الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
الجيل الأول (الطهطاوي- خيرالدين- البستاني)
في 1860 كانت قد نشأت نخبة من الموظفين والضباط والأساتذة ممن أدركوا إدراكًا حادًا أهمية إصلاح الإمبراطورية واقتنعوا بأن هذا الإصلاح لن يتم إلا بتبني بعض صيغ المجتمع الأوروبي على الأقل. لم يكن بين هؤلاء، في إسطنبول آنذاك، سوى بعض العرب. بيد أن تأثير بيانات الإصلاح العظمى والقوانين التي نجمت عنها كان قد عم جميع أنحاء الإمبراطورية، كما أنه كان بين الموظفين العثمانيين من هذه المدرسة الفكرية نفر شغلوا مناصب في الولايات العربية وغيرها. ففي مصر، احتل بعض المناصب رجال على شيء من التربية الفرنسية، منهم إسماعيل باشا الذي تسنم العرش في 1861. وفي تونس، كان خير الدين، زعيم دعاة إصلاح الشباب، آخذًا في احتلال مكانة مرموقة في شؤون الدولة. أما طلاب مدارس الإرساليات المسيحية في لبنان وسوريا، فلم يكن بوسعهم، بعد، الاشتراك المباشر في حكم بلاد كانت لا تزال تعتبر دولة إسلامية. إلا أنه كان لهم بعض التأثير المباشر، كتراجمة في الحكومات المحلية والقنصليات الأجنبية، كما أنه قيض لهم، في ستينيات القرن التاسع عشر، أن يكتسبوا، بوصفهم أول صحفيي العالم العربي، قوة جديدة. كانت فكرة الإصلاح قد غرست جذورها بين جميع هذه الفئات التي تعرضت بشكل أو آخر لرياح التغير، فنمت هذه الفكرة وتجسدت، في الستينيات، في حركة فكرية انكبت، قبل كل شيء، على معالجة
مشاكل الشرق الأدنى الخاصة. إلا أنها أثارت استطرادًا، مرة أخرى، المسائل العامة في التفكير السياسي: ما هو المجتمع الفاضل؟ وما هي القاعدة التي يجب أن تهيمن على عملية الإصلاح؟ وهل من الممكن استنباط هذه القاعدة من مبادئ الشريعة الإسلامية، أم أنه من الضروري الالتجاء إلى تعاليم أوروبا الحديثة وسلوكها؟ وهل هناك، بالواقع، تناقض بين الاثنين؟ وأخذت هذه الأسئلة تبرز في عقول بعض كتاب ذلك العصر الذين، وإن كانوا قد التزموا نوعًا ما بحركة الإصلاح، إلا أنهم كانوا، بالوقت نفسه، من أنصار التراث الإسلامي الراغبين في أن يثبتوا أن الإصلاح الحديث إنما تجيزه تعاليم الإسلام الاجتماعية، لا بل تستوجبه.
تناول هذه المواضيع في إسطنبول كتاب النصف الأول من القرن التاسع عشر، أمثال صادق رفعت باشا. لكنها لم تعالج معالجة وافية إلا على يد جيل فتي من الكتاب، احتل مكانة مرموقة في العقد السادس من ذلك القرن، أمثال شيناري، وضياء باشا، ونامق كمال، الذين اطلعوا على أدب أوروبا ووقفوا على أفكارها وأعجبوا بقوتها ورقيها. غير أنهم لم يكونوا بعد، بملء قلوبهم، من دعاة الحضارة الغربية. نعم، لقد شعروا بانتمائهم إلى مجتمع عثماني يضم أيضًا فئات غير تركية وغير مسلمة، وودوا أن تلج الإمبراطورية باب العالم الحديث، إلا أنهم كانوا يتحسسون أيضًا بالوطن الإسلامي المتأصلة جذورهم فيه، ويقدرون خلقية الإسلام قدرًا جمًا، فحاولوا، بمفاهيم إسلامية، تبرير تبني المؤسسات الغربية، معتبرين ذلك التبني عودة إلى روح الإسلام الحقيقية، لا إدخال شيء جديد عليه. أما في الشؤون السياسية، فكانوا ديمقراطي النزعة، يعتقدون أن النظام البرلماني الحديث ليس سوى بعث لنظام الشورى الذي كان قائمًا في فجر الإسلام، وأنه الضمانة الوحيدة للحرية. وهذا ما أدى بهم إلى الاصطدام بالحكومة التي، على تأييدهم إصلاحاتها، انتقدوا طابعها الأوتوقراطي. وقد وجدوا
مجالًا للتعبير عن أفكارهم وانتقاداتهم في الصحف التركية التي أخذت تظهر في الإمبراطورية وفي غربي أوروبا معًا منذ 1860. وفي منتصف الستينيات أقدموا على خطوة أشد جرأة، وهي القيام بأول محاولة لتنظيم حزب سياسي، فأسسوا، برعاية عضو من الأسرة الخديوية في مصر، مصطفى فاضل باشا وعضوية ضياء باشا، ونامق كامل، حزب «الشباب العثماني» في إسطنبول أولًا، ثم نقلوا مركزه إلى باريس. وكان للجريدة التي أنشأوها بعض التأثير، لكن الحزب انحل بعد 1871، عندما سمح لزعمائه بالعودة من المنفى.
كان «الشباب العثمانيون» ليبراليين، لكنهم كانوا أيضًا مسلمين أتراكًا يحبون وطنهم. وقد اعترى تفكير هم توتر خفي لم يكن ليظهر جليًا إلا لدى الجيل اللاحق. وفي القاهرة، نشأ فريق آخر على نهج من التفكير مماثل، امتزجت فيه الليبرالية الإسلامية العثمانية بشيء آخر، إلا أن هذا الشيء الآخر كان هنا محبة الوطن المصري. وكان أول كاتب حلل فكرة الأمة المصرية وحاول شرحها وتبريرها، استنادًا إلى اعتبارات إسلامية، رفعت بدوي رافع الطهطاوي (1801 - 1873)(1). كان الطهطاوي من عائلة قديمة، توارثت العلوم الدينية، وأقامت في مدينة طهطا في مصر العليا، فإذا بالظروف تخرجه من العالم القديم لتزجه في العالم الجديد. فقد أدت تدابير محمد علي، القاضية بالحجز على الالتزامات، إلى تجريد عائلته من ثروتها، دون أن تتمكن من سلبها ذوقها العلمي، فذهب الطهطاوي الشاب في 1817، أسوة بأجداده، إلى الأزهر للدراسة. وهناك تابع الدراسات المعروفة في المنهاج القديم، إلا أنه ربما استشف للمرة الأولى هناك صورة العالم الجديد. فالأستاذ الذي أثر فيه أشد التأثير كان الشيخ حسن العطار، أحد علماء العصر الكبار، وأحد المصريين الذين، لعشرين سنة خلت، زاروا معهد بونابرت المصري وتعرفوا فيه إلى شيء من علوم أوروبا الجديدة. ولعل الطهطاوي قد تعلم من أستاذه العطار شيئًا عنها،
إلا أن فضل أستاذه هذا عليه كان أعظم وأوسع مدى. فهو الذي سعى بتعيينه إمامًا لفرقة من فرق الجيش المصري الجديد، ثم إمامًا لأول بعثة رئيسية أرسلها محمد علي للدراسة في باريس. وقد ترك كل من هذين الاختبارين أثره في نفسه. فالجيش الجديد كان نواة مصر الجديدة. وقد بقي الطهطاوي، طيلة عمره، معجبًا بالفضائل العسكرية وبمنجزات جنود محمد علي. لكن تأثير باريس فيه كان أبلغ. فالأعوام الخمسة، من 1826 إلى 1831، التي قضاها هناك كانت أهم أعوام حياته. ومع أنه جاءها كإمام لا كطالب، فقد ألقى بنفسه في خضم الدراسة بحماس ونجاح. فاكتسب معرفة دقيقة باللغة الفرنسية وبمشاكل ترجمتها إلى العربية. وطالع كتبًا في التاريخ القديمة والفلسفة الإغريقية والميثولوجيا والجغرافيا والرياضيات والمنطق، كما قرأ سيرة نابليون وبعض الشعر الفرنسي بما في ذلك راسين، ورسائل اللورد تشسترفيلد إلى ابنه. وكان أهم من هذا كله أنه تعرف إلى شيء من الفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر باطلاعه على فولتير وكوندياك و «العقد الاجتماعي» لروسو وأهم مؤلفات مونتسكيو.
وهكذا ترك عصر التنور الفرنسي أثرًا دائمًا في تفكيره وفي التفكير المصري بواسطته. نعم، لم تكن بعض أفكار هذا العصر الرئيسية غريبة على من تربى على تراث الفكر السياسي الإسلامي، كالقول بأن الإنسان يحقق نفسه كعضو في المجتمع، وبأن المجتمع الصالح هو الذي يهيمن عليه مبدأ العدل، وبأن غاية الحكم خير المحكومين. أضف إلى ذلك أن نظرة روسو نفسها إلى المشترع، ذلك الإنسان الذي يستنبط بمهارته العقلية الشرائع الصالحة والذي يستطيع التعبير عنها برموز دينية بوسع عامة الشعب فهمها والإقرار بصحتها، لم تخل من بعض التجانس مع أفكار الفلاسفة المسلمين حول طبيعة النبي ورسالته ووظيفته. لكن هناك أيضًا أفكارًا جديدة يمكن تلمس أثرها في كتابات الطهطاوي: كالقول بأن الشعب
يمكنه، بل يجب عليه، أن يشترك في عملية الحكم، وبأن من الواجب تهذيبه من أجل هذه الغاية، وبأن الشرائع يجب أن تتغير بتغير الظروف، وبأن ما كان منها صالحًا في زمان أو مكان قد لا يصلح لزمان أو مكان آخر، هذا فضلًا عن فكرة الأمة التي لعله استقاها من مونتسكيو الذي ألح على أهمية الظروف الجغرافية في تكوين الشرائع، مما يستلزم القول بحقيقة الجماعة المحدودة جغرافيًا، أي المجتمع الناشئ عن العيش في مكان واحد، والذي ذهب أيضًا إلى أن قيام الدول وانهيارها يخضعان لأسباب معينة، وأن هذه الأسباب تكمن في «روح الأمة» ، وأن محبة الوطن أساس الفضائل السياسية. وفي ذلك قوله:«إن محبة الوطن تؤدي إلى دماثة الأخلاق» (2)، والعكس بالعكس. لم تكن هذه الأفكار بالنسبة للطهطاوي مجرد أفكار نظرية. إذ بينما تعرف إليها نظريًا، أوحى إليه اختباره العملي في باريس بالوجه الذي يمكن لأمته أن تنتفع به منها. وقد التقى ببعض مستشرقي ذلك العهد، كسلفستر دي ساسي، الذي، بفضله ولا شك، تنبه إلى اكتشافات علماء الآثار المصرية في العهد الأول الكبير لهذا العلم. وقد ملأت فكرة مصر القديمة ذهنه، فأضافت عنصرًا هامًا إلى تفكيره.
لم يرغب محمد علي في أن يتعرف طلابه إلى الحياة في فرنسا أكثر مما ينبغي. لكن الطهطاوي استطاع أن يقوم بمشاهدات دقيقة للعالم الحديث والقديم معًا، ويقتبس معرفة واسعة عن المؤسسات والعادات السائدة في ذلك المجتمع الأعظم والأكثر ازدهارًا في زمانه. وقد نشر، بعد عودته إلى مصر بقليل، وصفًا لإقامته في باريس بعنوان «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» ، اشتهر شهرة واسعة، وترجم إلى اللغة التركية. وهو ينطوي على عدة ملاحظات طريفة وصادقة عن آداب الفرنسي الحديث وعاداته. على أن إعجاب الطهطاوي بفرنسا لم يكن إعجابًا أعمى. فهو يرى أن الفرنسيين «أقرب للبخل من الكرم» ، وأن «الرجال عندهم عبيد للنساء» .
لكنه وجد فيهم الكثير مما يستحق الثناء: كالنظافة، وتربية الأولاد بعناية وعلى مدة طويلة، وحب العمل ورذل الكسل، وحب المعرفة (فهم يحبون دائمًا معرفة أصل الشيء)(3) والمروءة والإنسانية. كما وجد أن «من طباعهم حب التغيير والتبديل في سائر الأمور الخارجية غير المهمة، وثباتهم على آرائهم في الأمور المهمة، ثم وفاؤهم بالوعد، وعدم الغدر، وقلة الخيانة» .
عاد الطهطاوي إلى مصر، فعمل، لمدة، كمترجم في مدارس التخصص الجديدة. وفي 1836 عين رئيسًا لمدرسة اللغات الجديدة، وكلف بإعداد الطلاب لدخول المدارس المهنية وبتدريب الموظفين والتراجمة. وكان في الوقت نفسه يعمل مفتشًا للمدارس وفاحصًا، وعضوًا في لجان تربوية، ورئيسًا لتحرير الجريدة الرسمية «الوقائع المصرية» . لكن عمله الأهم كان في الترجمة. ففي 1841 ألحق بالمدرسة مكتب للترجمة عهدت إليه إدارته. وقد ضم هذا المكتب عددًا من التراجمة، تحت إشرافه ومراقبته. وفي هذه الفترة، استطاع أن يضع حوالي عشرين ترجمة، معظمها لكتب في الجغرافيا والتاريخ والعلوم العسكرية. أما الترجمات التي اقترحها أو أشرف عليها، فكان عددها أكبر بكثير. منها تواريخ للعالم القديم، وللقرون الوسطى، ولملوك فرنسا. ومنها سيرة بطرس الكبير، وسيرة شارل الثاني عشر الأسوجي لفولتير، وتاريخ الإمبراطور شارل الخامس لروبرتسون. ومنها أيضًا كتاب عن الفلاسفة الإغريق، وكتاب «تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم» لمونتسكيو. وتدل هذه القائمة على اتجاه اهتماماته، كما تدل على اهتمام سيده بترجمة سير حياة العظماء من الحكام والقواد الذين قد تكون سيرتهم شبيهة بسيرته أو مثلهم جديرًا بالاقتداء.
غير أن اختيار مونتسكيو كان، ولا شك، من فعل الطهطاوي نفسه. فهو يكشف، بهذا الاختيار عن مدى اهتمامه، طيلة عمره، بمسألة عظمة
الدول وانحطاطها وبالحل الذي كان يبتغيه لها: «فالفضيلة السياسية في الجمهورية» ، حسب مونتسكيو، إنما هي «حب الوطن» (4). وقد تميز الرومان بهذا، إلا أن محبتهم لوطنهم شابها «بعض الشعور الديني» (5).
بوفاة محمد علي فقد الطهطاوي العطف الذي حظي به في عهده. وكان ابنه إبراهيم باشا، خلفه المختار، قد مات قبله، فخلفه حفيده عباس. فأرسل الطهطاوي، في 1850، إلى الخرطوم ليفتح مدرسة فيها. وفي السنة التالية أقفلت مدرسة اللغات التي كان قد رأسها من قبل. واعتبر الطهطاوي أن سنواته الأربع في الخرطوم كانت سنوات نفي، صرفها في ترجمة تلماك فنلون. غير أن تبديل الحاكم أدى إلى تحول في طالعه. فبعد أن خلف سعيد عباسًا في 1854، سمح للطهطاوي بالعودة إلى مصر، حيث عين مجددًا رئيسًا لمدرسة ألحق بها مكتب للترجمة. وعندما خلف إسماعيل سعيدًا، بقي الطهطاوي في حظوة، لا بل كان أحد أعضاء الفريق الذي خطط لنظام التربية الجديدة، كما كان عضوًا في عدة لجان. وقد وجد، بالرغم من ذلك، الوقت الكافي لمتابعة عمله العلمي. فشجع مطبعة الحكومة في بولاق على نشر الروائع العربية، بما فيها مقدمة ابن خلدون، مما يظهر أيضًا اتجاه تفكيره. كذلك استمر في إدارة مكتب الترجمة الذي أصبحت مهمته الرئيسية ترجمة مجموعة القوانين الفرنسية إلى العربية. وأصدر، منذ 1870 حتى وفاته، مجلة لوزارة التربية وكتب فيها عددًا من المقالات المبتكرة. ووضع أيضًا عدة مؤلفات على نطاق أوسع: المجلدان الأولان من المؤلف الذي كان ينوي وضعه عن تاريخ مصر الكامل، وكتاب في التربية عنوانه «المرشد الأمين للبنات والبنين» ، وكتاب عام عن المجتمع المصري عنوانه «مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية» .
والكتاب الأخير هو الذي يعنينا بنوع خاص، لأنه يشتمل على أكمل شرح لأفكار الطهطاوي عن الطريق التي ينبغي لمصر أن تسير
فيها. كان هذا الكتاب، من حيث الشكل، دراسة عن النشاط المصري الاقتصادي (المنافع العمومية): ما هي، كيف اكتسبتها مصر في الماضي، وكيف فقدتها فيما بعد، وكيف يمكنها أن تستعيدها؟ إلا أنه كان، من حيث الجوهر، أكثر من هذا، بالرغم من أن الطهطاوي قد وضع هذا الكتاب، ككل الكتب التي ألفها في هذه الفترة، لتثقيف الطلاب في المدارس الجديدة عن طريق المطالعة، أي بأسلوب خطابي تقليدي، تتخلله استطرادات وحكايات طويلة لإثبات النقاط الواردة فيه. فمنه نستطيع أن نستخلص نظرية الطهطاوي في السياسة، وفي طبيعة مصر ومصيرها. وهي نظرية جديرة بالاهتمام، لأنها توضح، بدقة، الأفكار الشائعة بين الفئة الجديدة الحاكمة في مصر والتي على أساسها أجريت الإصلاحات في عهد إسماعيل.
لم تكن أفكار الطهطاوي في المجتمع وفي الدولة مجرد عرض جديد للنظرة التقليدية، ولا مجرد انعكاس للأفكار التي تلقنها في باريس. ومع أنه يتبع إجمالًا، في إخراج هذه الأفكار، الطريقة التقليدية، مستشهدًا في إثبات كل مسألة بالنبي والصحابة، وينظر إلى السلطة السياسية نظرة التفكير الإسلامي التقليدي إليها، فقد توسع في بعض النواحي توسعًا جديدًا وهامًا.
لم تكن فكرته عن الدولة، بالرغم من مشاهد في باريس، فكرة ليبرالي القرن التاسع عشر، بل كانت الفكرة الإسلامية المأثورة. فللحاكم السلطة التنفيذية المطلقة، إلا أن ممارسته إياها يجب أن يحد منها احترامه للشريعة ولحراسها. أما الفكرة القائلة بأن الحكم يجب أن يكون في يد «الشعب» ، فلم تكن، بحكم قراءاته واختباراته في باريس، غائبة عن ذهنه. لقد شاهد ثورة 1830، ووصفها وصفًا مطولًا في كتابه عن باريس. غير أن الفكرة كانت، في نظره، لا تتلاءم مع مشاكل مصر. فقد كان يحكم بلاده أوتوقراطي مسلم. ولم يكن من أمل، والحالة هذه، في أي إصلاح
فعال إلا بأن يستخدم الأوتوقراطي سلطته كما يجب. ثم إنه وجد في خبرته الشخصية، بما رافق حياته من نعم ومن محن، الدليل على ما يترتب على أخلاق الحاكم ونواياه من نتائج. كان يحمل كثيرًا من عرفان الجميل لمحمد علي الذي أرسله إلى باريس وتتبع أعماله، بعد عودته منها، باهتمام شخصي لا ينكر، كما كان شديد الإعجاب بهذا الرجل الذي حرر مصر من قبضة المماليك وقادها في طريق التقدم (6) فلقبه بالمقدوني الثاني، إذ كان محمد علي نفسه يشعر بالشبه بينه وبين الإسكندر، كما كان يقرأ حياته بلذة (7).
وكتب الطهطاوي فيما بعد عن سعيد وإسماعيل بتعابير الممالقة التقليدية المألوفة، إلا أنه كان فيها على شيء من التحفظ. أما موقفه من عباس، فكان غير ودي بطبيعة الحال. وقد لا يكون مجرد جمال لغة «فنلون» أو طرافة قصته، هو ما حمله على صرف أعوام منفاه في ترجمة «تلماك» . فالكتاب الذي وضعه فنلون لتثقيف تلميذه الدوق دي بورغون تثقيفًا خلقيًا، ينطوي على نقد لطغيان لويس الرابع عشر الجامح، وعلى درس خلقي للأوتوقراطيين يمكن بسهولة تطبيقه على عباس. كما كان تذكيره بسعادة مصر وجمالها على عهد ساسوتريس من شأنه أن يستهوي، بطبيعة الحال، من كان يحمل لوطنه المحبة التي كان يحملها الطهطاوي لمصر، لكنه كان من شأنه أيضًا تذكير عباس بما كانت عليه مصر في عهد سلفه، «هذه الأرض الخصبة، الشبيهة بجنة عذبة تسقيها أقنية لا تحصي
…
هذه المدن المترفة
…
هذه الأراضي التي كان يكسوها كل سنة وبدون انقطاع حصاد مذهب. هذه الحقول المليئة قطعانًا
…
هؤلاء الرعيان الذين كانت جميع أصداء الأمكنة المجاورة تردد الأنغام العذبة المنطلقة من نايهم
…
سعيد
…
هو الشعب الذي يقوده ملاك حكيم! .. أحبوا شعوبكم كأولادكم. إن الملوك الذين لا يهمهم سوى أن يرهبهم الناس، فيستعبدون رعاياهم لجعلها أكثر خضوعًا. إنما هم وباء الجنس البشري، يرهبهم الناس ولا ريب، إلا أنهم
يكرهونهم ويمقتونهم» (8).
وقد نجد في تحذيره، حتى الحكام الصالحين، من اختيار المستشارين الفاسدين والممالقين الذين لا يتورعون عن الخيانة، ومن حجب الثقة عن «الحكماء والأفاضل الذين إنما بفضيلتهم يرهبون» (9)، صدى لمؤامرة شخصية ربما كانت السبب في نفي الطهطاوي. ومن جهة أخرى، كان لا بد لنصائح «فنلون» في طريقة الحكم أن تبدو للطهطاوي قابلة للتطبيق على مصر في أيامه: فالحكام يجب أن يكونوا على معرفة تامة ومباشرة ببلادهم، وأن يشجعوا التجارة والزراعة، وأن يعنوا العناية اللازمة بالتربية، وأن ينتجوا المعدات الضرورية للدفاع، وفوق كل ذلك، أن يحترموا مبادئ الاعتدال والعدل (10).
لقد قبل الطهطاوي بسلطة الحاكم، لكنه ألح أيضًا على الحد الذي تضعه لها القواعد الخلقية. ولكي يشرح الفكرة الإسلامية القائلة بأن الشريعة هي فوق الحاكم، يلجأ إلى تفريق مونتسكيو بين «السلطات الثلاث» (11). ومما لا شك فيه أن ما شاهده في فرنسا قد عزز لديه فكرة فرض القيود على سلطة العاهل المطلقة. فهو، إذ يكتب عن ثورة 1830، يعرف تعريفًا واضحًا الملكية المقيدة والجمهورية. غير أنه، في كتاب «مناهج الألباب» ، يستمد البرهان على وجوب الحد من ممارسة السلطة من الفكرة التقليدية القائلة بانقسام المجتمع إلى «مراتب» أو «طبقات» ، لكل منها وظيفة معينة ووضع حقوقي خاص. فهو يميز، وفقًا لمبدأ ثابت منذ القدم، بين أربع طبقات: الحاكم، ورجال الدين والشرع، والجنود، وأهل الإنتاج الاقتصادي (12). وهو يعير أهمية خاصة للطبقة الثانية ولدورها في الدولة، فيقول إن على الحاكم أن يحترم ويكرم العلماء وأن يعتبرهم معاونين له في مهمة الحكم. اعتاد الفقهاء المسلمون على ترديدها وهذه نغمة. فلربما كان لها عنده، كما كان عندهم، رنين «قومي» . فقد كان الحكم،
في عهد أيام علي والمماليك والعثمانيين، في يد الأتراك والشركس، بينما كانت هيئة العلماء المؤسسة الوحيدة التي أتيح بها للأهالي في مصر الاشتراك الفعلي في تسيير الشؤون العامة. وإذ بدأت تنشأ، في تلك الحقبة عينها، فئة جديدة من المثقفين، أخذ الطهطاوي هذا الأمر بعين الاعتبار، مضيفًا على مفهوم «العلماء» معنى جديدًا، ينفي كونهم مجرد حراس لتقليد قائم وجامد. لقد كان هو نفسه ضليعًا في علم الشرع ومن أتباع المذهب الشافعي، إلا أنه رأى من الضروري أن تتكيف الشريعة وفقًا للظروف الجديدة، معتبرًا ذلك التكيف أمرًا مشروعًا. نعم، لقد كان باب الاجتهاد مقفلًا، حسب القول المأثور، ولم يحاول فتحه إلا جيل لاحق؛ غير أن الطهطاوي كان أول من خطا خطوة في هذا السبيل، مؤكدًا أن لا فرق كبير بين مبادئ الشرع الإسلامي ومبادئ «القانون الطبيعي» التي ترتكز إليها قوانين أوروبا الحديثة. وهذا يتضمن القول بإمكان تفسير الشريعة الإسلامية تفسيرًا يتفق مع حاجات العصر. وقد اقترح بالفعل مبدأ يمكن اعتماده لتبرير ذلك، وهو إنه يجوز للمؤمن في ظروف معينة أن يقبل بتفسير للشريعة مستمد من مذهب شرعي غير مذهبه (14). وقد اعتمد هذا المبدأ كتاب لاحقون لإنشاء نظام حديث وموحد للشريعة الإسلامية في مصر وغيرها.
يستنتج الطهطاوي من واجب العلماء في تفسير الشريعة على ضوء الحاجات الحديثة أن عليهم أن يتعرفوا إلى العالم الحديث، وبالتالي أن يدرسوا العلوم التي ولدها العقل البشري. وهو يستشهد بسيرة أحد المشايخ الفكرية ليثبت أن دراسة الفلسفة والعلوم العقلية بقيت حية في العالم الإسلامي حتى فترة قصيرة خلت (15). لكنها توارت الآن، ولم يقبل الأزهر في العصر الحاضر بالعلوم الجديدة التي هي ضرورية لخير المجتمع. ويخرج من هذا إلى القول بأن من واجب العلماء اليوم أن يتصالحوا مع العلوم الجديدة، وبأن من الواجب أيضًا أن يكون للمختصين في هذه العلوم ما لعلماء الشرع من مكانة
اجتماعية، وبأن على الحاكم أن يستشير ويكرم الأطباء والمهندسين وجميع من امتلكوا ناصية العلوم النافعة للدولة (16). وبتعبير آخر، لقد بعث جديد الفكرة التقليدية القائلة بشراكة الحاكم والعلماء، وفسر كلمة «العلماء» على ضوء ما قصده سان سيمون بـ «رهبنة العلماء» .
لكن وراء الحكام والعلماء جميعًا شيء آخر، هو الأمة بأسرها. كان الطهطاوي وغيره من المفكرين المسلمين يميزون تمييزًا حادًا بين وظيفة الحكم ووظيفة الطاعة. فالحاكم هو ممثل الله، وهو مسؤول أمامه وليس له من دون الله ديان سوى ضميره. أما رعاياه فعليهم واجب الطاعة المطلقة له (17). لكنه كان يرى، بالرغم من هذا التمييز الحاد بين الحاكم والمحكومين، أن الفريقين يرتبطان، بعضهما ببعض، ارتباطًا وثيقًا بالواجبات والحقوق. فواجب المحكوم أن يطيع، لكن واجب الحاكم أن يحاول إرضاءه ضمن الحدود التي تفرضها عليه طاعته لله. فخوف الله من شأنه أن يحمل الجامع الحاكم على الصالحات، وكذلك أيضًا خوف الرأي العام (18)، الذي يلعب في العالم الحديث دورًا فعالًا في حياة الدولة. لقد كان الحكم في الماضي نشاطًا سريًا يقوم به الحاكم، أما في العهد الحديث، فيجب أن يقوم على «علاقات حسنة بين الحكام والمحكومين» (19). وعلى الموظفين أن يتثقفوا كما ينبغي. فحتى شيخ القرية يجب أن يكون مثقفًا (20)، كما أن على المواطن العادي، الذي لا يعمل مباشرة في خدمة الدولة، أن يفهم قوانينها وأن يعرف حقوقه وواجباته.
عندما يلح الطهطاوي على واجب العلماء في أن يتثقفوا ثقافة حديثة، وعلى واجب المواطنين في أن يتثقفوا ثقافة سياسية، فإنما يفعل ذلك تعبيرًا عن اعتقاده أن طبيعة المجتمع ووظيفة الحكم يختلفان الآن عما كانا عليه في الماضي. كان بإمكانه أن يقبل مبدئيًا بالنظرة الإسلامية إلى الاستقرار السياسي ووظيفة الحكومة في تنظيم
مختلف الطبقات الاجتماعية وإبقائها ضمن حدود الشريعة، لو لم تلمع في ذهنه فكرة جديدة، هي فكرة التغير، كمبدأ للحياة الاجتماعية، وفكرة الحكم، كوسيلة ضرورية للتغير. فهو يذكر، في كتابه عن باريس، إحدى النواحي الغريبة من الطبع الفرنسي، وهي الرغبة في السير أبعد مما سار الأجداد، فيقول:«وكل صاحب فن من الفنون يحب أن يبتدع في فنه شيئًا لم يسبق به أو يكمل ما ابتدعه غيره» (21). كذلك يقوم كتاب «المناهج» على القول بأن للمجتمع غايتين: العمل بمشيئة الله، وتحقيق الرفاهية في هذا العالم. لم يكن هذا القول، بحد ذاته، جديدًا. إنما الحديد فيه هو المعنى الذي يفهم الطهطاوي به الرفاهية. فليس من فرق، في نظره، بين الرفاهية وبين التقدم كما فهمته أوروبا القرن التاسع عشر. وهو يرى أن للتقدم بهذا المعنى أساسين: الأول، تهذيب الخلق على الفضائل الدينية والإنسانية، والثاني: النشاط الاقتصادي الذي يؤدي إلى الثروة وتحسين الأوضاع وإلى بحبوحة الشعب بكامله (22). ويعني الطهطاوي، في كتاب «المناهج» ، بالأساس الثاني بنوع خاص. إلا أنه، إذ يكتب عن مصر، يرمي في حديثه عن التغير الاقتصادي إلى التقدم في الزراعة، قبل كل شيء. كان يعلم أن طبيعة الحياة الاقتصادية في مصر، وبالتالي حالة الخير العام فيها، تتوقف على طبيعة الحكم. فحكام مصر الصالحون كانوا دومًا يهتمون بالري. وهو يأتي على وصف مفصل لسياسة محمد علي، كما يحلل، استنادًا إلى كاتب أوروبي، إمكانات مصر الاقتصادية العظيمة والقابلة لأن تستثمر كليًا وفي وقت قصير (23).
ومن ميزات تفكيره إلحاحه على أن الثروة الوطنية إنما هي نتاج الفضيلة، إذ عندما كانت الفضائل الاجتماعية قوية كانت مصر مزدهرة. وأما مفتاح الفضيلة فهو التربية. لقد صرف معظم حياته معلمًا ومنظمًا للمدارس، لذلك رأى بوضوح ما ينبغي أن يعمل. وقد بسط أفكاره هذه في كتابه عن التربية، حيث يقول إن التعليم
يجب أن يكون متصلًا بطبيعة المجتمع ومشاكله، وأن يستهدف تغذية قلوب الصغار بالمشاعر والمبادئ الشائعة في بلدهم (24)، وأن التعليم الابتدائي يجب أن يكون واحدًا وشاملًا للجميع، وأن يكون التعليم الثانوي على مستوى رفيع، وأن يشجع الطلاب عليه، وأن تتعلم البنات كالصبيان، وعلى قدم المساواة. وهو في هذا القول، يعكس الاهتمامات والاتجاهات الجديدة التي تميز بها عصر الخديوي إسماعيل. لقد وضع هذا الكتاب بأمر من وزارة التربية التي طلبت منه أن يكتب شيئًا يصلح لتعليم الصبيان والبنات على حد سواء. وكان الطهطاوي يعتقد أن تعليم البنات ضروري لتحقيق ثلاثة أهداف: الزواج المتجانس، وتربية الأولاد تربية صالحة، وتمكين المرأة من تعاطي العمل أسوة بالرجل، كل في نطاق مؤهلاته، وتجنيب النساء فراغ حياة النميمة في الحريم. ويبدو أن الطهطاوي لم يدع إلى خروج النساء من الخدر والاشتراك في الحياة العامة، مع أنه خصص فصلًا ذا مغزى عن الحاكمات الشهيرات، بمن فيهن كليوباترا. لكنه كان يرغب في أن يعاملن معاملة أحسن ضمن العائلة. أما تعدد الزوجات، فهو لا يعتبره ممنوعًا، غير أنه يقيده بالقول إن الإسلام لم يسمح به إلا شرط أن يعدل الزوج بين زوجاته. وقد أخذ كتاب لاحقون هذه الفكرة وقلبوها إلى تحريم عملي للزواج بأكثر من امرأة (25).
ويرى الطهطاوي أن غاية التربية تكوين الشخصية لا مجرد حشد عقل الطالب بكمية من المعارف، وأنها يجب أن تحمل التلاميذ على تقدير أهمية الصحة الجسدية، والعائلة وواجباتها، والصداقة، وفوق كل ذلك، حب الوطن الذي هو الدافع الأكبر للناس على محاولة بناء مجتمع متمدن. ويكرر الطهطاوي كلمات «الوطن» و «حب الوطن» في «مناهج الألباب» وفي كتابه في التربية. وهو يعدد حقوق المواطنين، وعلى رأسها الحرية، إذ من شأن الحرية وحدها أن تخلق مجتمعًا حقيقيًا وحبًا للوطن قويًا (26). ويبدو أن الطهطاوي
أحيانًا، عندما يستعمل هذه العبارة، كأنه يستعملها في معرض بحث عام عن حقوق أي مجتمع من المجتمعات وواجباته. فيصبح معنى حب الوطن لديه، أحيانًا، كمعنى العصبية في عقيدة ابن خلدون، أي شعور التضامن الذي يجمع بين أبناء المجتمع الواحد ويشكل أساس القوة الاجتماعية. غير أنه يستعملها، أحيانًا أخرى، بمعنى أضيق وجديد، فيلح، في ضوئه، لا على واجب المواطن السلبي في الخضوع للسلطة، بل على دوره الإيجابي في بناء مجتمع متمدن حقًا، ولا على الواجبات المتبادلة بين أبناء الأمة الإسلامية وحدهم، بل أيضًا على الواجبات المتبادلة بين الذين يعيشون في البلد الواحد. وهكذا يتخذ لديه حب الوطن معنى خاصًا هو الوطنية الإقليمية بالمعنى الحديث، ويصبح الوطن الأم قطب تلك الواجبات التي تجمع، في نظر الفقهاء، ما بين أعضاء الأمة، ومحور ذلك الشعور الطبيعي الذي اعتبره ابن خلدون العنصر الموحد بين الناس الذين تربطهم روابط الدم.
ويمكن ملاحظة الانتقال إلى هذا النوع من التفكير في مقطع من «مناهج الألباب» ، حيث يتحدث الطهطاوي عن الأخوة في الدين، فيروي الحديث:«المسلم أخ للمسلم» ، ثم يضيف:
«المؤمن أخ المؤمن
…
فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الأخوة الوطنية فضلًا عن الأخوة الدينية. فيجب أدبًا أن يجمعهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغنائه وثروته» (27).
ما هي هذه الجماعة الطبيعية، هذا الوطن الذي يشير إليه الطهطاوي؟ إنه الوطن المصري، لا الوطن العربي. نعم، إن ظل فكرة العروبة، لا زال يلوح في ذهنه، لكن ذلك لم يكن إلا من رواسب تفكيره القديم لا الجديد. فهو يثني على الدور الذي لعبه العرب في تاريخ الإسلام ويدافع عنه (28)، غير أنه يرمي، عندما يتحدث عن حب الوطن، لا إلى ذلك الشعور المشترك بين
جميع الناطقين بالضاد، بل إلى الشعور المشترك بين القاطنين أرض مصر. فمصر، في نظره، شيء مميز، لكنها شيء مستمر تاريخيًا أيضًا. فمصر الحديثة هي الحفيدة الشرعية لأرض الفراعنة. كانت مخيلته تزخر بأمجاد مصر القديمة التي رآها، للمرة الأولى، بضرب من المفارقة، خلال إقامته في فرنسا، حتى إنه كتب قصائد في مدح الفراعنة. ومن ميزات أسلوب تفكيره أنه، عندما يكتب مثلًا عن رذيلة الكسل، يبدأ بالاستشهاد بالحديث وبنصوص إسلامية أخرى، ثم ينصرف إلى التحدث عن كيفية تصوير الكسالى في الفن المصري القديم (29). وكانت مصر القديمة له مدعاة للاعتزاز. فهي تجمع بين عنصري التمدن الأساسيين: الخلقية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي (30). وكما كانت عليه مصر القديمة في الماضي، يمكن لمصر الحديثة أن تستعيده اليوم. «لأن بنية أجسام أهل هذه الأزمان هي عين بنية أهل الزمان الذي مضى وفات والقرائح واحدة» (31).
لكن إذا صح ذلك، فكيف نفسر فقدان مصر للفضيلة وللازدهار اللذين كانت عليهما في الأزمان القديمة؟ في هذا يذهب الطهطاوي إلى أن علة ذلك إنما هو حدث تاريخي عرضي: الحكم الأجنبي، حكم المماليك في القرون الوسطى المتأخرة، ثم، بعد انتعاش قصير في عهد السلاطين العثمانيين الأول، حكم الشراكسة الفاسد الطويل الأمد. وكان، في قوله هذا، إنما يردد صدى بيانات بونابرت ويرسم نهجًا في التفكير تبناه في ما بعد كتاب مصر اللاحقون. وقد طبق هذا النهج، إجمالًا، في آخر الأمر، على الأسرة الحاكمة التي كان الطهطاوي من خدامها.
ذكرنا من مؤلفات سنواته الأخيرة مجلدين في تاريخ مصر نوى أن يكونا المجلدين الأولين من سلسلة كاملة أرادها أن تكون مساهمة في التربية الوطنية وملخصًا لما ينبغي للمصري الحديث أن يلم به من أمر وطنه. وقد أنجزها ابنه بعد وفاته. في هذين المجلدين
يعطي الطهطاوي فكرة عن امتزاج العناصر في تفكيره. فبينما يروي المجلد الأول تاريخ مصر القديمة، استنادًا إلى مصادر أوروبية حديثة، يسرد الثاني حياة النبي، استنادًا إلى مصادر إسلامية تقليدية، استخدمها بذكاء وبشيء من الروح النقدية. ويقسم الطهطاوي التاريخ، وفقًا للطريقة الغربية الحديثة، إلى قسمين رئيسيين: قديم وحديث. إنما لم يكن الخط الفاصل بينهما، بالنسبة إليه كمسلم، سقوط الإمبراطورية الرومانية، بل ظهور الإسلام. وهو يعتبر هذا الحدث أهم أحداث التاريخ. على أنه يعتقد، برغم ذلك، أن تاريخ ما قبل الإسلام جدير بالدراسة. فمصر جزء من الأمة الإسلامية، لكنها كانت قبلًا، في العصور القديمة والحديثة معًا، أمة منفصلة، تشكل موضوعًا مستقلًا للتفكير التاريخي (32). وهي، على كونها مسلمة، ليست مسلمة على سبيل الحصر، إذ أن جميع من يعيشون في مصر جزء من الجماعة الوطنية. وهنا أيضًا نرى كيف يأتي الاستنتاج عصريًا، بينما تبقى طريقة التفكير تقليدية: فهو يبدأ بالمفهوم الإسلامي للنصارى واليهود «كشعوب محمية» (أهل الذمة)، ثم يدافع عن الموقف الأكثر تساهلًا معهم، ويقول بوجوب منحهم الحرية الدينية الكاملة وبجواز معاشرة المسلمين لهم (33).
كانت وطنية الطهطاوي شعورًا شخصيًا حارًا، لا مجرد استنتاج من مبادئ الفلسفة السياسية. فهو يعتز بعظمة مصر الغابرة ويهتم بمستقبلها. وقد كتب عددًا من القصائد الوطنية، مدح فيها الأسرة الحاكمة. إلا أنه كان مدحًا ممزوجًا بمدح مصر القديمة والجيش المصري. ويقال أيضًا، وهذا له مغزاه، إنه ترجم المرسيلياز. فهو إذ كان يستعمل كلمة وطن، كان لا شك يستعملها كمرادف لكلمة «الوطن» الفرنسية، غير أن «وطن» الثورة الفرنسية لم يكن الأمة المتكبرة التي تعبد نفسها، أمة الأيديولوجيات الحديثة، بل الأمة خادم الإنسانية. وهو يعتقد أن مصر الحديثة مؤهلة
هي أيضًا لأن تخدم شيئًا أوسع منها، أي العلوم الحديثة التي كانت آخذة في خلق عهد جديد وفي تغيير حياة شعوب الشرق.
عاش الطهطاوي وعمل في فترة انتقالية سعيدة من التاريخ، خف فيها التوتر بين المسيحية والإسلام، ولم يكن قد حل التوتر السياسي الجديد بين الشرق والغرب. كان يقيم في فرنسا إبان احتلال الجزائر، فكتب عن هذا الحدث في كتابه عن باريس. غير أنه لم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسي. ذلك أن فرنسا وأوروبا لم تسعيا، في نظره، وراء القوة السياسية والتوسع، بل وراء العلم والتقدم المادي. كان عهده عهد اختراعات عظيمة، فكتب عنها بإعجاب: قناة السويس، ومشروع قناة الباناما، والخط الحديدي القاري في أميركا. ويبدو أن تطور المواصلات أدهشه حقًا، فخص القطار البخاري بقصيدة مدح عامرة (34). كان يعتقد أن هذه المبتكرات إنما تسجل بدء تطور سيستمر ويؤدي، في آخر الأمر، إلى التقاء الشعوب بعضها ببعض وإلى العيش معًا بسلام. لذلك توجب على مصر أن تتبنى العلوم الحديثة والمبتكرات المنبثقة عنها، دون أن تخشى من ذلك خطرًا على دينها. إذ كانت العلوم المنتشرة في أوروبا حديثًا علومًا إسلامية في الماضي، أخذتها أوروبا عن العرب. فإذا ما استعادتها مصر اليوم، فإنما تسترد ما هو لها. وأفضل سبيل إلى ذلك هو تسهيل التعاطي مع الأجانب وحسن معاملتهم. فيجب أن يشجعوا على الاستيطان في مصر وعلى تعليم المصريين ما باستطاعتهم تعليمهم إياه. ويلجأ الطهطاوي، مرة أخرى، إلى التشبه بمصر القديمة فيقول: ألم يشجع بسامتيك الأول الإغريق على الإقامة في مصر ويعاملهم كما لو كانوا مصريين (35)؟ . ثم يخلص من ذلك إلى أنه يرى في محمد علي وخلفائه الورثة الشرعيين للفراعنة في محاولتهم إحياء أمجاد مصر وإتباع المبادئ نفسها، وذلك بمنحهم المساواة للجميع، الرعايا منهم والأجانب.
غير أنه علينا أن نتذكر أن للمدنية أساسين اثنين لا أساسًا واحدًا، وأن الفضيلة الخلقية هي أهم من الرفاهية المادية. فهذه ليست، على المدى الطويل، سوى ثمرة للفضائل. قلنا إن أوروبا لم تبد للطهطاوي خطرًا سياسيًا، لكنه كان يشعر بأنها خطر خلقي: فالفرنسيون لا يعتقدون إلا بالعقل البشري. نعم، يشتمل دستورهم على مبدأ العدل، إلا أن هذا المبدأ يختلف كثيرًا عن أحكام الشريعة الإلهية (36). هم مسيحيون بالاسم فقط، أما دينهم الحقيقي فهو شيء يختلف تمامًا عن ذلك. وفي هذا يقول: «إن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح من شأن العقل. وأقول هنا إنهم ينكرون خوارق العادات ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلًا، وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير واجتناب ضده وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد الأديان
…
وأن عقول حكامهم
…
أعظم من عقول الأنبياء» (37).
كانت نظرة الفكر الأوروبي الوضعية هذه، هي الاتجاه الذي سيعنى به الجيل اللاحق من الكتاب عناية خاصة، ويعمل على إثبات عدم منافاته لمبادئ الإسلام إذا ما فهمت فهمًا صحيحًا. أما الطهطاوي فكان لا يزال مشدودًا بجذوره إلى المعتقدات الموروثة، فلم ير بوضوح سوى التناقض بين الاثنين، لا إمكانية التوفيق بينهما.
تنطوي كتابات الطهطاوي على أفكار جديدة أصبحت مألوفة فيما بعد في الفكر العربي والإسلامي: كالقول بأن هناك، داخل الأمة الجامعة، جماعات قومية تنادي بولاء أبنائها لها، وبأن الغرض من الحكم رفاهية البشر في هذا العالم وفي الآخرة على حد سواء، وبأن الرفاهية الإنسانية تتحقق بإنشاء المدنية التي هي الغاية الزمنية النهائية للحكم، وبأن أوروبا الحديثة، وخصوصًا فرنسا، هي مثال التمدن، وبأن سر تقدم أوروبا وعظمتها يكمن في تعاطي العلوم العقلية، وبأن المسلمين أنفسهم الذين تعاطوا العلوم العقلية
في الماضي قد أهملوها فتخلفوا عن ركب التقدم بسبب سيطرة الأتراك والمماليك، وبأن المسلمين قادرون، بل ملزمون بدخول تيار المدنية الحديثة، وذلك بتبني العلوم الأوروبية وثمارها. ولقد أصبحت جميع هذه الأفكار من المسلمات لدى المفكرين اللاحقين؛ غير أن بعض هؤلاء فقط تنبهوا إلى ما تنطوي عليه من مشاكل قد لا يكون حلها مستحيلًا، وإنما هي بحاجة إلى المعالجة على الأقل. فكيف التوفيق مثلًا بين ما أتي به الوحي الإلهي وبين ما يدعيه العقل البشري من أنه هو الطريق الوحيدة الصالحة للمعرفة؟ أو بين الشريعة وبين مجموعة القوانين الحديثة المستمدة من مبادئ مختلفة كل الاختلاف عنها؟ أو بين الفكرة القائلة بأن السيادة للشريعة وبين ادعاء الحكومات بأنها صاحبة السيادة وبأن لها الحق في التقرير الحر على ضوء الاستنساب والخير العام؟ أو بين الولاء للجماعة الدينية والولاء للأمة؟
لقد أثار إحدى هذه المسائل، على الأقل، مفكر آخر من معاصري الطهطاوي، اطلع الطهطاوي على كتابه في هذا الموضوع (38)، وهي مسألة الشريعة الإلهية والشريعة البشرية. لم تكن هذه المسألة غائبة عن ذهن الطهطاوي، إلا أنها لم تكن محور اهتمامه. فالشريعة كانت في نظره، كما كانت في نظر المفكرين المسلمين في القرون الوسطى المتأخرة، عاملًا سلبيًا مقيدًا، يضع الحدود التي من ضمنها يجب على الحاكم أن يعمل، لا المبادئ التي بمقتضاها يجب أن يعمل. ولم يتجاوز محمد علي وإسماعيل هذه الحدود إذ كانا من طراز الأوتوقراطيين الطيبين الذين ألفهم الفكر الإسلامي. ثم أنهما لم يثيرا مشاكل جديدة، إذ حرصا على عدم إصدار بيانات جديدة بالمبادئ التي من شأنها أن تتعارض مع مبادئ الشريعة. بل اكتفيا، في الغالب، من الإصلاح والتجديد بما يقع في دائرة الحياة الاقتصادية والإدارية التي لم تتصد لها الشريعة إلا قليلًا، كما تحاشيا التعرض لمؤسسات المجتمع الأساسية أو لمسائل الأحوال الشخصية، وهو ما
تتناوله الشريعة بإسهاب. وفضلًا عن ذلك، فقد حكما دولة كانت فيها السلطة الفعلية، من مدة طويلة، في يد زمرة عسكرية عجز العلماء عن أن يحولوا عمليًا دون ممارستها هذه السلطة، حتى لو أرادوا ذلك، ولم يكن، بالواقع، من داع لإثارة مسألة التوافق بين تلك التجديدات وبين الشريعة. غير أن هذه المسألة كانت مطروحة فعلًا في أراضي الإمبراطورية الرئيسية وبعض المناطق التابعة لها. إذ أن «التنظيمات» لم ترم إلى تغيير نظام الإمبراطورية العسكري والإداري فحسب، بل رمت أيضًا إلى إقامتها على أساس شرعي وخلقي جديد. لذلك اصطدمت بمقاومة عنيدة من قبل المعارضين لها مبدئيًا، ومن قبل أولئك الذين رأوا فيها خطرًا على احتكارهم للجهاز الشرعي وعلى نفوذهم السياسي والاجتماعي. لذلك كان محور اهتمام المدافعين عن «التنظيمات» مسألة شرعيتها. فكان عليهم أن يثبتوا أن الإصلاحات لم تتعارض والشريعة، لا بل أن الشريعة توجبها حقًا. لقد جرى هذا الصراع في إسطنبول باللغة التركية، ويبدو أن اللغة العربية لم تردد له سوى أصوات خافتة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكن هناك ولاية في الإمبراطورية جرت فيها إصلاحات مماثلة أثارت اعتراضات مماثلة. فقد كان «عهد الأمان» في تونس إعلانًا لمبادئ قانونية وسياسية جديدة، ولذلك طرح على بساط البحث مسألة الشرعية. وكانت هذه المسألة نقطة الانطلاق لدى مفكر سنتناوله الآن، هو خير الدين باشا.
ولد خير الدين عام 1810 في القوقاز، من عائلة شركسية، ثم جيء به وهو فنى إلى إسطنبول، أسوة بالكثيرين من أبناء منطقته، طلبًا لمهنة عسكرية أو سياسية، كخادم أو مملوك عند أحد الزعماء (39). فدخل في خدمة أحمد، باي تونس، وتلقى تربية دينية وعصرية معًا، وتعلم اللغة الفرنسية، فضلًا عن العربية. وعندما أنهى دروسه، دخل الجيش حيث أكسبته مواهبه عطف الباي. فعهد إليه بإدارة المدرسة العسكرية ردحًا من الزمن. وفي 1852،
أرسله إلى باريس لمعالجة قضية صعبة تتعلق بدعوى أقامها وزير سابق على الحكومة. وبقي هناك أربع سنوات، كانت له، كما كانت للطهطاوي، حقبة تثقيفية. فكان يراقب حياة مجتمع سياسي كبير، ويطبق ذهنيًا على عالمه ما كان يتعلمه هناك. وبعد عودته إلى تونس عين وزيرًا للبحرية، وقضى ست سنوات في صميم حركة الإصلاح الدستوري. فكان عضوًا في اللجنة التي وضعت نص دستور 1860، ورئيسًا لمجلس الشورى، مع الاحتفاظ بمركزه كوزير، مما يدل على ثقة الباي به. وكان الباي قد أظهر هذه الثقة في مناسبة أخرى. ففي 1959، بعد ارتقائه العرش بقليل، بعث بخير الدين إلى إسطنبول ليعلن خلافته ويلتمس وثيقة التنصيب التقليدية. كانت هذه مهمته العلنية. إنما كان له مهمة أخرى سرية. فقد كانت مطامع فرنسا في تونس قد أصبحت واضحة وخطرة، فبدا مناسبًا، لإقفال الباب في وجهها، تثبيت وضع تونس كجزء من الإمبراطورية متمتع بالحكم الذاتي، وذلك لحمل السلطان والدول الحريصة على دوام وحدة الإمبراطورية على الصمود أمام نفوذ فرنسا. فكانت مهمة خير الدين السرية، إذن، إقناع الباب العالي بالاعتراف بالحكم الذاتي لتونس وبحق الأسرة الحسينية الوراثي، مقابل اعتراف الباي بسيادة السلطان ودفع الجزية له.
لم يكن السلطان في وضع يسمح له بإغاظة فرنسا، فأخفقت المهمة، كما أخفقت أيضًا تجربة الحياة الدستورية. لكن سياسة خير الدين بقيت طوال العشرين سنة اللاحقة ذات شقين: محاولة صد النفوذ الأوروبي بالنفوذ التركي، وإقامة بعض الرقابة الدستورية على سلطة الباي. وكان هذا الشق الثاني من سياسته هو ما أفقده ثقة الباي. فاستقال من منصبه الوزاري، في 1862، على أثر خلاف حول مسألة المرجع الذي يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمامه، أهو الباي أم هو مجلس الشورى. غير أن الباي لم يستغن
عن مهارة خير الدين الدبلوماسية، فبعث به مرة أخرى إلى إسطنبول، في 1864، بالمهمة ذاتها. ولما أخفق للمرة الثانية، كما أخفق في الإصلاحات الدستورية، انسحب مؤقتًا من الحياة السياسية. وقد وضع، في هذه الفترة الانعزالية، دراسة في الحكم، نشرت في 1867.
وفي 1869، أدى تردي الأوضاع المالية في تونس إلى إنشاء لجنة دولية لإدارة الواردات، وتعيين خير الدين رئيسًا لفرعها التنفيذي. وفي 1871 بعث مجددًا إلى إسطنبول، لكن مهمته هذه المرة تكللت بالنجاح. فقد كانت الحرب مع ألمانيا قد أضعفت فرنسا، فلم تقو على إبداء مقاومة فعالة ضد صدور فرمان يثبت وضع تونس كجزء من الإمبراطورية العثمانية متمتع بالحكم الذاتي. إلا أن فرنسا لم تعترف بهذا الوضع قط. وفي هذه الأثناء، كان خير الدين قد عين وزيرًا للداخلية والمالية والخارجية، ثم أصبح، في 1873، رئيسًا للوزراء، واحتفظ بهذا المركز لمدة أربع سنوات مستخدمًا إياه لإجراء إصلاحات عدة: تحسين الأساليب الإجرائية في الإدارة وإعادة تنظيم الأوقاف والقواعد الإجرائية في المحاكم الشرعية، وتحسين المدن، وإصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وتعزيز مطبعة الحكومة وتوسيعها، وإنشاء مكتبة وطنية، وتأسيس مدرسة «الصادقية» الحديثة لتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلًا عن اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي (40). غير أن العراقيل ذاتها التي كانت قد اعترضته في الماضي، اعترضته الآن أيضًا: مطامع الدول وتنافسها، ورغبة الباي في الاحتفاظ بسلطته. فانتهج خير الدين سياسة الإبقاء على التوازن بين الدول الثلاث التي كانت لها مصالح في تونس: إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، وذلك بمحاولة عدم التنازل إلى أي منها أكثر مما ينبغي، من جهة، وعدم إغضاب أي منها كليًا، من جهة أخرى. إلا أن انتهاج سياسة التوازن هذه، من قبل دولة ليس لها قوة من ذاتها، هو أمر خطر
ودقيق. لذلك خسر خير الدين في آخر الأمر تأييد الجميع. فقد شجع بادئ الأمر المشاريع البريطانية، ثم الفرنسية. وعندما وقعت الحرب الروسية التركية، وجد نفسه في مأزق حرج. فقد كان القنصل البريطاني يريد من تونس أن تدعم سيدها السلطان، بينما كانت الدول الأخرى لا تريد ذلك. فمال خير الدين نحو الإنكليز ميلًا كان كافيًا لإغضاب الفرنسيين، إلا أنه لم يكن كافيًا لإرضاء القنصل وود. فخسر بذلك الدعم الأجنبي، وأصبح عاجزًا عن الوقوف في وجه الباي، الذي كان قد نقم عليه لسعية في سبيل الحد من السلطة الملكية، والذي شعر، في 1877، بقدرة كافية للاستغناء عنه.
بذلك انتهت حياة خير الدين السياسية في تونس، فبدأ حياة سياسية جديدة في القسطنطينية، إذ دعاه إليها السلطان الشاب عبد الحميد، الذي كان قد اطلع على كتابه (41). ولم يمر عليه وقت طويل هناك حتى اكتسب بعض النفوذ لدى عبد الحميد. ولا عجب، فقد كان ذا كفاءة يدعمها تدينه واقتناعه بأن استقلال الإمبراطورية ضروري لخير الإسلام. أضف إلى ذلك أنه كان غريبًا عن البلاد، كما كان لا يجيد اللغة التركية، مما جعله يعتمد كليًا على نعمة السلطان، فيتجنب الاشتراك في المؤامرات الخطرة ضده. وهكذا، ففي كانون الأول 1878 عينه كبيرًا للوزراء، أو صدرًا أعظم. وقد اقترنت ولايته بحدث هام: خلع الخديوي إسماعيل عن عرش مصر. وكان خير الدين هو المسؤول رسميًا عن هذا الحدث، إذ كان إسماعيل قد خالف أحد المبادئ الأساسية لسياسته، وهو أنه فتح الباب للتدخل الأوروبي بفصمه الروابط التي كانت قائمة بين مصر والسلطان. غير أن الصعوبات ما عتمت أن واجهت خير الدين كصدر أعظم. إلا أن بعضها على الأقل كان ناجمًا عن شخصيته التي لم تكن لتشجع على تسهيل التعامل بينه وبين زملائه. وقد وصفه السفير البريطاني، لايارد، الذي كان يتعامل معه تعاملًا وثيقًا ووديًا، وصفًا تبرز فيه صفات العنفوان والتعالي والخشونة التي
كانت تثير ضغينة زملائه عليه (42).
وكانت علاقته حتى مع سيده غير مرنة أيضًا، كما روى عنه رئيس التشريفات، فقال: «إن لهجته وتصرفه في أحاديثه مع السلطان، إلى جانب هفوات صغيرة أخرى، جعلته شخصيًا
…
غير محبب لدى جلالته» (43). لكنه، بغض النظر عن «هفواته الصغيرة» ، قد واجه هنا المشاكل نفسها التي واجهها في تونس: الفوضى المالية، والصراع على النفوذ بين الدول الكبرى، ورغبة السلطان في الاحتفاظ بسلطته المطلقة. كانت بريطانيا وفرنسا تدعمانه، لكن ذلك لم يكن كافيًا. فقد أخفقت محاولاته لتحقيق إصلاحات داخلية بسبب الأوضاع المالية البائسة، ثم امتناع سالزبري، رئيس وزراء بريطانيا، أن يمنحه القرض الذي طلبه منه. وكان على خير الدين أيضًا أن يجابه مقاومة الجيش والمسلمين المحافظين الذين كانت تدعمهم روسيا. ومع أن السلطان أبدى في أول الأمر تأييده له، فإن هذا التأييد لم يكن إلا ظاهريًا. وهكذا أعاد التاريخ نفسه هنا، في الآستانة، أيضًا: خير الدين يحاول فرض برنامج إصلاحي على السلطان، فينقلب السلطان عليه. وبالرغم من وساطة لا يارد وسالزبري النافذة، استطاع السلطان أن يتخلص منه في 1879. فعاش في إسطنبول في شبه عزلة (44)، حتى وفاته في 1899.
كان مؤلف خير الدين الأدبي الوحيد، إلى جانب أوراقه الرسمية ومذكراته التي نشرت بعد موته بزمن طويل، دراسة سياسية وضعها باللغة العربية بعنوان «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» ، نشرت أولًا في تونس عام 1867، ثم أعيد طبعها في إسطنبول فيما بعد. وقد أثارت مقدمتها المترجمة إلى الفرنسية تحت إشرافه، والمنشورة بباريس بعنوان «الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية» ، اهتمامًا كبيرًا في ذلك الوقت.
يبدو أن خير الدين وضع هذا الكتاب وهو على شي من الاعتقاد أنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق.
فالمؤلفان تونسيان، وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية، وعالجا فيهما، كل على طريقته، قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة. إلا أن التشابه يقف عند هذا الحد. ففيما يعني كتاب ابن خلدون، في معظمه، بتاريخ الدول الإسلامية. يعني كتاب خير الدين، في معظمه أيضًا، بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية. وتكمن أهمية كتاب خير الدين في مقدمته التي يشرح، في مطلعها، أن ما حمله على وضع كتابه مقصدان:
«الأول، حمل أصحاب الغيرة والهمم من رجال الدين والدنيا على السعي في سبيل كل ما يؤول إلى خير الأمة الإسلامية، وهو مدنيتها، من توسيع لحدود المعرفة وتمهيد للسبل المؤدية إلى الازدهار، مما لا يتم إلا بفضل حكم صالح؛ والثاني، إقناع العدد الغفير من المسلمين الذين غرس في أذهانهم النفور من كل ما يصدر عن غير المسلمين من أعمال ومؤسسات، بضرورة انفتاحهم إلى ما هو صالح ومنسجم مع الدين الإسلامي من عادات أتباع الديانات الأخرى (45).
وبتعبير آخر، أراد خير الدين أن يظهر ما هي أسباب قوة المجتمعات وتمدنها، وبنوع خاص دور الدولة في المجتمع، وذلك بتحليل تلك المجتمعات الأشد قوة وأكثر تمدنًا في العالم الحديث. وأن يثبت أن السبيل الوحيد في العصر الحاضر لتقوية الدول الإسلامية إنما هو في اقتباس الأفكار والمؤسسات عن أوروبا وإقناع المسلمين المحافظين بأن ذلك ليس مخالفًا للشريعة بل منسجمًا مع روحها. ونراه، بالواقع، يوجه حججه إلى المسلمين المحافظين، منطلقًا فيها من النظرية التقليدية في الدولة. لم يكن محور تفكيره الخاص الأمة القومية، كالطهطاوي، بل الأمة الإسلامية. ومع أنه استعمل أحيانًا تعابير الطهطاوي في «الوطن» و «حب الوطن» (46)، غير أنه استعملها، في الأكثر، بمعناها العام، كمرادف «للجماعة
السياسية» و «الوجدان العام» لا بمعناها الخاص. وبذلك كان بعيدًا جدًا عن روح «القومية الحديثة» التي تعتبر كل أمة فريدة بحد ذاتها. فما يقوله عن الأمة ينطبق على جميع الدول الإسلامية. لكنه كان يفكر، من بين جميع الدول الإسلامية. بأعظمها فقط: السلطنة العثمانية، «مركز الخلافة» (47). ثم إن تساؤله عن السلطة لم يكن سوى التساؤل التقليدي ذاته: ما الذي يضمن ممارسة السلطة بعدل، عندما تكون في يد حاكم أوتوقراطي؟ إن العدل، في نظره، هو الأساس السليم الوحيد للدولة، وما ضمانته الوحيدة، في الظروف العادية، سوى تقييد سلطة الحاكم. نعم، قد يوجد حاكم يعمل باستقامة بدافع من طبيعة خيرة فيه، وعلى ضوء معرفة بعقله. غير أن أمثاله قلائل، كما أن متابعتهم السير في هذا السبيل أمر مشكوك فيه. لذلك، وعلى العموم، يجب تقييد سلطة الحاكم على وجهين: أولًا، بالشريعة، منزلة كانت أم طبيعية (القانون العقلي)، وثانيًا، بالمشورة. أما الذين يجب على الحاكم استشارتهم فهم العلماء والأعيان. وهؤلاء يجب أن يكون بوسعهم مصارحته بحرية، وهديه إلى الصراط المستقيم، وردعه عن عمل السوء. وفيما عدا الحالات التي يتولى السلطة فيها عرضًا حاكم مستقيم بالفطرة. فإن الدولة الفضلى هي التي يتوفر فيها هذان النوعان من القيود. والتي يضمن شرائعها أولئك المؤهلون لتفسيرها. ومثالًا على ذلك يورد خير الدين الأمة الإسلامية. فقد ازدهرت في عهدها الأول وكانت قوية وعلى درجة رفيعة من التمدن بسبب احترامها للشريعة (48). (ويستشهد خير الدين على طريقة الكتاب المتأخرين بكتاب أوروبيين حديثين هما فكتور دوري وعمانويل ساديللو لإثبات عظمة المدنية الإسلامية)(49). وبعد هذا العصر دب الانحطاط فيها. ثم تبعته فترة قصيرة استقامت فيها الأمور على عهد العثمانيين الأول الذين نفحوا العالم الإسلامي بقوة جديدة ورمموا أسس ازدهاره. وذلك بإظهار الاحترام الواجب للشريعة وبالاستعانة بالعلماء والوزراء
لإبقاء السلطان في الطريق السوي. وقد أصبح مقبولًا على عهدهم حق حراس الشريعة حتى في خلع السلطان متى شذ عن سواء السبيل (50). ثم انحطت الإمبراطورية العثمانية، هي أيضًا، فيما بعد، بسبب اختيار وزراء السوء، وفساد الإنكشارية، فكانت النتيجة أن انحلت روابط الولاء: فتصرف حكام الولايات البعيدة على هواهم، والتمس المسيحيون الحماية من الأجانب، وأخذت الدول الكبرى تتدخل، وراحت الولايات تنفصل الواحدة تلو الأخرى.
إلى هنا، كان بوسع أي كاتب عثماني من كتاب عهد الانحطاط أن يقوم بمثل هذا التحليل. وهو تحليل مؤيد بالاستشهادات والمراجع، مما يدل على أن المؤلف كان واسع الاطلاع على العلوم التقليدية. فهو يستشهد، فضلًا عن القرآن والحديث، بابن خلدون والغزالي وابن العربي والماوردي. غير أننا نعثر أيضًا على مراجع من نوع آخر: تيار ومونتسكيو وبوليبيوس، «مترجم جون ستوارت ميل» ، ورحلة الطهطاوي الباريزية التي استند إليها بنوع خاص لاستنباط درس جديد، هو أنه لا يمكن للأمة أن تستعيد قوتها إلا إذا عرفت مكامن قوة أوروبا وتبنتها. لكن ما الذي يجب أن نعرفه بالضبط عن قوة أوروبا؟ كان ما يهم خير الدين، قبل كل شيء، وهو الجندي ورجل الدولة، القوة العسكرية والقوة الاقتصادية. إلا أنه كان يعلم أن القوة إنما هي من نتاج شيء آخر، فالقوة المادية تتوقف على التربية، والتربية تتوقف بدورها على المؤسسات السياسية، وما أساس قوة أوروبا وازدهارها سوى «المؤسسات السياسية القائمة على العدل والحرية» (51)، وبتعبير آخر، الوزراء والبرلمانات المسؤولة. فالازدهار المادي غير ممكن، إذن، بدون حرية نقل البضائع وتنقل الناس من مكان إلى آخر وبدون تلك الشراكة الاقتصادية الحرة التي إليها يعود الفضل في تحقيق منجزات أوروبا المادية. إن خير الدين يرسم تقدم أوروبا بريشة معجب. وهو، كالطهطاوي، قد وقع، بنوع خاص،
تحت تأثير وسائل النقل الحديثة، كقناة السويس والخط الحديدي الأميركي القاري. ولكنه يذكر أيضًا شركات كبرى أخرى، كبنك فرنسا وشركة الهند الشرقية التي أقامت إمبراطورية، كما يذكر المعارض الكبرى، بجوائزها للمخترعين. ولا يفوته أخيرًا أن المعرفة لا تنتشر بدون حرية، فينوه بأن المكاتب والجمعيات العلمية، مثلًا، قد تكاثرت في فرنسا منذ الثورة (52).
وكان شيء ما من أوروبا الحديثة قد دخل الإمبراطورية العثمانية مع «التنظيمات» التي وافق خير الدين عليها إجمالًا، ودافع عنها بإسهاب ضد مقاوميها. فقال بأن المقاومة ضدها متأتية خصوصًا من جانب المصالح التي تستغل الرأي العام، ومن بعض المصالح الأجنبية التي لا تريد للإمبراطورية أن تصطلح. وقد تنبه لعامل لم يكن قد فعل فعله في مصر على أيام الطهطاوي، أعني عامل الضغط والتدخل الأوروبي، فرأى أن الإصلاح محال ما دامت بعض الحكومات الأوروبية ترفض السماح لمواطنيها بالرضوخ للقانون العثماني، وما ذلك إلا لأن بعضها على الأقل لا يريد للإمبراطورية أن تستعيد قوتها. لكنه يعترف بوجود من كانوا يقاومون «التنظيمات» عن إخلاص، مدفوعين بعامل سوء فهم حقيقي لطبيعتها ونتائجها. فمنهم من كان يعتقد أن الإصلاحات ستؤدي إلى فرض ضرائب جديدة لدفع رواتب عدد أكبر من الموظفين، بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك. فالحكم الجائر هو الذي يزيد الضرائب، لا المجتمع الحر، حيث الشعب هو الذي يقرر بنفسه الضرائب التي يريد دفعها. ومنهم من كان يشكو من ضياع الوقت وهدر الحقوق، بعد أن حلت المحاكم الجديدة، بقواعدها الإجرائية المعقدة محل الطريقة القديمة في التقاضي السريع أمام الباشا. فيطمئن خير الدين هؤلاء بقوله إن هذا الأمر مؤقت فقط، ريثما يتم تدريب موظفين جدد مشبعين بروح الخدمة العامة الصحيحة (53). على أن بين الذين قاوموا «التنظيمات» جماعة رأت أن المؤسسات الحديدة مخالفة للإسلام. وهنا
يؤكد خير الدين لقرائه أن تقدم أوروبا لم يكن قط ناجمًا عن كونها مسيحية. فالمسيحية دين يستهدف السعادة في الآخرة، لا في هذه الدنيا. ولو كانت هي سبب التقدم الدنيوي، لكانت دولة البابا أرقى الدول، لا أكثرها تأخرًا في أوروبا (54). وعلى هذا، فليس على الدول الإسلامية أن تتبنى الدين المسيحي إذا هي حاولت اقتباس أسباب التقدم الأوروبي، بل عليها فقط أن تتبنى ما يعادل المؤسسات الإسلامية القديمة من مؤسسات حديثة. ويبذل خير الدين جهده لتوضيح هذا التعادل، فيتساءل ما هي المؤسسات التي تتميز بها أوروبا الحديثة؟ إنها الوزارات المسؤولة، والبرلمانات، وحرية الصحافة. والواقع أن الفكرة الحديثة عن مسؤولية الوزير لا تختلف كثيرًا عن الفكرة الإسلامية عن الوزير الصالح، الذي يسدي النصح بدون خوف ولا تملق (55). كذلك البرلمانات والصحافة، فإنما هي معادلة «للمشورة» في الإسلام. وما أعضاء البرلمان اليوم إلا العلماء والأعيان في الدولة الإسلامية قديمًا، أي «أهل الحل والعقد» (56). وعلى هذا لا يكون تبني المؤسسات الأوروبية، بالحقيقة، إلا تطبيقًا لروح الشريعة وتحقيقًا لغايتها.
ولكي يثبت ذلك يأتي بتفسير للشريعة يبدو مستقى من الفقهاء الحنبلين المتأخرين، مع أن السبل التي وصل إليه منها ليست واضحة. فيقول إن الشريعة هي من مصدر إلهي، وهي أساس الفلاح في هذه الدنيا وفي الآخرة. غير أنها ليست قانونًا محددًا ومفصلًا يأمر بكل ما يجب على الفرد أو على الحكومة القيام به. وينهي عن كل ما لم يأمر به. بل هي، بالحقيقة، خلافًا لذلك. إذ تجيز كل ما لم تنه صراحة عنه، إذا اقتضته الضرورة الاجتماعية. إن مبدأ المصلحة، أي مبدأ اختيار التفسير أو الحكم الذي يفضي إلى الخير الأعظم، يجب أن يكون رائد الحكومة الأول. ويستشهد خير الدين بابن قيم الجوزية، أحد الفقهاء الحنبلين، القائل بأن على الحكومة أن تتجنب،
من جهة، محالفة مبادئ الشرع الصريحة، ومن جهة أخرى، مخالفة ما يمكن استنتاجه شرعيًا منها، وبأن لا شيء يلزمها أن تقتصر على القيام إلا بما يأمر به الشرع. إذ كل ما تأتيه ابتغاءً للخير هو، بالواقع. موافق للشرع، حتى لو لم يوص به النبي ولا أوحي به روح الله.
لكن الظروف تتغير، فيتغير معها ما هو مفيد وضروري للمجتمع. لذلك يرى خير الدين أنه من الواجب أن تتغير أيضًا الشرائع والسياسات، وأن يتفق عليها العلماء ورجال الأعمال فيما بينهم، فيقترح رجال الأعمال ما هو ضروري لمصالح الجماعة ويقرر العلماء إذا كان الأمر المقترح يتفق ومبادئ الشريعة. لذلك كان أول شرط للإصلاح السليم اتفاق العلماء ورجال الدولة. لكن هذا يقتضي أن يكون العلماء على اتصال بروح العصر، كي يكون لمشورتهم وزن. فإذا كانوا بعيدين جدًا عن الحياة السياسية، بقي رجال الأعمال أحرارًا في إتباع أهوائهم وميولهم.
لذلك فإن من أهم واجبات العلماء أن يطلعوا، باتصالهم برجال السياسة. على وقائع الأمور، إذ على اطلاعهم هذا يتوقف تطبيقهم للشريعة. فتطبيق الشريعة لا يقتضي معرفة النصوص فحسب، بل معرفة الظروف التي على ضوئها يجب تطبيق النصوص (57).
لقد فكر خير الدين مرة، بصورة جدية، في تطبيق هذا المبدأ لإنشاء نظام حديث وموحد للشرائع الإسلامية. فصديقه ومعاونه محمد بيرم يروي عنه أنه وضع مشروعًا لهذه الغاية عندما كان رئيسًا للوزراء. وقد برر خير الدين هذا المشروع بقوله إن هناك جالية كبيرة من التجار الأوروبيين في تونس، يشكلون عنصرًا غريبًا في صلب الأمة يستحيل امتصاصه، كما يشكلون خطرًا عليها ناجمًا عن استخدام الحكومات الأوروبية لهم سياسيًا. وهم سيظلون يشكلون مثل هذا الخطر إلى أن تشملهم أحكام قوانين البلاد، أي الشريعة. وبما أن خضوعهم لسلطة الشريعة غير متوقع ما دامت لها
تفسيرات مختلفة، وما دام كل قاض ومحكمة يختلفان في تطبيقها، لذلك عين خير الدين لجنة قوامها عدد من علماء المذهبين الحنبلي والمالكي (الأول مذهب الحكومة العثمانية والباي والثاني مذهب الشعب التونسي) وواحد من التجار المسلمين، كانت مهمتها وضع نظام رسمي موحد للشرائع الإسلامية تستمده من الشرائع الحنفية والمالكية، ومن القوانين الحديثة المرعية الإجراء في الإمبراطورية العثمانية ومصر، ومن عادات البلاد. غير أن شيئًا من ذلك لم يحصل، إذ انحلت اللجنة لدى مغادرته رئاسة الوزارة (58).
يمكن استخدام مبدأ المصلحة على وجهين: إما لتبرير التجدد في المؤسسات عندما تكون الظروف مؤاتيه، وإما لمقاومة التجدد في الظروف المعاكسة. لقد ساعد خير الدين على وضع الدستور التونسي، وحاول إنجاح العمل به، إلا أنه كان يشك في إمكان إدخال مؤسسات برلمانية حقيقية في جسم الإمبراطورية كلها. فهو يقول إن هنالك من أخذ يطالب، مؤخرًا، بمجلس منتخب (كان يقصد حتمًا جماعة «تركيا الفتاة»)، لكنه، على تحبيذه لذلك مبدئيًا، رأى فيه خطرًا من الوجهة العملية. فدوافع المسلمين العثمانيين المطالبين به كانت ولا شك سليمة، ولكن هل كانوا متأكدين من نوايا الآخرين (يقصد ضمنًا هنا العثمانيين المسيحيين) المشتركين معهم؟ فالغاية الحقيقية لدى هؤلاء إنما كانت الانعتاق من سلطة الدولة العثمانية، الأمر الذي كانوا يشجعون عليه من الخارج. نعم، إن الحرية السياسية تستلزم حقوقًا متساوية، لكن كيف يمكن أن يكون هناك حقوق متساوية للجميع، إن لم يكن الجميع موالين للإمبراطورية؟ لذلك، فإن ما يحول دون منح الحرية السياسية إنما هو خصوصًا تنوع عناصر الإمبراطورية (59).
بقي خير الدين على حذره حتى أواخر أيامه. وقد انتقده الكثيرون، عندما أصبح رئيسًا لوزراء تونس في السبعينيات، لعدم قيامه بأي مسعى من أجل إعادة الحياة الدستورية. لكنه أجاب منتقديه
مذكرة شرح فيها دوافعه، فقال إن هناك طريقتين كي تكون التنظيمات السياسية ذات جدوى:«إحداهما أن يكون تأسيسها من الراعي، وثانيتهما أن تطلبها الرعية» ، أو أن يكون في العامة استعداد إلى فهمها وقبولها. والأمران مفقودان في تونس، لذلك كان الدستور «اسمًا بلا مسمى» (60). وعندما أصبح صدرًا أعظم في الإمبراطورية، كان عبد الحميد قد أصدر الدستور العثماني ثم علقه. لكن الإصلاحات التي طالب بها خير الدين لم تستهدف دعوة البرلمان مجددًا للانعقاد ولا إعادة السلطات إليه، بل استهدفت بالأحرى تقوية مركز الوزراء تجاه السلطان. نعم، لقد طالب بعودة مجلس النواب إلى الانعقاد، غير أنه اقترح أيضًا تعديل قانون الانتخاب والنظام الداخلي اللذين كانا في نظره يفسحان المجال لحرية أوسع مما في بلاد أوروبا الأكثر دستورية. أما الإلحاح الرئيسي في مطلبه هذا فكان على المسؤولية الوزارية. كان يرى أن من الضروري قيام وزارة متجانسة تفرض سلطة حقيقية على الموظفين الذين كانوا في ذلك الحين يتصلون مباشرة بالقصر، وأن على السلطان، عندما تتخذ الوزارة قرارًا في الشؤون الهامة المعروضة عليها، إما القبول بهذا القرار، أو إحالته على وزارة جديدة (61). وبالاختصار، لم تكن قضية خير الدين قضية الديمقراطية الحديثة: كيف يحكم الشعب نفسه بنفسه، وإنما كانت بالأحرى قضية الفكر الإسلامي: كيف يجب تقييد سلطة الحاكم؟ وهو يرد على هذه المسألة ردًا تقليديًا، إنما بتعابير جديدة: يجب أن تتقلد وزارة قوية ومسؤولة مهام الوزير الصالح.
كانت القضية التي شغلت الطهطاوي وخير الدين، وإن عبر عنها كل منهما بشكل مختلف، تدور حول هذا السؤال: كيف يمكن للمسلمين أن يصبحوا جزءًا من العالم الحديث، دون أن يتخلوا عن دينهم؟ وبما أنهما تربيا تربية تقليدية قبل اتصالهما الفعلي بالمدنية الفرنسية، وكتبًا لسائر العرب المسلمين الذين لم يتصلوا مثلهم
بهذه المدنية، فقد كان عليهما أن يدافعا عن المدنية الحديثة بمفاهيم إسلامية تقليدية. أما المسيحيون الناطقون بالضاد، الذين كانوا قد اتصلوا بأوروبا بواسطة مدارس الإرساليات والتجارة، فلم تجابههم هذه القضية، بل جابهتهم قضية أخرى تخصهم وحدهم. فأوروبا لم تكن غريبة عنهم كما كانت عن المسلمين، لذلك لم يشعروا، إذا هم قبلوا بأفكارها وأساليب حياتها، بأنهم غير منسجمين مع أنفسهم، أو بأنهم بحاجة إلى تبرير عملهم أمام معاصريهم أو أجدادهم. لكن التفكير الأوروبي الحديث، الدائر حول الحقوق والواجبات وطبيعة المجتمع وفضائله، قد أثار عندهم، كجماعات مقفلة تعيش خارج نطاق الحياة السياسية، أسئلة لم يكونوا في وضع يسمح لهم بالإجابة عليها. وأن ما أثار هذه المسألة، بإلحاح أشد، هو بيانات المبادئ الكبرى الصادرة عن السلاطين في 1839 و 1856 (62)، والتي كانت تحمل معاني مختلفة بالنسبة للمسلمين والمسيحيين. فبينما كان المهم فيها للمسلمين استعادة قوتهم، كان ما يهم المسيحيين منها تأكيدها على حقوقهم.
وقد أضيف إلى هذا العامل عامل آخر، هو انصراف المسيحيين إلى تعلم اللغة العربية في القرن الثامن عشر لأغراض عملية أدت إلى شغفهم بالغة وآدابها. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر، خرج من لبنان المسيحي أول أستاذ كبير للعربية، هو الشيخ ناصيف اليازجي (1800 - 1871) الذي، بعد أن صرف حداثته في خدمة سيد لبنان الأمير بشير، استقر في مسقط رأسه قرب بيروت لتدريس اللغة العربية. وقد تجلى في شعره وفي مقاماته امتلاكه الكامل لناصية اللغة وأساليبها التقليدية. وقد كان جميع كتاب العصر من العرب، مباشرة أو مداورة، من تلاميذه. لكن الشيخ ناصيف قصر اهتمامه باللغة العربية على أسلوب التعبير الأدبي، أما هؤلاء الكتاب فقد اتخذ اهتمامهم باللغة، على شدته أيضًا، شكلًا آخر. إذ غدا، قبل كل شيء، اهتمامًا يجعل اللغة العربية أداة صالحة
للتعبير عن الحياة والأفكار في العالم الحديث، كما غدا اهتمامًا بأولئك الذين ينطقون بها ويقرؤونها. فكثير من مسيحي لبنان وسوريا كانوا من أصل عربي، وكان معظم من لم يكونوا منهم من أصل عربي قد اقتبسوا اللغة العربية واقتبسوا معها ثقافة بأسرها. فكانت هذه الثقافة تخصهم بمعنى من المعاني، كما كانت لا تخصهم بمعنى آخر، إذ كانت ثقافة إسلامية بمقدار ما كانت عربية.
أثارت هذه التغيرات أسئلة لدى المسيحيين الناطقين بالضاد. أولها كيف الإفلات من قفص طوائفهم الدينية المغلقة التي كانت لهم بمثابة عالم خاص منذ قرون عديدة؟ ذلك أنهم أخذوا يشعرون، بفضل تربيتهم واعتزازهم بلغتهم، بوجود عالمين خارج الكنيسة: عالم الطائفة الدينية التي كانت سياجًا لهم فأصبحت الآن كأنها حاجز أمامهم، وذلك لأسباب معينة خاصة بكل طائفة. ففي الطائفة المارونية، كان الإكليروس قد لعب دورًا كبيرًا في حوادث السنوات الحرجة بين 1840 و 1860، أن في الصراع بين الفلاحين والمشايخ، أو في الصراع بين المسيحيين والدروز. لكن دورهم هذا لم يحبذه جميع الناس. فنشأ توتر بين الإكليروس والأهالي، كما نشأ توتر أيضًا بين الطبقة العليا من الإكليروس والطبقة الدنيا. أما الأرثوذكس، فكان التوتر قائمًا بين الرؤساء الذين كانوا كلهم تقريبًا من اليونانيين، وبين الكهنة والأهالي الذين كانوا كلهم تقريبًا من العرب. وقد ازداد هذا التوتر حدة عندما انفصل اليونانيون عن الإمبراطورية العثمانية وأصبحوا مستقلين، وبعد أن اشتد عند المسيحيين الناطقين بالضاد الإحساس باللغة العربية. وعلى العموم، كان التوتر لدى المجموعة المسيحية في الإمبراطورية آخذًا في الازدياد بين الرؤساء الدينيين والأهالي، خصوصًا بعد إعلان «خط همايون» في 1856، الذي قضى بأن يكون لكل طائفة دستور يعطي لصوت الأهالي الوزن الذي يستحقه. وقد أعدت هذه الحركات عقول الطلاب المسيحيين لتقبل الأفكار العلمانية التي كانت
تتسرب إليهم من خلال اللغتين الفرنسية والإنكليزية. وليس من الصدفة أن يهجر بعض الذين سيشتهرون بين الكتاب طوائفهم ويلجؤوا إلى جو الحرية النسبية في الطائفة البروتستانتية الجديدة التي أسسها المرسلون الأمريكان والإنكليز واعترف بها السلطان في 1850، وأن يتخلل كتاباتهم نزعة معادية للإكليروس لا نجد مثيلها لدى معاصريهم المسلمين. أما السؤال الثاني الطارح نفسه عليهم: إلى أي جماعة يمكنهم الانتماء بعد أن طلقوا عالم الأقلية المغلق؟ لقد كانت الإمبراطورية، بالرغم من كل شيء، إمبراطورية إسلامية. لكن المسيحيين كانوا مستعدين أن يؤيدوا بلا تردد الأفكار الداعية إلى تطبيق فعلي للمبادئ المعلنة في 1839 و 1856، وإلى تحويل الإمبراطورية إلى دولة علمانية على غرار دول أوروبا، تتصف بحقوق متساوية لجميع المواطنين وبشعور قومي يوحد بين الجميع، وذلك خلافًا لمعظم المسلمين الذين، عربًا كانوا أم أتراكًا، ترددوا في قبول مثل هذه الأفكار بسبب ولائهم العميق والنهائي للإمبراطورية، درع الإسلام السني. لذلك لم يكن تحول الإمبراطورية، لا بل حتى زوالها من الوجود، ليسبب للمسيحيين أزمة ضميرية. بل بالعكس، جعلت حوادث 1860 في لبنان ودمشق الحاجة إلى التغير أشد إلحاحًا لديهم. نعم، لعل هذه الحوادث قد سممت العلاقات بين الطوائف، غير أنها لقنت بعض المسيحيين على الأقل درسًا آخر، وهو أن الولاء الديني مصدر خطر على الحياة السياسية، وأنه يجب إيجاد قاعدة ما للتعاون بين أبناء الديانات المختلفة.
كان من شأن هذه التيارات الفكرية أن يكون لها أصداء خارج الطوائف المسيحية، بسبب تغير هام حدث في ستينيات القرن التاسع عشر، هو نشوء الصحافة الدورية. فحتى ذلك التاريخ، كانت الصحف الهامة، هي فقط تلك التي كانت تصدر عن الحكومة في القاهرة وإسطنبول وتقتصر، إن لم يكن كليًا، على نشر الأخبار الرسمية. نعم، كانت تصدر أيضًا بعض الصحف بالفرنسية واليونانية
والأرمنية، لكن لم يكن هناك بالفعل أي صحيفة عربية، إلى أن أتاح ازدياد عدد المطابع وكتاب العربية وقرائها في الستينيات، فضلًا عن تساهل نظام الحكم النسبي في تركيا ومصر، إنشاء صحف ومجلات خاصة. وبقيت هذه الصحف والمجلات، طوال الثلاثين سنة اللاحقة، في أيدي المسيحيين اللبنانيين بصورة عامة، يصدرونها في بيروت أو القاهرة أو إسطنبول، مما جعل قراء البلدان العربية، طيلة جيل بكامله، يتغذون بأفكار الكتاب والمفكرين الجدد في لبنان.
كان أول كاتب لبناني حظي بالشهرة والنفوذ فارس الشدياق (1804 - 1887)، شقيق المؤرخ طنوس. كانت عائلة الشدياق مارونية من سلالة عريقة زودت أقضية الشمال المارونية بالزعماء، طيلة ثلاثمائة عام، كما زودت المنطقتين الوسطى والجنوبية بالموظفين. وكان والد فارس وطنوس في خدمة الأمراء الشهابيين. وبعد أن عانى منهم بعض الصعوبات، حلت مصيبة جديدة بالعائلة، عندما أمر البطريرك الماروني بسجن أحد أبنائها، أسعد، وبإعدامه، لاعتناقه البروتستنتية يوم كان يشتغل بتدريس المرسلين الأمريكان اللغة العربية. وقد دفعت هذه الأحداث بفارس إلى الضرب في الآفاق. ويبدو أنه هو أيضًا اعتنق البروتستنتية، فأرسله المرسلون الأمريكان أولًا إلى مصر، ثم إلى مالطا، حيث عمل مترجمًا في مطبعة الإرسالية. وفي 1848، سافر إلى إنكلترا للاشتراك في وضع صيغة عربية للعهد الجديد، فصرف بعض الوقت في كمبردج وأكسفورد. ثم ذهب إلى باريس، حيث أقام سنوات عدة. وقد وصف إنكلترا وفرنسا وصفًا كان أقل دقة وعمقًا من وصف الطهطاوي. وفي أثناء إقامته في باريس، وضع كتابًا مسهبًا غريبًا مبتكرًا، هو «الساق على الساق في ما هو الفارياق» ، توخى به إثبات تفوق اللغة العربية، وحذا فيه إلى حد ما حذو «رابليه» ، فجاء سردًا لسيرة حياته من جهة، ونقدًا اجتماعيًا من جهة أخرى، هاجم فيه بعنف، تضمينًا، البطريركية المارونية التي قتلت أخاه. وفي باريس أيضًا، التقى
بأحمد باي تونس، فقبل دعوته لزيارة تلك البلاد، حيث صرف فيها بعض الوقت. ويقال، وهذا القول غير ثابت، بأنه اعتنق الإسلام في هذه الفترة وتسمى بأحمد. ومن باريس ذهب إلى إسطنبول بدعوة من السلطان، حيث أصدر، في 1860، صحيفة «الجوائب» التي استمرت على الصدور حتى 1883. ثم مات بعد ثلاث سنوات. طالبًا أن يدفن في لبنان. ويقال إنه عاد إلى حضن الكثلكة قبيل وفاته، مما يدل على الثبات الذي كان كامنًا تحت تقلبات حياته.
لا تنم كتابات الشدياق عن إدراك سياسي فائق ولا عن عقيدة سياسية ثابتة. ومهما كان نوع الصراع الداخلي المتجلي بوضوح في حياته وفي بعض تلميحات جاءت عرضًا في «الساق» ، فقد كان اهتمامه الواضح باللغة العربية أشد من اهتمامه بأي شيء آخر. وهذا هو، بالواقع، ما حمل باي تونس، ثم السلطان، على استخدامه. فقد كانت «الجوائب» أول صحيفة عربية ذات شأن: فكانت الأولى في انتشارها حيثما كانت اللغة العربية منتشرة، والأولى أيضًا في شرح أحداث السياسة العالمية. لقد حلل الشدياق فيها، بتفصيل، مجرى الحرب الفرنسية الروسية، والأزمة الشرقية في السبعينيات، كما نشر ترجمات لوثائق دبلوماسية مهمة، وعالج المشاكل الاجتماعية بثقة من قضى سنوات في أوروبا، وقابل بين الحياة الأوروبية وبين الحياة الشرقية مفضلًا الأولى على الثانية. ذلك لأن الأوروبيون كانوا، على حد قوله، منظمين ومجتهدين ومنتجين، تجمعهم وحدة اجتماعية تعلو على الفوارق في المعتقدات، ولا يتدخل رؤساؤهم الروحيون، على الأقل في البلدان البروتستنتية، تدخلًا زائدًا في الشؤون السياسية، وتشترك نساؤهم اشتراكًا تامًا في حياة المجتمع، ويتربى أولادهم تربية حسنة خلافًا لحالة الإهمال التي يعانيها الأولاد في الشرق (63). وليس من شك في أن هذا كله هو ما حمل السلطان على استخدامه سياسيًا للدفاع، خارج الإمبراطورية وداخلها، عن سياسته وعن حقه بالخلافة. وقد أثار نثره المنطلق
بقوة أصداء في أمكنة بعيدة، حتى أن دوتي، وقد كان يجوب أواسط الجزيرة العربية في السبعينيات، لاحظ أن «الجوائب» كانت معروفة أيضًا هناك، لا بل وجد أعدادًا منها في بعض بيوت اليمنيين القاطنين في بومباي في الهند (64).
لم يكن بطرس البستاني (1819 - 1883)، الماروني أيضًا، وأحد أبناء الجيل اللاحق، أقل تأثيرًا من الشدياق في عصره، وإن كان تأثيره من نوع آخر. نشأ البستاني في كنف عائلة أنجبت عددًا من العلماء، وتربى كالشدياق في الدير الماروني في عين ورقة حيث تلقى أصول اللغة العربية ولغات عديدة أخرى. كان أمثاله من الشباب المثقف ثقافته في ذلك الوقت لا يجدون مجالًا لمواهبهم أفضل من العمل في القنصليات أو الإرساليات الأجنبية. وهكذا اشتغل البستاني، لمدة، في القنصليتين البريطانية والأميركية في بيروت. لكنه وطد علاقته بالمرسلين الأميركيين الإنجيليين، فاعتنق مذهبهم وساعدهم على ترجمة التوراة إلى العربية، كما اشتغل بالتدريس في معاهدهم. وفي 1863، أسس «المدرسة الوطنية» وأقامها، كما يدل اسمها، على مبدأ وطني لا ديني. وقد أعار دراسة اللغة العربية والعلوم الحديثة فيها عناية خاصة. فكان يكرس، بالواقع، معظم نشاطه لإحياء معرفة اللغة العربية وبث محبتها في القلوب. وقد أسهم قاموسه العربي «المحيط» ، وموسوعته العربية «دائرة المعارف» ، والنشرات الدورية التي كان يرأس تحريرها، في خلق نثر عربي حديث، صالح للتعبير البسيط الدقيق المباشر عن مفاهيم الفكر الحديث. وهكذا نشأت، على يد الحلقة المنعقدة حوله من أبنائه وأقربائه وأصدقائه وتلاميذه، القصة والرواية العربيتان الحديثتان والصحافة العربية الحديثة.
أما ما تبقى من مجهوده، فكان منصبًا على نشر الفكرة القائلة بأن الشرق الأدنى لا ينهض إلا بالاطلاع على فكر أوروبا الحديثة واكتشافاتها. لكنه لم يكن ليرضى بالتقليد الأعمى الذي لا يميز بين
الصالح والطالح. فالقبول بالعادات الأجنبية لمجرد كونها أجنبية كان لا يقل في نظره حماقة عن رفضها لمجرد كونها أجنبية، وهو ما كان يلمسه في طبع السوريين. فالواجب هو أن تقبل هذه العادات أو ترفض حسب قيمتها. وقد وجد، على ضوء هذه النظرة، كثيرًا مما ينتقد في العادات الأوروبية (التي عرفها فقط عن بعد)، كحرية الرجال الزائدة في تصرفهم مع النساء مثلًا (65). لكنه وجد فيها أيضًا كثيرًا مما هو جميل ولا مبرر للتردد في اقتباسه. فمن «الأمور البديهية أن اختلاف أمزجة الناس والبلدان والأزمنة يوجب اختلافًا في العادات» (66). وكان للعرب في الماضي مدنية عظيمة يبدي البستاني اعتزازه بها، مقتنعًا بعروبة جميع الناطقين بالضاد من مسيحيين ومسلمين. وقد أخذت أوروبا عن العرب عندما كانوا في أوج عظمتهم. ثم «سقطت رغبة العلم عن العرب» ، لا من جراء انحطاط داخلي، بل نتيجة «لأحوال كثيرة وأسباب متنوعة» (67). وهكذا انتقل العلم إلى أوروبا. فعلى العرب اليوم أن يستردوها منهم، وبذلك إنما يستردون ما كان لهم. نعم، لقد حصل تقدم كبير في الفترة الأخيرة، بفضل محمد علي والإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية، لكن الحاجة ماسة إلى أكثر من ذلك. ومن الخطأ الاعتقاد أن في إمكان العرب أن يعثروا في تراثهم على كل ما يحتاجون إليه لنهضتهم. لكنهم، إذا ما أرادوا أن يتعلموا، » فما مكث فيه الإفرنج السنين العديدة والمدد المديدة يمكن العرب أن يكسبوه في أقرب زمان مع غاية الإتقان والإحكام» (68).
لكن ماذا يجب على الشرق الأدنى أخذه عن أوروبا؟ على هذا السؤال يجيب البستاني بقوله: إن أول ما يجب تعلمه إنما هو أهمية الوحدة الوطنية وواجب جميع الذين يعيشون في البلد الواحد أن يتعاونوا على قدم مساواة، وذلك، أولًا، بالاعتراف بأن جميع الأديان واحدة أصلًا: فكلنا، شرقيين وغربيين، «ذوو طبيعة واحدة بشرية» ، وكلنا متحدرون من الأبوين الأولين، وكلنا نعبد الإله
الواحد (69). كان البستاني يعبر بهذا القول عن موقف كان تبريره على ضوء العقيدة الإسلامية أسهل منه على ضوء العقيدة المسيحية، ومع ذلك فقد تبناه جميع الكتاب المسيحيين من مدرسته؛ ثانيًا، بتشجيع نمو الشعور الوطني:«فحب الوطن من الإيمان» . وقد اتخذ البستاني من هذه العبارة، المنسوبة إلى النبي، والتي أكثرت من ترديدها جماعة «تركيا الفتاة» ، والتي انطوت حوادث 1860 على درس فيها، شعارًا لأشهر مجلاته. وقد أصدر، خلال احتدام الأزمة، أحد عشر جزءًا من نشرة أسماها «نفير سوريا» ، احتوى كل منها نداء إلى «أبناء الوطن» بتوقيع «محب الوطن» . كان البستاني يكتب كمواطن عثماني، ولم يكن في ما يقوله أي تلميح إلى رغبة منه في التخلي عن الولاء للسلطان. إلا أن دعوته كانت موجهة إلى أولئك الذين ينتمون إلى وحدة صغيرة معينة ضمن الإمبراطورية، كانت، كوحدة الطهطاوي، وحدة إقليمية. «فسوريا» ، ككل، هي وطنه، إذ أن جميع سكانها مشتركون في أرض واحدة وعادات واحدة ولغة واحدة. ولعل البستاني هو أول كاتب تكلم باعتزاز عن «دمه العربي» (70). ولكي تزدهر سوريا من جديد، فعلى أبنائها أن يحبوها، وأن يكونوا على علاقات ودية بعضهم مع بعض. ويعير البستاني الحرية الدينية والمساواة والاحترام المتبادل بين أبناء الأديان المختلفة اهتمامًا أكبر من اهتمام الطهطاوي وخير الدين؛ ولم يكن ذلك بسبب الظروف التي كتب فيها فحسب، بل بسبب الاتجاه الشخصي الذي اتخذه لحياته أيضًا. إذ كان قد انفصل عن الطائفة المارونية المغلقة ليعتنق البروتستنتية. ولعل هذا النفي الذاتي هو ما أوحى إليه بفكرة الانتماء إلى جماعة أكبر وأكثر اتساعًا. لكنه استمر على الكتابة، بمعنى من المعاني، كمسيحي، يخاطب مسيحيين ويناشدهم أن يحبوا أعداءهم ويتنكبوا عن روح الانتقام (71). غير أنه رسم خطًا فاصلًا بين نوعين مختلفين من التدين: التعصب الأعمى الذي أهلك سوريا (72).
والاحترام المتبادل بين الديانات الذي يجب أن يوجد وقد وجد من قبل. كان نداؤه موجهًا إلى الوجدان الوطني، ولكنه كان ضمنًا موجهًا إلى السلطات العثمانية. وكان، بعد أخذه الظروف المحلية بعين الاعتبار، يشارك دعاة الإصلاح العثماني نظرتهم. فإذا كان على سوريا أن تتمدن، فعلى حكامها أن يقوموا بأمرين: الأول إصدار قوانين عادلة متساوية تتفق مع روح العصر، وتلتفت إلى الموضوع لا إلى الأشخاص، وتقوم على الفصل بين حقلي الدين والدنيا؛ والثاني: إنشاء تربية باللغة العربية، إذ يجب أن لا تصبح سوريا بابل لغات كما هي بابل أديان (73).
أما غرض هذه التربية فيجب أن يكون فهم العلوم الحديثة وما يكمن وراءها من طريقة عقلية دقيقة للتفكير والعمل. وعند هذه النقطة يلتقي جانبًا نشاط البستاني في هدف موحد: تغيير عقول الناطقين بالضاد وقرائها وجعلهم مواطنين في عالم العلم والاختراع الحديث، وذلك بجعل اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن المفاهيم الحديثة. وهو في هذا السبيل وضع موسوعته الكبرى التي كانت أهم ما قام به، والتي بدأ هو وعائلته بإصدارها في 1876 بمعونة مالية من الخديوي إسماعيل (74). وقد شغلته حتى مماته، ثم تابع أولاده إصدار أجزائها، حتى بلغت أحد عشر مجلدًا ضخمًا، دون أن تكتمل. وهي تشتمل على أبحاث في العلوم، والطب، والأشغال الهندسية، والأفكار اللبرالية السائدة في أوروبا وأميركا. ومنها نتبين مدى الشوط الذي قطعه الفكر العربي، منذ أن لاحت لمشاقة، عرضًا، فكرة كتاب في علم النجوم، ووطأت أقدام الطهطاوي أرض مرسيليا.