الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الحادي عشر
القومية العربية
الاعتقاد أن الناطقين بالضاد يشكلون أمة، وأن هذه الأمة يجب أن تكون مستقلة ومتحدة، لم يتضح ويكتسب قوة سياسية إلا في القرن الحالي. لكننا نجد، إذا ما توغلنا بعيدًا في الماضي، أن العرب كانوا دومًا يحسون إحساسًا فريدًا ويعتزون اعتزازًا خاصًا بلغتهم، وأنه كان لهم، قبل الإسلام، إحساس «عرقي» ، أي نوع من الشعور بأن هناك، وراء منازعات القبائل والعائلات، وحدة تضم جميع الناطقين بالضاد المتحدرين من القبائل العربية. فكانت لكل قبيلة «شجرة عائلية» مشتركة، معروفة ومقبولة لدى الجميع، ولا فرق بالنسبة إلى موضوعنا هنا، أكانت حقيقية أم وهمية. وبعد ظهور الإسلام وانتشاره مع اللغة العربية خارج الجزيرة، أصبحت هذه «العائلة» تضم الكثيرين من المتحدرين من أصول شتى، دون أن تتنكر للذين كانوا، كالغساسنة، من أصل عربي ولكنهم لم يعتنقوا الدين الجديد.
وكان للعرب نصيب خاص من تاريخ الإسلام، لا بل من جوهر تكوينه. فالقرآن كان عربيًا، والنبي كان عربيًا، ودعوته الأولى كانت موجهة إلى العرب، وكان العرب «مادة الإسلام» ، أي الآلة البشرية التي بواسطتها انتشر الدين وسلطانه، كما أصبحت اللغة العربية، وبقيت، لغة العبادة والفقه والشرع. ومع أن التمييز الحاد، الذي كان قائمًا في البدء بين الطبقة العربية الحاكمة وبين المهتدين الجدد، تضاءل فيما بعد، فإن الشعور بالفارق العرقي ظل
مستمرًا بالواقع، وراح يتجلى، لا في المجادلات الأدبية حول الشعوبية فحسب، بل أيضًا في الصراع من أجل السلطة الكامن وراءها. وعندما انتقلت السلطة، آخر الأمر إلى الأتراك والجماعات المنتسبة إليهم وغدت اللغة التركية لغة الحكم، احتفظت اللغة العربية بمركزها الممتاز كلغة الثقافة الدينية والشرع، أو بتعبير آخر، لغة الدولة التي كانت من الوجهة الدينية عماد الشريعة، فكانت بذلك الوسيلة التي بواسطتها استمر العرب يقومون بدورهم في شؤون المجتمع العامة.
ولما تفككت الإمبراطورية، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اتسم التطور الطبيعي، كما حدث غالبًا في التاريخ، ببعض الملامح القومية: فقد تزعم الشعور الإقليمي وحركة المقاومة في ولايات الإمبراطورية زعماء من الأسر الدينية في المدن الكبرى، تلك الأسر التي استطاعت، بفضل النظام الديني، أن تحافظ على ثروتها ومركزها الاجتماعي وأن تشغل مراكز دينية محلية كانت تربطها بالزعماء الدينيين في جميع أنحاء الإمبراطورية، وتكسبها، في الغالب، الوضع الممتاز الذي كان يتمتع به الأشراف المتحدرون من صلب النبي. وكانت هذه العائلات تدخر علوم اللغة العربية وتتوارثها من جيل إلى جيل كوسيلة ضرورية لعلوم الدين. وكان الاعتزاز بالأصل العربي، أو غالبًا بالتحدر من صلب النبي أو من صلب أحد أبطال الإسلام الأولين، يمتزج لدى هذه العائلات بالافتخار بما فعله العرب في سبيل الإسلام، مما كان من شأنه أن يعزز شعورها بالمسؤولية نحو الجماعة وماضيها، ذلك الشعور الذي تميز به دومًا أهل السنة والجماعة. وعلى هذا، يمكن اعتبارها، بمعنى من المعاني، لسان حال الوعي «العربي» . ومن جهة أخرى، كانت المملكة الوهابية في الجزيرة عربية، وذلك لا لكونها قامت عرضًا في منطقة عربية اللسان فحسب، بل لأنها كانت أيضًا، بدعوتها المسلمين إلى العودة إلى نقاوة الإسلام الأولى، تحيي في أذهانهم ذكرى
العهد العربي في تاريخ الأمة الإسلامية. وكانت أيضًا إمبراطورية محمد علي القصيرة العمر عربية بفضل الجغرافيا: فالتوسع المصري كان لا بد له في البدء أن يكون توسعًا في البلدان العربية. لكن هل كانت عربية بمعنى آخر، وهل توخى محمد علي إنشاء مملكة عربية؟ لم يكن هناك، لا في أقواله ولا في سياسته، ما يدل على ذلك؛ لكننا نجد بعض ما يشير إلى ذلك في أقوال ابنه ومساعدة الأكبر إبراهيم باشا. فهو يقول:«أنا لست تركيًا. فقد أتيت إلى مصر عندما كنت فتيًا، ومنذ ذلك الوقت غيرت شمس مصر دمي وجعلته عربيًا خالصًا» . وقد استشهد الكثيرون بهذه العبارة التي قالها إبراهيم باشا إلى زائر فرنسي، كما استشهدوا بتعليق هذا الزائر عليها إذ قال أن هدف إبراهيم إنما كان تأسيس دولة عربية خالصة يعيد بها «للعنصر العربي قوميته ووجوده السياسي» (1). وفي ذلك الوقت عينه، كتب إبراهيم إلى والده كتابًا يكاد ينم عن المعنى نفسه، يقول فيه إن الحرب مع الأتراك كانت حربًا وطنية وعنصرية، وأن على الإنسان أن يضحي بحياته في سبيل أمته (2). لكنه ليس واضحًا لدينا ما الذي عناه بهذا القول، وما إذا كان يعبر به عن أكثر من حالة فكرية عابرة.
غير أن بعض المظاهر تدل على أن الشعور بالفرق بين الأتراك والعرب كان، بتأثير من هذه الحركات وربما أيضًا بتأثير من انتشار القومية بين رعايا الإمبراطورية البلقانيين، آخذًا في النمو خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكن القومية العربية الصريحة، كحركة لها أهميتها وأهدافها السياسية، لم تظهر إلا حوالي آخر القرن التاسع عشر. فحتى ذلك التاريخ، كانت مصالح العرب العثمانيين ونشاطاتهم السياسية موزعة بين الحركات العامة المتصارعة داخل الإمبراطورية بشكل سافر أولًا ثم بشكل خفي طيلة عهد عبد الحميد. فمن جانب، وقف السلطان يؤيده ليس من كانت مصلحتهم تقضي بالإبقاء على النظام القائم فحسب، بل أيضًا من كانوا يعتقدون أنه لا
يمكن المحافظة على وحدة الإمبراطورية إلا بقوة السلطان وسيطرة العنصر الإسلامي، وأنه لا يصون ما تبقى من وحدة الإسلام واستقلاله إلا الإمبراطورية. وهكذا كان بين مستشاري السلطان ومؤيديه الأقربين عرب أمثال أبو الهدى، المنفذ لسياسته الدينية، وعزت باشا، كاتم أسراره ومدبر أموره السياسية، كما كانت أكثرية العرب، على الأرجح، وبالأخص في الولايات السورية، غير مستاءة من حكمه، وذلك لاعتبارات دينية من جهة، وبسبب المكاسب المادية التي كانت الولايات السورية تحصل عليها من انتشار المدارس وتمديد الخطوط الحديدية، من جهة أخرى. لكن كان هنالك من يعتقد أنه لا يمكن المحافظة على الإمبراطورية إلا بتحويلها إلى ملكية دستورية، يتمتع فيها بحقوق متساوية المسلمون وغير المسلمين والأتراك وغير الأتراك. وقد ظهرت هذه الفكرة أولًا لدى «الشباب العثمانيين» في باريس ولندن، ولدى رجال الدولة المصلحين الذين قاموا بانقلاب 1875 بقيادة مدحت باشا، واضعين بذلك موضع التنفيذ أول تجربة دستورية (3). لكن بعد إخفاق هذه التجربة وعودة السلطان إلى الحكم الشخصي، انهارت المقاومة المنظمة وأخذ الاستياء يعمل في الخفاء، وباستثناء حزب «الاتحاد والترقي» القصير العمر، المؤسس في 1889 على يد طلاب في المدارس الحربية والمنحل عمليًا في 1896، لم يبق من مقاومة ملحوظة، إلا تلك التي أبقاها حية وعبر عنها فريق صغير من المنفيين في باريس وأمكنة أخرى في أوروبا. فقد أصدر هؤلاء، بقيادة أحمد رضا الذي انضم إليه في 1899 أحد أصهرة السلطان داماد محمود باشا وولداه صباح الدين ولطف الله، مجلات بالتركية والفرنسية، ونظموا مؤتمري «العثمانيين الأحرار» ، المنعقدين الأول في 1902 والثاني في 1907 لتنسيق المقاومة ضد حكم السلطان الأوتوقراطي.
وقد ساهم في هذه الحركة العرب أيضًا، لكن المسيحيين السوريين منهم أكثر من المسلمين. ويبدو أنه كان هناك، منذ بدء
الستينيات، بعض الاتصالات بين صحفيي بيروت ورجال الدولة المصلحين في إسطنبول، قد يكون ساعد على قيامها وجود أحمد فارس الشدياق في العاصمة، أو إقامة فؤاد باشا في سوريا، حين جاءها كمفوض عثماني خاص للتحقيق في حوادث 1860. وكانت حرية التعبير عن الرأي في الستينيات والسبعينيات واسعة نسبيًا، فكانت الصحف العربية في بيروت تعبر عن آراء شبيهة بآراء حزب «تركيا الفتاة» ومدحت باشا، مع الفارق أنها كانت تتسم بطابع العلمانية الذي اتصف به الكتاب المسيحيون. من أمثال تلك المنشورات مجلة «الجنان» التي أسسها بطرس البستاني في 1860 وأدار شؤونها هو وعائلته مدة ست عشرة سنة. ففيها نقرأ أن الشرق كان مزدهرًا ومتمدنًا في الماضي، ثم فقد ما كان عليه بسبب الحكم الفاسد، وأنه ليس من علاج لذلك إلا الحكم الصالح الذي لا يمكن أن يقوم إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وفرض ضرائب نظامية، وإجراء أشغال عامة مفيدة، وجعل التعليم إجباريًا، وقبل كل شيء، إقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلفة، وتقوية الشعور الوطني الموحد بين جميع المواطنين العثمانيين (4).
عندما انعقد أول برلمان عثماني في 1877، نقلت «الجنان» مناقشاته الأولى ونشرت خبرًا عن جريدة التايمس ينبئ عن ظهور حزب معارض (5). لكن لم يمض زمن طويل حتى اختفت الأخبار عن صفحات المجلة. ولم يكن ذلك عرضًا، بل كان دلالة باكرة على أن السلطان قد استعاد القبض على زمام الحكم وقمع نشاط المعارضة، مما أنهى حياة المجلة نفسها في 1866، ونقل مركز الصحافة اللبنانية من بيروت إلى القاهرة. لكن أفكار السبعينيات لم تندرس. فمدحت باشا، وقد قضى عدة أشهر حاكمًا لدمشق في 1879، أي بعد إخفاق حركة الدستوريين وقبل أن يسجنه عبد الحميد وينفيه ثم يهلكه، أنشأ بينه وبين صحفيي بيروت
صلات تركت فيهم تأثيرًا دائمًا. فترجم واحد منهم، وهو خليل الخوري؛ مقالته عن ماضي الإمبراطورية وحاضرها ومستقبلها إلى العربية، كما لعب آخر فيما بعد، وهو سليمان البستاني ابن عم بطرس، دورًا في السياسة العثمانية بعد إعادة الدستور في 1809. وقد اكتسب سليمان البستاني شهرة خاصة كمترجم للإلياذة إلى العربية، بعد أن درس اليونانية لهذا الغرض. ولعله كان أول كاتب عربي قام بدراسة جدية للشعر اليوناني وفلسفة الشعر. لكن أحد مؤلفاته الأخرى كان أقرب إلى موضوعنا، وهو «عبرة وذكرى» ، أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده، الذي صدر فورًا بعد ثورة 1908. ففي هذا الكتاب، كما يدل عنوانه، وصف لما كانت عليه الإمبراطورية في عهد عبد الحميد، وبرنامج عمل أيضًا، منطلقة القومية العثمانية وبطله مدحت باشا الذي قدم الكتاب إليه إحياء لذكراه. يقول المؤلف أن هناك أمة عثمانية تضم مختلف الشعوب والطوائف الدينية في الإمبراطورية، لكن مع بعض الأولوية فيها للأتراك والمسلمين. كانت هذه الأمة، قبل عبد الحميد، تسير قدمًا في طريق التمدن والتفاهم الديني، وبإمكانها الآن أن تتقدم من جديد. لكن الشرط الأول لتقدمها إنما هو زوال التعصب الديني والعرقي الأعمى وإنماء الروح القومية.
وقد استمر الكتاب اللبنانيون والسوريون، وهم بمأمن من بوليس عبد الحميد، على نشر الأفكار الدستورية علنًا، حتى قبل ثورة 1908. وكانت الجريدتان اللبنانيتان في القاهرة، أي المقطم والأهرام، تهاجمان السلطان بلا ملل. وكان خليل غانم، المقيم في باريس بعد حل برلمان 1878، يكتب ويؤلف. وهو أحد زعماء جماعة «تركيا الفتاة» الصغيرة التي أبقت على الأفكار الليبرالية حية طيلة أعوام التضعضع، وأحد النواب الموارنة عن بيروت في برلمان 1878. من مؤلفاته كتاب عن السلاطين العثمانيين يوضح لنا ماهية تفكيره: كان ما أهلك «الأمة العثمانية» ، في نظره، أمران:
الأول، الاستبداد الذي «يطيح بالعواطف في أعماق النفس، ويفسد الروح ويقضي على معنى الانصاف ومفهوم العدل الدقيق عند الإنسان ويشوش أحكامه ويجعل من أناس قد يبرزون بذكائهم أو بطيبة قلبهم أشرارًا وحمقى» (6)؛ والثاني، الإسلام الذي، بعد أن كان في البدء متسامحًا، ما لبث أن أصبح مستبدًا، إن في أيام الخلفاء العرب الذين كانوا «تحت ستار مظهرهم المتدروش على استبداد مقيت» ، وإن على أيام الأتراك الذين درجوا على عدم التساهل أثناء صراعهم الطويل مع المسيحية. أما العلاج فكان، في نظره، العودة إلى دستور 1876 ومراقبة تربية الأمراء ومحيطهم الخلقي مراقبة دقيقة (7).
لقد كان خليل غانم لا عروبيًا قبل كل شيء. فروح الاضطهاد تميز، في نظره، جميع الشعوب الإسلامية، لكنها تميز العرب على الأخص (8). قد يكون موقفه هذا متأثرًا بمارونيته أو نتيجة لذوبانه التام في حركة الإصلاح العثماني؛ غير أن مثل هذا الذوبان كان نادرًا، إذ كانت النعرات والمشاعر الوطنية قليلًا ما تختفي تحت سطح الوحدة العثمانية. فقد كان هناك اختلاف في المواقف في صميم حركة «تركيا الفتاة» في المنفى. فأحمد رضا ورفاقه كانوا قوميين أتراكًا قبل كل شيء، يدافعون عن استمرار سيطرة العنصر التركي في الدولة حتى في حالة إعادة الدستور؛ بينما كان الأمير صباح الدين وعصبة اللامركزية الإدارية التي كان يتزعمها، يطالبان بمساواة تامة بين الأجناس والأديان، وبحكم ذاتي واسع للولايات. وكان هذا الانقسام مهمًا، لأنه كان يخفي انقسامًا في الرأي حول علاقات الدولة العثمانية بالشعوب الخاضعة لها. فكان صباح الدين يعتقد أن الشعوب، لو ترك لها الخيار، لاختارت الولاء للإمبراطورية، بينما كان أحمد رضا يعتقد أنها سوف تستفيد من حرية الخيار هذه لتحقق استقلالها. ومن الصعب الشك في صحة نظرة أحمد رضا. فما جرى في مؤتمري الأحرار العثمانيين يبدو مؤيدًا لذلك. فقد كان جميع
المشتركين في المؤتمرين متفقين على أمر واحد لا غير: التخلص من استبداد عبد الحميد. أما في ما عدا ذلك، فقد كان الأتراك يريدون دولة دستورية موحدة، بينما كان الأرمن لا يريدون ذلك، لأنهم لم يكونوا يرغبون في منح الإمبراطورية فرصة جديدة للاستمرار في الحياة. وقد أعلنوا، في البيان النهائي الصادر عن مؤتمر 1902، عدم مشاركتهم سائر الأعضاء في الرغبة في تحويل النظام القائم إلى نظام دستوري، بدعوى أن هذا التحويل «ليس مناسبًا لا بل هو مخالف لمصلحتهم» (9). كذلك كان الأتراك يشكون في الحكمة من دعوة الدول الأوروبية لمساعدتهم على قلب النظام، إذ كانوا يتخوفون من أن يؤدي ذلك إلى إقامة حماية أجنبية على البلاد، بينما كان المسيحيون لا يعارضون كثيرًا الحماية الأجنبية المسترة أو الظاهرة، إذ كانوا يأملون أن تؤدي إلى الإصلاح.
كان الأرمن المؤيدون لتركيا الفتاة أرمنًا قوميين قبل كل شيء، كما كان العرب سائرين على الطريق التي تؤدي بهم إلى القومية العربية. وقد يكون العامل الأكبر الذي دفع بالعرب في هذا الاتجاه مطالبة الأتراك بالخلافة رسميًا، حوالي منتصف القرن التاسع عشر. وهناك أدلة تشير إلى أن هذه المطالبة كانت تلاقي، في كل مرة ظهرت فيها، موقفًا سلبيًا لدى العرب الذين ورثوا تراث الثقافة الإسلامية. إذ كانوا قد تعلموا من السلف العقيدة الصحيحة في الخلافة، هذه العقيدة المتصلة جوهريًا باعتزازهم بما قام به العرب في سبيل الإسلام. كان من الممكن أن يقبلوا بالسلطان سلطان، أي كحام ضروري للإسلام، لكن لم يكن بإمكانهم القبول بأكثر من ذلك. وقد أجاد في وصف موقفهم المزدوج هذا مراقب عاش في القدس في الخمسينيات والستينيات وكان له اتصال قوي بهذه الفئة من العرب، حين قال إن هؤلاء العرب لا يمكنهم أن يفهموا كيف يكون سلطان الأتراك الأغراب القادمين من بلاد التتر خليفة للنبي العربي القرشي محمد، وكيف تكون له سلطته لتنصيب شريف مكة وإقالته. وهم
يعبرون بأساليب شتى عن استنكارهم لمطلب العثمانيين في الخلافة، منها طريقة لفظهم للقب «خان» الذي يحمله السلطان بحيث يبدو كأنه من مشتقات فعل «خان» إذ يقولون «عبد الحميد الخاين» (10) إنهم يمقتون الأتراك ويكرهونهم منذ الفتح العثماني لبلاد العرب. ويعود هذا العداء إلى الفرق في الجنس وإلى ذكريات الفتح المتوارثة. إلا أن ولاءهم للإسلام هو من القوة بحيث يقضي في قلوبهم على أي شعور آخر. فالسلطان في نظر العرب المثقفين خليفة بواقع الحال لا بل خليفة شرعي. لذلك يعترفون به ويطيعونه قيامًا منهم بواجب ديني (11).
لقد وضع صاحب هذا القول كتابه بين عامي 1870 و 1872، حين كانت الدعاية للخلافة لم تكد تبدأ بعد. لكن الشكوك العربية أخذت تزداد بازدياد تلك الدعاية، حتى أن العرب الذين كانوا في خدمة عبد الحميد لم يؤمنوا بأن السلاطين هم خلفاء حقًا، أو أن عبد الحميد نفسه هو الرجل الذي سينقذ الإسلام. وكان أبو الهدى يدافع في بعض الأحيان عن الخلافة العربية لتخويف سيده على الأقل، إن لم يكن لأسباب أخرى (12). وقد قال ابن أحمد فارس الشدياق (وكان على الأرجح يعكس أفكار أبيه) إلى زائر إنكليزي في 1884 أن عبد الحميد، وإن كان ذا نوايا حسنة ولطيفًا نحوه شخصيًا، إنما يجهل أحوال العالم. وإنه بالحقيقة «مجنون» (13). كما قال له أن الدولة التركية بكاملها في دور الاحتضار وأن الخلافة ستعود يومًا إلى الجزيرة العربية (14). وإذا كانت مثل هذه الأفكار تظهر حتى في معسكر السلطان، فإنها كانت ولا شك أكثر بروزًا لدى دعاة التجديد من المسلمين. فقد كان بينهم وبين المسلمين أمثال أبو الهدى فارق يتعدى التباين في الشخصيات، بل حتى في الآراء السياسية. إذ أنه كان فارقًا في كامل مفهومهم للإسلام. فأبو الهدى كان من مؤيدي الإسلام كما وصل إليه بتقاليده وتعاليمه الصوفية وزعامته التركية. فالأمة «لا تجمع على خطأ» ، وإذا كانت قد اتخذت آخر الأمر شكلها
الحالي، فيجب أن يكون مقبولًا على ما هو. أما دعاة التجديد، فكانوا يريدون خوض نهر التطور صعدًا إلى النقطة التي عندها بدأ الضلال، ومنها صعدًا أيضًا حتى الالتقاء بالإسلام الأول كما كانوا يتصورونه. إذ ذاك يتضح أن لا أهمية لعظمة السلطان البارزة اليوم، إذا ما نظر إليها على ضوء الحقيقة، وهي أن العرب كانوا في عصور الإسلام الذهبية رأس الأمة وقلبها. وهكذا كانت العودة إلى نقاوة الإسلام الأولى تعني لهم بالواقع تحويل مركز الثقل من الأتراك إلى العرب. فإذا كان لا بد من خليفة على الإطلاق، فلا يجوز أن يكون إلا خليفة عربيًا.
في كتاب بلنط، «مستقبل الإسلام» ، ما يشير إلى شيوع مثل هذه الآراء في أوائل الثمانينيات. فهو يشكل، كما رأينا (15)، دفاعًا عن فتح باب الاجتهاد من جديد، وإعادة بناء الخلافة الصحيحة، لتكون هي السلطة العليا التي منها يستمد الإصلاح العقائدي شرعيته. لكن الكتاب يصرح بأن السلطان العثماني لا يمكنه أن يكون خليفة من هذا النوع. فهو لا يملك حقًا شرعيًا في الخلافة، كما أن التقليد العثماني بكامله يتنافى مع فتح باب الاجتهاد. وعلى كل، فإن مستقبل الإمبراطورية غامض. وليس من المستبعد أن تبتلعها روسيا والنمسا، فيتخلى الأتراك، إذ ذاك، عن الإسلام. لذلك فإن الإصلاح متوقف على العرب، وبالأخص على العلماء منهم الذين يحتلون قلب العالم العربي. فهؤلاء هم أجدر الناس بممارسة الاجتهاد. غير أنه لا يمكنهم القيام بذلك بحرية، إلا إذا عادت الخلافة إلى العرب. فإذا ما انهارت الإمبراطورية نهائيًا، فقد ينعقد مجلس من العلماء في مكة لاختيار خليفة عربي، ويكون بالأرجح من أشراف مكة. إذ ذاك تصبح مكة أو المدينة «دولته البابوية» . على أنه من الممكن أيضًا أن تكون القاهرة مقرًا للخلافة، فيرضى الجميع، ما عدا الأتراك، بخليفة عربي يصلح بين جميع الفرق والشيع ويرفع عن كاهل الإسلام عبء الجمود التركي.
ويقول بلنط ما يفهم منه أن محمد عبده كان يأخذ بهذه الآراء. لكن من حقنا الشك في صحة هذا القول أو، على الأقل، التساؤل بصدده. فلو كان محمد عبده، بالفعل، قد تبنى مثل هذه الأفكار في مرحلة من حياته، فهل كانت تعبر بالحقيقة عن اعتقاده الناضج؟ صحيح أنه كان يرفض دعوى السلطان التركي للخلافة. فقد قال، في مناسبة لاحقة، إن دعوى العثمانيين هذه لم تكن إلا لمصلحتهم لا لمصلحة الإسلام، وأن الذين كانوا يقومون بالدعاية لها لا يفقهون حقيقة الخلافة. لكنه أخذ، بمرور الزمن وازدياد الضغط الأوروبي، يقدر أكثر فأكثر قيمة السلطنة بالنسبة إلى الإسلام وخطر زوالها عليه. فقد قال لرشيد رضا، في 1897، إن العرب، إذا حاولوا الانفصال عن السلطنة، فمن الممكن أن تتدخل أوروبا وتخضعهم وتخضع الأتراك معهم. فالسلطنة العثمانية كانت، مع كل نقائصها، الشيء الوحيد الباقي من استقلال الأمة السياسي. فإذا اضمحلت، خسر المسلمون كل شيء وغدوا بلا قوة كاليهود (16).
إن هذا الحذر نفسه، الذي لمسناه في موقف أعيان القدس كما وصفه لنا «فين» ، قد ظهر فيما بعد في موقف رشيد رضا، تلميذ محمد عبده. لكن هذا لا يسمح لنا بالاستنتاج أن بلنط نسب إلى غيره آراء كان هو يدين بها. فمن الممكن جدًا أن يكون بعض العلماء في سوريا والحجاز قد قالوا بهذه الآراء عندما وضع كتابه، مع العلم بأن هذه الأفكار انتشرت في الربع اللاحق من القرن انتشارًا واسعًا، وذلك لعدة أسباب. منها ما عرف عن السلطان من عجز عن الدفاع عن الإسلام ضد أعدائه، ناهيك بقيام مختلف الفئات ذات المصلحة في إعداد العقول لقبول فكرة نقل الخلافة إلى العرب. وقد كان شريف مكة مرشحًا لها، بوصفه الحاكم المباشر للأماكن المقدسة وسليل أسرة متحدرة من صلب النبي. إن هذه الحقبة لا تزال غامضة، ومن الضروري التحدث عنها بحذر. وليس من المستبعد، وفقًا لظواهر الأمور، أن بعض الموظفين البريطانيين في الشرق الأدنى
كانوا يأملون بأن يجعلوا من شريف مكة، في حالة وقوع السلطنة العثمانية الضعيفة تحت نفوذ دول غير صديقة، حليفًا لهم. ويبدو أيضًا أن بعض أعضاء البيت الحاكم في مصر قد منوا النفس، منذ وقت يصعب تحديده، بتنصيب شريف مكة خليفة يكون من الناحية الزمنية تحت حماية سلطان مصري. وفي ذلك يقول بلنط، مثلًا، إن الآراء في الخلافة التي شرحها في «مستقبل الإسلام» قد سمعها أولًا من رجلين: الأول سفير العجم، ملكوم خان (وهو مسيحي أصلًا)، والثاني صحفي مسيحي هو لويس صابونجي الذي أسس جريدة عربية اسمها «النحلة» في لندن عام 1877 وأصدرها لعدة سنوات. ويبدو أن الصابونجي، مع كونه كاهنًا كاثوليكيًا، كان يعطف في ذلك الوقت على الإسلام أشد من عطفه على دينه؛ فقد دعا في جريدته إلى الإصلاح الديني بلهجة العربي القومي (17)، وهاجم عبد الحميد واصفًا إياه «بمغتصب لقب الخليفة» (18). ويقول بلنط إن «سرًا كان يحوم حول تمويل هذه الجريدة الصغيرة
…
وقد تجمعت لدي أدلة تحملني على الاعتقاد أن الأموال التي كانت تغذيها
…
كانت تأتي جزئيًا على الأقل من الخديوي إسماعيل» (19). إن ما يرجح صحة هذا القول هو أن إسماعيل كان يتظلم من عبد الحميد الذي أقاله بضغط من الدول؛ وأن جريدة عربية أخرى صدرت في 1879 برسالة مماثلة في نابولي وبعنوان «الخلافة» ، كان رئيس تحريرها أديب مصري في خدمة إسماعيل، وغايتها مهاجمة دعوى السلطان العثماني للخلافة والدفاع عن دعوى الخديوي بها؛ كما أن إنكليزيًا غريب الأطوار، اسمه مارمديوك بكتهول، قد روى أنه لاحظ، إذ كان يجوب فلسطين من أقصاها إلى أقصاها في التسعينيات، أن مبعوثين من قبل الخديوي عباس حلمي كانوا يبشرون سرًا بعقيدة الخلافة العربية. إن فكرة إمبراطورية عربية يكون الخديوي رئيسها الزمني والشريف رئيسها الروحي كانت لا تزال تستهوي المتقدمين في العمر الذين كانوا لا يزالون يتذكرون
حكم محمد علي «ودعوة ابنه إبراهيم إلى إمبراطورية عربية» (20).
ولعله كان بتشجيع ما، من أحد المصادر، أن أخذ أشراف مكة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يدعون أنهم أحفاد النبي الخلص، وحراس الإيمان؛ وبمعنى ما، زعماء العالم الإسلامي الروحيون، مع أنه لم يكن لديهم أي أساس ثابت يقيمون عليه هذا الادعاء. لقد كانوا ولا شك يتمتعون ببعض الاحترام كحكام الأماكن المقدسة؛ لكن لم يكن لهم أفضلية دينية بأي معنى من المعاني. وقد وصفهم عالم هولندي مطلع، عاش مدة في مكة، بأنهم أقرب إلى «نبلاء قطاع الطرق» في القرون الوسطى منهم إلى رجال الدين (21). كان حكمهم للأماكن المقدسة حكمًا ضعيفًا، لا يمتد بعيدًا إلى ما حولها بصورة مستمرة. واستقلالهم استقلالًا واهيًا يقتنصونه بإقامة توازن بين إسطنبول والقاهرة، إلى أن ساءت أحوالهم، أولًا بعد الفتح الوهابي، ثم بعد الاحتلال المصري للحجاز. ولما عاد الأتراك إلى الحجاز في 1847، فرضوا عليهم السلطة ذاتها التي كان قد فرضها عليهم محمد علي، لا بل جعلوها أشد إحكامًا، حتى غدوا، في 1880، غير قادرين على مقاومة موظفي السلطان بالقوة، خصوصًا بعد أن أصبح السلطان هو الذي يختارهم ويعينهم. وهذا ما حملهم على السعي لوضع حد لهذه الحالة، والتطلع في سبيل ذلك إلى تأييد قد يأتيهم من الخديوي، أو من الزعماء الدينيين في إسطنبول، أو من عطف العالم الإسلامي العام.
لقد وجدت التيارات الفكرية التي لمحنا إليها تعبيرًا لها في كتابين وضعهما أحد أبناء تلك العائلات الراسخة في العلم من الولايات العربية التي كانت تلك التيارات منتشرة فيها، هو عبد الرحمن الكواكبي (1849 - 1903). نشأ الكواكبي في كنف عائلة حلبية من أصل كردي، وتلقى تربية عربية وتركية من الطراز القديم في مسقط رأسه. ثم عمل هناك موظفًا وصحفيًا، إلى أن جلب عليه نقمة السلطات التركية، ففضل الرحيل إلى القاهرة
في 1898، جاعلًا من هذه المدينة مقره في السنوات الأخيرة من حياته. وهناك كتب مقالات في مجلة «المنار» ومجلات أخرى، وتردد على مجالس محمد عبده. ثم سافر إلى الجزيرة العربية وشرقي أفريقيا، ووضع كتابين:«طبائع الاستبداد» ، و «أم القرى» ، وهو أحد أسماء مكة المكرمة. لم يكن هذان الكتابان، إجمالًا، على شيء من الابتكار. فآراؤه العامة في الإسلام هي آراء حلقة محمد عبده ورشيد رضا. ولعله تأثر بكتاب «مستقبل الإسلام» لبلنط (22)، كما استمد إطار كتابه عن الاستبداد وبعض أفكاره فيه من كتاب ألفياري في الموضوع نفسه. وهو يعترف، في مقدمة كتابه، بأنه اقتبس عن غيره قدرًا معينًا من الأفكار؛ ويبدو أن ذلك كان معروفًا لدى الكثيرين، إذ إن رشيد رضا يشير إلى ذلك في تأبينه له، لكنه ينفيه على أساس أن الصورة التي رسمها الكواكبي عن المجتمع الشرقي كانت من الصدق بحيث لا يكون قد نقلها عن مؤلف غربي (23). وقد أبانت الدراسات الحديثة، وأن بما لا يزال يقبل الشك، أنه استعار شيئًا من كتاب ألفياري كما أظهرت، بالوقت نفسه، إمكان تعرفه إلى هذا الكتاب. فمن الثابت الآن أن شابًا تركيًا ترجم الكتاب إلى اللغة التركية في 1897 ونشره في جنيف؛ ولا يستبعد أن تكون هذه الترجمة قد وصلت إلى حلب أو القاهرة (24). لكن مهما يكن من أمر، فإن مؤلفاته لا تخلو من طابع الابتكار الناجم عن شدة تمسكه بمصالحه ومعتقداته السياسية. فقد كان خصمًا عنيدًا لعبد الحميد في استبداده، ولمستشاره أبي الهدى في آرائه الدينية، ناهيك بما كان بينهما من خصام عائلي. ذلك أن العائلات الدينية في حلب كانت تشك دومًا في ادعاء أبي الهدى، المولود أيضًا في حلب، بأنه من سلالة النبي، وتستاء من استخدام نفوذه في القصر لإسناد نقابة الأشراف في حلب إلى عائلته. وكان الكواكبي، من جهة أخرى، وقد وطد صلته بالخديوي وراح يمتدح سياسة الأسرة المالكة في مصر (25). ولعله قام برحلاته من أجل الخديوي وفي
سبيل بث أفكاره في الخلافة العربية. ولا شك في أن شدة غيرته على هذه القضية هي ما حمله على استخراج بعض مستلزمات تعاليم المصلحين بوضوح كبير، وعلى شرحها شرحًا يوافق فكرة القومية العربية.
ينطلق الكواكبي في آرائه من الفكرة التي ألفناها حتى الآن، وهي فكرة انحطاط الإسلام، ويفسر هذا الانحطاط التفسير المألوف. فيعزوه إلى قيام البدع، ولا سيما الصوفية المتطرفة الغريبة عن روح الإسلام، وإلى التقليد الأعمى ونكران حقوق العقل، والعجز عن التمييز بين الجوهري والعرضي في الدين. لكنة أضاف إلى ذلك شيئًا آخر ذكره الأفغاني ومحمد عبده، وهو أن الحكام المسلمين المتأخرين قد عمدوا إلى تشجيع روح التقليد الأعمى الغاشمة والاستسلام لفكرة الآخرة من أجل تدعيم سلطتهم المطلقة. وقد ألح الكواكبي على هذا العامل المؤدي بحد ذاته إلى الفساد والانحطاط، قائلًا إن الحكام المستبدين لم يكتفوا في عملهم الشرير بتأييد الانحراف عن الدين الصحيح، بل أفسدوا المجتمع بكامله. فالدولة العادلة التي فيها يحقق البشر غايتهم من الوجود هي تلك التي فيها يعيش الفرد حرًا، ويخدم المجتمع بحرية، وتسهر الحكومة على هذه الحرية، وتكون الحكومة نفسها خاضعة لرقابة الشعب. وهذا ما كانت عليه الدولة الإسلامية الحق (26). أما الدولة المستبدة، فنقيض ذلك تمامًا: فهي تتعدى على حقوق المواطنين، وتبقيهم جهلاء كي تبقيهم خانعين، وتنكر عليهم حقهم في القيام بدور فعال في الحياة، فتفصم، آخر الأمر، العلاقة الروحية بين الحكام والمحكومين، كما بين المواطنين أنفسهم، وتشوه كيان الفرد الخلقي بالقضاء على الشجاعة والنزاهة وشعور الانتماء الديني والقومي على السواء (27).
ولتحرير الإسلام من هذه الشرور، يجب إصلاح الشرع وإنشاء نظام شرعي موحد وحديث عن طريق الاجتهاد. ويجب أيضًا قيام تربية دينية صحيحة. لكن هذا وحده لا يكفي، بل أنه من الضروري
تعديل ميزان القوة ضمن الأمة، بنقلها مجددًا من أيدي الأتراك إلى أيدي العرب. فالعرب وحدهم يستطيعون حفظ الإسلام من الفساد، وذلك لمركز الجزيرة العربية في الأمة، ولمكانة اللغة العربية في التفكير الإسلامي. أضف إلى ذلك أن الإسلام العربي قد نجا نسبيًا من المفاسد الحديثة، وأن البدوي بقي بعيدًا عن الانحطاط الخلقي والخنوع الملازمين للاستبداد (28). فيجب إذن إعادة مركز الثقل إلى الجزيرة العربية، بتنصيب خليفة عربي من نسب قريش، يختاره ممثلون عن الأمة، ويكون له سلطة دينية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، على أن يعاونه في ممارسة السلطة مجلس استشاري يعينه الحكام المسلمون، كما يكون له سلطة زمنية في الحجاز، على أن يعاونه فيها مجلس محلي.
وظهرت أيضًا لدى المسيحيين العرب ظلال من «القومية» . فقد كان معظمهم يخوضون داخل طوائفهم حربًا كانت لها مضاعفاتها القومية. فالطوائف التي انضمت إلى روما وتقبلت العقيدة الكاثوليكية بكاملها، كانت، بالرغم من ذلك، حريصة على عاداتها والامتيازات الممنوحة لها من روما، كاحتفاظ البطاركة بسلطتهم، واستعمال اللغة العربية أو السريانية في إقامة الطقوس. وكانوا دومًا يقاومون بشدة كل محاولة يقوم بها المرسلون الكاثوليك الغربيون لحملهم على تبني الطقوس والفرائض الدينية اللاتينية، أو الفاتيكان لفرض رقابته الشديدة أو المباشرة عليهم. أما في الطائفة الأرثوذكسية فالمسألة «القومية» كانت أكثر حدة أيضًا. فقد كان بطريرك القسطنطينية اليوناني لا يزال رئيسًا مدنيًا للكنيسة الأرثوذكسية في الإمبراطورية بكاملها منذ 1453، كما كانت عائلات الفنار اليونانية الكبرى تتمتع، منذ القرن السابع عشر، كما رأينا سابقًا، بنفوذ كبير لدى الحكومة العثمانية. وقد فرض اليونانيون، تدريجيًا، سلطتهم الكهنوتية على الكنيسة جمعاء. فزال البطاركة البلقانيون من الوجود وتعاقب على بطريركية أنطاكية يونانيون على العموم.
وكان بطريركا القدس والإسكندرية من اليونان أيضًا. وإذ كانا يقيمان عادة في القسطنطينية، فقد كانت إدارة شؤون الكنيسة في الأراضي المقدسة ومداخيلها في يد رهبنة قوية متراصة، هي رهبنة القبر المقدس، التي كان جميع أعضائها تقريبًا يونانيين. وكانت الحالة مستقرة نسبيًا في بطريركية الإسكندرية، إذ كان معظم الأرثوذكسيين فيها يونانيين. أما في سوريا، حيث كان معظم الشعب والكهنة من الناطقين بالضاد، فقد ظهرت، حتى ابتداءً من القرن الثامن عشر، علامات الاستياء في صفوفهم، وراحت تتزايد في القرن التاسع عشر. وما ذلك إلا لبروز الشعور بالفوارق الجنسية واللغوية في وعي الشرقيين على العموم، ولاتصال روسيا الوثيق بالأرثوذكسيين داخل الإمبراطورية، وعدم قبولها بالسلطة اليونانية على الكنيسة. وقد تأزمت الحال في أواخر القرن التاسع عشر، إذ حدث تنافس على الكرسي البطريركي في أنطاكية، فأيدت روسيا المرشح العربي ضد المرشح اليوناني، مما حمل الحكومة العثمانية، بضغط من روسيا، على ضمان نجاح المرشح العربي.
وقد اتسم هذا الشعور «القومي» ، في أواخر القرن التاسع عشر، بطابع علماني أيضًا. فدعوة جريدة بطرس البستاني، «الجنان» ، إلى وحدة الوطن العثماني انطوت أيضًا على دعوة خاصة إلى إحياء شعور إقليمي معين. فقد كان البستاني يقول أن الإمبراطورية هي وطننا، لكن بلادنا هي سوريا (29). وإذا كان في هذه العبارة انحراف عن العبارات الواردة في «نفير سوريا» ، فلا يعني ذلك تعديلًا في موقف البستاني الأساسي. لقد كانت الآمال كبيرة، في جو السبعينيات، في الوحدة العثمانية. لكن حرارة شعور البستاني كانت، بالرغم من ذلك، منصبة على وحدة جغرافية أصغر. فهو يمتدح الحكومة العثمانية لإسنادها الوظائف المحلية للوطنيين، كما في بيروت مثلًا، إذ أسندت معظم المناصب في 1870 إلى العرب من أبناء البلاد (30).
وفي 1875، أنشأ بعض الشبان المسيحيين من حلقة البستاني جمعية سرية صغيرة، وعلقوا، بين 1879 و 1880، مناشير على جدران بيروت تدعو أبناء سوريا إلى الاتحاد وتطالب بحكم ذاتي موحد لسوريا ولبنان، وبالاعتراف باللغة العربية كلغة رسمية، وبإزالة القيود عن حرية التعبير والمعرفة (31). ولعل هؤلاء قد اتصلوا بمدحت باشا عندما كان حاكمًا لدمشق، إذ اتهمه خصومه بالسعي لجعل سوريا ذات حكم ذاتي أسوة بمصر، وهي تهمة لا تتناقض مع طموحه أو رغبته في إصلاح الإمبراطورية بمساعدة من أوروبا.
لم تكن هذه الجمعية الصغيرة على أهمية تذكر (32)، لكنها كانت مظهرًا من مظاهر استيقاظ الوعي السياسي لدى المسيحيين السوريين الذين استمدوا ثقافتهم وأفكارهم العامة من مدارس الإرساليات. فلم يخفف ذلك من رغبتهم في التشديد على تعلقهم بشعبهم الخاص، وعلى ضرورة إيجاد مجتمع يستطيعون الانتماء إليه انتماءً تامًا. لأنه لم يكن هناك، بالواقع، مثل هذا المجتمع. إذ بقيت الإمبراطورية، بالرغم من إصلاحات عهد «التنظيمات» ، دولة إسلامية قبل كل شيء. نعم كان بعضهم، كخليل غانم، يقبلون بها، لكن على أمل جعلها دولة إسلامية ليبرالية. أما الآخرون، فقد خرجوا من عوالمهم الطائفية المغلقة ليمنحوا ولاءهم لتلك الأمة التي كانوا يفكرون، لا بل يحملون، بخلقها.
اتخذ هذا الحلم لديهم صورًا مختلفة. منها لبنان مستقل، يكون مركزًا لحياة مسيحية حرة، وتحت حماية دولة أوروبية كاثوليكية. والواقع أن ذلك كان، منذ 1861، أكثر من مجرد حلم. فهذا السنجق المنفصل، القائم بفضل اتفاق دولي، كان ذا حكم ذاتي داخلي وأكثرية مسيحية. لكنه لم يكن، في نظر الذين انصب شعورهم الوطني على لبنان، سوى خطوة في سبيل الاستقلال الحقيقي الذي لا بد من أن يتم يومًا ما بمساعدة أوروبية. هكذا كان يفكر مثلًا بولس نجيم الماروني، الذي وضع كتابًا في القضية
اللبنانية بقلم «مسيو جوبلان» المستعار. فهذا الكتاب يزعم أن سوريا وحدة تاريخية مميزة، كانت وستبقى أبدًا صلة الوصل بين المدنيات المختلفة، المتوسطية منها والسامية. لكن للبنان، في داخلها، وضع خاص. فقد وجدت الأمة اللبنانية، منذ بدء التاريخ، واستطاعت أن تحتفظ بخصائصها تحت جميع حكام سوريا، وأن تتمتع بحكم ذاتي واسع حتى بعد أن غرقت في خضم السلطنة العثمانية. ولا بد لسوريا بكاملها من أن تصبح يومًا ما مستقلة وحرة، وأن يكون لبنان في طليعتها. فهو يتمتع رسميًا بالحكم الذاتي منذ 1861؛ لكن من الضروري أن يكون دستوره أكثر ديموقراطية، وأن تتسع حدوده كي تشمل بيروت وبعض الأقضية، وأن تعمل فرنسا على مساعدته في ذلك (33).
وكان هناك آخرون ممن حركتهم هذه الرؤيا نفسها، لكنهم عبروا عنها تعبيرًا مختلفًا. كانت المعطيات هي ذاتها: جبال لبنان وقراه، وأجراس الكنائس التي تدق بحرية، والبواخر الأوروبية التي تحميهم، وأيدي الأوروبيين التي تساعدهم على الإصلاح، وعهد جديد من السلام والتقدم مع جيرانهم المسلمين. لكن الصورة السياسية التي رسموها كانت ضمن إطار سوريا المستقلة لا لبنان، أي صورة دولة تشمل جميع أجزاء سوريا «الجغرافية» من جبال طوروس إلى صحراء سيناء، وصورة مجتمع يضم مسيحيين ومسلمين، دروزًا ويهودًا، يتعاونون تعاونًا تامًا، بحيث تزول أهمية الأكثرية أو الأقلية. لقد رأينا هذه الفكرة تلوح لبطرس البستاني في 1860 - 1861. وفي 1861 أيضًا، وضع خليل الخوري، أحد الصحفيين العرب الأولين، كتابًا عن «خرائب سوريا» موضوعه الآثار القديمة في البلاد. ومنذ حوالي ذلك الوقت، أخذ اسم سوريا يستعمل على نطاق واسع، محفوفًا بشعور الاعتزاز وإثبات الذات، وذلك بفعل عوامل شبيهة بالتي أدت إلى بروز فكرة مصر. وكانت فكرة سوريا منتشرة بنوع خاص بين متخرجي
مدارس الإرساليات الأميركية. ولعله من السهل معرفة سبب ذلك. إذ كان معظمهم من المسيحيين الأرثوذكس والإنجيليين، وفيما بعد، من المسلمين والدروز. فكان استقلال لبنان يعني لهم سيطرة الموارنة والثقافة الفرنسية وانتشار نفوذ الحكومة الفرنسية، بينما كانت فكرة «سوريا» تبدو لهم كوسيلة للتخلص من وضع الأقلية، دون الوقوع تحت سيطرة أخرى. على أنه كان هناك أيضًا مسيحيون كاثوليك ذوو تربية وميول فرنسية يؤيدون الفكرة السورية. ولعل مرد ذلك، جزئيًا على الأقل، إلى تأثير الأب اليسوعي البلجيكي، هنري لامنس، أحد مؤرخي الإسلام الكبار، الذي درس في الجامعة اليسوعية في بيروت طيلة حياته، وكان شديد الإيمان بكيان اسمه سوريا. وقد ظهر نفوره من الإسلام والقومية العربية بوضوح في كل كتاباته، حيث ميز أشد التمييز بين السوريين والعرب. كذلك ألف مطران بيروت الماروني، يوسف الدبس، تاريخًا واسعًا لسوريا، في ثماني مجلدات، تجلى فيها الالتباس الذي كاد يكون لا واعيًا بين فكرة سوريا وفكرة لبنان. ففي المجلدات الأولى نجد عرضًا لتاريخ سوريا، بمعناها الأعم، يسجل الوقائع التي توالت على البلاد في الأزمنة القديمة والمتوسطة والإسلامية على السواء، معتمدًا في ذلك مؤلفات المؤرخين الأوروبيين. لكنه عندما يصل إلى الأزمنة الحديثة، يتغير في محتواه وفي أسلوبه، فيصبح البحث فيه مقتصرًا أصلًا على تاريخ لبنان وتاريخ الطائفة المارونية بنوع خاص، وتغدو مصادره في معظمها مصادر محلية.
لكن عناصر التفكير لدى جميع هؤلاء الكتاب لم تكن تخلو من عنصر عربي. فقد كانوا يشعرون بصلة اللغة التي يجب أن تجمع بين الذين يختلفون في العقائد الدينية الموروثة، ويعتزون بالثقافة التي تعبر عنها تلك اللغة. من ذلك محاضرة ألقاها بطرس البستاني في 1859 ونوه فيها بكيان اسمه «العرب» وبشيء ينتمي هو إليه اسمه «الثقافة العربية» . وبعد عشرين سنة من ذلك، وفي قصيدة
شهيرة، ناشد إبراهيم اليازجي، ابن ناصيف، العرب أن يتذكروا عظمتهم الماضية وأن يستيقظوا. كما أن الجمعية السرية التي كان هو أحد أعضائها أشادت في بياناتها، خلال عام 1875، «بالعزة العربية» والتي تحرك مشاعر أهل سوريا، ورفضت دعوى السلطان بالخلافة، معتبرة ذلك اغتصابًا لحق عربي. ولعل جرجي زيدان كان أكثر الذين عملوا على إحياء وعي العرب لماضيهم، سواء بتواريخه أو بسلسلة رواياته التاريخية التي نهج فيها نهج الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت ورسم، على غراره أيضًا، لوحة رومنطيقية عن الماضي. ومع ذلك، فقد تردد معظم الكتاب المسيحيين في دفع هذا التفكير إلى نتائجه السياسية، وفي التحدث عن «أمة عربية» ، إذ أنهم تخوفوا من أن تتكشف القومية العربية عن شكل جديد من أشكال التسلط الإسلامي. ولم يكن بإمكانهم إزالة هذا التخوف إلا بإحدى طريقتين. الأولى أن يجاروا الأكثرية، شأن الأقليات أحيانًا، ولو أثار ذلك بعض الالتباس (34)؛ والثانية أن يصبوا في قالب مفهومهم للعروبة محتوى مفهومهم للبنان أو لسوريا، فيحلموا بأمة عربية تكون منفصلة عن أساسها الديني، وتضم، بدون أي وجه من وجوه التفريق، المسلمين والمسيحيين جميعًا، وتتمتع بحماية رؤوفة من قبل أوروبا الليبرالية.
هذه الطريقة الثانية هي التي اختارها نجيب العازوري، الكاثوليكي السوري، والمربي تربية فرنسية كمعظم رفاقه. كان لفترة من الزمن موظفًا عثمانيًا في القدس. ثم تخلى عن منصبه هذا لأسباب غامضة، وذهب إلى باريس، ثم إلى القاهرة، حيث أقام حتى وفاته في 1916. وقد أسس في 1904 «عصبة الوطن العربي» التي يذكر اسمها بوضوح باسم «عصبة الوطن الفرنسي» المعادية لدريفوس. فاقتصر نشاطها، هذا إذا كانت قد وجدت بالفعل، على إصدار النشرات. ثم أصدر، في 1907 في باريس، مجلة لم تعمر إلا قليلًا باسم «الاستقلال العربي» .
نجد في كتاب العازوري المنشور باللغة الفرنسية في 1905، بعنوان «يقظة الأمة العربية» ، تعبيرًا كاملًا عن آرائه. فهو يقول بأن هناك أمة عربية واحدة تضم مسيحيين ومسلمين على السواء، وبأن المشاكل الدينية التي تنشأ بين أبناء أديان مختلفة إنما هي بالحقيقة مشاكل سياسية تثيرها اصطناعيًا قوى خارجية لمصلحتها الخاصة (35)، وبأن المسيحيين لا يقلون عروبة عن المسلمين، وبأن من الضروري أن تقوم كنيسة مسيحية عربية صرف، أي كنيسة كاثوليكية عربية، تحل محل الطوائف المتعددة الحالية التي تمارس العبادة والتفكير باللغة العربية (36). وهو يدافع عن المسيحيين الأرثوذكس الناطقين بالضاد ضد الزعامة الإكليريكية اليونانية (37). وهو يرى أن حدود الأمة العربية تشمل جميع البلدان الناطقة بالضاد في آسيا، دون بلدان مصر وشمالي أفريقيا التي كانت واقعة خارج نطاق اهتمامه كقومي عربي. فمصر لم تكن في نظره عربية بكل معنى الكلمة (38)، كما أن الوطنية المصرية التي نادى بها مصطفى كمال كانت «وطنية كاذبة» ، موالية للحركة الإسلامية والحركة العثمانية (39). وقال إن المصريين غير جديرين بعد بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، فعليهم أن يكونوا شاكرين على تمتعهم بإدارة بريطانية صالحة (40). على أنه تدخل، في أعوامه الأخيرة، في السياسة المصرية، لا «كمواطن مصري» ، بل كسكرتير أجنبي لحزب «مصر الفتاة» ، الذي دعا إلى حكم تمثيلي تدريجي بالتعاون مع السلطة المحتلة (41).
وكان من رأي العازوري أيضًا أن على الأمة العربية أن تستقل عن الأتراك. وقد برزت النغمة المعادية للأتراك في كتاباته بشكل أوضح من بروزها في كتابات من سبقه. فالأتراك في نظره هم الذين سببوا خراب العرب، ولولاهم لكان العرب في عداد أكثر الأمم تمدنًا في العالم. فالعرب يتفوقون على الأتراك في كل شيء، حتى في الجندية، إذ إن انتصارات الأتراك ما تمت إلا بفضل المحاربين العرب (42). ولم يكن يتوقع أن تصطلح الإمبراطورية أو أن
تمنح العرب مركزًا أفضل. ولو تم ذلك، لكان العرب من الرعايا الموالين. لكن السلطان عبد الحميد لن يغير سياسته وأعضاء «تركيا الفتاة» لن يتسلموا الحكم يومًا (43). لذلك فليس من سبيل إلى الخلاص إلا بالاستقلال. فعلى العرب والأكراد والأرمن أن ينفصلوا عن الإمبراطورية حتى تتقوض وتنهار. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ بالعمل أولًا من الداخل، نظرًا لضعف جهاز الدولة، ومن الخارج أيضًا بواسطة الدول الأوروبية.
ويخصص العازوري قسمًا كبيرًا من كتابه لتحليل مصالح الدول وسياساتها في الشرق الأدنى، ثم ينتهي إلى الاستنتاج أن روسيا تشكل الخطر الأكبر (44)، وأن التوسع الألماني في آسيا الصغرى هو خطر أيضًا (45). لذلك لم يبقى من أمل إلا في إنكلترا وفرنسا، صاحبتي التقاليد الليبرالية، وخصوصًا فرنسا (46). لكن لاح له خطر آخر غير الخطر الروسي. ولعلنا نسمع هنا، للمرة الأولى، تحذيرًا من مطامع القوميين اليهود في العودة إلى فلسطين. وفي ذلك يقول: «تبرز في هذه الآونة في تركيا الأسيوية ظاهرتان خطيرتان متناقضتان على وحدة طبيعتهما، هما يقظة الأمة العربية، وسعي اليهود الخفي لإعادة ملاك إسرائيل القديم على نطاق واسع. أنه مكتوب لهاتين الحركتين أن تتصارعا باستمرار حتى تتغلب الواحدة على الأخرى. وعلى نتيجة هذا الصراع الأخيرة
…
يتوقف مصير العالم أجمع (47)، على أن العازوري، في وقت لاحق، ألمح إلى أن إنشاء المستعمرات والمصارف اليهودية يؤدي إلى تقوية القومية العربية بفضل مصالح أقطاب المال في العالم (48)، فلم يكن بذلك منسجمًا مع نفسه.
ويكتفي العازوري برسم الخطوط الكبرى للدولة العربية المستقلة. فهي يجب أن تكون سلطنة دستورية ليبرالية، يرأسها سلطان مسلم عربي، على أن يحترم استقلال لبنان ونجد واليمن (49). لكن من يكون السلطان ومن يكون الخليفة؟ إنه لا يجيب بوضوح على هذا
السؤال. غير أننا قد نستنتج من كلامه أنه كان يفكر بأحد أعضاء الأسرة المصرية الحاكمة كسلطان وبشريف مكة كخليفة. وهكذا تظهر لنا، ههنا مرة أخرى، معالم ذلك «الإنجيل» الذي شاهد بكتهول مبعوثي الخديوي يبشرون به في فلسطين.
بقيت الفوارق بين مختلف النزعات المناهضة لعبد الحميد مستترة، ما بقي عبد الحميد السيد المطلق. وذلك لسببين: الأول استحالة الكتابة والتنظيم والعمل بحرية؛ والثاني المصلحة المشتركة في تغيير نظام الحكم. لكن الأمور أخذت تتغير ابتداءً من 1906. فقد قام نفر من ضباط الجيش بتأسيس جمعية ثورية سرية، اتصلت فيما بعد بالمنفيين في باريس، عرفت بـ «لجنة الاتحاد والترقي». كانت هذه الجمعية على أقواها في جيش مقدونيا؛ وكان مركز عملها في سالونيك، حيث اندلعت فجأة، في 1908، ثورة انتشرت بسرعة، وأكرهت السلطان على إعادة الدستور المعلق منذ ثلاثين سنة. ثم جاءت حكومة جديدة لإجراء انتخابات لعضوية البرلمان. وهكذا تغيرت القضايا السياسية، وازدادت إمكانات العمل السياسي، وصدرت الجرائد بحرية. فظهرت، بين 1908 و 1914، حوالي 60 جريدة في بيروت (معظمها لم يعمر طويلًا)، وحوالي 40 جريدة في بغداد. ونوقشت المسائل بحرية في البرلمان، كما نشأت أحزاب سياسية عديدة. وحدث ما قد يكون أهم من كل ذلك: فقد أخذ أبناء ولايات مختلفة يتلاقون ويتعاونون في العمل. وهكذا بدأ معظم نواب الولايات العربية، ولم يكن أكثر منهم عددًا سوى النواب الأتراك، يعملون معًا منذ دورة البرلمان الأولى.
لكن تحالف المصالح الذي أفضت إليه الحاجة إلى التخلص من استبداد عبد الحميد بدأ ينحل، كما كان متوقعًا، عندما تحقق الهدف المشترك بخلع السلطان في 1909. ذلك أن القضية الحقيقية كانت كامنة في الداخل، أي في التناقض الملازم لحركة «تركيا
الفتاة» الذي أخذ الآن في الظهور. فقد كان أعضاء «تركيا الفتاة» يريدون حكومة دستورية تؤمن الحرية والمساواة لجميع العناصر في الإمبراطورية؛ لكنهم كانوا يريدون أيضًا المحافظة على وحدة الإمبراطورية وتقويتها ضد الضغط الخارجي، الأمر الذي كان يقتضي، في نظرهم، قيام حكومة مركزية قوية وسيطرة العنصر الإسلامي التركي على العناصر الأخرى (50). وقد رافق ذلك تناقض آخر. وهو أن أعضاء تركيا الفتاة، مع تأييدهم للمساواة بين المواطنين العثمانيين، اشترطوا أن تكون هذه المساواة قائمة على اشتراك الجميع في الشعور بالوطنية العثمانية. وكان هذا يعني، في نظرهم، أن على جميع مواطني الإمبراطورية أن يكونوا على صلة متساوية ومباشرة بالحكومة، بحيث يعتبر الجميع ويعاملون على أنهم مواطنون أولًا، لا أبناء طوائف أو جماعات عنصرية أو دينية داخل الإمبراطورية. غير أن معظم اللامسلمين، وكثيرًا من المسلمين غير الأتراك، كانوا يفهمون أن الحرية والمساواة تعنيان حرية الطائفة أو الجماعة والمساواة بين الطوائف والجماعات، ويرون مصلحتهم، ليس في تقوية سلطة الحكومة المركزية وازدياد تدخلها، بل في الإبقاء على حقوق الطوائف أو الجماعات وتقوية الحكم الإداري الذاتي في الولايات. وهكذا انشطرت تدريجيًا الحركة الدستورية، فانفصل أولئك الذين كانوا قبل كل شيء قوميين عثمانيين ومن دعاة المركزية عن أولئك الذين كانوا قبل كل شيء ليبراليين عثمانيين ومن دعاة اللامركزية. ثم اتسع الشق بين الأتراك وغير الأتراك، ومال العرب والألبان والأرمن إلى تأييد الليبراليين. وبعد أعوام من الاضطراب، تسلم الحكم، في 1913، في أثناء الحرب البلقانية، فئة من الضباط الأتراك ذوي نزعة أكثر قومية منها ليبرالية، فحكموا الإمبراطورية حتى انهيارها. وكان أن تغيرت، في غضون ذلك، معتقدات القوميين العثمانيين أنفسهم. فقد انحلت، بتطور تدريجي مؤلم، معاني فكرة الدولة والجماعة
الدينية والأمة اللغوية، وذلك بتأثير من آراء فيلسوف «تركيا الفتاة» ، ضياء جوكلب (51)، الذي انطلق أصلًا من الفكرة القائلة بأن الوسيلة الوحيدة للخروج من المأزق الملازم للإمبراطورية إنما هي في فرض شعور قومي واحد على أبنائها. لكنه رأى، فيما بعد، أن الشعور القومي العثماني لا يمكنه القيام بهذا الدور، إذ كان سريع العطب واصطناعيًا وقائمًا بالحقيقة على الولاء للأسرة الحاكمة وحسب. كما رأى أن القومية الفعالة إنما هي القومية المتأصلة الجذور في وحدة موضوعية كاللغة أو العرق. وهكذا تحولت القومية العثمانية إلى قومية تركية، بحيث أصبح أساس الإمبراطورية وحدة قومية تضم جميع الناطقين باللغة التركية والمتحدرين من أصل تركي، كما أصبحت سياستها تتوخى تقوية مصالح الأتراك خارج الإمبراطورية وداخلها، باعتبارها وطن جميع الأتراك. وكانت هذه الفكرة تقضي بالعمل على دعم سيطرة العنصر التركي في الحكومة والادارة، لا بل بالعمل على تتريك الجماعات العنصرية الأخرى، بالتشديد على استعمال اللغة التركية في المدارس وفي الدوائر الحكومية. وقد ظهرت بعض الدلائل التي تشير إلى أن حكومة تركيا الفتاة كانت تسير، في آخر أيام الإمبراطورية، في هذا الاتجاه.
لكنه كان لحكم حزب «تركيا الفتاة» ناحية أخرى. فقد أصلح هذا الحكم الإدارة المحلية والأمن العام، وحقق مشاريع في حقل الأشغال العامة، وزاد في عدد المدارس، وشجع على تحرير المرأة. غير أن هذا كله لم يكن يوازي، في أعين الشعوب الخاضعة له، خطر هذا الحكم على لغتهم وحقوقهم السياسية، من جراء تقوية السلطة المركزية وإتباع سياسة «العثمنة» و «التتريك» . وقد عمد الأرمن إلى دفع هذا الخطر عنهم بتعزيز فكرة القومية الأرمنية، وكذلك فعل العرب والألبانيون والأكراد. نعم، ظل بين العرب من أيدوا سياسة «تركيا الفتاة» ، إيمانًا منهم بضرورة المحافظة على الإمبراطورية بأي ثمن. وكان أحد زعماء هؤلاء الضابط العراقي
محمود شوكت باشا، المتحدر من أصل شركسي. وقد قتل هذا الضابط في 1913 عندما كانت سياسة التتريك لا تزال في بدئها. لكن هذه السياسة دفعت الزعماء السياسيين، مع مرور الزمن، إلى صفوف المعارضة. أضف إلى ذلك اشتداد النزعة إلى العروبة في هذه الصفوف. وهكذا نشأت أولى الأحزاب العربية الفعالة المنظمة العلنية منها والسرية. ولن نحاول هنا سرد تاريخها بالتفصيل، بل نكتفي بالتمييز بين نوعين منها، يرسم لنا تاريخهما ومناهجهما تطور الفكرة القومية.
كان السياسيون والمصلحون المسلمون والأعيان والنواب المحليون وأصحاب المكانة يميلون إلى التعبير عن معارضتهم ضمن النظام الدستوري وبالاتفاق مع دعاة اللامركزية الليبراليين العثمانيين الذين كان الأمير صباح الدين زعيمهم الأبرز. ففي 1912 قام عدد من العرب القاطنين في القاهرة، ومعظمهم من السوريين، بتأسيس حزب للتعبير عن آرائهم، هو «حزب اللامركزية الإدارية العثماني» ، الذي كان على صلة بالليبراليين الأتراك، وعلى رأسهم عزت باشا، كاتم أسرار عبد الحميد سابقًا والمنفي منذ 1908 (52). وكان لهذا الحزب شبكة من «لجان الإصلاح» في المدن العربية العثمانية وخاصة في بيروت. وكان هدفه الظاهر، كما يتضح من اسمه، إداريًا أكثر منه سياسيًا. فكان يطالب بأن تصبح اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية، وأن تسند معظم الوظائف إلى المحليين من العرب، وأن تستشار السلطات المحلية عند تعيين الموظفين، وأن تمارس الخدمة العسكرية محليًا في زمن السلم، وأن تخصص بعض الواردات المحلية لسد الحاجات المحلية، وأن توسع صلاحيات مجالس الولايات، وأن يستعان بمستشارين أجانب لإعادة تنظيم قوى الشرطة والجندرمة ودوائر العدل والمال (53). وكان يتوخى تحقيق هذه الغايات بالوسائل العلنية والشرعية. أما هل كان لهذا الحزب، كما ادعى الأتراك فيما بعد، إلى جانب هذه الأهداف، أهداف سرية أخرى
تذهب إلى حد السعي من أجل حكم ذاتي، كما في مصر، يرأسه حاكم وطني وتحميه قوى أجنبية؟ فهذا ما يصعب علينا الجزم به. لكن فحوى هذا الحزب لا يمنع الترجيح بأن أفكاره كانت سائرة في هذا الاتجاه (54).
في 1913، قام فريق ينتمي معظمهم إلى هذا الحزب بعقد «مؤتمر عربي» في باريس، اشترك فيه حوالي خمسة وعشرين شخصًا، كلهم من سوريا الجغرافية ما عدا اثنين من العراق. كان بعضهم طلابًا أو من المقيمين في باريس، وبعضهم الآخر من وجهاء القاهرة وبيروت. وكان نصفهم تقريبًا من المسلمين ونصفهم الآخر من المسيحيين. وكان يؤيدهم بعض الزعماء السياسيين البارزين في إسطنبول. وتكشف التقارير عن المناقشات التي دارت في المؤتمر عن «الجو» الذي كان مسيطرًا في ذلك الحين على القومية العربية المعتدلة والذي كان مشبعًا «بالروح الغربية» . فقد أعلن الخطباء أن رغبتهم في إصلاح الإمبراطورية إنما هي ناجمة عن رغبتهم في الاشتراك في المدنية الحديثة، وأنهم يأملون المعونة من أوروبا. وكان يتخلل خطاباتهم ثناء على فرنسا ومناشدة للضمير الأوروبي، وتعبير عن الأمل بأن تضغط أوروبا على الحكومة العثمانية، ودحض للفكرة القائلة بأن الخطر على الإمبراطورية متأت عن أوروبا، وتأكيد بأن الخطر الحقيقي إنما يكمن في الداخل، في «انحطاطنا نحن» (55)؛ كما تخللها أيضًا، بلهجة لا تقل حرارة، تأكيد ولائهم للإمبراطورية والإعراب عن رغبتهم في تقويتها، مع الإشارة إلى أن مقدار هذا الولاء متوقف على طريقة معاملتها لهم. وقد أفصحوا أيضًا عن الأفكار الآتية: إن قوة الدول تتوقف على نظام الحكم فيها. لذلك توجب أن تكون الحكومة العثمانية حكومة ديموقراطية حقًا، مما يستلزم، في إمبراطورية متعددة القوميات، حرية الولايات التي تتألف منها. فعلى العرب أن يشتركوا اشتراكًا فعليًا في الحكومة المركزية، كما يجب أن تنال الولايات العربية استقلالها الإداري.
أما اللغة العربية. فيجب أن تصبح لغة رسمية في البرلمان وفي دوائر الحكومة المحلية. وأما المسيحيون والمسلمون، فعليهم أن يكونوا واحدًا ضمن الأمة الواحدة.
بدا في أول الأمر أن حكومة تركيا الفتاة حملت هذه المقترحات على محمل الجد، فأرسلت مبعوثًا للتباحث مع الزعماء. لكن سرعان ما اتضح أن التساهلات التي نوت القيام بها كانت محدودة ووهمية، مما عزز اقتناع بعض العرب بأن أساليب طلاب اللامركزية كانت خاطئة ومطالبهم متواضعة، وأنه من الضروري أن يستقل العرب، وأن سبيلهم إلى ذلك لا يتم إلا بالقوة. هذا ما نادى به العازوري منذ زمن طويل، كما رأينا سابقا، لذلك لم يكن متحمسًا للمؤتمر (56). لكنه لم يكن ذا نفوذ، كما كان أولئك الخمسة وعشرين نائبًا عربيًا وأمثالهم الذين وجهوا في 1911، رسالة إلى الحسين شريف مكة بواسطة زعيم البصرة السياسي السيد طالب، يقولون فيها إن العرب على استعداد للنهوض معه إذا أراد خلع النير عن عاتقهم، وإنهم يعترفون به خليفة النبي والمسؤول عن مصالح جميع البلدان العربية (57). لعل في هذه الأقوال بعض البلاغة البرلمانية. لكن جيلًا جديدًا لاحقًا بجيل الأعيان والنواب كان لا بد من أن يأخذها بجدية أكثر. ذاك أن عبد الحميد كان قد وسع جهاز المدارس الرسمية، فنشأت مدارس ثانوية في عواصم الولايات، وتعززت المعاهد المهنية لتدريب الضباط والموظفين، وأخذ العرب المسلمون في المدن الكبرى في سوريا يؤمون هذه المدارس والمعاهد ويتعلمون فيها اللغات الأجنبية ويتعرفون إلى الأفكار الجديدة، ويتخرجون منها ليدخلوا الوظائف الحكومية، أيقظ فيهم الوعي السياسي. وقد يكون مما قوي فيهم شعور الاعتزاز بالماضي أنهم عاشوا بين أقوام من غير قومهم، ومما جلى في أذهانهم فكرة الوحدة الناجمة عن اللغة المشتركة أنهم اختلطوا بمن لا ينطقون بها. أضف إلى ذلك أنهم تأثروا بالأفكار السياسية السائدة في إسطنبول أو القادمة إليهم من
القاهرة وبيروت، كما اقتبسوا بعض الانضباط والشعور بالمسؤولية في جيش إمبراطوري، وإن كان جيشًا لإمبراطورية أوشكت على الانهيار.
وهكذا أخذوا، بعد ثورة 1908، ينشؤون الجمعيات السرية ذات الأهداف البعيدة، كا «القحطانية» التي أسسها في 1909 ضباط من الجيش في طليعتهم عزيز علي المصري، و «الفتاة» التي أسسها في باريس في 1911 طلاب سوريون، و «العهد» التي أسسها عزيز علي المصري في 1914 وكان أعضاؤها كلهم تقريبًا من الضباط ومعظمهم من العراقيين (58). وكان هدف هذه الجمعيات الحقيقي الاستقلال، واقعيًا أو كاملًا، وكانت روحها أول روح لا تركية تظهر إلى الوجود كنتيجة طبيعية لانخراط هؤلاء الضباط في جيش كان ذا تراث قومي مختلف عن تراثهم. فقد أعلنت إحدى هذه الجمعيات، في نداء أصدرته في 1911، أن الأتراك هم سبب بؤسنا. إذ أبادوا ثقافتنا، وحالوا دون تقدمنا الاقتصادي، وها هي جميع الأمم التي انفصلت عنهم تباشر حياة قومية نشيطة، بينما لا تزال تلك التي بقيت معهم تتخبط في الفقر والجمود، وأن الحكومة الحالية تضحي بالبلاد في سبيل الأجانب، وأنها لا تؤمن حتى بالإسلام. فعلى العرب أن ينفصلوا عنها، وبالقوة إذا اقتضى الأمر، وعلى جميع العرب أن يساعدوا على ذلك:«أيها العرب المسلمون، إن هذه الدولة المستبدة ليست دولة إسلامية؛ ويا أيها المسيحيون واليهود العرب، اتحدوا مع إخوانكم المسلمين» (59).
بيد أن هذه النداءات من أجل الوحدة العربية والسياسية لم تجد لها استجابة لدى جميع الناطقين بالضاد. فحرية القول والعمل التي اتسعت بعد 1908 وسياسة «تركيا الفتاة» ، إذ ساعدتا على نمو القومية العربية، ساعدتا أيضًا على نمو قوميات أخرى. فأخذ أولئك المسيحيون المؤمنون بأمة لبنانية أو أمة سورية ينظمون أنفسهم أيضًا ويبثون أفكارهم. ففي لبنان، نشر أخوان من أسرة
الخازن العريقة، في 1910، دفاعًا عن «الاستقلال التشريعي والقضائي الدائم للبنان» . ونشأت في لبنان وفي أمكنة أخرى يقطنها لبنانيون، كالقاهرة ونيويورك وباريس، لجان للسهر على مصالح السنجق المستقل. كانت هذه اللجان تختلف بعضها عن بعض فيما تلح عليه، وخصوصًا في شخصيات أعضائها؛ لكنها كانت كلها على العموم تتوخى أهدافًا واحدة: الإبقاء على الحكم الذاتي القائم، وتقويته إذا أمكن، وتوسيع حدود لبنان لجعله قابلًا للحياة اقتصاديًا، والاعتماد على الأمم الغربية وفي مقدمتها فرنسا لتحقيق كل هذه الأهداف. كذلك كان لفكرة «سوريا» أنصار أقوياء، خصوصًا في باريس، حيث قام بتوضيحها، بتشجيع وتأييد من الكاي دورساي، أديبان مسيحيان لبنانيان، هما شكري غانم وجورج سمنه، اللذان كانا يؤمنان بأن الأمة السورية، بالرغم من وحدتها الطبيعية التي منحتها إياها الجغرافيا وقواها التاريخ، لم تتمتع قط بعد بوحدة اجتماعية وسياسية، وذلك لسببين: الأول، لأن شعبها مختلف الأصول والعادات، وخصوصًا المعتقدات؛ وثانيًا، لأنها لم تتمتع يومًا من الأيام بحكم وطني، أي «بسلطة نالت رضى الشعب وعملت في سبيله» (60). لذلك كانا يعتقدان أن من الضروري أن تحوز سوريا على حكم كهذا، يقوم على مبادئ الديموقراطية والعلمانية واللامركزية، وأن يكون دستورها دستور دولة اتحادية مؤلفة من أقضية متمتعة بحكم ذاتي واسع، تحدد بقعة كل منها حسب العنصر القومي أو الديني الغالب فيها، بحيث يكون لكل جماعة كبيرة منطقة تكون هي الأكثرية فيها، ويكون أساسها الروحي شعور قومي واحد يسمح لجميع الفئات الدينية أو العنصرية بأن تتعاون تعاونًا تامًا ومتساويًا. وكانا يعتقدان أيضًا أن هذه الوحدة كانت في طريق التكون بتأثير التربية والمدنية الحديثتين، وأن القومية السورية المشتركة قد أخذت تبرز إلى الوجود، قائمة على
الثقافة، أي على «اللغة العربية وكنز التقاليد القديمة المشتركة وتراث ذكريات الشرق المجيدة» (61). لكنهما كانا يعترفان بأن مثل هذه الروح تحتاج إلى وقت طويل كي تستكمل نموها وتتحرر من الولاءات الدينية التي تجزئ البشر، وبأن على لبنان، ريثما يتم ذلك، وبعد توسيع حدوده، أن يحتفظ بكيانه كمثال على ما ستكون عليه جميع المناطق في المستقبل. لكنه، عندما يحين الوقت لإنشاء الدولة السورية القومية العلمانية، سيأخذ مركزه فيها كإحدى ولاياتها (62).
لم تكن الخطوط الفاصلة بين هذه النزعات المختلفة قد اتضحت بعد. فقد كان أنصار القومية السورية فخورين بثقافتهم العربية، وكانوا على اتصال «بحزب اللامركزية» ، حتى أنهم اشتركوا في المؤتمر العربي المنعقد في 1913 (63). وكانوا، بالوقت نفسه، يدافعون عن استقلال «واقعي» للبنان. كذلك كان القائلون بالقومية العربية يكنون عاطفة خاصة نحو الشعب السوري، ويفكرون أولًا بسوريا وعاصمتها دمشق عندما يطالبون بالاستقلال العربي. أما دعاة لبنان المستقل، فكانوا يفكرون بالمسيحي والمسلم أكثر مما كانوا يفكرون بالعربي والتركي، وكانت رغبتهم في الاستقلال عن دمشق لا تقل عن رغبتهم في الاستقلال عن إسطنبول، إذ كانوا يعتبرون لبنان بلدًا متوسطيًا متصلًا بالمسيحية الغربية. لكنهم كانوا، مع ذلك، حريصين على استقلال كنائسهم الكاثوليكية الشرقية، وفخورين بلغتهم العربية وآدابها، ومدركين بأنه ليس بإمكانهم تجاهل ما وراءهم من بلدان سورية وعربية لها تأثيرها الاقتصادي والثقافي فيهم. والواقع أنه لم يكن هناك من حاجة، قبل 1914، إلى التمييز الحاد بين هذه النزعات. فمصلحة جميع هذه الفئات المشتركة كانت تقضي بتغير سياسة الحكومة، ولم تكن أي فئة منها تبدو قريبة من تحقيق الاستقلال في أي شكل من أشكاله. لكن الحال تغيرت بعد أن اندلعت نيران الحرب، في آب 1914، ودخلت تركيا فيها،
قبل آخر السنة (64). من الواضح أن الحرب ستفتح مجالات جديدة وستجعل من الضروري اتخاذ القرارات. إذ كان من الممكن أن تؤدي إلى انهيار الإمبراطورية أو منح الاستقلال أو فرض سيطرة جديدة. وكان هناك بالفعل فريق من القوميين ممن كانوا يتطلعون إلى هذه أو تلك من الدول الأوروبية من أجل مساعدتهم على تحسين وضعهم، لا بل كان بينهم من كانوا على اتصال بممثلي إنكلترا وفرنسا. فأي موقف يجب إذن اتخاذه من الحرب، وأي عمل يجب القيام به، وأي تحالف أجنبي يجب السعي وراءه؟ أثارت هذه الأسئلة جدلًا حاميًا، استمر طويلًا بعد انتهاء الحرب. فكان هناك من يؤيد بحماس يتراوح بين الحرارة والفتور «لجنة الاتحاد والترقي»: إذ أن الولاء القومي لم يكن بعد قد حل محل الولاء الديني لدى الكثيرين من المثقفين، وربما لدى معظم عامة المسلمين، فبقيت قوة الإسلام وسلطة الخليفة واستقلال الإمبراطورية أهم الاعتبارات لديهم. وكان غيرهم، على معارضتهم لسياسة «تركيا الفتاة» ، يعتبرون بقاء السلطنة ضروريًا للعرب وللأمة بمجموعها على السواء، إذ كانوا يتوقعون، إذا ما انهارت، أن يخلفها في الحكم دولة أوروبية. لذلك كانوا يؤيدونها، مع الأمل بأن يصطلح نظام الحكم فيها بشكل يؤدي إلى قيام حكم ذاتي في الولايات أو إلى تحويلها إلى ملكية ثنائية. كما كان هناك أيضًا من كانوا يودون استغلال الحرب للحصول على استقلال للبنان أو لسوريا أو للعرب، وذلك بمساعدة أعداء الإمبراطورية. لكن هذا الفريق نفسه كانت تتنازعه عدة تيارات مختلفة. فكان منه من اعتمدوا على إنكلترا أو على فرنسا، بمن فيهم معظم المسلمين، مع أنهم كانوا في حيرة من أمرهم، إذ كانوا يعلمون أن لكل من إنكلترا وفرنسا مصالح خاصة بها، تختلف عن مصالح العرب. لكنهم، بالرغم من ذلك، رأوا أن الأمر يستحق المغامرة، لأن الربح، على كل حال، أكثر من الخسارة. وهذا ما كان ينصحهم به سعد زغلول، حتى
قبل أن يصبح زعيم مصر الشعبي. «فقد قامت حجة زغلول على القول بأنه لم يكن للبلدان العربية في ذلك الحين كيان سياسي أو سيادة يخشى على زوالهما، فلم يكن إذن هناك دولة عربية مستقلة مهددة في صميم وجودها كما كانت تركيا. لذلك لم يكن من خوف عليها إن هي غامرت» (65).
لكن بعضهم على الأقل كانوا يعالجون القضية على ضوء المصلحة، بل على ضوء الضمير أيضًا. فقد كان السلطان على الأقل، وإن لم يقبلوا بادعائه الخلافة، سلطانًا كرست أربعة قرون حكمه الزمني، ناهيك بأنه كان آخر حاكم مستقل كبير للإسلام السني، والرمز السياسي لوحدة الأمة. فإذا ما ثاروا عليه، فإنهم لا يثورون على سيدهم الشرعي فحسب، بل يقضون على وحدة الأمة، وهي في أشد الحاجة إلى هذه الوحدة. أضف إلى ذلك أنهم بعملهم هذا قد يخدمون مصلحة الأعداء. لكن المسيحيين وبعض المسلمين لم يكونوا في مثل هذه الحيرة، إما لثقتهم ضمنًا بحسن نوايا دول أوروبا الليبرالية، وإما لرغبتهم في حماية إنكلترا أو فرنسا لهم لاعتبارات دينية أو لضرورتها من أجل بناء دولة حديثة.
لكن الانقسام الأكبر بين هذه الفئات كان حول الحدود وأنظمة الحكم، بعد تحقيق الاستقلال عن الأتراك. فقد كان العدد الأكبر من دعاة الثورة المسلمين يريدون دولة عربية برئاسة ملك عربي، لعله من سلالة أشراف مكة. لكن بينما كان البعض منهم يحلم بدولة عربية واحدة، يرأسها خليفة، أي ببعث الإمبراطورية العثمانية مع نقل مركز الثقل فيها من يد الأتراك إلى يد العرب، كان البعض الآخر يحتفظ بأفكار حزب اللامركزية، فيطالب بدولة سورية مستقلة ذات نظام اتحادي، على أن تكون علاقتها مطاطة مع عراق مستقل وحجاز مستقل. لكن العلاقة مع الحجاز وشريف مكة شحذت روح المقاومة لدى القوميين اللبنانيين، إما لأنهم تخوفوا من عودة السيادة الإسلامية، أو لأنهم
رأوا وراء الشريف سياسة بريطانيا العظمى وأطماعها. لذلك نادوا باستقلال لبنان التام، تحت الحماية الفرنسية، على أن توسع حدوده وتكون بيروت عاصمته. إلا أنهم لم يتفقوا على نوع الحماية الفرنسية المطلوبة ومقدارها. كذلك قام دعاة «القومية السورية» ، ومعظمهم من المسيحيين، يقاومون بشدة أكثر من قبل الفكرة العربية. وكان عددهم صغيرًا، إلا أنه كان لهم تأثير مستمد من دعم الكاي دورسه. فأعلنوا أن السوريين ليسوا عربًا، لا بل ليس هناك من أمة عربية، وكل ما في الأمر أن هناك قومية عربية مزعومة خلقها الأمير فيصل والعملاء الإنكليز- الهنود» (66). وقد أوضح جورج سمنه، الناطق باسم هذا الفريق، في كتاب مشبع بالمعرفة والفكر، خطة إنشاء جمهورية سورية، علمانية، ديموقراطية، اتحادية، تحت حماية فرنسا. ومع أن عدد هؤلاء كان صغيرًا، فقد كان لهم تأثير مستمد من دعم الكاي دورسه لهم (67).
لم تكن هذه الانقسامات حادة، طالما كانت الحرب مستمرة. فقد انخرط كثيرون من المسيحيين اللبنانيين في الجيش الفرنسي. وثار شريف مكة، بالاشتراك مع الجمعيات السرية القومية العربية، على الحكومة العثمانية، إثر تلقيه تأكيدات من البريطانيين لا تخلو من الالتباس، فأعلن استقلال الحجاز، وشكل «جيشًا عربيًا» اشترك في حملة الحلفاء التي أسفرت عن احتلال سوريا. وبعد انتهاء الحرب، بدا لفترة من الزمن أن القوميين اللبنانيين والقوميين العرب سيحققون فحوى ما كانوا يبتغونه. فقد أقام البريطانيون إدارة عسكرية في فلسطين، كما أقام الفرنسيون إدارة أخرى في لبنان وعلى طول الساحل شمالًا. وكانت فرنسا قد ارتبطت ارتباطًا واضحًا بتأييد فكرة لبنان المسيحي المستقل، وذلك تمشيًا مع سياستها التقليدية. أما في الداخل، فقد قام حكم عربي معترف به ومدعوم ماليًا من بريطانيا، رأسه الأمير فيصل، أحد أبناء الشريف حسين،
وتسلم المناصب المهمة فيه أعضاء الجمعيات السرية وضباط من الجيش العربي. لكن لم يكن هناك من قوة ذاتية تدعم هذا الحكم أو الحركة القومية، مما جعلهما يعتمدان دبلوماسيًا وعسكريًا على القوة البريطانية. لذلك وقعتا في مأزق لا مفر منه، وهو المأزق الذي يقع فيه كل ضعيف معتمد على دولة عظمى لتحقيق مآربه، إذ يكون بحاجة إلى قوة تلك الدولة، وهو لا يستطيع أن يحملها على تفضيل مصالحه على مصالحها. فبريطانيا كانت قد التزمت بارتباطات أخرى، تبين في نهاية الأمر أنها تتعارض مع ارتباطاتها مع القوميين العرب. كان هؤلاء مستعدين، إذا اقتضى الأمر، أن يقبلوا بتمسكها لاعتبارات استراتيجية بجنوب العراق وبالساحل الفلسطيني. لكنها كانت قد ذهبت أبعد من ذلك، فالتزمت بتأييد إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، الأمر الذي كان من شأنه، ولو حاولت إنكاره، أن يؤدي في آخر الأمر - كان بعض السياسيين البريطانيين يعرفون ذلك- إلى إنشاء دولة يهودية لا يكون فيها خيار لسكان فلسطين العرب سوى أن يكونوا أقلية أو أن يهجروا ديارهم. كذلك كانت قد التزمت، في الشمال، بتأييد فرنسا في فرض سلطتها الواقعية على أي دولة عربية أقيمت في سوريا. وكان من الواضح أن فرنسا لن تقبل بقيام دولة مستقلة تمام الاستقلال في سوريا أو بدولة سورية مرتبطة بالحجاز، وذلك مراعاة منها لحلفائها اللبنانيين من جهة، ولأنها كانت من جهة أخرى، ترى وراء الشريف، كما كان اللبنانيون يرون، ظل بريطانيا، خصمها التقليدي في الشرق. وكان مما لا شك فيه أن بريطانيا ستفضل، عند الاقتضاء، حاجتها إلى الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع فرنسا على رغبتها في إنشاء دولة عربية في سوريا. زد على ذلك أن الصهيونيين كانوا أقدر من العرب في الضغط على لندن. وقد حاول الأمير فيصل، طيلة سنتين، وبكثير من المهارة، أن يحافظ على دعم
بريطانيا له بتفاهمه مع الفرنسيين واليهود. لكنه كان واقعًا بين عوامل أقوى منه. فقد كان على شبه اليقين بأن أتباعه في سوريا سيعارضون أي اتفاق قد يرغب في عقده مع فرنسا، كما ربما كان مبالغًا في مقدار الدعم المنتظر من بريطانيا. وفي 1920، عقد الزعماء السوريون والفلسطينيون مؤتمرًا في دمشق أعلنوا فيه فيصلًا ملكًا على سوريا ووضعوا بيانًا بمبادئ جاءت، من جهة، كآخر تعبير عن أفكار دعاة اللامركزية العثمانيين، ومن جهة أخرى، كمنهاج للقوميين العرب ساروا عليه طيلة الخمس والعشرين سنة اللاحقة. وقد طالب المؤتمر، بعد التأكيد بأنه يمثل المسلمين والمسيحيين واليهود، باستقلال تام لسوريا في حدودها الطبيعية، من جبال طوروس إلى صحراء سينا ومن البحر حتى الفرات، على أن تكون حكومتها ديمقراطية مدنية ملكية دستورية ولامركزية، مع ضمانات لصيانة حقوق الأقليات؛ ورفض فكرة الانتداب الأجنبي، التي كان مؤتمر الصلح في باريس قد أقرها مبدئيًا. لكنه أوضح بأنه، إذا أكره على قبول الانتداب، فسيعتبره نوعًا من أنواع المساعدة الاقتصادية والفنية التي لا تنقص من الاستقلال التام، كما رفض أيضًا وعد بلفور والهجرة اليهودية وإنشاء دومينيون يهودي وفصل لبنان أو فلسطين عن سوريا، وأكد أخيرًا استقلال العراق، على أن لا يكون بينه وبين سوريا فواصل اقتصادية (68). غير أن بريطانيا وفرنسا رفضتا هذه القرارات. وبعد بضعة أسابيع، وعلى أثر تأزم الحالة، احتل الفرنسيون دمشق وأزالوا حكم فيصل. وهكذا تقرر خلال السنتين اللاحقتين مصير البلدان العربية على أوجه بعيدة كل البعد عما كان العرب يرتقبونه: فقد أبقى على الحجاز مستقلًا، ووضعت البلدان العربية الأكثر تقدمًا، كسوريا والعراق، تحت الانتداب الذي منح الدولة المنتدبة الرقابة الإدارية، لكن مع الالتزام بإعداد البلاد للاستقلال يومًا ما. وعلى هذا دخل العراق تحت
الانتداب البريطاني وفصل جغرافيًا عن سوريا. وقسمت سوريا إلى أربع دويلات: سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين وشرقي الأردن تحت الانتداب البريطاني. كما جزئت سوريا نفسها إلى عدد من المناطق المنفصلة إداريًا، بعضها عن البعض الآخر. ووضع الانتداب على عاتق الدولة المنتدية في فلسطين واجب تسهيل الهجرة اليهودية وإنشاء وطن قومي لليهود.
كان من الضروري عرض هذه الأحداث بتفصيل، إذ إنها وجهت نزعة القوميين العرب وأهدافهم طيلة العشرين سنة اللاحقة، إلى أن جاءت حرب جديدة، فغيرت المعطيات السياسية من جديد. فقد انصب الفكر والعمل القوميان العربيان، في البلدان التي نشطا فيها بقوة، أي في العراق وفي بلدان سوريا الجغرافية الأربعة، على ثلاثة أهداف رئيسية: الأول انتزاع مقدار أكبر من الحكم الذاتي من يد الدول المنتدبة، وذلك بإقامة التظاهرات، والقيام بثورات ظرفية، وبرفض التعاون، وبمناشدة وجدان إنكلترا وفرنسا الليبرالي أو أنانيتهما الواعية. ومع أن سوريا كانت أرقى المنطقتين، إلا أن كان العراق أول من حقق ذلك الهدف، بفضل سياسة بريطانيا التي آثرت المحافظة على نفوذها بواسطة حكم وطني يرأسه فيصل. فمنحت العراق، بالمعاهدة الإنكليزية العراقية، الاستقلال وعضوية عصبة الأمم، مقابل التحالف السياسي مع إنكلترا والإبقاء على قواعد جوية لها في البلاد. أما فرنسا، فكانت أقل ميلًا للدخول في مثل هذه الاتفاقيات، فتمنعت عن إبرام ما كانت عقدته آخر الأمر من معاهدات مع سوريا ولبنان في 1936، بحيث لم تجل الجيوش الفرنسية عن الأراضي السورية واللبنانية إلا بعد نهاية الحرب. وكان الهدف الثاني محاولة الإبقاء على فكرة الوحدة العربية حية في النفوس، تلك الوحدة التي كانت قائمة نوعًا ما في عهد العثمانيين، والتي جاءت تهددها اليوم التقسيمات السياسية الجديدة. فقد كان من شأن هذه التقسيمات أن تؤدي، لا إلى
إقامة أنظمة إدارية وتشريعية وتربوية متباينة فحسب، وإنما إلى تجزئة الحركة العربية أيضًا، وذلك بإلقاء مهمات مباشرة على عاتقها، تختلف الواحدة عن الأخرى بحسب المناطق. وقد تجلى ذلك في الكتابات، وفي تأسيس أحزاب سريعة الزوال، وفي تبادل المساعدة والعطف بين البلدان العربية في صراعها مع الأجنبي، وفوق كل ذلك في المؤتمرات الدورية التي كانت تجمع معًا رجالًا من مختلف البلدان العربية وتنتهي باتخاذ مقررات عامة: فبعد المؤتمر السوري في 1920، عقد مؤتمر الخلافة في مكة في 1926، ثم مؤتمر القدس في 1931، وأخيرًا مؤتمر بلودان في 1937. ولعل مؤتمر بلودان هذا كان أهم تلك المؤتمرات، إذ رأسه عراقي وكان بين نواب رئيسه عضو من مجلس الشيوخ المصري ومطران حماه الأرثوذكسي، فأكد بذلك على فكرة الوحدة العربية وألح على طابع التضامن الديني في مفهوم القومية العربية (69).
وكان الهدف الثالث، وهو غير منفصل عن الثاني، إثارة التأييد لعرب فلسطين في مقاومتهم للهجرة اليهودية وشراء الأراضي، وفي مطالبتهم بحكومة موحدة تكون أكثريتها عربية. كانت أهمية هذا الهدف قد برزت في مؤتمر القدس، لكنها أخذت تزداد بازدياد الهجرة اليهودية بعد 1933. فقد كان العرب، قبل ذلك، يشكون من سياسة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، خوفًا من أن تمنع تلك السياسة فلسطين من أن تصبح جزءًا من دولة مستقلة سورية أو عربية. أما الآن، فأخذوا يخشون، فضلًا عن ذلك، أن يؤدي نمو الجالية اليهودية، آخر الأمر، إما إلى إخضاع عرب فلسطين وإما إلى طردهم من البلاد. فوقعت اضطرابات كبيرة في 1929. إلا أن أساليب الاحتجاج والتظاهر استبدلت في 1936 بالثورة المسلحة. فكان الغرض الرئيسي لمؤتمر بلودان تأكيد ارتباط مصلحة العرب العامة بما كان يجري في فلسطين. كذلك كان غرض المؤتمر البرلماني الإسلامي العربي الذي عقد في القاهرة في 1938 (70). وقد اعترفت
الحكومة البريطانية رسميًا، في السنة نفسها، بمصلحة البلدان العربية الأخرى في قضية فلسطين وبوجود شيء اسمه العالم العربي، وذلك بدعوتها عددًا من الحكومات العربية إلى إرسال مندوبين عنها إلى مؤتمر الطاولة المستديرة المقرر عقده في لندن.
في تلك المحاولات لتأمين الحكم الذاتي وللإبقاء على فكرة الوحدة العربية حية، بقيت الزعامة في أيدي فئة قليلة، كان معظم أفرادها من الضباط والموظفين العثمانيين السابقين الذين كانت نظرتهم السياسية قد تقولبت بقوالب حكم «تركيا الفتاة» والجمعيات السرية والثورة العربية. وكان لهم، سوريين كانوا أم عراقيين، تفكير مشترك ومجموعة من الأفكار شكلت ما يمكن اعتباره العقيدة السياسية للسنوات الفاصلة بين الحربين. كانوا كلهم، أولًا، يؤمنون ضمنًا بوجود أمة عربية. فقد تسنى لهم، في المدارس، وفي الثكنات، وفي البرلمان العثماني، وفي النفي في القاهرة، وفي صفوف القوات الشريفية، أن يتعرفوا بعضهم إلى بعض، وأن يشعروا بسهولة التخاطب الناتجة عن الاشتراك في اللغة وفي التربية. أضف إلى ذاك أن فكرة الأمة العربية أخذت تنتشر بتأثير الحرب وانتشار التربية، مما دعم موقفهم دعمًا أقوى من قبل، كما أن التقسيمات السياسية أخذت تشوش حقيقة هذه الأمة، مما جعل دفاعهم عن الفكرة أشد إلحاحًا من ما مضى.
لقد كان الكيان العربي أمرًا مسلمًا به في عهد الإمبراطورية العثمانية الأخير، كما كان ينظر إلى مختلف الولايات العربية كوحدة كاملة. إلا أن التقسيم الناجم عن اتفاقيات ما بعد الحرب جاء يضع فكرة الأمة العربية موضع التساؤل ويهددها بمنافسة فكرة الأمة السورية والأمة اللبنانية والأمة العراقية لها، وذلك بتشجيع من السلطة المنتدبة أحيانًا. لذلك جعل الزعماء العرب همهم التشديد على وجود الأمة العربية، مع الإلحاح على وحدتها، مبررين النضال في سبيل الحكم الذاتي، لكل دولة بمفردها، على أنه الخطوة الأولى نحو الوحدة.
وكان من المفهوم، ضمنًا، أن كل دولة عربية ستستخدم، حينما تتحرر وتستقل، حريتها هذه واستقلالها في مساعدة الدول التي لا تزال في مرحلة النضال، وفي توثيق علاقاتها بالدول التي تكون قد تحررت ونالت استقلالها. هذه هي النظرة التي على أساسها تدخلت الحكومات العربية في الحرب السعودية اليمنية في 1934، إذ اعتبرتها حربًا أخوية، وفي الثورة الفلسطينية فيما بعد. وعلى أساسها أيضًا عقدت معاهدة الأخوة العربية بين العراق والسعودية في 1936، «نظرًا للروابط الإسلامية والوحدة القومية التي توحد بينهما» . وقد كان مفهوم الوحدة لا يزال مفهوم الفترة الممتدة بين 1908 و 1922، أي اعتبار الأمة العربية لا تشمل مصر وبلدان شمالي أفريقيا، كما كانت كلمة «عرب» تطلق فقط على سكان آسيا الناطقين بالضاد، أي سكان سوريا والعراق وشبه الجزيرة، وبنوع أخص سكان سوريا والعراق الذين كانوا أرقى ثقافيًا من سكان شبه الجزيرة، وبالتالي أكثر استعدادًا لتحقيق كيانهم السياسي واستقلالهم القومي. لذلك كانت قضية الوحدة تثار على مستويات ثلاثة: إعادة توحيد دول سوريا الجغرافية، ثم إقامة اتحاد بين سوريا والعراق، وأخيرًا إنشاء ترابط مرن مع دول عربية أخرى. هذا ما انطوى عليه برنامج المؤتمر السوري في 1920، وما دعا إليه مجددًا، بعد جيل، أحد معاوني فيصل الأقربين. فقد اقترح نوري السعيد، في «الكتاب الأزرق» عام 1943، توحيد سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن في دولة واحدة، على أن يعطي اليهود في فلسطين مقدارًا من الحكم الذاتي، وأن يمنح الموارنة في لبنان، إذا طلبوا ذلك، نظامًا خاصًا، كما اقترح إنشاء جامعة عربية ينضم إليها، فورًا، العراق وسوريا الموحدة، ثم من يرغب في ذلك من الدول العربية الأخرى، ويرأسها أحد الحكام العرب بطريقة تتفق عليها الدول الأعضاء (71).
ومع أن سوريا كانت لا تزال مركز الشعور القومي العربي ومع أن فكرة الأمة العربية قد برزت فيها أولًا، فقد كان
هناك، خلال العشرينيات والثلاثينيات، نزعة إلى اعتبار بغداد زعيمة الحركة الاستقلالية والوحدوية، لأن التحالف بين أماني الفئات القومية ومطامح الأسرة الهاشمية الذي نشأ في أيام «تركيا الفتاة» ووثقته الثورة العربية كان لا يزال قائمًا حينذاك، ولأن عددًا كبيرًا من القوميين كانوا لا يزالون يعتبرون فيصل زعيمًا لحركتهم. أضف إلى ذلك أن العراق، على تأخره السياسي والاجتماعي، كان قد حصل على استقلال نسبي قبل غيره من دول سوريا. وقد قبل الملك وحكومة العراق إجمالًا بتولي هذا الدور، مع أن الوعي السياسي في العراق كان أقل انتشارًا منه في سوريا. فكان الحكام العراقيون يتدخلون في سبيل سوريا وفلسطين بلا كلل، ويأخذون المبادرة في السياسة العربية حيثما أمكن. لكنهم كانوا في ذلك يجابهون خصومًا عديدين. ذلك أن المقاومة ضد الهاشميين، في سوريا والعراق على السواء، كانت أقوى مما بدا في الظاهر؛ كما أن الانتقاد الموجه إليهم على إدارتهم للأماكن المقدسة كان واسع النطاق. هذا فضلًا عن اتهامهم بالاستعداد المفرط لعدم التفريق، في الشؤون العربية العامة، بين مصالحهم ومصالح بريطانيا. وفي 1926 استولى عبد العزيز بن آل سعود، منشئ الدولة الوهابية الجديدة في أواسط شبه الجزيرة، على الحجاز، وأخذ نفوذه في النمو والازدياد. فقد كانت دولته الدولة العربية الكبيرة الوحيدة المستقلة، أي التي لم تكن تحتلها جيوش أجنبية؛ وكانت النظرة الوهابية إلى الإسلام تستهوي بعض المصلحين من مدرسة رشيد رضا؛ كما كان الملك نفسه يجسد في شخصه تلك الفضائل القديمة التي كان العرب يميلون إلى الاعتقاد بأنهم يملكونها. وكانت مصر تقف في الجهة الثانية، إلا أنها لم تكن بالرغم من لغتها تعتبر نفسها تمامًا، أو يعتبرها الآخرون، عربية خالصة. ففي ذلك الوقت، كانت نزعتها «الفرعونية» على أشدها، كما كان المصريون منصرفين إلى قضية استقلالهم، وهي وليدة تاريخهم الخاص. وكان نفوذ
الملك فيها قد تضاءل، ولم يعد يتبع سياسة محمد علي وعباس حلمي العربية الإسلامية. لكن بوادر التغيير قد أخذت تظهر، إذ أصبحت مصر مركز الثقافة العربية، بفضل صحفها ودور النشر فيها وأفلامها وإذاعتها. ثم جاء توقيع المعاهدة الإنكليزية المصرية في 1936، فأعطاها حرية نسبية في سياستها الخارجية، فاتجه نفوذها مجددًا كما كان دومًا، إلى محيطه الطبيعي، أي المنطقة العربية شرقًا. وأخذ بعض الزعماء العرب يتطلعون إلى إمكان مساعدة مصر لهم في قضية فلسطين المعقدة. فقد أعلن نائب الرئيس المصري، في مؤتمر بلودان، أن قيام دولة يهودية في فلسطين لا يقل خطرًا على مصر منه على جيرانها. كذلك لعب المندوبون المصريون، إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن، دورًا مهمًا.
كانت القومية العربية، في تعبيرها عن نفسها، حركة علمانية. فقد كان الزعماء يرغبون في تجريد فرنسا من سلاحها الأقوى، وهو وجود الأقليات المسيحية والأقليات الإسلامية المنشقة، التي كانت تتطلع إلى فرنسا لحمايتها. وكانوا يرغبون في التعبير عن مقاومتهم للصهيونية على أساس قومي، أي على أساس الخطر الذي تشكله على مصالح الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على السواء، لا على أساس العداء الديني. وكانوا يشعرون بحاجتهم إلى مساعدة تلك الفئات عينها التي كانت، إجمالًا، أكثر ثقافة وأوسع اطلاعًا على أوروبا. زد على ذلك أن الجو الفكري الذي كانوا قد ترعرعوا فيه، إن في المدارس ذات المنهاج الغربي، أو في عهد «تركيا الفتاة» في إسطنبول، كان جوًا علمانيًا، مشبعًا بفكرة فصل الحقل الديني عن ميدان السياسة لخير الاثنين معًا. مما أدى بهم إلى الاعتقاد أن الروابط القومية التي توحد بين الناس هي أهم سياسيًا من المعتقدات الدينية التي تفرق بينهم، وأنه ينبغي للحكم الوطني أن يكون مستقلًا في دائرته الخاصة وطليقًا من كل قيد إلا قيد المصلحة. وقد دعم هذا المبدأ العلماني فوز كمال أتاتورك ومؤيديه، ذاك الفوز
الذي كان له، حتى أزمة الإسكندرونة (1937 - 1939)، تأثير قوي في تفكير العرب السياسي، وذلك لا لنجاح الأتراك في صد التعديات الأوروبية فحسب، بل أيضًا لأن روابط عميقة في الدين، والتاريخ المشترك، والقرابة الدموية أحيانًا، كانت ما تزال قائمة بين العرب والأتراك. أضف إلى ذلك ما هو أهم: رفض الأتراك كل مساومة على حساب الأمة. نعم، كان القلائل من العرب من الجيل القديم يحبذون نزعة العداء الشديدة لرجال الدين في سياسة أتاتورك. بيد أن ما استهواهم في تلك السياسة إنما هو نظرتها إلى الحكم التي لم تكن تعكس تعاليم أساتذتهم الأوروبيين فحسب، بل عقيدة الإسلام السياسية الحديثة. فقد قال أتاتورك:
غير أن العرب لم يكن بإمكانهم أن يفصلوا القومية عن الإسلام بالقدر الذي فعله الأتراك (73). فالإسلام كان من فعل العرب في التاريخ. وهو الذي، بمعنى من المعاني، قد صنعهم، ووحدهم، وأعطاهم شريعتهم وثقافتهم. لذلك أحاط بالقومية العربية، أساسيًا، إشكال كان على العرب المسلمين والمسيحيين على السواء أن يجابهوه. فالعلمانية ضرورية كنظام للحكم، لكن من أين للعلمانية التامة أن تنسجم والشعور العربي؟ ليس من الضروري، في الحياة العملية، أن تجد الإشكالات حلًا لها. ومن الممكن للناس أن يعيشوا وإياها بأمان. والواقع أن معظم العرب الذين فكروا في هذه القضية قد اكتفوا بتأكيد كلا شقيها في آن واحد، متيقنين أن غير المسلمين من العرب هم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأن الإسلام هو
أساس شعور العرب بوحدتهم. فنوري السعيد يرد القومية العربية، مثلًا، في «كتابه الأزرق» ، إلى الشعور بالأخوة الإسلامية التي أوصى بها محمد في آخر خطبة عامة له، ويقول فيها إنها «الطموح إلى بعث مدنية الخلفاء الأولين العظيمة السمحاء» (74). وكان هناك من طرح القضية على مستوى أعمق، فاعتبر أن للإسلام تلك الأهمية البالغة، لا لمجرد كونه ينبوع اعتزاز وإلهام، بل لأنه أتى بشريعة خلقية من شأنها توجيه حياة الأمم. إذ أنه لا يجوز للمجتمع أن يكون شريعة لذاته، بل ينبغي له مبدأ منظم يهيمن عليه. وعن هذا أعلن شقيق الملك فيصل، الأمير عبد الله، أمير شرقي الأردن، وفيما بعد ملك الأردن، في دراسة عن القومية العربية أضافها إلى «مذكراته» ، إذ قال: إن أول مبدأ لحياة العرب السياسية إنما هو الرضوخ للقرآن والسنة. وطالما سلم السلاطين العثمانيون بهذا المبدأ، كان العرب راضين بحكمهم وإن كانوا غير عرب. لكنهم إذ تخلوا، في القرن التاسع عشر، عن مبادئ الإسلام واقتبسوا نظام حكم غربي لا يفقهونه، انحل رباط الولاء العربي، وأخذ العرب يفكرون بحكم عربي يكون وفيًا للإسلام من جديد (75).
وعلى هذا النمط أيضًا أحاط شيء من الالتباس بموقف القوميين من أوروبا، وخاصة من إنكلترا وفرنسا اللتين كانتا أوروبا كما عرفوها آنذاك. فكثيرون من الذين قد أيدوا الاتفاق مع إنكلترا وإعلان الثورة ضد الحكومة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى، وجدوا التسوية السلمية مخالفة للتعهدات التي كانت قد قطعت لهم. ولم يكن بينهم سوى قلائل يقرون لورانس على قوله بأن بريطانيا قد خرجت من مغامرتها العربية «نظيفة الكف» . إلا أن السرعة التي منح بها العراق استقلاله خفف من شعور العراقيين بأنهم خدعوا، بينما قوى هذا الشعور في سوريا إحجام فرنسا المستمر عن التخلي عن سلطتها، فضلًا عن نمو الوطن القومي اليهودي في فلسطين. إن ما جعل عرب سوريا والعراق المسلمين يحسون بهول صدمة إخضاعهم للنير الأجنبي، هو
أنهم كانوا جزءًا من العنصر المسيطر في الإمبراطورية العثمانية، وأنهم لعبوا دورًا كبير في حكومتها، طيلة نصف القرن السابق لزوالها. لكنهم كانوا، من جهة أخرى، لا يزالون مفتونين بالمدنية الأوروبية. فقد كانت دول أوروبا أقوى دول العالم بالفعل، وإن كانت لم تعد أقواها من حيث الطاقة. وهي التي خلقت المدنية الحديثة ولا تزال، بمعنى من المعاني، تملك «سرها» . وكانت الأفكار والمؤسسات السياسية في أوروبا الغربية لا تزال تبدو لمعظم الناس الأساس الضروري لقوة الأمة، ناهيك بأنها كانت أفضلها. وعلى هذا، لم يستنتج القوميون من إدانتهم للسياسة البريطانية أو الفرنسية أن إنكلترا أو فرنسا فاسدة بحد ذاتها، بل استنتجوا أنها لم تكن أمينة لذاتها. لهذا كانوا يوجهون نداءاتهم إلى إنكلترا الحقيقية وفرنسا الحقيقية، عاقدين الأمل على أنهما ستعودان، ولاريب، إلى حقيقتهما، عاجلًا أو آجلًا، خصوصًا وأن مصالحهما تنسجم مع مصالح العرب. وعندما يتم ذلك ينال العرب الاستقلال التام، أو على الأقل، الاستقلال الذاتي القائم على معاهدات تحدد علاقاتهم مع الدول الكبرى. وقد خيل إليهم، في عالم العشرينيات والثلاثينيات، أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح للدول الأسيوية فرصة الانضمام إلى مجموعة الأمم. كما آمنوا، إجمالًا، كحقيقة لا جدال فيها، بأن على الدول العربية، بعد استقلالها، أن تتبنى المؤسسات التي تميز بها المجتمع الليبرالي الأوروبي.
وفي غضون نصف جيل، أي من 1908 إلى 1922، غدت القومية العربية فكرة سياسية واعية، ثم حركة لها برامجها، ثم اضطرت، قبل حلول الأوان، أن تختار، ثم رأت آمالها تتحطم. فاكتسبت من هذه الخبرة المريرة طريقة جديدة في التفكير. وليس من مكان أفضل لدراسة هذه الخبرة من صفحات «المنار» المليئة والصريحة والمفسرة نفسها بنفسها. كان الغرض من تفكير رشيد رضا السياسي، منذ بدء حياته حتى نهايتها، إعادة بناء الدولة
الإسلامية الحق. لقد عارض جميع المحاولات الرامية إلى إنشاء دول في العالم الإسلامي تقوم على تضامن غير التضامن الديني، كالدول القومية التي تكون فيها الأمة هي موضوع الولاء الأخير، ويكون الشعور القومي هو القوة الموحدة، وتكون المصلحة القومية هي المقياس الأعلى للسياسة والتشريع. فقد بدا له هذا النوع الرفيع من القومية شكلًا جديدًا فقط من أشكال التضامن القبلي الطبيعي الصرف المعروف قبل الإسلام، وظهرت له مبادئه، مبادئ الولاء والشرف، كأنها المبادئ الخاصة بعهود الجاهلية، لا المبادئ التي قامت عليها الشريعة (76). لذلك خالف ابن خلدون في اعتقاده أن العصبية الطبيعية هي أساس الدولة، وأنها الدافع إلى كل عمل اجتماعي، وأن الولاء الديني والشريعة لا يفعلان فعلهما إلا بعد أن تكون العصبية قد فعلت فعلها. وقد استند إلى تاريخ الإسلام في إثباته بطلان هذا الرأي. فقال إن أفعال النبي لم تستهدف تعزيز مركزه الاجتماعي أو دعم سلطة قبيلته، ونجاحه لم ينجم عن قوة العصبية التي كانت تحت تصرفه، والتي سخرها، بالعكس، لمقتضيات الإسلام. وما انهيار الدولة الإسلامية إلا نتيجة ظهور هذه العصبية من جديد. إن الإرادة في السيطرة العمياء هي ما دفع بالحكام إلى فرض سلطتهم الشخصية على الأمة، فأفسدوا كيانها السياسي يجعلهم الطاعة لهم واجبًا دينيًا مطلقًا (78).
قد يبدو أن هنالك تناقضًا بين نظرة رشيد رضا هذه والقول بأن عنصر الشعور القومي كان قويًا في كتاباته، كما كان أقوى في كتابات صديقه شكيب أرسلان. فهما، عندما يتحدثان عن قضية الإسلام، يفكران أولًا بالإسلام العربي، وينظران إلى المسلمين الآخرين «كتلامذة للعرب» ، على حد تعبير أرسلان نفسه (79). لكن هذا التناقض ليس إلا تناقضًا في الظاهر. إذ كانا يعتقدان أن بالإمكان، نظرًا لمكانة العرب الخاصة في الأمة الإسلامية، التوفيق بين القومية العربية والوحدة الإسلامية توفيقًا يستحيل في غيرها من القوميات. لا بل كانا يذهبان
إلى أبعد من ذلك، فيقولان بأن نهضة الأمة الإسلامية رهن بنهضة العرب. فالفكر الإسلامي لا يزدهر إلا إذا ازدهر اللسان العربي، إذ أنه اللغة الوحيدة التي يمكن فيها دراسة الإسلام دراسة حقيقية وتفسيره تفسيرًا صحيحًا. لذلك كان واجب كل مسلم أن يتعلم اللغة العربية إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا (80). وفضلًا عن ذلك، لا يمكن أن تقوم وحدة عميقة في أمة ما، إن لم تكن موحدة اللغة. واللغة لا يمكن أن تكون في الأمة الإسلامية إلا اللغة العربية. وما من أحد غير عربي استطاع خدمة الإسلام إلا بمعرفته هذه اللغة التي هي خير المسلمين المشترك. وفي هذا يقول رشيد رضا:«وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل لغة هذا الدين العام لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به. فهو قد حفظ بها وهي قد حفظت به. فلولاه لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغيير من قبله. ولولاها لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانًا يكفر أهلها بعضهم بعضًا، ولا يجدون أصلًا جامعًا يتحاكمون إليه إذا رجعوا إلى الحق وتركوا الهوى. فاللغة العربية ليست خاصة بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان، بل هي لغة المسلمين كافة» (81).
وليس العرب حراس لغة الإسلام فحسب، بل هم حراس الأماكن المقدسة أيضًا. لقد عملوا الكثير من أجل الإسلام، وهم مؤهلون للقيام بأكثر من ذلك فيما بعد، لأنهم لا يزالون، في شبه الجزيرة على الأقل، مخلصين لدينهم وغير متأثرين فيهم بمفاسد الغرب. إن أولئك المسلمين الذين يخفضون من شأن العرب إنما يضعفون الإسلام فعلًا. وهنا نسمع صدى للمنازعات «الشعوبية» ، وهو بالواقع صدى واعٍ. وقد أطلق كرد على هذا التعبير على أولئك الذين يطعنون بالدين. فكتابه في «الإسلام والمدنية العربية» إنما هو دفاع عن المساهمة العربية في المدنية الإسلامية والأوروبية على السواء ضد مهاجميها، أكانوا من القوميين المسلمين (كالقوميين الفرعونيين)،
أو من المستشرقين كرينان مثلًا. وكان رشيد رضا ورفاقه ينتقلون أحيانًا من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم. فيؤكدون أن غير العرب هم الذين أفسدوا حقيقة الخلافة والأمة، إذ دسوا في الإسلام تعاليم غريبة عنه حول الحقيقة الخفية والإمام المعصوم، وأفرطوا في مدح الخلفاء كثيرًا، ومحوا الفكرة الصحيحة عن الحكم بالشورى. وبينما قيد مجيء الإسلام عصبية العرب، استمرت عصبية الأتراك والفرس بدون ضابط حتى آلت إلى خراب الإسلام آخر الأمر (83).
وبتعبير آخر، إن عصبية الشعوب الإسلامية الأخرى تتعارض مع مصالح الأمة، بخلاف العصبية العربية. وقد تبسط رشيد رضا في شرح هذه الفكرة عندما ناقش الاعتقاد التقليدي القائل بوجوب انتساب الخليفة إلى سلالة قريش. لقد بدا هذا الشرط منافيًا لعالمية الإسلام، ولهذا لم يجمع عليه الفقهاء. أما رشيد رضا، فكان، على العكس، يراه ضروريًا، إذ لا بد لأي حاكم أو أسرة حاكمة من أن يكون على اعتزاز بأهله واهتمام بمصلحتهم. والواقع أن ليس هناك ما ينسجم دومًا، وبالضرورة، مع عزة الإسلام ومصلحته إلا اعتزاز قريش ومصلحتها. فقريش عشيرة النبي، ومجدهم مرتبط بمجد الإسلام، وفيهم وحدهم دون سواهم تتداعم الحمية الدينية والحمية النسبية (84). وقد ادعى رشيد رضا أنه هو نفسه ينتمي إلى هذا الفرع وأكد، بفخر، الاتحاد الأبدي بين الإسلام والعروبة قائلًا: «إنني عربي مسلم ومسلم عربي. فأنا قرشي علوي، من ذرية محمد النبي العربي، الذي ينتهي نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وملته الحنيفية هي ملة جده إبراهيم، أساسها التوحيد الخالص وإسلام الوجه لله تعالى وحده
…
فإسلامي مقارن في التاريخ لعروبتي
…
قلت إنني عربي مسلم، فأنا أخ في الدين لألوف الألوف من المسلمين من العرب وغير العرب، وأخ في الجنس لألوف الألوف من العرب المسلمين وغير المسلمين» (85).
كانت عقيدة رشيد رضا منذ البدء تنطوي على الشعور العربي، إلا أن هذا الشعور لم يدفع به إلى حمل لواء الدعوة إلى الاستقلال القومي العربي إلا تدريجًا، وبتأثير من الظروف السياسية. فقبل 1908 وبالرغم من كونه، كمحمد عبده، من أنصار السلطنة المخلصين وللاعتبارات ذاتها، عارض علنًا السلطان عبد الحميد الثاني لسببين: استبداده الشخصي، من جهة، وتشجيعه، من جهة أخرى، لما كان رشيد رضا يرى فيه نوعًا ضالًا من الإسلام. (وهذا ما أثار عليه ضغينة أبو الهدى الذي أساءه انتقاده للطرق الصوفية وتمجيده للأفغاني، والذي، على ذمة رشيد رضا نفسه على الأقل، حاول إخراجه من مصر، ومنع «المنار» من الدخول إلى سوريا، وعرض عليه ألقابًا ومناصب إذا ما هو تراجع عن موقفه هذا). وقد أسس جمعية سياسية اسمها «جمعية الشورى العثمانية» ، وقفت نفسها على العمل في سبيل اتحاد جميع العثمانيين وإحلال الحكم الاستشاري محل الحكم الاستبدادي. وانتقد أيضًا «لجنة الاتحاد والترقي» لأنها كانت، في نظره، بالفعل إن لم يكن بالاسم، إسلامية صرف (87). كان، بادئ الأمر، كبير الأمل في ثورة 1908. لكن معارضته لسياسة الحكومة الجديدة تجاه العرب اشتدت فيما بعد، وربما نجم ذلك عن الصدمة الشخصية التي أصابته يوم أخفق في الحصول على تأييد الحكومة لمشروعه القاضي بإنشاء معهد ديني للمرسلين المسلمين. وإذ كان في إسطنبول عام 1909، نشر سلسلة مهمة من المقالات عن «العرب والأتراك» (88)، بذل فيها جهدًا كبيرًا للتدليل على ولاء العرب للدولة العثمانية. ومما قاله فيها إن المستعمرين يحاولون تشجيع الانفصالية العربية لتحويل القوات العثمانية عن مقدونيا والأناضول، وبالتالي لإضعاف مركزها هناك. إلا أنهم باءوا بالفشل، إذ لم يناد أي عربي بالاستقلال، حتى على عهد عبد الحميد الأسوأ، باستثناء بعض المسيحيين (89)، كما لم تظهر على العرب، إلا مؤخرًا، دلائل البغض لحكامهم الأتراك. فهم لم ينظروا إليهم، بالحقيقة، نظرتهم
إلى أجانب بالمعنى الذي كان به الحكم البريطاني أجنبيًا، إذ أن الإسلام قاد أزال «عصبية» العرب العرقية. وها أن معظم العرب قبل أيدوا، بعد الثورة، النظام الجديد. فإذا كانت نظرتهم قد أخذت تتغير اليوم، فذلك راجع إلى الموقف الذي وقفه الأتراك منهم. فقد كان الأتراك دومًا يكنون نوعًا من البغض أو الاحتقار للعرب، وهم يضيفون الآن إلى ذلك سياسة ترمي إلى تحويل الإمبراطورية إلى دولة تركية. وذلك، مثلًا، بصرف عدد من الموظفين العرب من مناصبهم، وبإهمال تدريس اللغة العربية في المدارس الرسمية. إن هذه السياسة لا يمكن أن تنجح، لأنه يستحيل تحويل عنصر عرقي إلى عنصر عرقي آخر بالقوة، ولأنه لا بد للعصبية التركية من أن تثير العصبية العربية، مما يؤدي إلى هدم الإمبراطورية -إذ أن الولايات العربية فيها تشكل الجزء الأكبر والأغنى- ولأن الشعوب العربية على ذكاء وقوة عسكرية كامنة، ولأن لغتهم هي لغة النظام الشرعي ولغة الدين الرسمية أيضًا. إلا أنه لا يزال من الممكن استعادة العلاقات الطيبة، وذلك بتغيير روح التربية، وبتطبيق الدستور تطبيقًا صحيحًا يعطي لكل فئة من السكان ما لها، فيخلق بذلك تضامنًا قوميًا أوسع من تضامن العرق أو اللغة، تضامنًا يقوم على المصلحة المشتركة والرضوخ للشريعة، وعلى المساواة بين أبناء الفئات العرقية المختلفة (90).
وهكذا سعى رشيد رضا مع العرب العثمانيين إلى الحصول على الاعتراف بمركز أمتهم ضمن الجامعة العثمانية. فاشترك في تأسيس «حزب اللامركزية» في القاهرة، كما باشر بتأسيس جمعية شبه سرية تشترط على أعضائها تأدية قسم الولاء لها، اسمها «جمعية الجامعة العربية» (91). وأخذت القضية العربية، منذ ذلك الحين، تحتل على صفحات «المنار» أهمية لم تكن لها من قبل. وكان رشيد رضا، حتى في ذلك الوقت، متنبهًا إلى خطر الهجرة الصهيونية على عرب فلسطين، وكان ينتقد التسهيلات التي ظن أن حكومة
السلطان المركزية كانت تمنحها للصهيونيين (92).
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، خطت آراؤه في الموضوع خطوة أخرى إلى الأمام، فمثل أمامه، للمرة الأولى، إمكان الاستقلال التام. وها هي صفحات «المنار» تشهد على الصراع الداخلي الذي أثاره ذلك في نفسه. فهو يقول تكرارًا إن العرب كانوا دومًا مخلصين للسلطنة عن ولاء للإسلام، لكن سياسة التتريك قد غيرت كل شيء، فأصبحت اللغة العربية بخطر، وأصبح من واجب العرب الديني أن ينقذوها، حتى لو عنى ذلك قيامهم بما يضعف دولة إسلامية ويعرضها لخطر النفوذ الأوروبي. لكنه، بالرغم من اعتقاده أن الإسلام هو المبرر للاستقلال العربي وأنه يجب أن يكون شريعة العرب الخلقية، فهو يلح، وهذا من مزايا تفكيره، على عضوية العرب غير المسلمين التامة في المجتمع القومي، ويضيف أنه إذا وجدت منطقة عربية تقطنها أكثرية غير مسلمة (ولا شك أنه كان يفكر هنا بجبل لبنان)، فلها أن تستقل مع الحفاظ على صلة بالمملكة العربية (93).
كان رشيد رضا ينتمي إلى ذلك الجناح من الحركة القومية المستعد للتعاون مع بريطانيا لتحقيق الاستقلال. وقد لعب دورًا في المفاوضات التي جرت إبان الحرب، حين أعطت بريطانيا بعض التعهدات لسبعة من السوريين في القاهرة، كان رشيد رضا واحدًا منهم. إلا أنه اختلف، حول هذا الأمر، مع صديقه شكيب أرسلان الذي كان يخشى، بالرغم من استنكاره لسياسة تركيا الفتاة، مخاطر تفكيك الوحدة التي تربط الأتراك والعرب. ولذلك آثر العمل على تغيير السياسة التركية. ويبدو أن رشيد رضا نفسه قد ساورته شكوك أخذت تتزايد بتزايد سني الحرب، بحيث أثار، كما يقال، استياء الإنكليز منه قبل أن تضع الحرب أوزارها (94). ثم جاءت أحداث ما بعد الحرب تزيد في هذه الشكوك، فاشترك اشتراكًا فعليًا في حركة المقاومة القومية الجديدة للحكم الفرنسي
في سوريا، وذلك بوصفه رئيسًا «للمؤتمر السوري» الذي عرض عرش سوريا على فيصل في 1920، وعضوًا في «المؤتمر السوري الفلسطيني» المنعقد في جنيف في 1921، وعضوًا في اللجنة التنفيذية التي أنشأها هذا المؤتمر في القاهرة، والتي أيدت قضية الاستقلال السوري والفلسطيني، وبقيت على اتصال وثيق بزعماء البلاد، وأجرت أحيانًا مفاوضات مع السلطات الفرنسية. وقد حملته آراؤه القومية، في هذه المرحلة الجديدة، على معارضة الدول الأوروبية معارضة أشد. فهو قد كان دائمًا يرى في فرنسا نصيرًا للإرساليات المسيحية ومستعمرًا هدم مؤسسات شمالي أفريقيا الدينية ونظامها الاجتماعي. لكنه غدا الآن يرى في إنكلترا أيضًا عدوًا للإسلام. ذلك أنها أخذت على عاتقها، على حد قوله، تهديم دين الإسلام في الشرق بعد أن هدمت سلطانه الدنيوي (95). وقد اعترف مرة لشكيب أرسلان بأنه، بالرغم من تحقير الأتراك للعرب، فإنه يفضل حكمهم على حكم الأوروبيين (96). (مع أنه غير رأيه في هذا الصدد بعد سنوات قليلة استنكارًا لإلحاد الأتراك)(97). ومما يشير إلى تحويل موقفه من الدول الأوروبية، مقال كتبه عن البولشفية عند نهاية الحرب (98)، جاء فيه أن البولشفية ليست سوى اسم آخر للاشتراكية، وأن الاشتراكية تحرر العمال من الرأسماليين والحكومات الجائرة. فعلى المسلمين أن يتمنوا فوزها، لأنهم هم أيضًا عمال ويعانون الجور نفسه، ولأن في فوز الاشتراكية نهاية استعباد الشعوب. نعم، إن الشيوعية مخالفة للشريعة الإسلامية، لكن أعمال الحكومات الأوروبية مخالفة لها أيضًا.
كانت هذه المقاومة المتزايدة التي أعلنها رشيد رضا في وجه الدول الأوروبية سببًا في خصومته للأسرة الهاشمية التي اعتبرها كارثة «نكداء» حلت بالإسلام في هذا العصر (99). فالملك حسين وأبناؤه، باعتمادهم على إنكلترا، افسحوا مجال سيطرتها على البلدان العربية والإسلامية، لا بل على الديار المقدسة نفسها.
وقد خدعوا السوريين بوعود الاستقلال التام، بينما كانوا متفقين دومًا مع إنكلترا. وكانوا مستعدين، في الخفاء، لقبول الانتداب الفرنسي. كما أنهم خانوا عرب فلسطين، وتهجموا على حكام العرب إخوانهم. ثم إنهم أساؤوا حكم الحجاز، فتفشى فيه الفساد والوهن والطمع وعدم الاستناد إلى الشورى. وكانوا، ككل أشراف مكة تقريبًا، يجهلون شؤون الدين ويطمسون كل معرفة من شأنها أن تساعد على الإصلاح الروحي والدنيوي. ولم يكن حتى نسبهم نفسه شريفًا نصف ما عليه نسب إمام اليمن من الشرف. لهذه الأسباب جميعًا قاوم رضا مطالبة الحسين بالخلافة كما قاوم مطامحه الزمنية (100). لكنه لم يهضم الحسين حقه عندما كتب عنه بعد وفاته قائلًا: إن الملك العجوز كان عنيدًا وجاهلًا، لكنه كان ذكيًا، قوي الإرادة، نزيه النفس، محافظًا على الفرائض الدينية، أديب المجلس، حسن الحديث (101).
كان كرهه للهاشميين ولحكمهم في الحجاز ولسياستهم العربية العامة أحد العوامل التي حملته على تحبيذ استيلاء عبد العزيز بن سعود على الحجاز، فضلًا عن التجانس الإيجابي القائم بين تفكيره الديني وتفكير الوهابيين. لكنه لم يكن متصلبًا في آرائه السياسية. وكانت معتقداته السياسية، وبنوع خاص ما كان منها مختصًا بسوريا، أهم لديه من رأيه في هذا الزعيم السياسي أو ذاك. ففي أوائل الثلاثينيات، اشترك في المفاوضات الفرنسية العربية الرامية إلى توحيد العراق وسوريا تحت لواء فيصل، كخطوة أولى نحو الوحدة العربية. وقد أيد المشروع بالرغم من شكه في إمكانية تحقيقه، وبالرغم من ميله المعروف إلى ابن سعود. لكنه أصر على أن تعقد الدولة العربية، إذا ما ظهرت إلى الوجود، تحالفًا مع السعودية العربية، وأن تعترف بالوضع الراهن في الحجاز، بحيث لا تستخدم كقاعدة لاستيلاء الهاشميين مجددًا على المدن المقدسة (102).
لقد تغيرت أفكار رشيد رضا السياسية كثيرًا في حياته، لكن هذا التغير لم يكن إلا في درجة تشديده على هذه أو تلك من المسائل. أما
هدفه الأخير فبقي واحدًا، وهو خير الإسلام كما كان يفهمه. فقد برر الموقف الذي وقفه من الثورة العربية بالقول إن مصلحة العرب السياسية هي بالذات مصلحة الأمة بمجموعها، إذ أن من شأن الدولة العربية المستقلة أن تحيي لغة الإسلام وشريعته. فلو لم تكن المصلحتان واحدة، لكان آثر واجباته الدينية على واجباته القومية، إذ أن الواجبات الدينية تتعلق بالسعادة في الدارين على السواء (103). وهكذا يتبين أنه كان للإسلام، في تفكيره، أولوية على العروبة. وهي أولوية تقضي، ضرورة، أن تكون شرائع الإسلام الخلقية ملزمة للدولة القومية. فالأمة ليست، في نظره، مطلقًا بحد ذاته، بل عليها أن تعمل وفقًا لشريعة مستمدة من شيء يتعدى مصلحتها الخاصة وعلى أساسه تحاكم.
ظل لهذه الأفكار تأثيرها طالما بقي رشيد رضا على قيد الحياة. إذ كانت دعوته موجهة إلى أولئك الذين تربوا تربية إسلامية، أو ترعرعوا في عهد الإمبراطورية قبل 1908، فاحتفظوا بفكرة الدولة الإسلامية التي يوحدها الخضوع المشترك للشريعة الإلهية. وكان شكيب أرسلان، أقرب معاونيه إليه، يشاطره هذه الأفكار وينشرها طيلة حياته السياسية التي كانت أكثر نشاطًا من حياته. فقد كان شكيب أرسلان نائبًا في البرلمان العثماني من 1913 حتى 1918، وكان يؤيد «تركيا الفتاة» في أثناء الحرب، كما رأينا سابقًا. ثم أقام، من 1918 حتى وفاته في 1946، في سويسرا خصوصًا وفي بلدان غربية أخرى، يسمع جمعية الأمم صوت المطالب السورية، ويفاوض باسم سوريا أحيانًا فرنسا وغيرها من الدول الكبرى، ويصدر مجلة اسمها «الأمة العربية» كان لها بعض التأثير في ذلك الوقت. وكانت له صلات ودية ووثيقة مع حركات سياسية في شمالي أفريقيا، «كرابطة العلماء الجزائريين» و «نجمة شمالي أفريقيا» لمؤسسها مصلي حاج، و «الدستور» في تونس، والجماعات القومية الأولى في مراكش. كما كان بالواقع صلة
الوصل بين هذه الحركات، من جهة، وبين التيار الرئيسي للشعور القومي العربي في الشرق، من جهة أخرى.
ظل القوميون يجلونه حتى وفاته، كرجل عقيدة سياسية وكأديب عربي كبير. إلا أن تأثيره ضعف في أعوامه الأخيرة. نعم، إن تأييده لألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية لم يولد الاستياء لدى العرب الذين كانوا قد فقدوا الأمل في التفاهم مع إنكلترا أو فرنسا، لكن دفاعه عن إيطاليا في الوقت الذي كانت تحاول فيه بناء إمبراطورية لها في أفريقيا أثار عليه الكثير من النقمة. هذا فضلًا عن أن عروبته كانت، في نظر الجيل الجديد، شبيهة برابطة الأفغاني الإسلامية. فلما عاد إلى سوريا في زيارة قصيرة بعد توقيع معاهدة 1936، أثارت خطبه كثيرًا من الانتقاد لتشديدها على الطابع الإسلامي للقومية العربية بأسلوب لم يعد دارجًا إذ ذاك، بل بدا غير مناسب. أضف إلى ذلك أن جيلًا جديدًا أخذ يحل محله ومحل أقرانه، كناطقين حقيقيين باسم الحركة. لقد ترعرع هذا الجيل، قبل حرب 1914 بقليل، في الجو القومي العلماني المسيطر على سياسة «تركيا الفتاة» وعلى المعاهد العثمانية العليا. كما كان منهم من بلغوا نضجهم بعد الحرب في المدارس الرسمية للدول العربية الجديدة وفي جامعة بيروت الأميركية، أو في المعاهد العليا في إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة.
وإذن، كان هنالك نوع جديد من القومية، أكثر تشعبًا وشمولًا من قومية الجيل السابق، آخذًا في النمو، في العشرينيات، لا بل في الثلاثينيات، من القرن العشرين، حتى لم تعد وسائل التنظيم والعمل القديمة ترضي القوميين الجدد، كالتحالفات الواهية والمتقلبة بين الزعماء المحليين، وكالمفاوضات الصبورة التي تتخللها التظاهرات العرضية أو المؤتمرات الكبيرة المنعقدة لإعادة تأكيد الأهداف. نعم، لقد كان النجاح نصيب بعض تلك الكتل، «كالكتلة الوطنية» في سوريا، بحيث توصلت في 1936 إلى عقد
معاهدة الاستقلال التي لم تنفذ، غير أنه كان لهذه الكتل عيوبها في نظر الشباب. من ذلك أنها كانت في فحواها مخالفات واهية بين زعماء مستقلين انصرفوا، بالرغم من اهتمامهم المبدئي بالوحدة العربية، إلى القضايا المحلية. أضف إلى ذلك أن هدفهم لم يكن تحقيق الاستقلال التام، بل إحداث الضغط الكافي للتوصل إلى اتفاق مع الدول المسيطرة. وهم لم يقوموا بأي محاولة منظمة في سبيل التربية السياسية القومية، كما لم يكن لديهم فكرة واضحة عما يجب عمله بعد تحقيق الاستقلال. لكنه قام تدريجًا، إلى جانب هذه الكتل، أحزاب أخرى وجهت دعوتها، في الأخص، إلى أبناء الجيل اللاحق. كانت هذه الأحزاب ذات نظام إداري متدرج، وعضوية مشتركة بين جميع البلدان العربية، وعقيدة قومية وبرنامج للعمل. ففي العراق، نادى «حزب الأهالي» ، المؤسس في 1931، بالديموقراطية البرلمانية، وبالحقوق الفردية، وبالإصلاح الاجتماعي الشامل، رافضًا نظرية حرب الطبقات ومشددًا على وحدة الأمة. وفي سوريا، دعا حزب «عصبة العمل القومي» ، الذي باشر عمله في 1935، إلى برنامج مماثل نوعًا ما، نص على الاستقلال الوطني والوحدة العربية، والعلمانية، والإصلاح الاجتماعي. وقد لعب أمثال هذين الحزبين، في الثلاثينيات، دورًا معينًا في حياة سوريا والعراق السياسية. لكنها لم تكن أكثر فعالية من الأحزاب التي رغبت في الحلول محلها. بيد أن أهميتها ترجع، في الأخص، إلى كونها حاولت أن تعبر عن عقيدة قومية أشد ترابطًا وأقل تساهلًا من عقيدة الجيل السابق: عقيدة أدى فيها هذا التشديد، الذي لاحظناه في تفكير رشيد رضا، إلى نتيجة لم يكن هو ليقبل بها. لقد انتقل مركز الثقل، في هذه العقيدة، من الإسلام كشريعة إلهية، إلى الإسلام كحضارة. أو، بتعبير آخر، لقد استعيض عن النظر إلى القومية العربية كخطوة لا بد منها لإحياء الإسلام، بالنظر إلى الإسلام كخالق للأمة العربية ومستودع لثقافتها أو موضوع عزتها المشتركة.
فعبد الرحمن البزاز، مثلًا، وهو أستاذ عراقي شاب، ينفي، في محاضرة له عن الإسلام والقومية العربية، أن يكون بينهما أي تناقض. ويقول إنه إذا ظهر أي تناقض، فإنما هو ناجم عن المفهوم الغربي للإسلام والقومية، وأن قبول العدد الكبير من العرب بهذا المفهوم لدليل على سيطرة الغرب الفكرية عليهم، بينما الواقع أن مضمون الإسلام هو مضمون القومية العربية بالذات، وأن هذا لا يصح إلا على العرب دون سواهم من الأمم الإسلامية الأخرى. كان من الممكن لرشيد رضا أن يوافق على هذا القول، لكن إلى هذا الحد فقط. وقد مررنا بتحليل مماثل في كتاباته. غير أن الفرق الجوهري بين الرجلين هو أن رشيد رضا لم يعرف الحضارة العربية إلا بمفاهيم الإسلام، بينما فعل البزاز نقيض ذلك. فالإسلام، في نظره، هو دين قومي. وهو، في حقيقته، الإسلام العربي الذي أفسدته الأمم الأخرى بخصائصها فيما بعد. وهذا الإسلام ليس إلا صورة مكبرة عما كان مطويًا من قبل في طبيعة العرب، وما مثله الخلقية العليا إلا مثل الخلقية العربية الطبيعية. وليس الشورى، وهي مثاله السياسي الأعلى، إلا ديمقراطية العرب الطبيعية ذاتها. ولم يكن انتشار الإسلام سوى الوسيلة التي بها قام العرب بمساهمتهم العظيمة في التاريخ.
ويقول البزاز أيضًا أن اللغة العربية هي «روح الأمة العربية» . فالناطقون بالضاد هم العرب. لكن، لما كانت الحضارة الإسلامية هي ذاتها مضمون اللغة العربية، فبإمكان الناطقين بالضاد أن يجعلوا من الحضارة الإسلامية ومن الماضي الإسلامي كله حضارتهم وماضيهم. أما العرب المسيحيون، فهم أيضًا جزء من الأمة العربية، وبوسعهم أن يعتزوا اعتزازًا حميمًا بما فعلت في التاريخ أسوة بالعرب المسلمين أنفسهم. إن هذا الاستنتاج، الكامن ضمنًا في تحذير البزاز من الاستئثار الإسلامي، قد استنتجه تصريحًا، ولأسباب واضحة، كاتبان مسيحيان من أبناء الجيل ذاته، تجلت فيهما بوضوح عملية تبني
المسيحيين للتراث الإسلامي العربي. فأحدهما، قسطنطين زريق، وهو مسيحي أرثوذكسي من دمشق، وأستاذ في جامعة بيروت الأميركية، ومؤرخ مرموق للقرون الوسطى، ومرجع لجيل كامل من القوميين، قد نشر في 1939 كتابًا هو مجموعة من الأبحاث في «الوعي القومي» ، انطلق فيها من تقدير وفهم جليين لوضع العرب الحالي. فهو يقول بأن مشكلتنا الأساسية اليوم هي أنه ليس لدينا عقيدة، ولا يمكننا، بدون عقيدة، أن نخضع رغباتنا وشهواتنا الفردية لمؤسسة قائمة على مبدأ. لذلك، فنحن لا نستطيع، كمجموع، العمل بنجاح. إن القومية هي العقيدة التي نفتقر إليها، إذ أنها تولد الشعور بالمسؤولية المشتركة والإرادة في خلق مجتمع والمحافظة عليه. لكن مجتمعنا العربي هو من نوع خاص. فهو يستمد وحيه ومبادئه من الدين، ديننا نحن، وهذا الدين لا يمكن أن يكون، بالنسبة إلى العرب، إلا الإسلام. قد يبدو مستغربًا صدور مثل هذا القول عن مسيحي، لكن غرابته تزول عندما يتابع زريق فيميز بين «الروح الدينية» و «العصبية الطائفية» (105). وهذا التمييز قائم على حقيقتين يسلم بهما زريق: الأولى أن جميع الأديان تنطوي على جوهر واحد للحقيقة هو في متناول جميع البشر، والثانية أن مبادئ الدين الخلقية هي المبادئ عينها التي لا بد منها لبناء مجتمع مستقر ومزدهر. نعم، إن «الرموز» التي تعبر بها هذه المبادئ عن نفسها تختلف بين دين وآخر، إلا أن لهذا الاختلاف أهمية حضارية لا فكرية. بهذا المعنى كانت العلاقة بين العرب والإسلام علاقة جوهرية. فمحمد هو منشئ الحضارة العربية، وموحد الشعب العربي، ورجل العقيدة الذي منه يستطيع هذا الشعب أن يستمد الإلهام. لكن ليس هناك ما يشير إلى أن على العرب أن يستمدوا منه أكثر من هذا، أو أن يسترشدوا بالشريعة الإسلامية أو بمؤسسات الخلافة. ومما لا شك فيه أن على العرب أن يكونوا شعبًا حديثًا، وعليهم، بالتالي، أن يقتبسوا المؤسسات التي يتميز بها الغرب.
وهناك عرض أكثر توسعًا وتفصيلا لهذه الفكرة ذاتها لدى ادمون رباط، وهو مسيحي كاثوليكي من حلب، لعب دورًا قياديًا في سياسة «الكتلة الوطنية» ، وساعد في مفاوضات معاهدة 1936. فكتابه «الوحدة السورية والمصير العربي» هو محاولة لتحديد طبيعة الأمة وحدودها. ففيه يعلن أن ليس هناك أمة سورية، بل أمة عربية (106). ثم يحدد الأمة العربية استنادًا إلى عوامل مختلفة هي، أولًا، وحدة العرق والأصل. فالأمة العربية قد تكونت، حتى خارج حدود شبه الجزيرة، بفضل موجات متتابعة من الهجرة؛ وثانيًا، وحدة اللغة التي هي «العامل القومي الأكمل» (107)؛ وثالثًا، الدين. وهو ينظر إلى وظيفة الدين السياسية نظرة الفلاسفة الوضعيين ذاتها. فالدين يلعب دورًا كبيرًا في المرحلة الأولى من حياة الأمم، والتضامن الديني هو الذي يمهد للتضامن القومي، ويعبد الطريق للشراكة السياسية، ويوحد بين أتباعه في وجه الفاتح الأجنبي. أما الدين الذي قام بهذا الدور في التاريخ العربي، فهو، ولا ريب، الإسلام، الذي هو دين ذو فحوى قومي (108). وهكذا فإن الأمة الإسلامية ليست سوى الأمة العربية في مرحلة تكوينها الأولى.
أما حدود الأمة العربية فهي، في نظر رباط، ما كانت عليه في نظر الجيل السابق، أي البلدان الناطقة بالضاد في آسيا. وهي تشمل ثلاث وحدات جغرافية وبشرية: العراق، وشبه الجزيرة، ولا سيما سوريا بمعناها الأوسع. فسوريا هي وحدة، وإن لم تكن أمة قائمة بذاتها. ولبنان جزء منها، لكنه جزء متميز عنها إلى حد ما، إذ أنه عربي في شعوره كما هو في لغته. غير أن «مدنية عربية بطابع محلي» (109) أو شعور إقليمي قد نشأت فيه مع الزمن، على غرار ما نشأ في كل من الأقضية السورية الأخرى. وقد دام واستقر بفضل تراث قائم على الحرية الدينية والحكم الذاتي والسيطرة المسيحية والاتصال بالغرب. ولكي تتجسد القومية العربية يجب، أولًا، أن يكون هناك وحدة بين مختلف الأجزاء التي تجزأت إليها سوريا على يد
الدول المنتدبة (مع الاحتفاظ بوضع خاص للبنان ضمن هذه الوحدة)؛ وثانيًا، أن يتحد «الهلال الخصيب» ويكون فيه العراق «قطب الجاذبية الذي حوله تتبلور، لتنتظم وتفعل، آمال الوحدة العربية» (110)؛ وأخيرًا يمكن لشبه الجزيرة أن تنضم إلى هذه الوحدة. لكن عليها، في الوقت الحاضر، أن تبقى منفصلة عنه، نظرًا للفرق بين تطورها الاجتماعي والسياسي وتطور بلدان الشمال الأكثر تقدمًا منها. أما مصر فهي، بالرغم من عناصر قرابتها العديدة، ذات شعور قومي خاص. وأما بلدان أفريقيا الشمالية الفرنسية، فلا تزال في عهد ما قبل القومية، إذ لم يحل التضامن الاجتماعي فيها بعد محل التضامن الديني، ولم تزل القوة الوحيدة فيها القادرة على تحريك الجماهير في الإسلام لا العروبة (111).
لا بد لأبناء الأقلية الذين يتبنون قضية الأكثرية من أن يدفعوا ثمن هذا التبني. والثمن إنما هو نوع من التردد بين طرف وطرف معاكس، بين قبولهم التام بتلك الأمور التي تمنعهم من أن يكونوا هم أنفسهم مقبولين قبولًا تامًا، وبين تذكرهم لهذه الأمور. لقد ظل شيء من الالتباس عالقًا بنظرة العرب المسيحيين إلى الإسلام. وليس من قبيل العرض أن تأتي عقيدة القومية العربية الأشد وضوحًا ومنطقًا وتصلبًا على يد مسلم، لكنه مسلم يقف على هامش العملية التي كان يضعها وينظر إليها بذلك الوضوح المقلق الخاص بالإنسان الهامشي، نعني به ساطع الحصري. إنه من أصل سوري، وعلى صلة قربى بأسرة الأشراف في حلب، لكنه ربي في إسطنبول، فنشأ تركيًا أكثر منه عربيًا. تلقى في حداثته التربية المعهودة لدى جيل «تركيا الفتاة» تلك التي كانت تستند إلى أفكار الفلسفة الوضعية الفرنسية والقومية الأوروبية. وقد شغل مناصب رفيعة في وزارة التربية العثمانية، قبل أن يحمله انهيار الإمبراطورية، كما حمل الكثيرين سواه. إلى اختيار أحد جانبي ثقافته المنعقدة. فالتحق بالحكومة العربية بدمشق، وأصبح وزيرًا لفيصل في شؤون التربية الوطنية، ولعب دورًا مهمًا
في المفاوضات النهائية قبل الاحتلال الفرنسي لدمشق وزوال مملكة فيصل. وقد كتب كتابًا مهمًا عن ذكريات هذه الحقبة. ثم رافق فيصل بعد سقوطه إلى العراق، حيث اعتلى من جديد بعض المناصب في وزارة التربية، فكان له تأثير كبير في تكوين وعي عربي في العراق. وبعد إخفاق انقلاب رشيد علي، نفي من البلاد. وفيما كان في بيروت، ثم في الجامعة العربية في القاهرة، وضع سلسلة من الأبحاث دارت خصوصًا حول النظرية القومية والدفاع عن القومية العربية. هذه الأبحاث تمت بصلة وثيقة إلى أدب الأربعينيات والخمسينيات. ذلك أن حياته العملية النشيطة لم تترك له متسعًا من الوقت للتأليف المنظم. ولعل انتقاله من لغة إلى لغة قد أخر في تبلور أفكاره النهائي. إلا أن هذه الأفكار تنتمي جوهريًا إلى عهد سابق، ويمكن النظر إليها كالتعبير النهائي لتلك الفكرة القومية التي برزت خلال الأعوام اللاحقة لعام 1908 والتي سيطرت على الحياة السياسية في سوريا والعراق حتى 1945.
نجد في كتاباته نظرية «نقية» للقومية، أدركت جميع افتراضاتها وقبلت بها وجابهت كل قضاياها- نظرية استمدها، خلافًا لسواه من الكتاب، لا من الفكر الإنكليزي والفرنسي فحسب، بل من جذورها في الفلسفة الألمانية أيضًا. لقد قرأ «فيخته» كما لم يفعل، حسب علمنا، أي قومي عربي آخر، فالمجتمعات السياسية تنشأ، في نظره، عن ثلاث عواطف: عاطفة القومية، وعاطفة القومية الإقليمية، وعاطفة الولاء للدولة. لكن أهمها الأولى، إذ هي التي لعبت، منذ بدء القرن التاسع عشر، دورًا فعالًا في خلق الوطنية وإنشاء الدول. فالوطن، بالنسبة إلى الإنسان الحديث، هو الأرض التي يعيش فيها أبناؤه. وحق الدولة في ولاء المواطن لها قائم على كونها تجسد إرادة الأمة (113). وقد يكون موضوع العواطف الثلاث واحدًا: فقد يعيش جميع أبناء الأمة الواحدة في «الوطن» الواحد، ولا يقطن فيه سواهم، فيكون الوطن بكامله، لا أكثر ولا أقل،
أرض الدولة الواحدة. وفي هذه الحالة، يكون المجتمع مستقرًا سياسيًا، كما تكون الأفكار والمشاعر السياسية مستقرة أيضًا. فلا صراع ولا التباس ولا تساؤل ولا توزع في الولاء. أما عندما لا تتوافر ذلك، فيما تتعقد الأفكار السياسية وتلتبس على أهلها وينشأ عن ذلك انقسام في المعتقدات السياسية قد ينذر بالخطر (114). في مثل هذه الحالات يصبح من الضروري توضيح المفهوم الحقيقي للقومية والدفاع عنه. وهذا هو الهدف الرئيسي، لا بل الأوحد، لكتابات الحصري.
ما هي الأمة إذن؟ يخالف الحصري مخالفة تامة المفكرين الإنكليز والفرنسيين القائلين بأن الأمة هي أي جماعة تريد أن تكون أمة. فالأمة، عنده، شيء موجود بالفعل: فالإنسان يكون عربيًا أو غير عربي، شاء أم أبى. وهو ينتقد تحديد رينان الشهير للأمة القائل:«الأمة هي الاشتراك في الأمجاد في الماضي وإرادة واحدة في الحاضر وإتيان الأعمال العظام معًا والعزم على الإتيان بالمزيد منها» (115). إذ أن الأمة تقوم على أساس موضوعي، وهذا الأساس هو، في نهاية الأمر وقبل كل شيء آخر، اللغة. والأمة العربية هي مجموع من كانت لغتهم الأصلية اللغة العربية، لا أكثر ولا أقل (116). (قد يبدو غريبًا أن يتبني الحصري هذه النظرة، فيناقض بذلك اختباره الشخصي. فلغته الأصلية كانت اللغة التركية، وهو لم يصمم على التضلع من اللغة العربية إلا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، إذ كان عليه أن يقرر أن يكون إما عربيًا، أو تركيًا. لا شك أن بإمكانه أن يرد على هذا بالقول إن ما جعله عربيًا لم يكن اختياره أن يكون عربيًا لا تركيًا، بل تصميمه، بعد أن قام بهذا الاختيار، على اقتباس اللغة العربية وجعلها اللغة الأولى لفكره ولحياته، وإن الحاجة إلى القيام بذلك لدليل على الأهمية البالغة للغة في حياة الأمة). ويلي اللغة في الأهمية التاريخ. فالتاريخ المشترك أمر مهم، لكنه ثانوي، إذ من شأنه أن يقوي الرابطة
القومية، لكنه لا يمكنه أن يخلقها، وهو لا يستطيع أن يقويها إلا إذا استخدم عمدًا في سبيل هذه الغاية. «فنحن لسنا سجناء ماضينا، إلا إذا أردنا ذلك. وعلى كل أمة أن تنسى جزءًا من تاريخها، ولا تتذكر منه إلا ما تجد فيه نفعًا لها» (117).
أما الدين، فالحصري لا ينكر تأثيره في المشاعر الإنسانية. فهو يساعد على خلق نوع من الوحدة في مشاعر الأفراد. لكن نوع هذا التأثير وكيفية ارتباطه بالوحدة القومية يختلفان من دين إلى دين. فالدين القومي لا يثير أي مشكلة قط، إذ لا شك في أنه يدعم الشعور القومي. لكن الأمر يتعقد عندما يكون الدين عالميًا، كالمسيحية والإسلام. فمن طبيعة هذا الدين أن يخلق مشاعر عالمية، لا بل مشاعر لا قومية. إلا أن هناك ما يحد من هذه النزعة. فالأديان لا تنتشر إلا بواسطة أداة التعبير القومي، أي اللغة؛ ولكل دين علاقة جوهرية مع لغة معينة، تنشأ عن التبشير به وعن كتبه وطقوسه المقدسة، ولا يمكنه أن ينتشر إلا بواسطة هذه اللغة، ولا ينتشر إلا إذا كان للأمة الناطقة بتلك اللغة مصلحة قومية في انتشاره. فيستخدم الشعور القومي الدين كوسيلة لتأكيد ذاته. وفي هذا يقول: «إن الدين إذا اتحد بلغة من اللغات قوى جذور تلك اللغة وحافظ على كيانها أكثر من جميع العوامل الاجتماعية الأخرى. ومما يلاحظ في سير الوقائع التاريخية أن الديانة، عندما تتفرع إلى مذاهب عديدة، قد تربط مقدرات بعض هذه المذاهب ببعض اللغات بوجه خاص. وتنتشر اللغة المذكورة مع انتشار المذهب الذي تبناها، وتتوسع سيطرة الأمة التي كانت الصاحبة الأصلية للغة المذكورة بفضل هذا الانتشار
…
وعلى سبيل المثال، من المعلوم أن المذهب الأرثوذكسي قد اعتمد على النص اليوناني من الإنجيل، مما أدى إلى اصطباغ الكنيسة الأرثوذكسية بصبغة يونانية. وهذه الصبغة قويت بوجه خاص في بلاد البلقان، وصارت الكنيسة اليونانية تسيطر على الأمم المسيحية في مقدونيا وبلغاريا سيطرة معنوية شديدة من
الوجهة الدينية، على الرغم من أنها كانت هي بدورها تحت سيطرة الدولة العثمانية من الوجهة السياسية
…
ولهذا السبب بدأت النهضة القومية البلغارية أولًا بالقيام ضد الكنيسة اليونانية، وضد رجالها اليونانيين
…
وأوجدوا كنيسة قومية قائمة بنفسها
…
إن البلغار وضعوا بذلك حدًا للخلافات التي كانت تظهر في بلادهم بين السياسة القومية وبين السياسة الدينية، وضمنوا استقلالهم القومي عن الكنيسة اليونانية، قبل أن يتموا استقلالهم السياسي عن الدولة العثمانية. إني أعتقد أن هذه الأمثلة كافية لإظهار قوة النزعات القومية تجاه الروابط الدينية وللبرهنة على أن الأديان العالمية نفسها لا تستطيع أن تقضي على النزعات القومية» (118).
تنعكس في هذا القول بشكل جلي نظرية ابن خلدون في العلاقة بين الدين والعصبية. فالدين لا يمكنه بحد ذاته أن ينشئ جماعة سياسية، بل بوسعه فقط أن يقوي الجماعة التي تكون قد نشأت عن تضامن طبيعي ناجم عن صلات طبيعية. ويستخرج الحصري، بشكل أوضح ومنطق أقوى مما فعله غيره من المفكرين، ما تنطوي عليه ضمنًا هذه النظرة. وهو أنه لما كان وجود الأمة يسبق منطقيًا وجود الجماعة الدينية، فليس من علاقة جوهرية بين الأمة وبين دين معين من الأديان. نعم، كان نشوء الأمة العربية، من الوجهة التاريخية، متصلًا اتصالًا وثيقًا بالإسلام؛ إلا أن العرب لا يشكلون جوهريًا أمة إسلامية. فهم يبقون عربًا حتى لو لم يبقوا مسلمين. وعلى هذا، فالمسيحيون الناطقون بالضاد عرب كالمسلمين وبالمعنى ذاته بالضبط، ويمكنهم أن يكونوا عربًا بدون أن يتخلوا عن أي شيء من تراثهم الديني أو أن يقتبسوا تراث الإسلام. والواقع أنهم لم يستيقظوا على قوميتهم العربية إلا عن طريق تراثهم الديني، إذ أن قوميتهم بدأت بنضال العرب الأرثوذكس للتخلص من السيطرة اليونانية في بطريركية أنطاكية، ونضال الكنائس الشرقية المتحدة مع روما لمقاومة اجتياح العادات والطقوس وأساليب التفكير
اللاتينية كنائسهم (119).
ولما كانت الأمة تحدد بلغتها، فهي لذلك تشمل جميع الناطقين بهذه اللغة. وحدود هذه، هي حدود تلك، لا أكثر ولا أقل. من هنا كانت معارضة الحصري للقوميين المسلمين الذين يدعون أن ولاء العرب السياسي هو للأمة الإسلامية جمعاء، أكانت لغتها العربية أم سواها. ومن هنا أيضًا كانت معارضته للإقليميين الذين يقولون بأمم متميزة داخل العالم الناطق بالضاد. لقد صرف كثيرًا من الوقت محاولًا إقناع المصريين بأنهم جزء من العالم العربي، فراح يكتب في هذا السبيل حتى منذ مطلع الثلاثينيات. وهذا جدير بالاعتبار، إذ أن التيار الرئيسي للقومية المصرية في ذلك الحين كان فرعونيًا أو متوسطيًا، لا عربيًا، ولأن القوميين العرب من أبناء جيله كانوا يميلون، كما رأينا سابقًا، إلى التطلع إلى بغداد لا إلى القاهرة، وإلى الاعتقاد أن الأمة العربية إنما تنتهي عند صحراء سيناء. مع أن الكثيرين من الجيل الأفتى كانوا يحلمون عاطفيًا بوحدة أوسع. فهو يقول، حتى في وقت باكر كعام 1936:«لقد زودت الطبيعة مصر بكل الصفات والمزايا التي تحتم عليها أن تقوم بواجب الزعامة والقيادة في إنهاض القومية العربية. لأنها تقع في مركز البلاد العربية، بين القسمين الإفريقي والأسيوي منها، كما أنها تكون أكبر كتلة من الكتل التي انقسم إليها العالم العربي بحكم السياسة والظروف. وهذه الكتلة قد أخذت حظًا أوفر من الحضارة العالمية الحديثة، وقد أصبحت أهم مركز من مراكز الثقافة في البلاد العربية. وهي أغنى هذه البلاد بأجمعها. كما أنها أقدمها في تشكيلات الدولة العصرية وأقواها في الآداب وأرقاها في الفصاحة» (120).
وقد دخل فيما بعد في مجادلات عديدة مع الكتاب المصريين الذين كانوا يدافعون في ذلك الحين عن قومية مصرية صرف، بمن فيهم لطفي السيد (121)، وطه حسين (122)، مدعومًا بالاقتناع بأن التاريخ يؤيده. فهو يقول: «إنني لست متخوفًا أو متشائمًا من
شيوع وذيوع الآراء الانفصالية، لأني أعتقد أنها من نوع «غيوم اليأس» التي تستولي على النفوس عادة عندما تمنى بالإخفاق في تحقيق مشروع من المشاريع المحببة إليها، في مرحلة من مراحل العمل من أجلها، ولكنها لا تلبث أن تنقشع وتزول، عند التفكير في الأمور بشيء من الهدوء، وعند العودة إلى العمل مع شيء من الحزم والأمل» (123).
وبدا أكيدًا، بعد تأسيس جامعة الدول العربية في 1945 وتزعم مصر لها، أن التاريخ يبرر أمله. وقد رأس ساطع الحصري معهد جامعة الدول العربية للدراسات العربية معتبرًا هدف هذا المعهد التنشئة القومية الصحيحة. وليس من المستبعد أن تكون كتاباته قد ساهمت مع عوامل أخرى في تلوين القومية المصرية بلونها العربي.
إن هذا التوسيع لمفهوم الأمة بحيث يشمل مصر (وشمالي أفريقيا أيضًا) كان نتيجة ضرورية لتحديد الأمة باللغة وحدها. وقد تبين أن القومية اللغوية أو الثقافية، إنما هي لدى العرب، مثلما هي تقريبًا في كل مكان من الشرق الأدنى، أقوى من القومية الإقليمية. ويمكن رد ذلك إلى أسباب عدة، منها الاقتداء بالقومية الألمانية والقومية الإيطالية، وتأثير الحركات القومية الأخرى في الإمبراطورية العثمانية، واستيلاء اللغة العربية على قلوب الذين يعتبرونها لغة الدين والقومية على السواء. ولعل مرد ذلك أيضًا إلى تجزئة سوريا الجغرافية بعد الحرب العالمية الأولى. فسوريا كانت دومًا مركز الشعور القومي العربي. غير أن جيل ما قبل 1914 كان قد أخذ يشعر بشعور وطني معين نحو سوريا كوحدة جغرافية وتاريخية. ولو قدر لسوريا أن تستقل كوحدة غير مجزأة، لتسنى للشعور القومي العربي أن ينصب على هذه الوحدة المعينة، ولقام شيء من التوازن بين الشعور العربي والشعور السوري، على غرار ما حدث في مصر وفي العراق. فتجزئة سوريا إلى دويلات لم يكن أي منها يشكل وحدة طبيعية سوى لبنان قد جعلت الشعور القومي في سوريا يتحول نحو
الخارج، إذ لم يجد في الدولة القائمة ما يستأثر به. ولا شك أن القوميين العرب، في الدول «السورية» ، كانوا يستهدفون توحيد هذه الدول في سوريا كبرى، لكن هدفهم هذا أخذ يتسع تدريجًا عندما اتضح لهم أن الاتحاد مع بلدان عربية أخرى قد يكون أسهل من توحيد سوريا، لا بل قد يكون بالحقيقة الخطوة الأولى في هذا السبيل. فكانت النتيجة أن القومية السورية الصرف التي تعرفنا إليها قبل 1914 ضعفت بعد 1918. إلا أنه اعتراها بعض الانتعاش في الثلاثينيات، بفضل قيام حزب كانت القومية السورية من صلب مبادئه، نعني به «الحزب السوري القومي»، الذي أسسه أنطون سعادة في 1932. كان أنطون سعادة مسيحيًا لبنانيًا، نشأ في البرازيل، وربما تشرب هناك ذلك النوع من الوطنية السورية الذي كان شائعًا بين الطبقة اللبنانية المثقفة في أواخر القرن التاسع عشر، والذي حافظت عليه الجاليات اللبنانية المتحجرة في المهجر، بينما كان آخذًا في الزوال في الوطن الأم. كان الحزب، على غرار الفاشستية الشائعة في أوروبا الثلاثينيات، منظمًا تنظيمًا صارمًا وذا تسلسل إداري دقيق يرأسه زعيم واحد مطلق الصلاحية عمليًا. وقد لعب هذا الحزب، بشكل متقطع، دورًا مهمًا في شؤون كل من لبنان وسوريا. وفي 1949، التجأ زعيمه إلى سوريا، على أثر محاولته القيام بثورة في لبنان، فسلمه الدكتاتور السوري، حسني الزعيم، إلى الحكومة اللبنانية، فحاكمته محاكمة سريعة وأعدمته، لكن الحزب انتقم له، فاغتال أحد أعضائه رئيس الوزارة اللبنانية، رياض الصلح، المسؤول عن عملية الإعدام، كما أن الدكتاتور السوري الذي خلف حسني الزعيم مباشرة، وهو أديب الشيشكلي، كان هو نفسه من محبذي الحزب في الماضي. غير أن موجة الشعور العربي المؤيد لمصر، التي تفجرت في سوريا بعد سقوط الشيشكلي، لم تكن مؤاتيه للحزب. لكنه لعب دورًا مهمًا في الحرب الأهلية في لبنان عام 1958 تأييدًا للرئيس شمعون وسياسته الغربية.
يعود ما كان لهذا الحزب من تأثير وما أصابه من نجاح إلى ما كان عليه من انسجام، ومن عقيدة قومية نظامية انغرست في نفوس أعضائه بفضل عمل تربوي سياسي. لقد بسط أنطون سعادة بنفسه هذه العقيدة في مؤلف عام لم يصدر منه إلا الجزء الأول. فقال بأن الأمة هي الوحدة الأساسية للتاريخ الإنساني، وبأنها تنشأ عن المصلحة والإرادة، لا عن اللغة أو الدين، وبأنها قائمة بذاتها، لا تخضع لأي سلطة إلا التي تنبثق عن ذاتها (124). ثم يحاول، بدراسة مفصلة للتاريخ، أن يثبت أن هناك، بهذا المعنى، أمة سورية لها وجدان اجتماعي مشترك نما خلال حقبة طويلة من التاريخ، وهي تشمل سكان سوريا الجغرافية بكاملها. وقد ظلت موجودة، كوحدة قائمة بذاتها، حتى عندما أدمجت في إمبراطوريات أوسع أو جزئت إلى دويلات أصغر. فوجدت قبل الإسلام بزمن طويل، لكنها بلغت ذروة عظمتها، بعد نشوء الإسلام، على عهد الخلافة الأموية التي إنما كانت دولة سورية تعمل وفقًا لمبادئ المدنية السورية (125). أما على الصعيد السياسي، فقد دعا سعادة إلى إعادة توحيد هذه الأمة وإلى استقلالها السياسي استقلالًا تامًا، كما دعا، على الصعيد الداخلي، إلى توحيد المجتمع توحيدًا حقيقيًا وعميقًا، وذلك بتحقيق أمرين: الأول، فصل الدين عن السياسة فصلًا تامًا، لئلا تبقى الانقسامات الداخلية مستمرة. إلا أنه رأى من الضروري، «لاعتبارات دينية سياسية» ، أن يكون للبنان، موقتًا، كيان منفصل. أما الأمر الثاني، فهو إصلاح اجتماعي واقتصادي واسع النطاق.
كان الحزب يميل إلى معارضة الفكرة القائلة بوحدة عربية شاملة. فهذه الفكرة كانت، في نظره، غير عملية، لا بل خطرة، من شأنها أن تصرف العقول والقوى عما كان ممكن التحقيق. لكنه، بعد 1945، صاغ برنامجه صيغة أكثر عروبة، مبررًا الوحدة السورية على أنها خطوة أولى نحو تكتل عربي أوسع، تتزعمه سوريا بعد
توحيدها واستقلالها، وموسعًا مفهومه لسوريا بحيث شمل جميع البلدان التي كانت سريانية اللغة، أي سوريا الجغرافية والعراق أيضًا (126).
يدل هذا، أكثر من أي شيء آخر، على صعوبة تكوين مفهوم إقليمي للوطنية في عصر وفي منطقة كانت فكرة القومية العنصرية تسودها. ومع مرور الزمن ونشوء جيل جديد قبل بالحدود المصطنعة على أنها طبيعية، فقدت فكرة سوريا الجغرافية قوتها. لكن العوامل التي أدت إلى إضعاف القومية «السورية» كانت هي نفسها التي قوت القومية «اللبنانية» . فبعد الاحتلال الفرنسي، في 1918، أعيد للبنان حكمه الذاتي الذي كان الأتراك قد أزالوه في أثناء الحرب. وفي 1920، أعلن لبنان مستقلًا بحدود موسعة. وفي 1922، اعترف له ضمنًا، في صك الانتداب، بكيان منفصل. وفي 1926، أصبح لبنان جمهورية دستورية برلمانية. وفي لبنان الجديد والأوسع هذا، لم يعد الموارنة هم الأكثرية، كما كانوا في الجبل المتمتع بالحكم الذاتي الذي حصل عليه في 1961، بل أصبحوا فقط أكبر طائفة بين طوائف عدة. لكنهم احتفظوا، بالرغم من ذلك، بسيطرتهم السياسية، أولًا بفضل دعم فرنسا لأولئك الذين كانوا حلفاءها طيلة ثلاثة قرون، ثم بفضل ثقافتهم العليا وتضامنهم الطائفي. لكنه كان هناك معارضة شديدة لسيطرتهم وللبنان الجديد بحد ذاته. فلم يعترف معظم القوميين في سوريا بكيان منفصل للبنان الموسع، كما لم يعترف بهذا الكيان أيضًا معظم المسلمين الذين ألحقوا به عند تعديل الحدود في 1920 وبعض المسيحيين من غير الكاثوليك، وكان عددهم كبيرًا في ذلك الحين. لذلك ترتب على المؤمنين بالكيان اللبناني المستقل أن يبرروا إيمانهم هذا بصورة أجلى، وذلك بسلوك إحدى طريقين: إما التأكيد على أن لبنان، وإن كان عربيًا، فله، على حد تعبير ادمون رباط، «وجه محلي من المدنية العربية يجدر أن يحافظ عليه مؤقتًا على الأقل» ، وإما تعريف لبنان بأنه ملجأ المسيحيين وسط محيط من الإسلام والقومية العربية التي لم
تكن إلا مظهرًا آخر من مظاهر الشعور الإسلامي، ثم تعريف الشعب اللبناني بأنه أمة قائمة بذاتها، مسيحية ومتوسطية، مرتبطة بدول أوروبا اللاتينية.
وقد تزايدت الطريق الأولى أهمية في الأربعينيات، كما سنرى، وذلك بسبب الظروف الجديدة، بعد أن كانت الطريق الثانية هي السائدة خلال العشرين سنة الفاصلة بين الحربين، إذ سلكها فريق من الكتاب اللبنانيين ذوي التربية الأوروبية والتفكير الأوروبي وغالبًا اللغة الأوروبية، وفي مقدمتهم الشعراء شارل قرم وميشال شيحا وسعيد عقل.
لقد قالوا بوجود أمة لبنانية قائمة بذاتها، برزت في التاريخ للمرة الأولى في عهد الفينيقيين، واتخذت تدريجًا شكلها الحالي. وقد قولبها، أكثر من أي شيء آخر، عاملان: الأول موقعها الجغرافي. فالجبل الذي هو قوامها كان ملجأ، والطرق الكبيرة التي تحف بجانبيه استرعت دومًا انتباه أسياد العالم، والثاني استمرار سكانها الذي لم ينقطع منذ أقدم الأزمان، وتضخمهم بالهجرات المتتابعة حتى يومنا هذا. (يشير شيحا في 1942 إلى أن عشر سكان لبنان الحاليين قد دخلوا لبنان خلال العشرين سنة الماضية، بمن فيهم أفراد من أسرة السلاطين العثمانيين. ويضيف قائلًا: «لقد كان من الخليق بأسياد الشرق السابقين أن يجدوا ملجأهم الأخير على أرضنا» (127).
وهكذا نشأ شعب وحيد من نوعه، لا يمكن وصفه بتعابير غير التعابير الخاصة به. وفي هذا يقول ميشال شيحا: «أيقال بعد هذا أن لبنان اليوم هو سامي؟ أم يقال إنه عربي؟ لكل رأيه. فالأب لامنس، الذي افترض أن له بعض الوزن، كان يشك بعروبة سوريا نفسها. فلسوريا، في نظره، طابع خاص: إنها سورية. ونحن نقول من جهتنا، وحججنا أدمغ، إن أهالي لبنان هم لبنانيون وحسب، وإنهم، مع التحفظ بشأن التجنسات الجديدة، ليسوا
فينيقيين أكثر مما هم مصريون أو إيجيون أو أشوريون أو ماديون أو يونانيون أو رومانيون أو بيزنطيون أو عرب ربطت بينهم روابط القربى العرقية أم لم تربط، أو أوروبيون بالتزاوج، أو أتراك مثلًا» (128).
إن هذه الأمة، التي وجدت على مر العصور، كان لها، منذ أقدم الأزمان، «أشكال وراثية من الإحساس القومي خاصة بها (129). وقد أنشأت لها مجتمعًا ومدنية من نوع خاص، كانا صغيرين حقًا، إلا أنهما ليسا بدون أهمية بالنسبة إلى بقية العالم. فادعى أحد شعراء هذا الفريق، بحماس مألوف في الحركات القومية، لكنه حماس جردته من الخطر براءته، أن لبنان قد لعب دورًا فريدًا في إنشاء الحضارة العالمية: ففكرة النشاط الاقتصادي، والتفكير المجرد، والمحبة المسيحية، وتجسد الحقيقة في الكنيسة، وفن السياسة الذي بلغ كماله على يد الأمويين، كل ذلك قد وهبته للعالم مدن لبنان: صيدا والقدس وأنطاكية ودمشق، فانتقل منها إلى مصر واليونان وروما وأوروبا الحديثة، ثم عاد من أوروبا إلى لبنان عن طريق باريس، «عاصمة العالم الروحية ومستودع تراثه الفكري» (130). ليس لهذه اللغة الشعرية سوى علاقة غير مباشرة بالحقيقة. ولو تصدى لهذا الموضوع كتاب النثر لما صدر عن معظمهم مثل هذه الادعاءات الجارفة، بل لاكتفوا بالقول أن لبنان جزءًا لا يتجزأ من العالم المحيط بالبحر المتوسط، ذلك البحر المختار الذي جعلته العناية الإلهية ضروريًا لتقدم الخليقة، وإن سكان شواطئه يشعرون بأواصر القربي حيثما التقوا (131)، وإن لبنان، حتى ضمن هذا العالم، فريد من نوعه: فهو يتاخم عالمًا آخر، عالم الصحراء العربية، هذا البحر الداخلي الذي يطبع بطابعه أيضًا الذين يعيشون حوله.
وهكذا لم تكن مدنية لبنان، في نظر هؤلاء المفكرين، مدنية البلدان المحيطة به، متوسطية كانت أم عربية، بل مدنية خاصة
تحمل طابع المدنيتين معًا. فالقرون الثلاثة عشر الأخيرة يجب أن لا تنسينا القرون الأربعين التي سبقتها، لذلك يجب أن يكون للبنان لغتان على الأقل، وبالتالي ثقافتان، كما يجب، عن ضرورة أو عن مصلحة، أن يكون منفتحًا على الأفكار والبضائع الخارجية، وأن تكون التجارة الحرة والتنقل الحر أساسًا لحياته الاقتصادية ولأمنه السياسي أيضًا، على أن لا يفقده ذلك شخصيته وطبيعته. إن وحدته لعميقة، لكن في أساس هذه الوحدة تنوعًا لا يقل عمقًا. فهو، منذ الفتح الإسلامي، قد تجزأ إلى طوائف دينية، يشكل كل منها مجتمعًا مغلقًا يفرض على أبنائه واجب الولاء الأول له. وهكذا يمتد التنوع فيه، لا إلى الحقل الديني فحسب، بل إلى الحقلين الاجتماعي والفكري (132).
من هذه الوقائع نشأت قضية لبنان الأساسية. فعليه، لكونه متناقضًا في ذاته ومزيجًا من عالمين، أن يحاول أن لا يتنكر لأي من جانبي طبيعته أو لأي من مصلحتيه، أي أن يكون هو ذاته، وأن يكون، بالوقت نفسه، جزءًا من شيء أوسع منه. وهذا يعني، على صعيد السياسة الداخلية، أن على الطوائف الدينية فيه أن تتعلم كيف تعيش معًا. ولهذا يجب أن لا تقوم فيه ثورات أو انتفاضات من شأنها أن توقظ الولاءات الطائفية وبالتالي الانقسامات الطائفية، وأن لا تسيطر فيه طائفة على أخرى. ويجب أن لا يصدر من القوانين في البلاد إلا ما يمكن تطبيقه على جميع أجزاء الأمة بالتساوي. ويجب، قبل كل شيء، أن يكون هناك مجلس نواب حر وسيد، تلتقي فيه الطوائف الدينية وتتحد، كي تفرض رقابة مشتركة على الحياة السياسية. ومن شأن هذا المجلس، كما قال ميشال شيحا، أن «يدعم» الرغبة في العيش المشترك لدى اللبنانيين، ويفسح المجال أمام الماروني والسني، والشيعي والدرزي، والأرثوذكسي والكاثوليكي، وغير هم كي يتناقشوا معًا في جو المصلحة العامة، وبعيدًا، لفترة، عن المصلحة الطائفية (133). إن الحرية السياسية،
التي هي، بالنسبة إلى الدول الأخرى، شرط من شروط الحياة الصالحة، إنما هي، بالنسبة إلى لبنان، شرط ضروري من شروط الحياة نفسها.
أما على الصعيد الخارجي، فعلى لبنان أن يسعى للمحافظة على كيانه. إن مأساته ناشئة لا عن أن وجوده فقط، بل تركيب كيانه أيضًا، متوقفان على قوى خارجة عن نطاق إرادته، وأن جميع المشاكل، في دولة صغيرة، إنما تتصل بالسياسة الخارجية. لذلك توجب على لبنان أن يكون على علاقات ودية مع جميع ذوي السيطرة والنفوذ في العالم، بما فيه الشرق الأدنى، أي جميع من هم بحاجة إلى استخدام طرقاته لجيوشهم أو لتجارتهم. لكن هذا لا يعني أنه لا يجوز له أن يفضل دولة على دولة. فهو، بأعمق معنى، يحتاج إلى الغرب الذي هو الدوحة الكبرى لثقافته. وهو لا يمكنه أن يطمئن داخليًا وخارجيًا إلا إذا كان الغرب قويًا، وكانت سلطته في شرقي البحر المتوسط نافذة. وفي هذا يقول ميشال شيحا:«نحن هنا في لبنان أصدقاء سادة العالم، وذلك عن مبدأ وعن ضرورة. لكننا، في سبيل مصلحة هذا الشرق الذي ننتمي إليه، لسنا مستعدين أن نرضى بتدهور أوروبا» (134).
تنطوي هذه التصريحات، ضمنًا، على المشكلة الجوهرية للقومية اللبنانية. لقد حرص ميشال شيحا على تحديد لبنان على أساس لا طائفي كبلد يخص المسلمين والمسيحيين على السواء، وعلى تحديد العرب تحديدًا يشمل الإسلام كما يشمل المسيحية. لكن رؤياه للبنان ولأوروبا استهوت بطبيعتها المسيحيين اللبنانيين أكثر بكثير مما استهوت المسلمين. فهؤلاء قد يقبلون بكيان لبنان لأسباب سياسية، لكن لا يمكن لمشاعرهم أن تهتز بعمق اهتزاز مواطنيهم المسيحيين عند سماع أصوات أجراس الكنائس، أو عند التفكير بأثينا وروما وباريس. فلبنان، عندهم، ليس شيئًا فريدًا أو قائمًا بذاته. إنه، في أقصى ما يمكن أن يكونه، جزء مستقل من العالم العربي. وإذا فرض عليهم الاختيار بين العالم العربي والغرب، فلا مجال عندهم
للتردد. فما هو السبيل، إذن، لجعل النصف المسلم من سكان لبنان يقبل بتلك الرؤيا والسياسة اللتين لم تستهويا سوى نصفه المسيحي؟ كيف يمكن إنشاء دولة متعددة الطوائف وقائمة على أساس المساواة، مع احتفاظ المسيحيين بالسلطة العليا على السياسة فيها؟ وكيف يمكن تجنب ضرورة الاختيار بين العرب والغرب؟ هذه هي المآزق التي يجد القومي المسيحي اللبناني نفسه فيها.