الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس
محمد عبده
التقينا من وقت لآخر، أثناء سردنا لحياة الأفغاني، بمحمد عبده (1)، تلميذه ومعاونه المقتفي أثره عن كثب. لكن محمد عبده لم يبق طيلة حياته تلميذًا للأفغاني، كما لم تكن سنوات التعاون بينهما أخصب سني حياته. فقد كتب له أن يكون مفكرًا نظاميًا أكثر من معلمه، وأن يحدث في الفكر الإسلامي تأثيرًا أبقى من تأثيره وأبعد مدى. ولقد رفض تعاليمه، فيما بعد، كثير من أولئك الذين كانت موجهة إليهم، لكنها استمرت تفعل في أعماق النفوس، حتى غدت الأساس الكامن وراء الأفكار الدينية لدى المسلم العادي المثقف.
كان أصله مختلفًا جدًا عن أصل الأفغاني. ففيما جاء الأفغاني من مكان بعيد يصعب تعيينه بتأكيد، وصرف عمره متنقلًا كالشهاب من بلد إلى آخر، كان محمد عبده من عائلة عادية متأصلة الجذور في بلده، حيث أنجز معظم أعماله. ولد عام 1849 في قرية على ضفاف الدلتا المصرية، من عائلة تنتمي إلى تلك الطبقة الخلاقة في مصر الحديثة، طبقة العائلات ذات المكانة المحلية التي تتصف بالعلم والتقوى. ويقال إن أباه كان من أصل تركي بعيد، وأمه من عائلة عربية تنتسب إلى أبطال الإسلام الأوائل. وكانت العائلتان قد استقرتا منذ زمن طويل في قرية بالقرب من طنطا، إلا أنهما اضطرتا، في أواخر عهد محمد علي، إلى مغادرتها، بسبب تعنت جباته القساة، وإلى العيش في حال من البؤس في أمكنة أخرى.
وقد ولد محمد عبده في أثناء تلك الفترة من النزوح القسري. ومع أن عائلته عادت فيما بعد إلى قريتها، واستردت بعض مكانتها، فقد احتفظ هو، طيلة عمره، بذكريات ما كانت تعني، بالحقيقة، للشعب المصري انتصارات محمد علي وأمجاده الدنيوية.
عندما بلغ حوالي الثالثة عشر من عمره، دخل الجامع الأحمدي في طنطا، الذي كان يومذاك أعظم مركز للثقافة الدينية في مصر بعد الأزهر. لكنه نفر من طريقة التدريس المتبعة هناك والقائمة على استظهار الشروح على النصوص القديمة. فهرب، بعد مدة، مصممًا على الإقلاع عن الدراسة. إلا أنه عاد فاستأنفها مستجيبًا لنصح خاله الشيخ درويش، الذي كان له الأثر الأقوى في حياته قبل اتصاله بالأفغاني. فهو الذي علمه حقيقة الإيمان الكامنة وراء العبارات الجامدة في كتب النحو والعقيدة. وقد باح عبده، بعد سنوات عديدة، وفي مقطع من سيرة حياته، ببعض ما كان يدين به إلى خاله وبما كان يكنه لذكراه من عاطفة، فقال:
«ولم أجد إمامًا يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذاك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد
…
وهو مفتاح سعادتي، إن كانت لي سعادة في هذه الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب من غريزتي وكشف لي ما كان خفي عني مما أودع في فطرتي» (2).
عاد محمد عبده إلى طنطا، وبعد إتمام دروسه فيها، ذهب إلى الأزهر في القاهرة، حيث مكث من 1869 حتى 1877. وقد استهواه، هناك بنوع خاص، شيخ يدرس علم المنطق والفلسفة، لكن اللاهوت الصوفي كان أشد استهواءً له، فغدا التصوف، لمدة طويلة، درسه المفضل، كما كان موضوع أول كتاب نشر له. وعاش لفترة عيشة تقشف مفرط، قاطعًا العلائق مع الناس. إلا أن ما أنقذه من هذا الخطر تدخل الشيخ درويش مرة أخرى في حياته، ثم صلته الأولى بالأفغاني الذي كان يزور إذ ذاك القاهرة
للمرة الأولى، وهو في طريقه إلى إسطنبول. ويقول كاتب سيرته:«إن أحد المجاورين في رواق الشوام قال إنه جاء مصر عالم أفغاني عظيم وهو يقيم في خان الخليلي، فسر الشيخ (محمد عبده) بذلك وأخبر الشيخ حسن الطويل ودعاه إلى زيارته معه فألفياه يتعشى، فدعاهما إلى الأكل معه، فاعتذرا، فطفق يسألهما عن بعض آيات القرآن وما قاله المفسرون والصوفية فيها، ثم يفسرها لهما. فكان هذا مما ملأ قلب فقيدنا به عجبًا وشغفه حبًا، لأن التصوف والتفسير هما قرة عينه، أو كما قال، مفتاح سعادته» (3).
عندما عاد الأفغاني إلى مصر في 1871، كان محمد عبده أشد الطلاب الملتفين حوله حماسًا، يستمع إلى الدروس غير الرسمية التي كان يلقيها في داره، ويعمل على نشر أفكاره. وفي هذه الفترة أخذ، بتأثير من الأفغاني، يدرس الفلسفة. ولدينا نسختان بخط يده من كتاب «الإشارات» لابن سينا تشهدان بمدى اهتمامه بها في ذلك الحين، وقد اختتم إحداهما بتقريظ الأفغاني (4). وفي هذه الفترة أيضًا أخذ يشتهر ككاتب في الشؤون الاجتماعية والسياسية، وذلك بفضل المقالات التي كان ينشرها في صحيفة «الأهرام» التي كان قد أسسها حديثًا في القاهرة أخوان من لبنان. وفي 1877 أنهى دراسته بنيل شهادة «العالمية» . ثم اشتغل بالتدريس كمهنة بقيت دومًا أقرب المهن إلى سجيته. فدرس في الأزهر، كما كان يلقي دروسًا خاصة في داره. ثم انتقل بعد قليل إلى «دار العلوم» ، التي أنشئت حديثًا لتزويد طلاب الأزهر، المعدين للقضاء أو التعليم في المدارس الحكومية، بثقافة عصرية. وبين الكتب التي كان يحاضر عنها في داره كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه، والترجمة العربية لكتاب غيزو عن تاريخ المدنية الأوروبية. وأول درس ألقاه في دار العلوم كان عن مقدمة ابن خلدون، التي كان قد نشرها الطهطاوي في القاهرة في 1857. ويدل اختيار هذه الكتب على النهج الذي كان ذهنه منصرفًا إليه. فقد كان مسكويه نسخة إسلامية عن
الفلسفة الخلقية الإغريقية، كما عالج غيزو وابن خلدون، بأسلوبين مختلفين، قضية نشوء المدنيات وانحطاطها.
كان الوعي القومي، في السبعينيات، قد تبلور في مصر وتجلى في الصحافة الدورية، متجهًا، بفضل ازدياد التأثير الأجنبي، اتجاهًا جديدًا. فالخديوي إسماعيل كان قد يئس من إمكانية إيفاء ديونه إلى المصارف الأجنبية، ففرضت الدول الأوروبية حفاظًا على مصالحها، رقابة مالية على مصر، بدت كأنها ستتحول إلى رقابة سياسية أيضًا. ثم احتل أوروبيون مراكز وزارية في حكومة نوبر باشا التي تألفت في 1878. ولكن لما عزلهم إسماعيل، مظهرًا بذلك ميلًا إلى التخلص من الرقابة الأوروبية، خلعه السلطان تحت ضغط من الدول. وكان إسماعيل قد فقد شعبيته في مصر بسبب حكمه الأوتوقراطي والضرائب الفاحشة التي كان قد فرضها لدفع الفائدة على ديونه. ولم يكن ابنه وخلفه من بعده أكثر شعبية منه. فنشأت وقويت في السنوات الثلاث الأولى من حكمه ثلاث حركات معارضة متشابكة: حركة الذين رأوا، عن اعتقاد ديني أو شعور وطني، في خضوعه لنفوذ أوروبا، خطرًا على استقلال مصر؛ وحركة الذين كانوا، عن مبدأ أو مصلحة، يريدون إحلال الحكم الدستوري محل الحكم المطلق؛ وحركة الضباط المصريين الأصل الذين أرادوا القضاء على سيطرة الضباط الأتراك الشركس على الجيش. وقد أدت السياسية البريطانية الفرنسية المؤيدة للخديوي توفيق إلى صهر هذه الحركات تدريجًا في حركة واحدة هي حركة المقاومة الشعبية التي آلت زعامتها، ربما عن حتمية، إلى الضباط. فغدا قائدهم، عرابي باشا، وزيرًا للحربية ورئيس الحكومة الفعلي في أوائل 1882. إلا أن بريطانيا وفرنسا اعتبرتا حكومته خطرًا على مصالحهما، فأنهى البريطانيون تلك الفترة من التوتر والشكوك بضرب الإسكندرية بالقنابل، وباحتلال سائر أنحاء البلاد في أيلول 1882. وقد لعب محمد عبده دورًا هامًا في هذه الأحداث، فكانت مقالاته في الأهرام
تعكس أفكار الأفغاني السياسية. ولعل هذا ما حمل الخديوي توفيق. عندما نفى الأفغاني من مصر، على أن يأمر محمد عبده بالاعتزال في قريته التي لم يغادرها إلى القاهرة حتي 1880، حين عينه رئيس الوزراء رياض باشا في بادئ الأمر محررًا في المجلة الرسمية «الوقائع المصرية» ، ثم رئيسًا لتحريرها. وخلال سنتي الأزمة اللاحقتين، لعب دورًا هامًا في توجيه الرأي العام بسلسلة من المقالات عن النظام الاجتماعي وخاصة عن التربية الوطنية. لكنه في ذلك الحين كان قد أصبح أحد زعماء الجناح المدني للمقاومة الشعبية. وقد وضع مع فريق من الزعماء المدنيين، بتحريض من بلنط، عريضة أرسلت إلى جلادستون ونشرت في جريدة التايمس. ولم يكن محمد عبده موافقًا، إذ ذاك، على آراء العسكريين وأساليبهم، كما لم يكن ينظر إلى عرابي باشا نظرة إعجاب؛ إلا أنه لم يتردد، عندما بدأ الهجوم البريطاني، في التقرب منهم والقيام بما في وسعه لتنظيم المقاومة الشعبية. وقد ألقي القبض عليه، بعد الاحتلال البريطاني وعودة الخديوي إلى الحكم، وسجن لمدة قصيرة، وعومل معاملة سيئة. وقد ترك ذلك وانهيار الحركة القومية أثرًا عميقًا في نفسه. فقد قال المحامي البريطاني الذي أرسله بلنط للدفاع عن عرابي في محاكمته:«إن عظمة محمد عبده الفكرية كانت قد حجبتها، لفترة ما، غيوم الضعف المعنوي والجسدي. فقد بدا عقله وجسده وكأن ردة الفعل المتولدة من الآمال الخائبة ونزاع اليأس قد حطمتهما تحطيمًا لم يبق معه أي أمل في الشفاء» (5).
ثم حكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات، فذهب أولًا إلى بيروت، ثم ألتحق بالأفغاني في باريس، حيث ساعده على تنظيم جمعيته السرية وإصدار مجلة «العروة الوثقى» . وقد جذبته، بقوة، مشاريع الأفغاني السياسية، فزار لندن في 1884 للبحث مع هرتنغتون وسواه في قضية مصر والسودان. ثم سافر، بعد توقف «العروة» عن الصدور، إلى تونس، ومنها إلى مصر، متنكرًا، على أمل اللحاق
بالمهدي في السودان (6). لكن هذه المشاريع، كسائر مخططات الأفغاني، لم تسفر عن شيء، فعاد عبده إلى بيروت، حيث مكث ثلاث سنوات يعلم في مدرسة حديثة أنشأتها جمعية إسلامية خيرية. وفي بيروت، ألقى في علم الكلام محاضرات توسع فيها فيما بعد في أشهر مؤلفاته. وكانت داره في بيروت، كما كانت في القاهرة، ملتقى العلماء والكتاب الشباب من المسيحيين والدروز والمسلمين الذين كانوا يقصدونه للتحدث إليه عن الإسلام واللغة العربية.
وفي 1888 سمح له الخديوي بالعودة إلى مصر، نزولًا عند وساطة مختلف الجهات، بما فيها الوكالة البريطانية (7). وهناك أمل أن يستأنف التدريس، إلا أن الخديوي لم يكن مستعدًا لتركه يعمل حيث يمكنه التأثير مجددًا في الشبيبة، فعينه قاضيًا في «المحاكم الأهلية» التي أنشئت في 1883 بموجب القوانين الوضعية الجديدة. فبدأت بذلك مرحلة عمله الرسمي الذي استمر حتى وفاته في 1905. وفي 1899 عين مفتيًا لمصر، أي رئيسًا لجهاز الشريعة الدينية بكامله، فتمكن، في هذا المركز، من القيام بشيء ما لإصلاح المحاكم الدينية وإدارة الأوقاف، كما ساعدت فتاويه في الشؤون العامة على تفسير الشريعة الدينية تفسيرًا يتفق مع حاجات العصر. وفي العام نفسه، عين عضوًا في المجلس التشريعي، الذي أنشئ في 1883، كهيئة صغيرة تقتصر مهمتها على المناقشة وإبداء الرأي وتتألف من ثلاثين عضوًا، بعضهم يعين تعيينًا وبعضهم تنتخبه فئة محدودة من الناخبين. لكن عبده، حرصًا منه على القيام بواجب عام، كرس كثيرًا من وقته لهذا المجلس، مع أنه بقي، قلبيًا، عالمًا ومعلمًا ومنظمًا للمدارس. فقد ساعد على تأسيس جمعية إسلامية خيرية كان هدفها إنشاء المدارس الخاصة، كما ساعد على إدارة شؤونها؛ وفي 1895 أقنع الخديوي بتأسيس مجلس إداري للأزهر، وبقي، لمدة عشر سنوات، أبرز عضو من أعضائه، وحقق بواسطته بعض الإصلاحات في نظام تلك الجامعة القديمة. وكان يعلم
في الأزهر عند الإمكان، ويكتب عند سنوح الفرصة. ولعل أهم مؤلفاته بحث منظم في علم الكلام، مستمد من محاضراته في بيروت، صدر بعنوان «رسالة التوحيد» . لكنه كتب أيضًا تفاسير لبعض أجزاء من القرآن، وأسهم مع أحد معاونيه، رشيد رضا، في إعداد تفسير مستفيض للقرآن بكامله مبني على محاضراته. إلا أن وفاته حالت دون إنجازه.
تعلم محمد عبده، في النصف الثاني من حياته، قراءة اللغة الفرنسية، وطالع الفكر الأوروبي المعاصر على نطاق واسع. وكانت مكتبته تحتوي، فيما تحتويه من الكتب العديدة، كتاب «اميل» لروسو، وكتاب «التربية» لسبنسر، وروايات تولستوي ومؤلفاته التعليمية، وكتاب «حياة يسوع» لشتراوس، وتآليف رينان (8). وكان على اتصال ببعض المفكرين الأوروبيين، فكتب رسالة إلى تولستوي، وذهب إلى برايتون لمقابلة سبنسر. وكان يزور أوروبا، كلما سنحت له الفرصة، لتجديد نفسه كما كان يقول، ولإنعاش آماله في شفاء العالم الإسلامي من حالته الحاضرة (9).
وهكذا أصبح الإمام محمد عبده، في آخر أيامه، بفضل كتاباته ومشاغله العامة، من أوسع الناس شهرة وأحبهم إلى القلوب في مصر. إن الصورة التي أخذت له على سطح مجلس العموم، في أثناء زيارته لإنكلترا في 1884، تظهر لنا رجلًا وسيمًا مربوع القامة، أسمر اللون، ذا سحر هادئ كئيب لا يقوى على حجب بريق الإيمان في عينيه حجبًا تامًا. وقد ازدادت لديه في أواخر أيامه معالم اللطف والذكاء، ونوع خاص من الروعة الروحية.
كان على صلة طيبة بكرومر، وبالوقت نفسه، بأبلغ منتقديه، ويلفريد بلنط. وكان يحيط به فريق من الأصدقاء والأتباع المخلصين ممن برزوا في الحياة المصرية فيما بعد. لكن تصلبه في تفكيره فعل فعله أيضًا: ففيما كان الذين يحبونه يحبونه كثيرًا،
كان هناك من يتبرم بنفوذه أو يعارض معتقداته الدينية والسياسية، أمثال المحافظين في الأزهر، والقوميين الملتفين حول مصطفى كامل، والخديوي عباس حلمي. فقد كان الخديوي ومصطفى كامل يعارضانه لأسباب سياسية على الأكثر، أما المحافظون فكان من شأن بعض تعاليمه أن تثير غضبهم حقًا.
انطلق تفكير الإمام عبده، كما انطلق تفكير الأفغاني، من قضية الانحطاط الداخلي والحاجة إلى البعث الذاتي. وكان يشعر، كالأفغاني، بوجود نوع من الانحطاط الخاص بالمجتمعات الإسلامية. فالنبي محمد لم يرسل، وفقًا للنظرة الإسلامية السنية، للدعوة إلى الخلاص الفردي فحسب، وإنما لتأسيس مجتمع فاضل أيضًا. وعلى هذا كان بعض التصرفات في المجتمع يتوافق مع دعوة النبي ومشيئة الله وبعضها لا يتوافق. ومع تغير الظروف كان لا بد من أن يواجه المجتمع والحكام قضايا لم تتعرض لها الدعوة النبوية، فتصرفوا فيها تصرفًا قد يبدو مخالفًا لهذه الدعوة. فكيف السبيل إلى التوفيق بين ما ينبغي للمجتمع الإسلامي أن يكون عليه، وبين ما بات عليه في الواقع؟ وبأي معنى يمكن القول بأن المجتمع الإسلامي لا يزال مجتمعًا إسلاميًا حقًا؟ لقد شغلت هذه القضية المفكرين المسلمين طيلة القرون الوسطى المتأخرة، فجاءت الآن حركة الاقتداء بالغرب تطرحها من جديد. وكانت مصر، في الوقت الذي بدأ فيه محمد عبده يكون أفكاره ويعبر عنها، قد بلغت، على غرار الإمبراطورية العثمانية، جيلها الثاني من التغير. وكان إسماعيل قد نفح هذا التطور بقوة دافعة جديدة، أقرت على أثرها سلسلة من القوانين الجديدة، وأنشأت مدارس من الطراز الجديد، كما راح الناس يتحدثون عن مؤسسات سياسية جديدة. وفضلًا عن ذلك فقد أخذت تبرز في جميع حقول الحياة قضايا لم يكن ليحلم بها الذين وضعوا الشريعة في قوانين. ولم يأسف محمد عبده على العموم لهذا التغير، لا بل بقي مقتنعًا، ابتداءً من السبعينيات حتى وفاته، بأن هذا التطور
في خطوطه العريضة لا مرد له، وأنه في صالح مصر. لكنه كان يعي الخطر الكامن فيه: خطر انقسام المجتمع إلى دائرتين بدون اتصال حقيقي بينهما: دائرة تنحسر يومًا عن يوم، وهي الدائرة التي تسودها شرائع الإسلام ومبادئها الخلقية، ودائرة تتسع يومًا بعد يوم، وهي الدائرة التي تسيطر عليها المبادئ المستمدة بالاستنباط العقلي من اعتبارات المصالح الدنيوية. وبتعبير آخر، كان الخطر متأتيًا عن نمو النزعة إلى توطيد العلمانية في مجتمع يتعارض بجوهره مع تبني العلمانية تبنيًا تامًا. وهذا من شأنه أن يؤدي، كما أدى بالفعل، إلى ذلك الانقسام المتجلي في كل ناحية من نواحي الحياة.
وإننا لنجد، حتى في مقالات محمد عبده الباكرة، تحليلًا واضحًا للمشكلة ولنتائجها. فهناك مثلًا مجموعة من المقالات تعالج قضية القانون. فتظهر تفكيره وتفكير أسلافه في أن المجتمع يجب، كي يكون صالحًا من الوجهة الخلقية، أن يتقيد بنوع ما من القوانين، إذ لجميع المخلوقات نواميسها الطبيعية. فإذا خرج كائن عن دائرة نواميسه تعرض للفناء. وما القوانين الخاصة بالناس وبالمجتمعات سوى تلك الشرائع الخلقية الضابطة للسلوك البشري
…
والتي وضعها أهل المعرفة والحكمة في كتب الخلقيات والتربية بعد أن جاءت بها الأوامر الإلهية (10).
إن المجتمع الذي يتجاوز الحدود التي تعينها له شرائعه ينهار. غير أن «الشرائع تتغير بتغير أحوال الأمم» . وهي، لكي تكون فعالة، يجب أن تتصل على نحو ما بمقاييس البلد المطبقة فيه وظروفه، وإلا عجزت عن القيام بمهمتها الجوهرية، وهي توجيه أعمال الإنسان وتكوين عاداته، وبطلت أن تكون شرائع أصلًا (11). وهكذا كان، في نظر محمد عبده، وضع الشريعة في المجتمع المصري الحديث. فقد حاول محمد علي وخلفاؤه إصلاح مصر بزرع مؤسسات وقوانين أوروبية في أرضها. وهو أمر، عند محمد عبده، لا يمكن تطبيقه، رغم إعجابه الشديد، حتى قبل زيارته
لأوروبا، بتلك المؤسسات والقوانين الحديثة. إذ أن القوانين المزروعة في غير أرضها لا تؤتي الثمر نفسه، لا بل قد تفسده، كما كان حاصلًا بالفعل آنذاك. فالقوانين المستوردة من أوروبا ليست على الإطلاق قوانين حقيقية، إذ لا أحد يفهمها، وإذن لا يمكنه أن يحترمها أو يخضع لها. ومن هنا، أوشكت مصر أن تصبح بلدًا بدون قوانين (12).
من ذلك أيضًا وجود نوعين مستقلين من المدارس في مصر: المدارس الدينية القديمة، وعلى رأسها الأزهر، والمدارس العصرية الأوروبية الطراز التي أنشأتها الإرساليات أو الحكومة. كان هذان النوعان منفصلين، أحدهما عن الآخر، كما كان كلاهما غير صالحين. فالمدارس الدينية كان يسودها الحمود والتقليد الأعمى، اللذان كانا الآفتين المميزتين للإسلام التقليدي. فهي تدرس الدين إلى حد ما، لكنها لا تدرس العلوم الضرورية للعيش في العالم الحديث. أما مدارس الإرساليات فكانت، بقصد منها أو بلا قصد، تجتذب الطلاب إلى دين أساتذتهم. وهناك أمثلة معروفة على طلاب مسلمين أصبحوا مسيحيين. وحتى لو لم يحصل ذلك، فإن الطالب الذي يدرس دروسًا أجنبية، بلغة أجنبية، قد يقتدي ذهنيًا بناطقيها ويصبح غريبًا عن أمته. وأما المدارس الجديدة التابعة للدولة، فقد حوت عيوب النوعين معًا. ذلك أنها كانت مجرد تقليد للمدارس الأجنبية، مع الفارق أن المرسلين قد عنوا بتعليم المسيحية في مدارسهم، بينما لم تعن مدارس الحكومة بتعليم الدين إلا شكليًا، ناهيك بانصرافها عن تعليم الفضائل الاجتماعية والسياسية (13).
ووراء هذا الانقسام بين المؤسسات يكمن انقسام في العقليات. ففي أيام محمد عبده كان هذان النظامان في التربية قد خلقا طبقتين مختلفتين من المثقفين في مصر، لكل منهما عقليتها الخاصة: العقلية الإسلامية التقليدية المقاومة لكل تغيير، وعقلية الأجيال الطالعة القابلة لكل تغيير ولكل أفكار أوروبا الحديثة.
كانت أفكار عصر التنور الفرنسي قد أصبحت في ذلك الوقت مألوفة لدى الأجيال الطالعة، فانتشرت معرفة اللغة الفرنسية، وترجمت كتب مونتسكيو وروسو، كما انتشرت أيضًا مبادئ الفلسفة الوضعية، في شكلها الأصلي أو المحور، حتى أن بعض المصريين كانوا قد شربوا من رأس النبع نفسه. فهناك نسخة من كتاب لأوغست كونت بعنوان «خطاب في مجمل الفلسفة الوضعية» تحمل إهداء المؤلف إلى «تلميذي القديم» مصطفى محرمجي، وهو مهندس مصري كان محمد علي قد أرسله إلى باريس كعضو في بعثة تربوية (14).
لم يعن ذلك الانقسام انتفاء أساس مشترك بين الفريقين فحسب، بل عني أيضًا تهديدًا لأسس المجتمع الخلقية، بفعل روح العقل الفردي القلقة، المتسائلة دومًا والشاكة أبدًا. فقد انطوى تفكير فرنسا القرن التاسع عشر، الذي كان محمد عبده قد تأثر به تأثرًا عميقًا في أوائل حياته، على التحذير من أخطار عقلية القرن السابق الميتافيزيقية. فألح الفيلسوف الفرنسي «كونت» على أن لا بد للنظام الاجتماعي من أن يتعارض أبدًا مع البحث الدائم في أسس المجتمع (15)، وعلى أن المعتقدات الميتافيزيقية التي كانت ضرورية لتدمير النظام اللاهوتي، إنما هي جوهريًا سلبية وهدامة، وإنها «عقيدة تامة لنفي كل حكم نظامي نفيًا تامًا» (16). لذلك رأى الإمام محمد عبده أن وضع هذه الأسلحة الهدامة في أيدي من لم يفهمها كل الفهم لخطر أشد من عدم وضعها على الإطلاق. إذ أنه أدرك سرعة عطب الثقافة الغربية لدى المصري المتفرنس الذي كان يكتفي بتقليد مظاهر الحياة الأوروبية الخارجية. وفي ذلك قوله بأن «مظاهر القوة هي التي حملت الشرقيين على تقليد الأوروبيين في ما لا يفيد من غير تدقيق في معرفة منابعها» (17).
كان هدف محمد عبده في جميع أعماله وكتاباته، في أواخر أيامه، سد الثغرة القائمة في المجتمع الإسلامي، بغية تقوية جذوره
الخلقية. ولبلوغ هذا الهدف، رسم طريقًا واحدًا، هو عدم الرجوع إلى الماضي وتوقيف مجرى التطور الذي بدأه محمد علي، بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذا التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا ما فهم على حقيقته، وإن الإسلام يمكنه أن يشكل، في الوقت نفسه، المبدأ الصالح للتغيير والرقابة السليمة عليه. ولم يكن محمد عبده ليهتم، كما اهتم خير الدين في الجيل السابق، بالتساؤل إذا كان بإمكان المسلمين المتمسكين بأهداب الدين قبول مؤسسات العالم الحديث وأفكاره، وذلك لاعتقاده أن هذه المؤسسات والأفكار إنما أتت لتبقى، وأن على من يرفضها أن يتحمل نتائج رفضه هذا. لكنه طرح على نفسه السؤال المعاكس: هل بإمكان من يعيش في العالم الحديث أن يبقى مسلمًا مؤمنًا بالإسلام كل الإيمان؟ لذلك لم يتوجه بكتاباته إلى المسلمين المؤمنين المتسائلين إذا كان بالإمكان قبول المدنية الحديثة، بقدر ما توجه بها إلى الآخذين بالثقافة الحديثة، الشاكين في صلاح الإسلام، أو، بالأحرى، في صلاح أي دين لهداية الناس في هذه الحياة. إن هذه الطبقة هي ما كان يشكل، في نظره، الخطر الأكبر على الأمة، في ما لو جرفها تيار العلمانية الميتافيزيقية. غير أنه كان يعتقد، مع ذلك، أن من هذه الطبقة فقط يمكن خروج زعماء الأمة المتجددة.
قد يكون من المستهجن القول بأن آراء محمد عبده قد اعتمدت نظام فلسفة «كونت» الوضعية. فنقطة الانطلاق في تفكير «كونت» كانت الثورة الفرنسية حين قامت النخبة العقلانية بتهديم نفوذ الإكليروس، ثم كادت تهدم النظام المتمدن أيضًا. وكان هناك، كما بدا لكونت، حزبان متجابهان: حزب الذين أرادوا العودة إلى عالم ما قبل الثورة، وحزب المتشبعين بالروح الثورية. كان جوهر الروح الثورية تمجيد الرأي الشخصي،
و «الاعتقاد المطلق بالتفكير الفردي الحر» (18)، وهو أمر أدى إلى تباين في الآراء والمشاعر، ثم في المصالح والأفعال. وكانت الوسيلة لإنهاء العهد الثوري «إيجاد نظام من الأفكار يقبل به الجميع، وتجسيد ذلك النظام في رموز وطقوس دينية، وحراسته على يد عدد قليل من ذوي العقول المختارة أعدت وفقًا لنظام رفيع من الانضباط والتعليم للبحث في القضايا المعقدة جدًا والمختلطة اختلاطًا كبيرًا بالشهوات البشرية» (19)، أي من قبل سلطة روحية جديدة تهيمن على الآراء والتصرفات الخلقية وتشرف على نظام التربية. وكان كونت يعتقد أن هذا النظام الجديد للمعتقدات المشتركة يتحقق بتطبيق الأساليب العقلية المستعملة في الرياضيات والعلوم الطبيعية على المجتمع، وبإقامة علم الاجتماع على أسس عقلية تجعل منه أيضًا نظامًا عقليًا للخلقية الاجتماعية، وقاعدة للعمل الاجتماعي، وعلمًا للسعادة البشرية. ومن هنا انطلق محمد عبده ليبين أن الإسلام ينطوي على بذور هذا الدين العقلي وهذا العلم الاجتماعي وهذا القانون الخلقي، مما يجعله صالحًا لأن يكون أساسًا للحياة الحديثة، ولأن يوجد النخبة التي تتولى حراسته وتفسيره، فتضع بذلك أساسًا لمجتمع مستقر وتقدمي. ومن شأن هذه النخبة، بالواقع، أن تكون «فريقًا وسطًا» بين القوى التقليدية والثورية التي أشار إليها كونت والتي نشاهدها بوضوح في المجتمع الإسلامي الحديث.
بالطبع، لم يقصد محمد عبده، بتأكيده أن الإسلام صالح لأن يكون الأساس الخلقي لمجتمع حديث وتقدمي، إلى القول بأن الإسلام يحبذ كل ما كان يعمل باسم التقدم، وبأن غاية العلماء الجدد ستكون مجرد إضفاء طابع شرعي على «الأمر الواقع» ، بل إنما قصد إلى خلاف ذلك. فالإسلام، كما فهمه، مبدأ ردع، من شأنه أن يمكن المسلمين من التمييز بين الصالح والطالح من مختلف وجوه التغيير الحاصل. لذلك كانت المهمة التي اضطلع بها محمد عبده ذات شقين: أولًا، إعادة تحديد ماهية الإسلام الحقيقي، وثانيًا، النظر
في مقتضياته بالنسبة إلى المجتمع الحديث. كان الهدف الأول هو الأهم، لا بل قد اعتبره أهم أهداف حياته. وهو يحدد هذين الهدفين في مطلع سيرة حياته فيقول:
«الأول، تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وإنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، واعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. كل هذا أعده أمرًا واحدًا، وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم.
ومع هذا، فقد كان هناك، حتى بين من عرفوه جيدًا وأحبوه، من تساءل عن مقدار اقتناعه الشخصي بحقيقة الإسلام. فاعتبره كرومر من أتباع مذهب اللاإدرية (21)، وسجل بلنط في يومياته
هذه الملاحظة: «أخشى أن يكون إيمانه بالإسلام ضعيفًا ضعف إيماني بالكنيسة الكاثوليكية» (22). ومن ذلك أيضًا ما ألمح إليه بعض نقاده من المسلمين، كتساهله في إتمام فروضه الدينية كمسلم، بما فيها حتى واجب الصلاة اليومية (23). إن مثل هذه الأقوال، حتى لو أخذت على حرفيتها، لا تقوى على الصمود لا في وجه البينة الواردة في ما كتبه هو، ولا في وجه شهادة الواقفين عن كثب على حركة تفكيره. فقد شهد رشيد رضا، كاتب سيرة حياته، بإيمانه الشخصي، قائلًا إن عبده كان في هذه الأمور يتبع التقليد الأساسي للتقوى الإسلامية، تقليد الغزالي والذين ذهبوا إلى «أن الخشوع وحضور القلب في الصلاة واجب، وهو ركن من أركان الصلاة وشرط لصحتها أو قبولها» (24). والواقع أن محمد عبده قد تعرف للمرة الأولى إلى هذا التقليد على يد خاله، الشيخ درويش، الذي أنقذه من شكوكه الباكرة وتصرفاته الصوفية، ولقنه إسلام أهل السنة والجماعة. فكان سنيًا دقيقًا في المسائل الكلامية، حذرًا من النظر العقلي بحرية مفرطة في الأسرار الإلهية، منعزلًا قليلًا عن الحياة العامة مع الاحتفاظ بالروح الاجتماعية، متممًا بدقة فرائض الشريعة مع التخفيف من تحجر الأشكال الشرعية بورعه الشخصي، أي بممارسة الحضور الإلهي البعيدة كل البعد عن حلولية التصوف والمستمدة من التأمل في القرآن والولاء لشخص النبي. إلا أن تلك الشكوك لم تخل تمامًا من الحقيقة. فهي توجه النظر إلى ناحية من نواحي تفكيره، ربما بدت لنقاده دليلًا على ضعف فيه، وهي ذلك النوع من الانتقائية، أي مزج العناصر المستمدة من مدارس مختلفة في نظام واحد. فقد حصل، في أعوام دراسته، على معرفة واسعة ودقيقة لعلم الكلام السني، وظهر بوضوح في مؤلفاته ليس تأثير الغزالي فحسب، بل تأثير الماتوريدي أيضًا. بل لقد آثر، في المسائل المختلف فيها بين مدارس الكلام السنية المتنوعة، موقف الماتوردي على موقف الغزالي، كما في مسألة إمكان معرفة الخير والشر بالاستقلال عن الوحي، مثلًا (25).
غير أننا نلمس لديه أيضًا تأثير دراسات أخرى، كدراسة ابن سينا التي أرشده إليها الأفغاني، ودراسة المعتزلة، تلك الحركة العقلية الإسلامية الباكرة التي رعاها في البدء الخلفاء العباسيون ثم قمعوها، فغدت فيما بعد عنصرًا خامدًا في الإسلام إلى أن عادت فأصبحت منذ أيام محمد عبده أحد عناصر الفكر السني الحديث (26).
وتبدو الانتقائية لدى محمد عبده وكأنها تتضمن نزعة إلى التهرب من الأسئلة الصعبة. فهو، مثلًا، لم يجابه: ولو مرة واحدة، قضية خلق القرآن، وهي قضية أساسية في علم الكلام الإسلامي. فقد حذف بكل بساطة من الطبعات اللاحقة لكتابه «رسالة التوحيد» مقطعًا ظهر في الطبعة الأولى يؤيد خلق القرآن. ولعل هذا الالتباس في تفكيره هو ما أثار شكوك كرومر وبلنط وانتقادات الأزهر. والواقع أنه كان يتصرف كما لو كان ينتقي من بين مجموعة الأفكار الإسلامية تلك التي تخدم على أحسن وجه غايتين: الأولى، الحفاظ على وحدة الأمة وسلامتها الاجتماعية، مما حمله على تناسي التميزات الفكرية وتجنب إعادة فتح المناقشات القديمة، والثانية، الإجابة على بعض الأسئلة التي أثارها وقتئذ الجدل الديني في أوروبا. كانت قضاياه الفكرية قضايا الفكر الإسلامي، لكنها كانت أيضًا قضايا أوروبا القرن التاسع عشر، وبنوع خاص قضية العلم والدين. وكانت معظم الكتب الأوروبية التي قرأها من وضع المفكرين الإنكليز والفرنسيين الذين حاولوا في عصره تطبيق مناهج العلوم الطبيعية (كما كانوا يفهمونها) على الطبيعية البشرية والمجتمع والكون بمجموعه. وكان أقرب أصدقائه الأوروبيين إليه، وهو ولفريد بلنط، كاثوليكيًا فقد إيمانه على أثر مطالعته كتب داروين، لكنه احتفظ طول عمره بحنين إلى «مسيحية تطورية» يسهل عليه الإيمان بها. وكان له بعض الاتصال بالأب تيرال وبـ «المجددين» الكاثوليك. كما كان متأثرًا أيضًا بالعلماء أمثال شتراوس، ورنان، وحتى تولستوي، الذين ميزوا بين «يسوع الحقيقي» وتعاليمه،
وبين المسيحية كما فسرها القديس بولس والكنيسة الكاثوليكية. وقد قبل عبده على العموم بالفكرة التي أخذها عن رينان وسبنسر أو سمعها من بلنط، وهي أنه لا يمكن للعقيدة المسيحية في صيغتها التقليدية أن تصمد أمام اكتشافات العلم الحديث والمفاهيم الحديثة لقوانين الطبيعة والتطور. وكانت هذه الفكرة تنسجم مع النظرة الإسلامية إلى المسيحية، وهي أن يسوع كان نبيًا بشريًا حور أتباعه تعاليمه وطبيعته. غير أن محمد عبده لم يقبل بمادية المفكرين اللبراليين وأفكارهم اللاهوتية، كنظرة رينان إلى الدين بأنه نتاج حتمي للمخيلة البشرية وإلى الإنسان بأنه «ذروة الكون» (27)، أو كقول سبنسر بسلطة مجهولة تتجلى في قوى الطبيعة وفي مختلف تحولاتها وتشكل «الحقيقة الأساسية الكامنة وراء جميع أشكال الدين» (28). لقد بدا الإسلام لمحمد عبده على أنه وسط بين طرفين: دين منسجم تمامًا مع متطلبات العقل البشري واكتشافات العلم الحديث، مع احتفاظه بفكرة الله تعالى الذي كان في نظره، كما كان في نظر الأفغاني، الموضوع الأوحد الجدير بالعبادة البشرية والأساس الثابت للخلقية الإنسانية. فكان الإسلام، عنده، «دين الفطرة» والجواب على قضايا العالم الحديث. لذلك أيقن أن الأوروبيين «سيذوقون من فتن مدنيتهم ومفاسدها السياسية ما يضطرهم إلى طلب المخرج منها فلا يجدونه إلا في الإسلام» (29).
وكانت إحدى غايات محمد عبده الرئيسية أن يظهر إمكان التوفيق بين الإسلام وبين الفكر الحديث، وأن يبين كيفية تحقيق ذلك. وقد اشترك في مناقشتين حول هذا الموضوع، إحداها مع المؤرخ الفرنسي، هانوتو، والأخرى مع اللبناني المستمصر فرح انطون. كان الجدل من مقومات فكره، غير أن الجدل له أخطاره: ففي الدفاع عن النفس قد يصبح المجادل أقرب إلى خصمه مما كان يظن. ومما يلفت النظر أن محمد عبده لم يهتم في كلتا المناقشتين بمسألة صحة الإسلام أو خطأه، بل حصر اهتمامه بأمر اتفاقه مع ما
يفترض بأنه من متطلبات الفكر الحديث. ولعل نظرته إلى الإسلام قد تأثرت هي ذاتها، وفي أثناء النقاش، بنظرته إلى ما يفتقر إليه الفكر الحديث. فقد تابع النهج الذي عهدناه لدى الطهطاوي وخير الدين والأفغاني، في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة. وعلى هذا النهج انقلبت «المصلحة» تدريجًا إلى المنفعة، و «الشورى» إلى الديموقراطية البرلمانية، و «الإجماع» إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفًا للتمدن والنشاط اللذين كانا قاعدتي التفكير الاجتماعي في القرن التاسع عشر. ولا شك أنه كان من السهل، بإتباع هذا النهج، تحوير، إن لم نقل إبطال، المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا بل عن النظرة «الإنسانية» اللادينية. وهذا ما تنبه له، بقلق. نقاده المحافظون، إذ كان لا بد أن يرافق عملية الانتقاء والتقريب هذه شيء من التقدير الكيفي. إذ عندما نتخلى عن التفسير التقليدي للإسلام ونفتح الباب للرأي الشخصي، يصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التمييز بين ما هو موافق للإسلام وما هو مخالف له. فهل فتح محمد عبده، بدون قصد منه، الباب لإغراق العقيدة والشريعة الإسلاميتين في لجة مبتكرات العالم الحديث؟ لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به، في الحقيقة، يبني جسرًا تعبر العلمانية عليه لتحتل المواقع واحدًا بعد الآخر. وليس من المصادفة، كما سنرى، أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة.
كان مفتاح دفاعه عن الإسلام مفهومه الخاص للدين الحقيقي، القائم على التمييز بين ما هو جوهري وغير متغير فيه، وبين ما هو غير جوهري ويمكن تغييره بلا حرج. فللإسلام الحقيقي، في نظره، جهاز عقائدي بسيط: بعض المعتقدات الخاصة بأخطر مسائل الحياة البشرية. وبعض المبادئ الخاصة بالسلوك البشري. ورأى أن العقل والوحي ضروريان معًا لاكتشاف هذه المعتقدات ولتجسيدها في حياتنا؛
وأن لا دوائر مستقلة لكل منهما ولا تناقض بينهما ضمن الدائرة الواحدة، وأن في سعينا وراء المعرفة الدينية، لا بل وراء أي معرفة، علينا أن نبدأ بالعقل ونقتفي خطاه إلى حيث يمكنه إيصالنا، أي إلى أن الله موجود وأن من صفاته وجوب الوجود والمعرفة والإرادة والقدرة والاختيار، والوحدة (30)، وأن الحياة الأخرى كذلك موجودة، وأن مصيرنا فيها يتوقف على أعمالنا الحسنة أو القبيحة، وأن بعض الأمور خير وبعضها شر (31). وبالعقل أيضًا يمكننا أن نعرف أن هناك ما يدعى النبوة، وأن هناك أنبياء، وهنا يلتقي خطان من تفكيره: الأول، هو أن هناك بعض الحقائق التي لا يمكننا معرفتها بالعقل، وأن منها ما لا نحتاج إلى معرفته، فالأفضل أن لا نعمل الفكرة فيه. فليس بإمكاننا معرفة أي شيء عن الذات الإلهية، لأن عقلنا ولغتنا البشريين غير كافيين لاكتناه جوهر الأشياء (32)؛ لكن منها ما نحتاج إلى معرفته كي نحيا الحياة الصالحة: كلام الله وبصره وسمعه، وماهية الحياة الأخرى وحسابها وملذاتها وآلامها، وبعض أفعال العبادة التي ترضي الله. وبما أن الإنسان يفكر بمثل هذه الأمور من تلقاء نفسه، ومعرفتها ضرورية للحياة، فوجب أن يكون هناك طريق لمعرفتها غير العقل. والخط الثاني هو أن هناك حقائق يمكن مبدئيًا للعقل معرفتها، لكن معظم الناس لا يعرفونها بالفعل، لأن عقولهم غير كاملة أو لأن الشهوة تسيطر على عقولهم وتضللها.
لهذين السببين يحتاج الناس إلى معونة إلهية كي يعيشوا وفقًا لإرادة الله، معونة يستمدون منها تحديد مبادئ السلوك واتخاذ موقف سليم من الإيمان (33). ويجب أن تأتي تلك المعونة في صورة بشري يفهمه سائر البشر ويستنتجون صدق وحيه الإلهي من كونه أفضل من سائر الناس في الشؤون البشرية. وهذه المعونة هي النبي، أي إنسان يحمل إلى الآخرين رسالة تتعلق بالله وبالحساب وبما ينبغي لهم معرفته عن الشؤون الأخرى.
وكما أن بإمكان العقل أن يثبت وجود الأنبياء، فبإمكانه أيضًا أن يدلنا إلى النبي الحقيقي وأن يثبت بنوع خاص أن محمدًا نبي حقيقي. أما البراهين على صحة الرسالة النبوية فهي: أولًا، اقتناع النبي وتأكيده بأنه نبي؛ ثانيًا، تواتر قبوله والإيمان به؛ ثالثًا، المعجزات الواضحة التي اجترحها والمشهود له بها بتواتر متصل. فإذا ما طبقنا هذه القواعد على محمد، لم يكن من مجال للشك بنبوته. إذ كيف نفسر أفعاله وتأثيره في التاريخ لو لم يكن الله فاعلًا فيه (34)؟ وكيف نفسر إعجاز القرآن الذي لا يمكن أن يصدر ببهاء لغته وعمق أفكاره عن عقل بشري؟ (35) وهناك أدلة عقلية تثبت دعوى محمد بأنه خاتمة الأنبياء. فسلسلة الأنبياء لا بد أن تنتهي عند حد ما، إذ تكون البشرية جمعاء قد ظفرت بالهداية الضرورية إلى سعادتها (36). وهذا ما تم بنزول الوحي الإسلامي. فقد أرسل محمد عندما كانت البشرية قد نمت نموًا كاملًا وأصبحت قادرة على فهم كل ما كان ضروريًا لها. ومن الممكن البرهان على أن الرسالة التي نقلها محمد تلبي جميع حاجات الطبيعة البشرية وإنها موجهة إلى البشرية جمعاء.
عند هذا الحد يجب على العقل أن يتوقف. فبعد أن يبرهن العقل على أن القرآن يحتوي رسالة إلهية، عليه أن يتقبل كل ما جاء فيه بلا تردد، وبعد أن يعترف بأن محمدًا نبي الله، عليه أن يقبل محتوى رسالته النبوية التي حواها القرآن والأحاديث برمتها، أو بالأحرى الأحاديث الثابتة بالإسناد المتواتر الصحيح. (إذ أن عبده كان يتحفظ كثيرًا في قبول العدد الأكبر منها). فالقرآن والحديث الصحيح يحويان معًا حقائق حول الكون يمكن للعقل نفسه بلوغها، ومبادئ عامة للخلقية الفردية والتنظيم الاجتماعي، وأوامر تقضي بأفعال معينة أو تنهي عن أفعال معينة، كأفعال العبادة خاصة، مما ليس بإمكاننا بدون الوحي معرفة صلاحها أو فسادها. هذه الوصايا الواضحة يجب على جميع المسلمين قبولها بلا تردد، مع العلم بأنها مرتبطة بأحد العلوم العقلية على الأقل وهو علم اللغة العربية (37).
غير أن هناك أمورًا لم يرشد القرآن أو الحديث إليها بوضوح، إما لأن نص القرآن فيها غير صريح، أو لأن هناك شكًا في صحة الحديث الخاص بها، أو لأن القرآن والحديث اكتفيا بإيراد مبدأ عام حولها دون إيراد حكم خاص بها، أو لصمت القرآن والحديث عنها. فعلى العقل، في مثل هذه الحالات، أن يقوم بدور المفسر. وهكذا يصبح الاجتهاد الفردي ليس جائزًا فحسب، بل ضرورة جوهرية أيضًا. على أنه يجب أن يتم ضمن حدود معينة، إذ لا يجوز للتفسير أن يتعارض مع ما نص القرآن والحديث عليه. أما إذا كان فيهما ما يبدو منافيًا للعقل، فعلى المجتهد أن يتحرى عن معنى الألفاظ الحقيقي، وإلا فليسلم أمره لله ويقبل بالنص كما هو (38). لكن المكلفين بالاجتهاد هم فقط الحائزون على المعرفة الضرورية والمقدرة العقلية. وأما الباقون، فعليهم إتباع أي مجتهد يثقون به. لكن العقل يبقى حرًا ضمن هذه الحدود ولا نهاية لمهمته. فالإجماع لم يكن لمحمد عبده مصدرًا ثالثًا من مصادر العقيدة والشريعة مساويًا لهما. وإذا كان قد قام مع الزمن نوع من الإجماع، أي نوع من التعبير عن رأي الجماعة المشترك، فإنه لم يكن إجماعًا معصومًا قط، ولم يكن من شأنه إغلاق باب الاجتهاد.
هذه هي، في نظر الإمام محمد عبده، مبادئ الدين الحقيقية التي جاء محمد يدعو إليها. غير أن رسالته لم تكن للدعوة فحسب، بل لتأسيس مجتمع أيضًا. إذ لا يمكن إلا لنبي أن يقوم بهذه المهمة. فالناس، إذا ما تركوا لأنفسهم، أساؤوا بحكم شهواتهم استخدام حرية الإرادة (39)، وهم لا يصغون إلى صوت الفيلسوف، بل إلى صوت الزعيم الديني. فالدين أقوى عامل في النظام الخلقي لدى العامة، لا بل لدى الخاصة (40)؛ والنبي وحده يستطيع أن يدخل في حياة البشر مبدأ منظمًا يقبلون به. فما هو هذا المبدأ؟ وما هو المجتمع الأمثل الذي أنشأه محمد؟ كان المجتمع، في نظر محمد عبده وجمهور المفكرين المسلمين، جهازًا من الحقوق والواجبات
يربط بينها التضامن الخلقي والاعتراف المتبادل بالحقوق والتناصح والتعاون على القيام بالواجبات، تجسد في شريعة مستمدة من الوحي على أسلوب معين. وهنا يدخل محمد عبده في نظرية الشريعة مفهومًا لم يكن دون أصول في التفكير الإسلامي، إلا أن هذا المفهوم مدين بعض الشيء للنظرية الأوروبية في القانون الطبيعي وللفلسفة التقنية. كان ابن تيمية وغيره من المفكرين قد ميزوا بين العبادات وبين المعاملات. فتبنى عبده هذا التمييز، مؤكدًا أن هناك فرقًا جوهريًا بين تعاليم الوحي الخاصة بكل منها. فالقرآن والحديث حددا قواعد معينة للعبادات. أما المعاملات، فلم يحددا لها في الغالب سوى مبادئ عامة، تاركين للناس مهمة تطبيق هذه المبادئ على شتى أحوال الحياة. وهذه هي دائرة الاجتهاد المشروعة، دائرة الرأي البشري إذا مارسناه بمسؤولية ووفقًا لمبادئ معينة.
وهكذا كانت ميزة المجتمع الإسلامي الأمثل، عند محمد عبده، لا تنحصر في الشريعة، بل تتناول العقل أيضًا. فالمسلم الحقيقي هو الذي يستعمل عقله في شؤون العالم والدين. والكافر الحقيقي وحده هو الذي يطبق عينيه على نور الحقيقة ويرفض النظر في البراهين العقلية (41). وخلافًا لما يقوله الخصوم، فإن الإسلام لم يدع قط إلى تعطيل عمل العقل، إذ هو بالعكس يؤيد كل بحث عقلي وكل علم (42). وهذا ما كان بالواقع موضوع المناقشة بين محمد عبده وفرح انطون. فقد ادعى فرح انطون، في كتابه عن ابن رشد (1126 - 1198)، أن الإسلام قضى على الروح الفلسفية. وهو بذلك لم يكن يعني، ضرورة، وهو من تلامذة رينان، أن المسيحية كانت أكثر مؤاتاة للعلم والفلسفة. لكن محمد عبده حسبه يعني ذلك، فأجاب بأن المسيحية غير متساهلة بطبيعتها، وهي عدو التفسير العقلي والبحث الحر، وبأن المدنية الغربية الحديثة لا علاقة لها بالمسيحية، إذ أن هذه المدنية لم تقم إلا بعد أن رفض مفكرو أوروبا وعلماؤها تعاليم المسيحية وأخذوا بمبدأ المادية بديلًا عنها (43). أما الإسلام، فهو
دين عقلي، يسمح للمسلمين بأن يقتبسوا علوم العالم الحديث بدون اعتناق المذهب المادي أو الخروج على دينهم.
إن المجتمع الأمثل هو الذي يذعن لأوامر الله، ويؤولها تأويلًا عقليًا وفي ضوء المصلحة العامة، ويطيعها بجد، ويحقق وحدته باحترامها. إنه المجتمع الفاضل، لا بل المجتمع السعيد المزدهر والقوي، لأن أوامر الله هي أيضًا مبادئ المجتمع البشري، ولأن السلوك الذي اعتبره القرآن مرضيًا عند الله، هو ذاته ما يعتبره الفكر الاجتماعي الحديث مفتاح الاستقرار والتقدم. إن الإسلام هو علم الاجتماع الحقيقي، علم السعادة في هذا العالم وفي الآخرة على حد سواء. إنه لا يدعو الإنسان إلى الإعراض المسرف عن خيرات هذا العالم، بل على الانتفاع بها بالقسط والاعتدال. وإذن، عندما تفهم الشريعة الإسلامية على حقيقتها وتطاع، يزدهر المجتمع. وهو ينحط عندما يساء فهمها وتهمل (44). وإذا كان الفرد لا يلقى، غالب الأحيان، جزاءه إلا في الحياة الآخرة، فإن الجماعات، صالحة كانت أم فاسدة، إنما تلقى جزاءها في الحياة الدنيا.
هذا هو المجتمع الأمثل، الذي لم يتحقق، في نظر محمد عبده، إلا مرة واحدة من قبل. لذلك نرى مخيلته عالقة بعهد الإسلام الذهبي، الجيل الأول من الطاعة ومن جزاء الطاعة، جيل الفلاح السياسي والنمو الفكري على نحو لا مثيل له في سرعته وكيفية ازدهاره (45). فقد كانت الأمة، أمة السلف الصالح، هي الأمة كما ينبغي أن تكون، وكما بقيت في غضون القرون الأولى. وكلمة السلف لا يستعملها محمد عبده بمعناها الحرفي كمرادف للجيل الأول من صحابة النبي وأتباعه، بل بمعناها الأعم للدلالة على التراث الرئيسي للإسلام السني في عهود ازدهاره. فكبار علماء الكلام في القرنين الثالث والرابع هجري، كالأشعري والباقلاني والماتريدي، هم أيضًا من السلف الصالح (46). وإذا كان هذا المجتمع الأمثل قد انحط في آخر الأمر، فإنما كان ذلك لسببين: الأول دخول الإسلام عناصر
غريبة عنه. فأدخل الفلاسفة وغلاة الشيعة روح التطرف (47)، كما طمس حقيقة الإسلام الجوهرية نوع معين من التصوف، لا التصوف الحقيقي الذي كان محمد عبده يكن له احترامًا جمًا. فمن الخير أن تكون طاعة المسلمين للشريعة ذات سمة داخلية، كما يدعو التصوف الحقيقي، إلا أن التصوف الذي اعتبره محمد عبده خطرًا على الفكر وعلى السلوك هو ذلك الذي خص الأولياء وكراماتهم بالإجلال فجنح بذلك إلى تحويل الانتباه عن الله وإلى إقامة وسطاء بين الله والناس، وابتدع شعائر خاصة به فخالف ضمنًا أوامر القرآن بشأن الطريقة التي أراد الله أن نعبده بها، وعلم المؤمن أن يهمل واجباته في هذه الدنيا في سبيل الاستعداد المسرف للآخرة، وأخضع التلميذ لإرادة مدربه الروحي فأضعف بذلك نشاط الإرادة الفردية التي هي الأساس الضروري للمجتمع الإسلامي المزدهر، واستعمل اصطلاحات مجازية تنطوي على أخطار خلقية، وسد بعقيدته في «وحدة الوجود» الهوة القائمة بين الله والمخلوقات. لجميع هذه الأسباب، بدا لمحمد عبده أن مذهب المفكرين الصوفيين أمثال ابن العربي وأصحاب الطرق الصوفية إنما يقوض أسس الجماعة. وعندما رأس، في الفترة الأخيرة من حياته، لجنة تشرف على نشر الروائع الكلاسيكية، لم يسمح بنشر «الفتوحات المكية» لابن العربي (48).
ويرى محمد عبده أن الأمة قد انحطت لسبب آخر. هو أن الذين حافظوا على عناصر الإيمان الجوهرية قد أخذوا يفقدون روح التوازن ويتناسون الفرق بين الجوهري وغير الجوهري، فراحوا ينظرون إلى التنظيمات التفصيلية للمجتمع الإسلامي الأول كما لو كانت من قواعد الإيمان يقتضي لهم طاعتها طاعة ثابتة عمياء. وهذا نوع من «التطرف في التمسك بمظاهر الشريعة» (49)، أدى إلى تقليد أعمى، بعيد عن حرية الإسلام الحقيقي، انتشرت عادته بقيام الحكم التركي في الأمة. ذلك أن الأتراك، وهم جدد في
الإسلام، قد حرموا موهبة فهمه واكتناه معنى رسالة النبي، فشجعوا، خدمة لمصلحتهم، الرضوخ الأعمى للسلطة، وثبطوا عزيمة أصحاب التفكير الحر من رعاياهم، واعتبروا المعرفة عدوهم الأكبر، لأنها تكشف للرعايا سوء سلوك الحكام. فلا عجب إن هم حشروا مؤيديهم في صفوف العلماء لترويض المؤمنين على الجمود والخمول في شؤون الإيمان وعلى الخضوع للسلطة السياسية. وبفساد العلماء، أخذ كل شيء في الإسلام يصيبه الانحلال. ففقدت اللغة العربية نقاوتها، وتفككت الوحدة بفصل المذاهب الدينية بعضها عن بعض فصلًا صريحًا. كما ساءت التربية، وفسدت العقيدة نفسها، باختلال التوازن بين العقل والوحي وإهمال العلوم العقلية (50).
وهكذا أفسد الحكام الإسلام. فانتشرت الفوضى الفكرية بين المسلمين برعاية الحكام الجهلاء (51). وقد استمر هذا الجهل وهذا الفساد حتى يومنا هذا. وما قاله محمد عبده في أتراك القرون الوسطى كان بوسعه أيضًا قوله في السلاطين العثمانيين. إذ كانوا هم أيضًا، في نظره، دعائم التقليد الغبي في شؤون الدين. وكم كان يكره الشيخ أبا الهدى، المستشار الخاص للسلطان والمحامي عن نظرة صوفية مختلفة جدًا عن نظرته.
وفيما كانت الشعوب الإسلامية تفقد فضائلها ثم قوتها، كانت أمم أوروبا تزداد قوة وتمدنًا، فتمارس على طريقتها الخاصة الفضائل الاجتماعية الجوهرية، فضائل العقل والنشاط، وتجني ثمارها. وقد أدرك محمد عبده أن الشعوب الإسلامية لن تصبح قوية ومزدهرة إلا إذا اقتبست من أوروبا العلوم التي نتجت عن نشاطها العقلي، وأن هذا الاقتباس يمكن تحقيقه بدون التخلي عن الإسلام. إذ أن الإسلام يحث على قبول جميع منتجات العقل. غير أن ذلك يقتضي تغييرًا في مؤسسات المجتمع الإسلامي: في نظامه الشرعي، ومدارسه، وأساليب الحكم فيه.
فعلى المسلمين اليوم، في نظر محمد عبده، أن يقوموا بما كان
عليهم القيام به دومًا: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقًا لمتطلبات الحياة الحديثة. ولبلوغ هذه الغاية، لا بد من الاهتداء بمبدئين سلم بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعدًا جديدًا: الأول، مبدأ المصلحة، وهو مبدأ أقره، كما أشرنا آنفًا، المذهب المالكي الذي كان محمد عبده ينتمي إليه، وإن كان قد درس الفقه الحنفي في الأزهر. كان هذا المبدأ، تقليديًا، بمثابة قاعدة لتأويل النصوص. فيفترض الفقيه، في شرحه للقرآن والحديث، أن غاية الله من الوحي رعاية مصلحة البشر، فيختار التأويل الذي يحقق هذه الغاية. أما محمد عبده وأتباعه، فقد جعلوا من المصلحة قاعدة لاستنباط شرائع خاصة من المبادئ العامة للخلقية الاجتماعية. فالله لم ينزل، في رأيهم، سوى مبادئ عامة، تاركًا للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة؛ وبما أن هذه القضايا تتغير، توجب تغيير تطبيق المبادئ عليها. وهكذا جعلوا القاعدة المناسبة لكل زمان مصلحة البشر العامة في ذلك الزمان. أما المبدأ الثاني، فهو مبدأ التلفيق. لقد كان من المسلم به لدى بعض أصحاب الرأي التقليديين، وأن ضمن حدود معينة، أنه يجوز للقاضي، في أي قضية معينة، أن يختار من مذهبه الشرعي أو من مذهب شرعي آخر، التفسير الشرعي الأكثر ملاءمة للظروف. أما محمد عبده، فقد ذهب أبعد من ذلك، فدعا لا إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة فحسب، بل إلى مقارنة علمية بين المذاهب الأربعة أيضًا، ناهيك بأحكام الفقهاء المستقلين الذين لم يقبلوا أيًا منها، بغية وضع «مذهب موحد» يؤلف بين العناصر الصالحة في كل منها. وقد تمكن، بوصفه مفتي مصر، من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ. كان مضطرًا، كلما طلبت الحكومة المصرية منه فتوى، أن يصدرها وفقًا للمذهب الحنفي. غير أنه كان يفتي بحرية أوسع كلما استفتاه فرد من الناس، كما فعل، مثلًا، عندما أرسل إليه مسلم هندي يسأله إذا كان يجوز للمسلمين التعاون مع غير المسلمين في القيام بالمشاريع الخيرية.
فالتمس، أولًا، من مشايخ المذاهب الأربعة في الأزهر فتوى مذاهبهم في هذه المسألة، ثم أصدر، في ضوئها وبالرجوع إلى القرآن والحديث وسنة العهود الأولى، فتواه الخاصة (52).
لم يغرب عن بال محمد عبده أن من المستلزمات المنطقية لهذه الطريقة إنشاء نظام موحد وعصري للشريعة الإسلامية. وقد اتخذ بالفعل، في كتاباته وفي قراراته كمفتي، الخطوة الأولى في هذا السبيل. كان نطاق الآراء التي أبداها والقرارات التي اتخذها واسعًا، فشمل تقريبًا جميع حقول الشريعة والخلقية الاجتماعية: هل يجوز للمسلمين لبس القبعة الأوروبية؟ وهل يجوز لهم أكل ذبيحة النصارى واليهود؟ وهل تجيز الشريعة رسم الصور البشرية؟ وهل تعدد الزوجات محمود، خلقيًا، أو مذموم؟ وقد أطلق، بفتاويه هذه، نزعة ظلت مستمرة في مصر بعد وفاته، حتى حققت بعض ما كان يرجوه. فمنذ 1920، توالت القرارات الرسمية تحدد وتعدل الشرائع الإسلامية التي كان من سلسلة اختصاص المحاكم تطبيقها. وقد وجد هذا العمل ما يبرره، بالنسبة لمفاهيم الإسلام السني، في الحق الذي منحته الشريعة للحاكم الزمني في تحديد الشؤون الواقعة ضمن اختصاص قضاة الشرع، كما وجده في مبدأ التلفيق. إلا أن تطبيق مبدأ التلفيق كان من الشمول بحيث استحال على الفقهاء السنيين الرضى عنه، إذ وضعت بموجبه تفسيرات للشريعة اقتضتها حاجات العصر لم يكن لها سند في المذهب الحنفي، حتى ولا في أي مذهب من مذاهب الشرع الأربعة. وهكذا نشأ ما هو في الواقع النظام الحديث والموحد للشريعة الإسلامية. لكن هذا لا يصح إلا على شؤون الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق والإرث، التي تركتها القوانين الحديثة في رعاية الشريعة. أما في الشؤون الأخرى، فقد بقي التيار الذي أراد محمد عبده تحويله، سائرًا في مجراه التقليدي الأول. فكانت المحاكم المدنية تطبق القوانين المدنية والجزائية المستمدة من نماذجها الأوروبية والصادرة عن سلطة
الدولة. ومع أن القانون المدني الصادر في 1948 قد ذكر أن الشريعة مصدرًا للقوانين، غير أنها لم تكن المصدر الأوحد، بل كانت هناك مصادر أخرى، كالعدل الطبيعي والعرف، فضلًا عن أننا لا نجد لها، في مجموعة القوانين، إلا أثرًا ضئيلًا. وفي آخر الأمر، ألغيت المحاكم الدينية في 1956، وأحيلت شؤون الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية، على أن تطبق بشأنها الشريعة كما عدلتها القوانين (53).
وبما أن إصلاح الشريعة لا يتم فعالًا ما لم يكن هناك فقهاء مدربون على تفسيرها وتطبيقها لذلك اقتضى إصلاح نظام التربية الدينية. لقد عبر محمد عبده عن رأيه بإسهاب في هذا الموضوع في رسالة كتبها عند إقامته في بيروت. ففيها يوضح أنه من الضروري اختلاف وجوه التربية الدينية باختلاف طبقة المجتمع. فتلقن العامة الخطوط الرئيسية لمبادئ العقيدة دون التطرق إلى الخلافات بين الفرق، وطرفًا من تاريخ الإسلام يعلل فيه انتشار الإسلام وتحقيق فتوحاته بهذه السرعة. ويلقن المعدون للمراكز الحكومية المنطق، والفلسفة، والعقيدة مع التشديد على إثباتها بالأدلة العقلية والحث على تجنب الخلاف بين مختلف المذاهب، وعلم الأخلاق مع التشديد نفسه على مستنداته العقلية، ودراسة سير حياة السلف الصالح والتاريخ الديني. أما المعدون للتدريس والتوجيه الروحي، فيجب أن يتمرسوا تمرسًا كاملًا بالعلوم الدينية. فيتقنوا، أولًا، علوم اللغة العربية؛ ثم القرآن مع شروح له تأخذ بعين الاعتبار العادات والتقاليد واللغة وأساليب التفكير لدى العرب في حقبة نزوله بحيث يسهل التمييز بين جوهر الوحي وعرضه؛ والحديث النبوي على أن يقتصر منه على ما كان ثابتًا؛ ثم نظام الأخلاق بكامله، كإحياء علوم الدين للغزالي؛ فضلًا عن علم الكلام، والفقه، مع العناية بما يمكن استنباطه شرعيًا من النصوص، وعلوم الإقناع، والجدل، والتاريخ القديم والحديث، على أن يشتملا لا على حقبة الأمجاد الإسلامية فحسب؛ بل على عهود الانحطاط أيضًا مع تبيان أسباب ذلك (54).
وعندما احتل محمد عبده منصبًا نافذًا، استطاع أن يقوم بوضع بعض هذه الأفكار موضع التنفيذ. فأنشئت بإيعاز منه، بلجنة رأسها هو لوضع توصيات بشأن إصلاح الأزهر، تبنتها الحكومة بقانون يقضي بإنشاء مجلس إداري وبتنظيم شروط قبول الطلبة وقواعد السلوك والامتحانات وبتعديل مواد التعليم (55). وقد أنشئ المجلس الإداري فعلًا، وكان محمد عبده انشط إعطائه، وقام بتنفيذ بعض المقترحات: كاستبدال كتب التدريس القديمة بدراسة مباشرة لآثار أئمة الفكر الإسلامي، وإضافة علوم كانت مهملة، إلى مواد المنهاج الدراسي، كالأخلاق والتاريخ والجغرافيا. غير أن هذه المحاولة اصطدمت بمقاومة المحافظين في الأزهر، فضلًا عن الخديوي عباس. وكان الأخير على علاقة سيئة بمحمد عبده كما كان حريصًا على الصلة التقليدية الوثيقة القائمة بين الحاكم والأزهر منذ عهد المماليك. وهكذا استقال محمد عبده من المجلس، في 1905، على أثر بيان للخديوي كان مسيئًا إليه (56). غير أن الاندفاع الذي ولده في مضمار إصلاح الأزهر لم يتوقف تمامًا بعد موته. فرأس الأزهر، في الخمسين سنة الأخيرة، عدد من تلاميذه وأتباعه، تمكنوا، بالرغم من المقاومة الداخلية والخارجية، من مواصلة عمله وإن بشكل متقطع. وإذا كان الأزهر اليوم يختلف عما كان عليه في زمن محمد عبده، فمعظم الفضل في ذلك عائد إليه.
عندما كتب محمد عبده عن المؤسسات السياسية، كانت تتجاذب أفكاره، كما تجاذبت أفكار أستاذه الأفغاني، نزعتان: فكرة الوحدة السياسية للأمة بمعناها الإسلامي، وفكرة الأمة بالمعنى الحديث. لكننا إذا ما محصنا نظرته إلى الأمة عن كثب، اتضح لنا أن هذا التجاذب كان ظاهريًا أكثر منه فعليًا. فقد جاء عرضه الأول لها، إذا صح التعبير، في كتاب ويلفريد بلنط:«مستقبل الإسلام» . ففيه يزعم بلنط أن معظم الآراء التي يعرضها هي آراء محمد عبده. ويمكننا التسليم بذلك، لكن إلى حد معين. فالكتاب، كما سنرى
فيما بعد، يدافع عن فكرة استعادة العرب زعامة الأمة من يد الأتراك، مما يتضمن القول بأن زوال الإمبراطورية العثمانية أمر محتوم ومرغوب فيه معًا. ومن المستبعد أن يكون محمد عبده على استعداد لقبول مثل هذا القول. غير أن الكتاب يحتوي أيضًا على شرح لطبيعة الأمة الإسلامية والسبيل إلى إصلاحها. وهذا ما يمكن اعتباره وصفًا صادقًا للأفكار المتداولة في حلقة محمد عبده في ذلك الوقت.
إن نقطة الانطلاق في الكتاب هي بالضبط نقطة انطلاق محمد عبده في كتاباته: أن الأمة الإسلامية في انحطاط ويجب إصلاحها من الداخل، وتبني المؤسسات الأوروبية بحد ذاته لن يحقق هذا الإصلاح: فالتنظيمات «لم تنجم عن الدين أو بواسطته، كما كان ينبغي أن يحدث، بل جاءت تحديًا له
…
وجميع التغييرات التي يحاولون إجراءها على هذا النحو مكتوب لها الإخفاق بسبب عنصر اللاشرعية اللاحق جوهريًا» (57). أما الحركة الوهابية، فكانت أقرب ما يكون إلى الإصلاح، لأنها عالجت القضية من جذورها، وذلك بانصبابها على إصلاح الأخلاق والعقيدة وبالعودة إلى الأمور الأساسية في الإسلام. والأساسي في الإسلام إنما هو تلك المجموعة من العقائد المتفقة مع متطلبات العقل البشري. وما الشريعة إلا التطبيق العقلي لهذه المبادئ على أحوال العالم المتبدلة. فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحًا من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلًا، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين القاطنين البلدان الإسلامية. لكن كيف يمكن لهذه العملية أن تتم بدون الخروج على الشرع؟ فالشريعة لا يمكن تغييرها، ما لم يكن هناك سلطة تغيرها. لذلك كان من الضروري بعث الخلافة الصحيحة، على أن يكون لها وظيفة روحية وتكون وحدها متمتعة بالسلطة الروحية. وعلى الخليفة أن يكون المجتهد الأكبر، على حد تعبير تلميذ محمد عبده، رشيد رضا. وعليه أن يكتسب احترام الأمة، لا أن يحكمها، إذ أن وحدة
الأمة هي وحدة معنوية لا يؤثر فيها انقسام الأمة إلى دول قومية. ويقترح محمد عبده، في إحدى المناسبات، أن يكون للأمة المصرية رئيس يحكم تحت إشراف الخلافة الدينية (58).
كان محمد عبده مصريًا متأصل الجذور في تقاليد بلاده. لذلك احتل العنصر القومي، منذ البدء، مركزًا مهمًا في تفكيره، حتى إن أول مقالة نشرت له في الأهرام تحدثت عن الماضي العظيم «لمملكة مصر» (59). وكان يشعر دومًا بأن التاريخ والمصالح المشتركة بين الذين يعيشون في البلد الواحد تخلق رابطة عميقة فيما بينهم بالرغم من اختلاف الأديان. وقد أثر شعوره بأهمية الوحدة في نظرته إلى الإصلاح الإسلامي، كما أثر أيضًا في نظرته إلى الأمة. فكان يعتقد أن الوحدة ضرورية في الحياة السياسية؛ وأن أقوى نوع من أنواع الوحدة إنما هو وحدة الذين ينتمون إلى البلد الواحد، أي ذلك المكان الذي لا يعيشون فيه فحسب، بل يجدون فيه أيضًا مجالًا لممارسة حقوقهم وواجباتهم العامة وموضوعًا لمحبتهم وعزتهم (60)؛ وأن انتساب غير المسلمين إلى الأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين أنفسهم إليها؛ وأنه يجب أن تقوم علاقات طيبة بين أبناء الأديان المختلفة (عندما هاجمت الصحافة الوطنية بطرس غالي، وهو قبطي كان يومذاك نائب وزير العدل، تدخل محمد عبده ليبين أن انتقاد الشخص على عمل أتاه يجب أن لا يتحول إلى هجوم على جماعة بكاملها)(61)؛ وأن من واجبات المسلمين أن يتقبلوا مساعدة غير المسلمين لهم في شؤون الخير العام. فحين سأله مسلم هندي هل كانت مثل تلك المساعدة جائزة، إجابه بالإيجاب، مثبتًا ذلك بالاستشهاد بالقرآن والحديث وسنة السلف (62).
كان للأمة المصرية إذن، في اعتقاد محمد عبده، كيان مستقل. لكنها كانت، كالأمة في مجموعها، في حالة انحطاط داخلي، ولم يكن بإمكانها أن تأمل في حكم ذاتها قبل أن تصلح نفسها. وكان مثل محمد عبده الأعلى في الحكم قريبًا من المثل الأعلى لدى فقهاء القرون
الوسطى: حاكم عادل يحكم وفقًا للشريعة وبمشورة أعيان الشعب. وقد ذهب إلى أبعد من خير الدين، فاعتبر أن هذا الحكم هو الملكية المقيدة الدستورية. لكنه لم يكن يعتقد أن مصر كانت معدة له بعد. إذ كانت تفتقر، قبل كل شيء، إلى تدريب تدريجي في فنون الحكم قبل أن تستطيع أن تحكم ذاتها. لذلك كان عليها، أولًا، إنشاء مجالس محلية، ثم مجلس استشاري، ثم أخيرًا جمعية تمثيلية (63).
هذه هي الأفكار التي استقر عليها محمد عبده، فعبر عنها في مقالاته الباكرة وكررها في أعوامه الأخيرة. غير أنه مر، فيما بين الفترتين، بفترة كان فيها على شعور قومي عارم بلغ حد الاستعداد لتأييد التدابير العنيفة. فقد دفعه إلى الحياة السياسية في الأعوام الأخيرة من حكم إسماعيل تأثير الأفغاني وتردي أحوال مصر. وإذ بلغت الأزمة ذروتها، ازدادت آراؤه تصلبًا. وكانت مقاومته لأوتوقراطية الخديوي لا تقل عن مقاومته للتدخل الأجنبي. فقد كتب إلى بلنط في نيسان 1882:«إن كل مصري يكره الأتراك ويبغض ذكراهم اللعينة» (64). وقد رافقته مرارة ذلك الشعور طيلة المدة التي كان يعمل فيها مع الأفغاني جنبًا إلى جنب في باريس. وعندما زار إنكلترا في 1884، لاحظ بلنط أن «الشعور المسيطر عليه إذ ذاك إنما كان بغض إنكلترا، وقد اختلطت به كراهيته للجراكسة» (65). وقد أخذ بلنط منه، في أثناء تلك الزيارة، حديثًا لمجلة بول مول، كرر فيه المطلب المصري بالاستقلال، قائلًا:«لا تحاولوا إسداء الخير لنا بعد. فخيركم قد ألحق بنا الكفاية من الضرر» (66).
وعندها عاد إلى مصر بعد سنوات المنفى، عاد إلى الاعتدال الرصين الذي تميزت به حياته الأولى. ويقول البعض إن سبب ذلك هو تعهد قطعه على نفسه للخديوي توفيق عندما سمح له بالعودة. لكنه من الأسهل شرحه بتضاؤل تأثير الأفغاني فيه وبذكرى 1882 التي سمحت لمعتقداته الأساسية أن تثبت نفسها من جديد. فإن ما
كانت مصر تحتاج إليه، بناءً على هذه المعتقدات، إنما هو عهد من التربية الوطنية الحقيقية؛ وعلى ضوء هذه الحاجة يجب النظر إلى كل قضية سياسية أو اجتماعية. فإذا كان الحكم الدستوري يحول دون تلبية هذه الحاجة، فهذا دليل على أنه فاسد أو على الأقل أنه سابق لأوانه. وإذا كان الحكم الأوتوقراطي أو حتى الحكم الأجنبي يساعد على تحقيق ذلك فيجب تحمله. إذ ليس هناك من سبيل سياسي محض إلى النضوج السياسي والاستقلال الحقيقي. وقد انتقد في أعوامه الأخيرة أستاذه القديم الأفغاني لتصرفه كما لو كان لمثل هذا السبيل وجود. فقد قال لأحد تلاميذه:«إن السيد لم يعمل عملًا حقيقيًا إلا في مصر» (67)؛ إذ كان عليه، عوضًا عن التدخل في دسائس القصر في إسطنبول، أن يقنع السلطان بإصلاح نظام التربية. وقد كتب شيئًا من هذا إلى الأفغاني نفسه، فغضب منه. ويبدو أن صلتهما قد انقطعت في أعقاب ذلك. ولما مات الأفغاني، لم يكتب محمد عبده كلمة واحدة في رثائه أو إحياء ذكراه.
ولا شك في أن محمد عبده قد حاول أن يتجنب الخطأ الذي وقع فيه الأفغاني، فخصص، كما رأينا، معظم وقته للتربية الوطنية وللإصلاح كما كان يفهمه. فعندما كان عضوًا في المجلس التشريعي، كان يصرف ساعات طويلة في مناقشاته وأعمال لجانه. لكنه لم يكن يعتبر نشاط ذلك المجلس عملًا سياسيًا، بل بالأحرى جزءًا من مهمة التربية السياسية (68). ولم يكن يرغب في أن تزداد صلاحياته. فقد وصف، في مقال شهير، الكسب الذي يوفره «مستبد عادل يستطيع أن يعمل من أجلنا في مدة خمسة عشر عامًا ما لا نستطيع عمله من أجل أنفسنا في خمسة عشر قرنًا» (69). لكن هذا لم يكن يعني، ولا شك، تأييدًا منه للحكم المطلق بحد ذاته. فالمستبد يجب أن يكون عادلًا. وكان عبده، كالأفغاني، ينتمي إلى أقلية المفكرين المسلمين الذين قالوا بحق الجماعة في خلع الحاكم إذا لم يكن عادلًا وكان الخير العام يقتضي ذلك (70).
هذه المبادئ تفسر صلة محمد عبده بالقوى السياسية في زمنه. فقد رضي بالتعاون مع البريطانيين، مع أنهم كانوا أجانب لا مسلمين، شرط أن يساعدوا في العمل من أجل التربية الوطنية، وشرط أن يكون بقاؤهم موقتًا. وكان على صلة طيبة بكرومر، مع أنه لم يكن يحب سائر الرسميين البريطانيين (71). فقد كتب كرومر عنه وعن رفاقه قائلًا بأنهم «الخلفاء الطبيعيون للمصلح الأوروبي» ، لذلك أيده عندما أراد الخديوي عزله من منصب الفتوى (72). لكن هذا لا يعني أن محمد عبده كان راضيًا كل الرضى عن السياسة البريطانية. فلو كان كرومر نفسه ذلك المستبد العادل، فلا بد له، في نظر محمد عبده، من أن يحكم بمشورة زعماء الشعب، وهو ما لم يكن مستعدًا للقيام به. وأراد محمد عبده من كرومر أن يستخدم نفوذه لدى الخديوي ليحمله على تعيين عدد أكبر من المصريين أعضاء في وزارته عوضًا عن زمرة السماسرة الجراكسة الأتراك. ومع أن كرومر أظهر، لفترة، اهتمامًا بهذه الفكرة، فإنه لم يفعل شيئًا لتحقيقها، إذ لم يعتقد أن الوزراء المقترحين كانوا أفضل من الوزراء الحاليين.
ومن ذلك أن محمد عبده كان مستعدًا للتعاون مع الخديوي لو أنه رغب في أن يكون مستبدًا عادلًا. وعندما خلف عباس حلمي أباه توفيق في 1892، كان عبده على صلة طيبة به في البدء، وكان بوسعه التأثير عليه في بعض الشؤون. لكن الخديوي انقلب عليه عندما رآه يسعى للحؤول دون استعمال أملاك الوقف لتنفيذ مآرب القصر، كما كان يخشى نفوذه في الأزهر. وأدرك عبده أن الخديوي لن يتنازل أبدًا عن امتيازاته ولن يقبل بإشراك وزارة مسؤولة في سلطته. فأثار ذلك في نفسه الكراهية التي كانت تكنها قلوب الفلاحين المصريين لأسرة محمد علي. وفي مقال كتبه بمناسبة الذكرى المئوية لاعتلاء محمد على عرش مصر، نوه بالناحية السوداء من منجزات الرجل الذي كثيرًا ما كان يلقب بصانع مصر الحديثة، فقال:«إنه لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت» . فمن
أجل سيطرته الخاصة «سحق رؤساء البيوت الرفيعة والكرام، وأخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى
…
ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها»، كما منح الحماية والامتيازات لأجانب مشكوك في أخلاقهم. لقد كان حكمه قويًا، ولا شك، لكنه لم يكن قائمًا على احترام القانون. وقد أنشأ جيشًا، لكن بأساليب لم تخلق لدى الشعب المصري الفضائل العسكرية. وهو لم يشجع على الزراعة إلا ليأخذ الغلات لنفسه، جاعلًا من «البلاد المصرية جميعها إقطاعًا واحدًا على أثر إقطاعات كثيرة لغيره» .. وكان مسلمًا بالاسم فقط، ولم يقم بأي عمل من أجل الدين، لا بل جرد الجوامع والمدارس من أوقافها (73).
ومن جهة أخرى، فقد بدا له أن القوميين العقائديين على خطأٍ في اعتقادهم أن للاستقلال طريقًا مختصرًا. وبقي دومًا من منتقدي «عرابي وزعماء عام 1882 العسكريين. فقد قال في سيرة حياته إن عرابي لم يكن يخطر بباله ولا يهتف به في منامه أن يطلب إصلاح حكومة أو تغيير رئيسها
…
إنما الذي أحاط بفكره وملك جميع مقاصده هو الخوف على مركزه مع شدة البغضاء لمن كان معه من أمراء الجراكسة الذين كانوا يقفون حجر عثرة في طريق تقدم الضباط المصريين». نعم، لقد تكونت لديه فكرة دعوة البرلمان للحد من سلطة الحاكم المطلقة، مع طبع حركة العصيان التي قادها بطابع الشرعية، إلا أن هذه الفكرة لم تكن سوى فكرة غامضة استقاها من الصحف ومن ترجمات كتب أوروبية أو، بتعبير محمد عبده، من «خيال لعب بعقله» (74). ثم يصف كيف كان يجادل عرابي ورفاقه منبهًا إياهم إلى أن الشعب لم يكن مستعدًا بعد للحكم الذاتي، وإنه حتى لو كان مستعدًا لذلك، فمن الخطأ المطالبة بالحكم الذاتي بالضغط العسكري. إذ مهما تحقق بهذه الطريقة من كسب فلن يدوم، كما أنه قد يؤدي إلى الاحتلال الأجنبي. وفي ذلك يقول: «إنني أرى الاحتلال الأجنبي قادمًا واللعنة حالة على من كان
السبب» (75). وبعد عشرين عامًا، أبدى الاعتراضات نفسها، عندما انتعشت الروح القومية من جديد بزعامة مصطفى كامل. فناد بأن أساليب كامل ليست شرعية، وهي لن تؤدي إلى أي نتيجة قط، وإذا أدت فإلى نتائج زائلة. وهكذا شعر الرجلان أن ما من شيء يجمع بينهما، إذ لم يستطع محمد عبده أن ينظر إلى مصطفى كامل بعين الجد، كما أن مصطفى كامل قد أخذ على المفتي اهتمامه الزائد باكتساب النفوذ الرسمي (76).