا أن «يكفل نظامها اشتراع عادل يناسب حالتها التي وضعها فيها تاريخها الماضي» (30).

هذا لا يعني، ولا شك، أن لكل مسلم الحرية في استخدام عقله لوضع القوانين التي يرتئيها. فمهمة وضع القوانين ومبادئ الخلقية الاجتماعية وتعديلها إنما هي من اختصاص «أهل الحل والعقد» ، أي أصحاب السلطة في الأمة أو في هيئاتها السياسية، أو بتعبير آخر، أصحاب المسؤولية تجاه الإسلام. وكان رشيد رضا، عندما يستعمل هذه العبارة، يفكر، على غرار الفقهاء المسلمين بعد سقوط الخلافة، بتلك الشراكة بين نوعين من السلطة: سلطة الحاكم المسلم الورع العادل، وسلطة العلماء الحقيقيين الذين لهم المؤهلات الشخصية لممارسة الاجتهاد. وكان يعتبر أن اشتراع القوانين، كمهام الحكم الأخرى، يجب أن يتم بالشورى بين أصحاب هاتين السلطتين. لكننا هنا أيضًا نسمع نغمة جديدة. فهو يفكر بالعلماء كهيئة منظمة، وبالشورى كعملية مدروسة، وبالشرائع الناجمة عنها كأمر يتم الوصول إليه بنوع من الإجراءات الشكلية. وهذا يعني الاستعاضة عن مفهوم الإجماع القديم بمفهوم جديد، هو الإجماع كمبدأ تشريعي لا قضائي، يتم بين علماء كل عصر بأساليب شبيهة بالأساليب البرلمانية. وهذا هو، في نظر رشيد رضا، المفهوم الأصيل للتشريع في الإسلام، الذي انتابه الغموض على ممر الزمن، إلا أنه لم يعدم من يتذكره من علماء الشريعة الذين كان يخرسهم، باستثناء أكابرهم،

ص: 281

الخوف من الحكام، أو يهملون التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي. وهكذا تفشى في الإسلام ذلك المرض الذي يعزوه رشيد رضا إلى الجمود حينًا، وإلى التقليد حينًا آخر، والذي تجلى في مضمار الشريعة، بالطاعة العمياء لأحد مذاهب الشرع الأربعة المقبولة. وهو يورد مثالًا على ذلك أن شيخ الإسلام، وهو أعلى مرجع قضائي في السلطنة العثمانية، قد امتنع هو ومنع المفتين التابعين له عن إصدار أي فتوى بشأن مجموعة القوانين المدنية المسماة بالمجلة. وهي تلك التي أصدرتها الحكومة العثمانية استنادًا إلى المذهب الحنفي. وما ذلك إلا لأنها اشتملت على بعض التعديلات التي افتقرت إلى ما يسندها عند مؤسس هذا المذهب.

كان رشيد رضا يرى أن الجمود والتقليد شران بحد ذاتهما، لكنه كان يعتبر خطرهما الآن أشد من ذي قبل، إذ تجابه البلدان الإسلامية اليوم مدنية جديدة تجعل حاجتها أشد إلى قوانين جديدة. وكان بين رفاق رشيد رضا من كان يرحب بمدنية أوروبا الحديثة ويعترف بما انطوت عليه بحد ذاتها من قيمة. فمحمد كرد علي، مثلًا، كان شديد الإعجاب بما شاهده خلال زياراته إلى البلدان الغربية، بحيث دعا إلى الكثير مما يمكن للعرب أن يتعلموه منها، كالإصلاح الاجتماعي، والمساواة أمام القانون، وحرية الفكر، وأهمية التضامن الوطني، وعلى الأخص، فضيلة النشاط (31). غير أن ما أثار رشيد رضا ليس الإعجاب بقدر ما كان الضرورة. فهو من ذلك الجيل الأخير الذي كان بإمكانه، بالرغم من ثقافته الكاملة، أن يعيش في عالم الفكر الإسلامي المكتفي بنفسه. لقد كان لأستاذه محمد عبده صلات شخصية ودية ووثيقة بعدد من الأوروبيين، وكان قد سافر أكثر من مرة إلى أوروبا. أما رشيد رضا فقد سافر مرة واحدة فقط، وذلك لغرض سياسي معين. ويبدو أنه لم يقرأ شيئًا، أو ربما قليلًا، مما كتب في اللغات الأوروبية. وكان له اتصال وثيق بأوروبي واحد، هو الفرد متشل- إنز، مساعد وكيل وزارة

ص: 282

المالية في الحكومة البريطانية. وإنه لمن الصعب علينا أن نتصور ما كان من الممكن أن يدور بينهما من أحاديث (32). وكان يكره حياة الأوروبيين الاجتماعية، كما كان يشير إلى المسيحية بطريقة عدائية على العموم. وكان يعتقد أنه من الممكن لأوروبا أن تعتنق الإسلام لولا الكنيسة ورجال السياسة وانحطاط الإسلام نفسه داخليًا (33). غير أنه كان يرى، بفضل حسه السليم، أن من الضروري للإسلام أن يتحدى العالم الجديد وأن يقبل بالمدنية الجديدة بالمقدار الكافي لاستعادة قوته. ولكي يبقى، كما كان دومًا، منسجمًا مع تفكيره ومنطقيًا مع نفسه، كان يبرر موقفه هذا بقوله، مستندًا إلى أحد مبادئ الإسلام، أن الجهاد لزام على المسلمين، لكنهم لا يستطيعون تأديته ما لم يصبحوا أقوياء. وهم، في هذا العالم الحديث، لا يصبحون أقوياء ما لم يقتبسوا علوم الغرب وفنونه التقنية. ولما كان الشرط اللازم للقيام بواجب هو نفسه واجب، ترتب على المسلمين دراسة علوم العالم الحديث وأساليبه (34). وهو بقوله هذا إنما كان يردد صدى فكرة كان الطهطاوي وخير الدين أول من عبر عنها، وهي أن المسلمين، بقبولهم المدنية الغربية، إنما يستعيدون ما كان لهم من قبل. إذ أن أوروبا نفسها لم تتقدم إلا بفضل ما تعلمته من المسلمين في إسبانيا وفي الأراضي المقدسة (35).

أمام هذه الحاجة الجديدة، لا بد للشرائع من أن تتغير تغيرًا كبيرًا لم يسبق له مثيل. وهذا التغير المنشود يجب أن لا يقتصر على تعديل المذاهب الأربعة القائمة، بل يجب أن يتعداه إلى إنشاء مذهب واحد جديد. لذلك دعا رشيد رضا علماء زمانه إلى العمل معًا في سبيل إخراج كتاب في الشرائع، قائم على القرآن والحديث، ومنسجم بالوقت نفسه مع حاجات العصر. على أن يخلو من كل التباس، ويفهمه جميع المؤمنين بسهولة، ويورد في أول كل باب من أبواب المعاملات فيه تعريفًا واضحًا يميز بين ما هو فعل إيمان قائم على النصوص وبين ما هو استنتاج عقلي. وبذلك يكون «حجة ناطقة على كل من

ص: 283

ينسب القصور إلى الشريعة أو الدين» (36). غير أنه لم يقصد بهذا إلى التخلي التام عن المذاهب التقليدية الأربعة، بل إلى التقريب بينها ومزجها تدريجًا. وهو في ذلك يتذرع، كمحمد عبده، بمبدأ التلفيق، على أن يتم تطبيقه بنظام أفضل من ذي قبل. فالمبدأ ذاته لم يحرمه إجماع الفقهاء، كما أنه، بحد ذاته، لا يخالف العقل أو مبادئ الإسلام. وهو إنما يصبح غير جائز لو طبق بلا هدى وبدون تمييز. فقبول المسلم بحكم مذهب شرعي غير مذهبه قبولًا أعمى. لا يقل سوءًا عن قبوله بحكم من أحكام مذهبه قبولًا أعمى. أما إذا استعمل مبدأ التلفيق بطريقة معقولة، فإنه يغدو نوعًا من الاجتهاد ويصبح بالتالي شرعيًا بحد ذاته (37).

لقد كرس رشيد رضا الكثير من تفكيره لرسم خطوط النظام الشرعي الجديد، وذلك في دراسات مستقلة خاصة بمواضيع معينة، وفي شروحه للقرآن، وعلى الأخص في فتاويه في «المنار» . فقد أفرد، في كل عدد من هذه المجلة، بابًا خاصًا للإجابة على أسئلة حول قضايا تتعلق بالمبادئ الخلقية أو بالعادات. حتى ليمكن القول بأنه كاد أن لا يترك قضية خلقية واحدة تتعلق بحياة الجماعة إلا تعرض لها على نحو ما في مجلته. وسنذكر هنا، على سبيل المثال، بعض القضايا لنتبين إلى أي حد تخلى رشيد رضا عن الموقف التقليدي ليتخذ موقفًا أكثر انسجامًا مع «روح العصر» . ففي قضية الارتداد مثلًا، نراه يقلع عن النظرة التقليدية القائلة بأنه من الواجب قتل المرتد من المسلمين، مميزًا بين المرتد الذي يثور ضد الإسلام ويشكل بذلك خطرًا على الأمة، وبين المرتد الذي يترك الإسلام بهدوء وبصفة شخصية فقط. فيقول بأن الأول يجب أن يقتل إذا ما قبض عليه وأما الثاني فلا. وتظهر طريقة تبريره بهذا القول المبادئ المسيرة لتفكيره. فهو يعترف، أولًا، بأن وجوب قتل المرتد يؤيده إجماع الفقهاء التام. لكنه لا يتوقف عند هذا الاعتبار، بل يتعداه إلى التساؤل إذا كان هذا الاجماع مرتكزًا إلى نص

ص: 284

صريح في القرآن. وإذ لا يجد نصًا في القرآن بوجوب قتل كل مرتد، بل يجد، بالعكس، نصًا يحرم كل إكراه في الدين، يستنتج أن ذلك الإجماع إنما هو مخالف لمبادئ الإسلام ويجب بالتالي رفضه (38).

وفيما يختص بالجهاد ضد غير المسلمين، فإنه يقر، كذلك، بوجوبه. لكنه، حرصًا على تعيين الحدود التي يكون هذا الجهاد فيها مشروعًا، يميز بين الحرب التي تستهدف نشر الإسلام، وبين الحرب التي تتوخى الدفاع عنه. فيقول إن الثاني مشروع دومًا، أما الأول فليس مشروعًا إلا إذا تعذر انتشار الإسلام سلميًا، أو إذا كان لا يسمح للمسلمين بالعيش وفقًا لشريعتهم. ويستنتج من هذا أن اللجوء إلى القوة لإكراه أهل الكتاب على اعتناق الإسلام إنما هو مناقض لمبدأ حرية الإيمان عينه (39).

هذان المثلان يثبتان كيف كشف رشيد رضا عن النتائج المنطقية التي كانت مكنونة في مبادئ أستاذيه. إلا أن معالجته لبعض نواحي الحياة الاقتصادية تنم عن تحرره من التقليد تحررًا أقوى. فالشريعة الإسلامية تحرم الربى. وكان رشيد رضا مقتنعًا بأفضلية هذا النظام على أي نظام سواه. لكنه رأى أن الإسلام اليوم أمام خطر لم يجابهه يوم كانت الشريعة في إبان تكوينها، هو خطر توغل الرأسمالية الغربية وسيطرتها الاقتصادية. لذلك التجأ إلى مبدأ الضرورة الذي يقول بأن الضرورات تبيح المحظورات، والذي قد يحمل المسلمين على الانحراف عن التفسير التقليدي للشريعة وعلى بناء حياتهم الاقتصادية على الأسس التي بنت عليها الأمم الغربية اقتصادياتها، فيقول:

«إذا كان المال قوام حياة الأمم والدول في كل زمان، وصار له من الشأن في هذا الزمان ما لم يكن له من قبل، ولاسيما في عصر النبي الذي كانت فيه الأمة قليلة الحاجات، وغير مرتبطة في حياتها بمعاملات الأمم الأخرى. ولكن عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم

ص: 285

قد أنزل في ذلك العصر قوله: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} ، فأرشدنا به إلى مكانة المال في حياة الأمم ونظام أمرها وكونها لا تقوم إلا به

فهل يمكن أن يقال إن مقتضى شرع هذا الدين أن يكون أهله فقراء، وأن يكون ما به قيام معاشهم وعزة أمتهم ودولتهم في أيدي الطامعين فيهم من الأمم الأخرى؟ » (40).

ولعل ما يظهر بجلاء حدود ميله إلى العالم الحديث، وبالوقت نفسه مقدار تأصل جذوره في التقليد، معالجته لحقوق المرأة إسهامًا منه في الجدل الذي أثاره قاسم أمين حول هذا الموضوع. ويمكن تلخيص آرائه بهذا الشأن في ما يلي: يحق للمرأة المسلمة أن تشترك في حياة الإسلام الجماعية، كما فعلت طيلة الأيام العظمى في التاريخ الإسلامي. فإيمانها مثل إيمان الرجل نفسه، وواجباتها الدينية مثل واجباته، وكذلك واجباتها الاجتماعية بمقدار ما هي مستمدة من مبادئ الدين. فهناك إذن مساواة في الحقوق. لكن هناك أيضًا لا مساواة فعلية بسبب تفوق الرجل على المرأة في القوة والذكاء والقدرة على العلم وعلى الاضطلاع بمعظم ضروب العمل. لكن سيطرة الرجل هذه على المرأة يجب أن تمارس، على غرار سيطرة الحاكم على الدولة، لا بالاستبداد، بل بالتشاور. فعلى الرجال في هذا أن يقتدوا بالنبي الذي كان في معاملته لزوجاته مثال الرجل الكامل. لقد كان تعدد الزوجات في حقه عدلًا، إذ كان في مصلحة الجماعة. ولا شك أن تعدد الزوجات جائز دومًا إذا لم يناقض مبدأ العدل وكان من شأنه أن يؤول إلى فوائد. كذلك لا يتنافى الرق مع العدل بالضرورة، إذ أنه يقي النساء من الضرر ويمنحهن جميعًا فرصة إنجاب الأولاد، وبكلمة، إن مبدأ الشريعة الإسلامية في حق المرأة هو:

«إن الإصلاح الإسلامي المحمدي يقضي بأن يكون لكل امرأة كفيل شرعي يكفيها كل ما يهمها لتكون بنتًا مكرمة، فزوجًا

ص: 286

صالحة، فإما مربية، فجدة معظمة. ومن حرمت الزوجية أو الأمومة، لم تحرم الكفالة والكرامة» (41).

كان محور تفكير رشيد رضا الحاجة إلى خلق نظام تشريعي يستطيع الناس في العالم الحديث التقيد به فعلًا، ويكون فيه القانون قانونًا بمعناه الصحيح، كما يكون إسلاميًا بمعناه الصحيح أيضًا. وكان هذا أحد العوامل التي حملته على الاتجاه نحو الحنبلية التي جمعت بين التصلب الشديد في المبدأ والليونة البالغة في التطبيق. (لا يزال المذهب الحنبلي في السعودية أساس النظام التشريعي، وفيها فقط لم يحصل الفصل بين الشريعة الإسلامية والقانون الحديث الذي حصل في سائر بلدان الشرق الأدنى الإسلامية)(42). لكن الشريعة تقتضي، في نظر رشيد رضا، سلطة تحافظ عليها وتطبقها. والإسلام، بطبيعته، دين السيادة والسياسة والحكم (43)، فلا يمكن إصلاح الشريعة الإسلامية إلا بإعادة تكوين الدولة الإسلامية. ولدينا نظام سياسي إسلامي حقيقي قائم على التشاور بين الحاكم وحراس الشريعة ومفسريها. لكن هناك شرطين لإعادة بنائه: علماء حقيقيون وحاكم إسلامي حقيقي، أو بتعبير آخر، خليفة حقيقي.

كانت نظرة رشيد رضا إلى الخلافة غامضة في بعض نواحيها. لكن مما لا شك فيه هو أنه لم يدع إلى الخليفة كحاكم مطلق. وليس من الواضح إلى أي حد كان يرغب في أن يكون الخليفة حاكمًا زمنيًا. وإذا كان الخليفة حاكمًا زمنيًا، فما هو نوع صلته بسائر الحكام المسلمين. إذ أنه لم يكن يعتقد أن من الممكن إعادة توحيد جميع أجزاء الأمة في دولة واحدة. لكن رأيه في وظيفة الخليفة الجوهرية كان واضحًا، وهي أنها لا تقوم على الحكم بل على سن الشرائع والسهر على تطبيقها. فالخليفة، في نظره. يجب أن يكون المجتهد الأكبر، أي الرجل المؤهل، بذكائه ومراسه الخاص وبمساعدة العلماء، لتطبيق مبادئ الإسلام على

ص: 287

حاجات العالم الجديدة. كما يجب أن يكون القادر، نظرًا للاحترام الذي يتمتع به، على فرض ما يتوصل إليه من نتائج على الحكومات الإسلامية. إذ أنه بينما «يتبع كل أمرئ اجتهاد نفسه أو فتوى قلبه وراحة وجدانه في الأمور الشخصية الخاصة به

فإن اجتهاد الخليفة في المصالح العامة مرجح على اجتهاد غيره» (44). وليس من وجود للإسلام الحقيقي إلا بوجود خليفة كهذا. فهو وحده قادر على العودة إلى حكم الشورى الإسلامي الحقيقي بالتشاور مع أهل الحل والعقد في الشؤون التي لم يرد بشأنها نص في القرآن أو حديث صحيح أو إجماع أو اجتهاد رسمي سابق. وهو وحده قادر على إحياء المدنية الإسلامية وتلقيحها بالعلوم والفنون التقنية الضرورية لدفع الأمة في دروب القوة والازدهار. وهو وحده قادر على أن يعيد إلى الدين نقاوته، وأن ينبذ الخرافات والبدع، وأن يقيم وحدة إسلامية تضم الشيعة والزيدية والإباضية، كما تضم السنة بمذاهبها الشرعية الأربعة (45).

كانت الإمبراطورية الإسلامية لا تزال قائمة، وكان السلطان لا يزال يدعي بأنه الخليفة، طيلة النصف الأول من حياة رشيد رضا. ولم يكن رشيد رضا ورفاقه يعترضون على وجود الإمبراطورية، لا بل كانوا يعتقدون أنها ضرورية للعرب والشعوب الإسلامية، لأنها كانت وحدها قادرة على بذل القوة الضرورية لحمايتهم من الضغط الأجنبي. وكان رشيد رضا يقاوم الفكرة الناشئة إذ ذاك، والرامية إلى الاستعاضة عن الخلافة العثمانية بخلافة جديدة، معتبرًا هذه الفكرة وحيًا أجنبيًا من شأنه أن لا يخدم إلا المصالح الأجنبية (46). وكان من الممكن، في رأيه، القبول بالخلافة العثمانية على أنها «خلافة بالضرورة» ، مع أنها لم تكن خلافة أصيلة، إذ كان العثمانيون يفتقرون إلى أحد الشروط الجوهرية للاجتهاد، وهو معرفة اللغة العربية، أي اللغة التي بها وحدها يمكن التفكير في عقائد الإسلام وشرائعه. كما كانوا، من جهة أخرى، غير مؤهلين للاجتهاد (47).

ص: 288

غير أن الحالة تغيرت بعد حرب 1914 - 1918. فقد وقع السلطان في البدء تحت نفوذ إنكلترا وفرنسا اللتين احتلتا إسطنبول. ثم جاء مصطفى كمال فخلعه، فبقيت قضية الخلافة تشغل المفكرين المسلمين طيلة السنوات القليلة اللاحقة. ولم يكن اهتمام رشيد رضا بالإسلام ولا نزعته الجدلية يسمحان له بالبقاء بعيدًا عن المعركة. فاشترك في الجدل الكبير الذي أثاره كتاب عبد الرازق، وهاجم هذا الكتاب بشدة على صفحات «المنار» ، قائلًا إن خطر آراء عبد الرازق يكمن في إمكان استخدام أعداء الإسلام لها. فهؤلاء الأعداء يجاهدونه بالسيف، لكنهم في الأخص، يحاولون تقطيع الروابط التي ترتبط بها الشعوب الإسلامية «ليسهل جعلها طعمة للطامعين وفريسة لوحوش المستعمرين» . وهم يشنون «حربًا معنوية» من شأنها أن تضعف الإسلام من الداخل. فكتاب كهذا يشكل في هذه الحرب صدمة قاسية للإسلام (48).

وقد أسهم رشيد رضا أيضًا في هذا الجدل بوضع دراسة طويلة وشاملة عن الخلافة، نشرت حين أقامت الحكومة التركية الجديدة خليفة لم يكن له إلا سلطة «روحية» فقط. وفي هذه الدراسة أظهر معارضته، بخلاف سائر المسلمين، لهذا الأمر الذي لم يأخذ بعين الاعتبار الغاية من الخلافة، وهي تطبيق الشريعة، وإنما استهدف ترضية الإحساس القومي والشعور الإسلامي العام على صعيد سياسي أشبه ما يكون بالتظاهرات السياسية التي أقيمت في مصر تأييدًا لزغلول (49).

وإذن، فالخلافة الأصلية ليست موجودة اليوم، ولذلك وجب إعادة بنائها. وهذا لا يتم إلا على مرحلتين: الأولى إقامة «خلافة الضرورة» لتنسيق جهود البلدان الإسلامية ضد الخطر الخارجي، والثانية إقامة «خلافة الاجتهاد الصحيحة» عندما يحين الوقت. ولتحقيق هاتين المرحلتين لا بد من بعض الشروط التي أولها إقامة علاقات حسنة بين العرب والأتراك، لأنهم يشكلون جميعًا دعامة

ص: 289

العالم الإسلامي. فبالرغم من المشاعر المريرة التي أثارتها أولًا سياسة «تركيا الفتاة» ثم الثورة العربية، يظل العرب والأتراك بحاجة، بعضهم إلى بعض. فقد حافظ العرب على روح الإسلام الحقيقية وعلى معرفة اللغة العربية، بينما تميز الأتراك بالتماسك السياسي والقدرة على القيادة اللذين تفتقر إليهما (50) الأمة. إن مصطفى كمال رجل عظيم، لكنه لسوء الحظ لا يعرف شيئًا عن الإسلام. وهو لو عرف الإسلام على حقيقته لكان هو الرجل المنشود (51).

أما الشرط الآخر، وهو الأهم، فيقضي بأن يعمل «أهل الحل والعقد» جميعًا من أجل إقامة الخلافة: «فالأمة كلها مطالبة (بنصب الإمام الحق) وهي صاحبة الأمر والشأن فيه

وإنما يقوم به ممثلوها من أهل الحل والعقد

فأهل الحل والعقد هم المطالبون بجميع مصالح الأمة العامة ومسألة السلطة العليا خاصة

هم سراة الأمة وزعماؤها ورؤساؤها الذين تثق بهم في العلوم والأعمال والمصالح التي بها قيام حياتها وتتبعهم فيما يقررونه بشأن الديني والدنيوي منها» (52).

لكن أين يوجد مثل هؤلاء الناس؟ إنه لمن الصعب العثور عليهم في الأمم الإسلامية الخاضعة للدول الأوروبية. فالزعماء في تلك الأمم إنما يمثلون، عادة، السلطة التي عينتهم (باستثناء بعضهم ولا شك كمحمد عبده و «ابنه الروحي» سعد زغلول في مصر، وغاندي ومولانا أبو الكلام آزاد في الهند)، وليس من أمل كبير في العثور عليهم في المؤسسات الدينية الرسمية، أي دور التعليم الكبرى كالأزهر في القاهرة، وجامع الزيتونة في تونس، ومعهد ديوباند الديني في الهند. ومن طرف آخر، فإن الخير لن يجيء على يد «المتفرنجين» الذين سيطروا على الحياة العامة طيلة الأجيال القليلة الماضية، إذ كانت عقيدتهم تقوم على الاعتقاد أن الدين يتعارض مع المجتمع الحديث، لذا أخذوا ينشؤون مؤسسات ويسنون قوانين لا جذور لها في الإسلام. أضف إلى ذلك أنهم آمنوا بأن

ص: 290

الرابطة الوطنية أو الجنسية هي أساس القانون الإسلامي، فهدموا بذلك الأساس الخلقي للمجتمع (53). على أن فريقًا وسطًا قام بين الطرفين هو «حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل، الجامع بين الاستقلال في فهم فقه الدين وحكم الشرع الإسلامي وكنه الحضارة الأوروبية» (54). هذا الحزب الذي يقبل بالتغييرات الضرورية على أن يربطها بمبادئ صالحة، ويوفق، بتعبير آخر، بين التغيير من جهة، وصيانة أساس الأمة الخلقي من جهة أخرى. لكن قيام مثل هذا الفريق غير ممكن إلا إذا كان قويًا، أي إذا كان متحدًا. والاتحاد سهل في عالمنا الحديث أكثر منه في أي يوم مضى، وما ذلك إلا لتحسين المواصلات التي تمكن أصحاب الآراء المتشابهة من التلاقي. حتى أن الإجماع الحقيقي أصبح اليوم ممكنًا، إذ غدا من الممكن، للمرة الأولى، أن يجتمع جميع علماء العصر في مكان واحد (55).

وماذا يمكن عمله فيما لو تحقق هذان الشرطان؟ كان رشيد رضا يعتقد أن هناك سبل عدة لإقامة «خلافة الضرورة» المؤقتة، كأن يبايع حكام الجزيرة العربية خليفة من بينهم، وعلى وجه التفضيل، إمام اليمن الذي كان حائزًا على معظم الخصائص المطلوبة؛ أو أن تأخذ مصر المبادرة في تعيين الخليفة، إذ أن البلدان العربية الأخرى ميالة إلى السير وراء القاهرة؛ أو أن يقتنع الأتراك بضرورة الاستعاضة عن خلافتهم الوهمية بخلافة أكثر جدية. ثم إن تعيين مركز الخلافة أمر مهم كيفما كانت طريقة إقامتها. فيرى رشيد رضا أن هذا المركز لا يمكن أن يكون في الحجاز، لأن حاكمها خاضع لحكم أجنبي من جهة، ولسبب أخلاق الملك وعائلته من جهة أخرى (وسنعود إلى هذا فيما بعد)؛ ومن الصعب أيضًا أن يكون في تركيا، لسبب موقف الحكومة من الخليفة ومن اللغة العربية. لكنه من الممكن أن يكون في مركز وسط كالموصل على الحدود بين الأتراك والعرب والأكراد (56). (كان مصير

ص: 291

الموصل لم يقرر بعد آنذاك، إذ كانت تركيا تطالب بها مع أنها كانت تعتبر إداريًا جزءًا من العراق).

هذه هي الخطوة الأولى. أما الثانية، فعلى حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل أن ينشئ مدرسة عالية لتخريج المرشحين للإمامة العظمى وللاجتهاد الشرعي بعد دراسة أصول القوانين الدولية، وخلاصة تاريخ الأمم، وسنن الاجتماع، ونظم المؤسسات الدينية كالبابوية. وبكلمة، جميع المسائل الضرورية لتطبيق الإسلام على العالم الحديث تطبيقًا صحيحًا. وهكذا تتشكل هيئة جديدة من العلماء تصون جوهر الشريعة ووحدة الأمة. لكنها قد تحقق أكثر من ذلك، إذ سيكون فيها عرب من سلالة قريش. ومن يدري، فقد ينتخب أحدهم، عندما يحين الزمن، من قبل ناخبي جميع البلدان الإسلامية، وتعقد له البيعة من قبل أهل الحل والعقد، فيكون الخليفة الحق الذي سيبني من جديد ذلك الحكم الإسلامي الأصيل الذي هو أفضل حكم على الإطلاق.

لم يكن رشيد رضا ليشك بأن هذا الحكم هو الأفضل بالنسبة للمسلمين، لكنه هل هو الأفضل أيضًا بالنسبة للمسيحيين واليهود العائشين في البلدان الإسلامية؟ على هذا يجيب بالإيجاب أيضًا. فهو يقول بأن وضع الأقليات في دولة إسلامية يكون أفضل منه في دولة علمانية، إذ أن الدولة الإسلامية تكون قائمة على العدل وعلى الشريعة التي منحت المسيحيين واليهود حقوقهم وحريتهم، بينما تكون الدولة العلمانية قائمة على العصبية الطبيعية الصرف التي لا تصلح أساسًا للنظام الخلقي. فالعدل يوحد، بينما التعصب يفرق. والبغض بين الذين ليس لهم ما يعبدونه سوى جماعاتهم لأسوأ من البغض بين أصحاب أديان مختلفة. وإذا كانت قد حدثت اضطهادات في الشرق الأدنى، فذلك مرده إلى انحطاط الإسلام، كما أثبتت موجة البغض التي حركتها ثورة «تركيا الفتاة» العلمانية في 1908 (57).

ص: 292