المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامسجمال الدين الأفغاني - الفكر العربي في عصر النهضة

[ألبرت حوراني]

الفصل: ‌الفصل الخامسجمال الدين الأفغاني

‌الفصل الخامس

جمال الدين الأفغاني

عندما نظر الطهطاوي وخير الدين إلى أوروبا، كان أكثر ما رأياه فيها أفكارها واختراعاتها الجديدة، لا قوتها القاهرة الناجمة عن تلك الأفكار والاختراعات. نعم، كان خير الدين يعي الأخطار الكامنة في النفوذ الأوروبي المهدد بتزايده كيان الإمبراطورية. غير أنه رأى أن بالإمكان صد تلك الأخطار بمعاونة الدول الليبرالية نفسها. فلم تكن تلك الأخطار قد تفاقمت بعد، بحيث تصبح القضية الرئيسية للحياة السياسية. وقد بقيت كيفية شرح الانحطاط الداخلي وتعليله وضبطه، القضية الرئيسية التي شغلت الكتاب العثمانيين في القرنين السابع عشر والسادس عشر. وكانت أفكار أوروبا السياسية ومهاراتها العلمية تبدو لهم ضرورية لمعالجة هذه القضية، لذلك غدت أوروبا، قبل كل شيء، معلمًا وحليفًا سياسيًا للراغبين في إصلاح المجتمع العثماني. ولو تأخر الطهطاوي وخير الدين في وضع كتبهما سنوات فقط، لشددا فيها على وجوه من الموضوع دون أخرى. ذلك أن السنوات الواقعة بين 1875 و 1882 أسفرت عن أحداث دفعت بالعلاقة بين أوروبا والشرق الأدنى في اتجاه جديد. فقد دلت أزمة 1875 - 1878 الشرقية أن باستطاعة جيوش دولة أوروبية التوغل في قلب الإمبراطورية دون القدرة على صدها إلا بتهديد من دولة أخرى. كما أظهرت معاهدة برلين، التي أنهت تلك الأزمة، أن الإمبراطورية لم تعد ممسكة بزمام مصيرها ومصير كل ولاياتها. ثم جاء احتلال فرنسا

ص: 131

لتونس في 1881، واحتلال إنكلترا لمصر في 1882، يكشفان عن ما خفي من حقيقة ذلك الواقع. وهكذا تحول الفكر السياسي في الشرق الأدنى، من ذلك الوقت، تحولًا جذريًا. نعم، كانت حسنات الوجود الأوروبي، في نظر بعض نصارى الشرق الأدنى، تفوق سيئاته. إذ لم تكن السيطرة الأوروبية لتتعارض مع نظرتهم العامة في الحياة، ناهيك بما علقوا على هذه السيطرة من آمال النفوذ والثقافة لطوائفهم والفلاح لأنفسهم. أما المسلمون، أتراكًا كانوا أم عربًا، فقد بدا لهم إمكان استيلاء أوروبا على دفة الحكم تهديدًا لكيان مجتمعهم. إذ كانوا يعتقدون أن إحدى خصائص الأمة كونها مجتمعًا سياسيًا يعبر عن نفسه في جميع مظاهر الحياة السياسية، وأن هذا المجتمع إنما يزول بفقدان السلطة والسيادة. لذلك شغلت قضية الانحطاط الداخلي عقولهم دومًا. أما الآن، فقد اقترنت بها قضية جديدة، هي قضية البقاء، المطروحة على الشكل الآتي: كيف يمكن للدول الإسلامية مقاومة الخطر الخارجي الجديد؟

بدت الأزمة، في أول الأمر، كأنها تنفح حجج جماعة «تركيا الفتاة» بقوة جديدة. فقد ثار البلغاريون والبوسنيون، بتأثير من إصلاحات القرن التاسع عشر التي منحت الرعايا المسيحيين حرية دون أن تزودهم بمبدأ الولاء للسلطنة، وتمكنوا من الاستقلال بفضل تلك الحرية وبمساعدة الدول الأجنبية، وخصوصًا روسيا. وقد كان من الضرورة «جمع تلك العناصر حول مبدأ محيٍ ومنعش يشد بها إلى الإمبراطورية، لا بل كان من الضرورة خلق وطن مشترك لهذه الأجناس المختلفة، يجعلها تصم آذانها عن إيحاءات الخارج» . وكان من شأن الدستور أن يزودها بمثل هذا المبدأ، إذ أن بالدستور وحده يمكن أن تضمن المساواة في الحقوق والواجبات، و «الاحتراس من جعل المكاسب الممنوحة لجزء من السكان تعاسة وبؤسًا للجزء الآخر» (1). ولكن إذا تعذر على الدستور العثماني، لكونه جديدًا، أن ينعم بما «للدساتير الأوروبية القديمة

ص: 132

من متانة وسلطة»، توجب على أوروبا الليبرالية أن تعوض هي عن ذلك النقص بإشرافها الفعال على تطبيقه (2).

تلك كانت كلمات مدحت باشا، رجل الدولة التركي الذكي الناجح الذي شغل مناصب عالية والذي شارك جماعة «تركيا الفتاة» معظم أفكارهم. لم يكن دومًا على وفاق معهم، كما كانوا هم على بعض الشك في نزعاته الأوتوقراطية. وفي 1876، بعد أن اندلعت الثورات وأخذت روسيا تهدد بالتدخل، قاد مدحت باشا انقلابًا استبدل به عبد العزيز، أولًا بابن أخيه مراد الخامس، ثم، بعد جنون السلطان مراد، بابن أخ آخر له هو عبد الحميد الثاني. وفي نهاية السنة، أعلن الدستور العثماني ناصًا على وزارة مسؤولة، ومجلس شيوخ معين، ومجلس نواب منتخب، ومجالس محلية. وفي 1877، انتخب أول مجلس للنواب. ومع أن الانتخابات جرت تحت ضغط الموظفين المحليين، والنواب لم يتكلموا جميعهم التركية، أو يعرفوا نظام المناقشات البرلمانية، ومع أن رئيس المجلس كان أحمد وفيق باشا، الذي تعرفنا إليه شابًا، والذي لم تغير الشيخوخة رأيه في ضرورة تجنب كل ما من شأنه إضعاف القوى التي توحد الإمبراطورية، أي سلطة العاهل وسيطرة العنصر الإسلامي، فإن المناقشات البرلمانية لم تكن مصطنعة بل حقيقية، عرضت فيها الآراء السياسية، وانتقد الوزراء وموظفو البلاط، لا بل ظهر خلالها إلى الوجود فئة معارضة (3). غير أن الدستور كان له أعداؤه: العلماء والمحافظون والسلطان نفسه الذي لم يكن مستعدًا، بالرغم من بعض اتصالاته مع جماعة «تركيا الفتاة» قبل اعتلائه العرش، أن يتنازل عن سلطته الشخصية. كان السلطان قد سلم بالدستور، لكن بضغط من الدول؛ ولما خف الضغط، شعر بقدرته على تمزيقه ساعة يشاء. وهكذا، فعندما تمادت المعارضة في جرأتها، وأخذت تسمي الوزراء الذين لم تثق بهم بأسمائهم، وتطالب بمحاكمة رئيس الوزراء السابق وكبار القواد الذين أثبتوا عجزهم في أثناء الحرب الأخيرة مع روسيا، حل

ص: 133

السلطان البرلمان لأجل غير مسمى، وعلق الدستور، غير أنه لم يلغه. وكان السلطان قد أرسل واضعه، مدحت باشا، إلى المنفى، ثم سمح له بالعودة. إلا أنه أوقف بعد ذلك بتهمة قتل عبد العزيز (الذي انتحر، بالواقع، بعد خلعه بقليل) وحكم عليه بالإعدام، ثم استبدل هذا الحكم بالإقامة الجبرية في الحجاز، حيث قتل بلا ضجة بعد بضع سنوات، فماتت بموته أول حركة دستورية. وهكذا عاد عبد الحميد سيدًا مطلقًا، فاتبع مجددًا، على ما يبدو، سياسة أسلافه: الإصلاح الإداري، لكن من فوق. إلا أنه كان قد نفذ، في السنوات الأولى على الأقل، الخطوط الرئيسية لسياستهم: تطوير النظام القضائي والإداري لجعله حديثًا، وإقامة المركزية التي أتاح تحقيقها للمرة الأولى استخدام البرق وبناء الخطوط الحديدية وإنشاء المدارس الابتدائية والثانوية والعليا. غير أن سياسته، لا بل طبيعة جاذبيتها، تغيرت مع الأيام. فصورة السلطان التي تكونت تدريجًا منذ أيام محمد الثاني، كعاهل طيب القلب، وليبرالي كريم، وأب لجميع شعوبه على السواء، مسلمين كانوا أم مسيحيين أم يهودًا، وكقائد لجميع قوى الإصلاح «الغربي» ، لم تمح تمامًا، وإنما أخذت صورة أخرى تخفيها وراءها: صورة سلطان الإسلام السني، ظل الله على الأرض، المهيب بجميع المسلمين للالتفاف حول العرش دفاعًا عن الأمة. كما أصبح التشديد الآن على دور السلطان، كحارس الحج. وقد استخدم الخط الحديدي بين دمشق ومكة، الذي وضع تصميمه في 1903 وأكمل في 1908، لإثارة حماس المسلمين والفوز بتأييدهم. وكان هناك ما هو أهم من ذلك. فقد بعث السلطان من جديد مطلبه في الخلافة ودعمه بطريقة منظمة هذه المرة. وكان هذا المطلب قد برز في آخر القرن الثامن عشر، خصوصًا كأداة للمساومة في المفاوضات مع روسيا في نهاية حرب 1768 - 1774، ولم يعد إلى الظهور جديًا إلا على عهد عبد العزيز في الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر. لكن عندما وضع

ص: 134

الدستور، كانت هذه الفكرة قد كسبت رواجًا كافيًا لإدخالها فيه، فنص على «أن جلالة السلطان بوصفه خليفة أعلى هو حامي الدين الإسلامي» (4).

أما الآن، في عهد عبد الحميد، فقد دعمت الفكرة على نطاق واسع. وكان الغرض من ذلك استخدامها كوسيلة سياسية لكبح جماح الدول الأوروبية التي كانت تحكم رعايا مسلمين من الروس في القوقاز والتركستان، ومن الفرنسيين في شمالي أفريقيا، ومن البريطانيين في الهند. كما كان الغرض من ذلك أيضًا، تعزيز الشعور بالولاء لدى الشعوب الإسلامية التي كان ولاؤها عرضة للتزعزع من جراء علمنة القوانين وانتشار الأفكار الليبرالية أو عدوى القومية. لقد كان للسلطنة، بالنسبة للأتراك، طابع قومي، ولم تكن قد انقطعت بعد الصلة الحقيقية بين السلطان وشعبه، كما سيحدث في أواخر أيام الإمبراطورية. فلم تدع الحاجة، إذن، إلى حثهم على الولاء بقدر ما دعت إلى حث سواهم من الرعايا المسلمين، كالألمانيين والأكراد، وبنوع خاص، العرب. فقد كان العرب أكبر الجماعات الإسلامية في الإمبراطورية وأكثرها قدرة على كسب لتأييد للسلطان الخليفة في آسيا وأفريقيا، وذلك لانتشار اللغة العربية بين أبناء الأمة حيثما وجدوا. وإذ كانوا أيضًا مفتاح أفريقيا خصوصًا، فقد رجي بواسطتهم مقاومة امتداد النفوذ الأوروبي إلى الأقاليم الافريقية، لا بل ربما الاستيلاء على أراض جديدة حيثما كان الإسلام آخذًا في الانتشار. وعلى هذا اعتمدت الدعوة «إلى الوحدة الإسلامية» اللغة العربية واستعانت، لتحقيق فكرتها، برعايا من أصل عربي. فكان أحمد فارس الشدياق أول من استخدموا لهذه الغاية، وذلك في عهد عبد العزيز. ثم جمع عبد الحميد عددًا من نظراء الشدياق، وعددًا من المشايخ العرب، معظمهم من أتباع الطرق الصوفية، تنافسوا في تمجيد دعوته واكتساب رضاه. فكان منهم الشيخ أحمد ظافر المكي، وهو من أتباع الطريقة الشاذلية،

ص: 135

والشيخ فضل آل علوي من أهل حضرموت، والشيخ أبو الهدى الصيادي من أتباع الطريقة الرافعية، ومن أشدهم تأثيرًا (5).

كان هذا الشيخ عربيًا من ولاية حلب، ينتمي إلى عائلة اشتهرت محليًا بتصوفها طيلة جيلين على الأقل. وإذ اكسبته شخصيته القوية شهرة واسعة، سافر أولًا إلى بغداد، ثم إلى إسطنبول، حيث تمكن من التأثير شخصيًا على عبد الحميد، لاشتهاره بقوى خارقة من جهة، ولحنكته وإدراكه السياسي من جهة أخرى. فلعب دورًا كبيرًا في سياسة عبد الحميد الدينية، وألف كتبًا عديدة، نثرًا وشعرًا، ترددت فيها الأفكار الآتية: تمجيد الطريقة الرفاعية وتمجيد أجداده؛ شرح التفسير الصوفي والدفاع عنه ضد محاولات الوهابية والحركات المماثلة الداعية إلى السير عكس مجرى التطور بالعودة إلى نقاوة الإسلام البدائي كما تخيلوها؛ الدفاع عن حق السلطان في الخلافة ودعوة جميع المسلمين للالتفاف حول عرشه. وكان يقول بأن الخلافة ضرورة إيمانية، انتقلت شرعيًا من أبي بكر إلى العثمانيين؛ وبأن الخليفة هو ظل الله على الأرض ومنفذ أحكامه؛ وبأن من واجب جميع المسلمين أن يطيعوه وأن يكونوا من الشاكرين إذا أصاب ومن الصابرين إذا أخطأ؛ وبأن عليهم، حتى إذا ما أمرهم بمخالفة شرائع الله، أن يلجئوا، قبل عصيانه، إلى النصيحة والدعاء، واثقين بأن الله أقوى منهم على تغييره (6).

لكن كانت هناك حركة فكرية أخرى تهدف أيضًا إلى توحيد الإسلام في وجه الخطر المشترك. وقد دعا أصحابها إلى أن الحكم الإسلامي الأوتوقراطي الشخصي لا يمكنه أن يشكل محورًا للوحدة. لذلك لم يقبلوا، بالرغم من رغبتهم في التعاون مع عبد الحميد أو أي حاكم آخر يعمل لهذا الهدف، أن يسخروا لمصالح عرشية صرف. وقد يكون من الأصح هنا التحدث عن شخص لا التحدث عن حركة. وما ذلك إلا لأن فكرة «الوحدة الإسلامية» الثورية هذه، وذلك الخليط من الشعور الديني والوطني

ص: 136

والراديكالية الأوروبية، إنما تجسدت كلها في شخصية رجل مدهش، لامست حياته مشاعر العالم الإسلامي بكامله في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأثرت فيه تأثيرًا عميقًا. لقد كتب الكثير عن جمال الدين الأفغاني (1739 - 1897)، وكانت حياته نفسها صفحة مفتوحة للملأ، غير أن شيئًا من الغموض لا يزال يحيط بها (7). فقد ادعى أنه من السادة، أي من أحفاد النبي، وليس من داع للشك في ذلك. لكن هل كان أفغانيًا، كما كان يقول هو، أم فارسيًا، كما كان يدعي أخصامه؟ كان الشيخ أبو الهدى، عدوه في آخر أيامه، يسميه «بالمتأفغن» ، ويؤكد أنه كان بالحقيقة فارسيًا من مازندران (8). ولهذه المسألة بعض الأهمية، لأنه إذا كان فارسيًا، وجب أن يكون شيعيًا، وهذا ما قصد إليه خصومه وما نفرض أنه رغب هو في نفيه بالإصرار على أفغانيته. وهناك كتاب يدعي فيه مؤلفه الفارسي أنه ابن أخته، ويورد فيه من قرائن الحال القوية ما يعزز القول بأنه فارسي المولد والتربية، شيعي بالوراثة والدراسة (9)، كما يذكر فيه أيضًا أن جمال الدين درس في مدينتي النجف وكربلاء الشيعيتين. ولعلنا نستدل على حقيقة ذلك في مؤلفاته وخطبه، التي تنم عن معرفة أكيدة بتراث الفلسفة الإسلامية، خصوصًا فلسفة ابن سينا. وقد كانت مثل هذه المعرفة سهلة المنال آنئذ في المدارس الشيعية، حيث بقيت تعاليم ابن سينا حية فيها أكثر مما بقيت حية في مدارس الإسلام السني. ومهما يكن من أمر، فإن جمال الدين يظهر للمرة الأولى، على مسرح الحياة العامة، كشاب يطوف الهند، ويستزيد فيها من علوم أوروبا الحديثة. ثم نجده في أفغانستان، يحاول أن يلعب دورًا قياديًا في سياستها المحلية، فيصيب قدرًا ضئيلًا من النجاح. ومن هناك قصد إسطنبول عن طريق مصر وتعرف في الفترة القصيرة التي قضاها فيها بطالب شاب من الأزهر اسمه محمد عبده، فكان لذلك التعارف أثر حاسم في حياتهما. أما في إسطنبول، فقد وجد في علي باشا، رجل الدولة

ص: 137

المصلح، نصيرًا قويًا. لكنه ما لبث أن أثار عليه حفيظة العناصر المحافظة، وذلك بمحاضرة ألقاها وبدا فيها كأنه يضع الفلسفة على قدم المساواة مع النبوة، كما فعل الفلاسفة المسلمون. فعاد إلى مصر مرة أخرى، في 1871، حيث أمن له الوزير المتحرر في أفكاره، رياض باشا، معاشًا من الحكومة. وقد بقي هناك ثماني سنوات ربما كانت أخصب حقبة في حياته، كان فيها الموجه والمعلم غير الرسمي لفريق من الشباب، معظمهم من الأزهر وممن كتب لهم أن يلعبوا دورًا هامًا في الحياة المصرية. كان بينهم، فضلًا عن محمد عبده، سعد زغلول الذي تزعم الأمة المصرية بعد خمسين سنة. وقد علمهم في بيته، أكثر الأحيان، ما رأى أنه الإسلام الصحيح، شارحًا لهم الكلام والفقه والتصوف والفلسفة (10)، كما علمهم أمورًا كثيرة أخرى: خطر التدخل الأوروبي والحاجة إلى الوحدة الوطنية لمقاومته، والسعي إلى وحدة أوسع للشعوب الإسلامية، والمطالبة بدستور يحد من سلطة الحاكم. كذلك شجعهم على الكتابة وإصدار الصحف وتكوين رأي عام. وهكذا أسهم، بواسطتهم، في تحريك الاختلاجات الأولى للوعي القومي وفي إثارة الاستياء من حكم الخديوي إسماعيل. كان لمدة قصيرة على صلة ودية بتوفيق ابن إسماعيل. لكن توفيق كان، كحاكم ليبرالي، أقل تساهلًا منه كولي للعهد. وعندما أصبح خديويًا، نفى الأفغاني إلى الهند، بضغط من القنصل العام البريطاني (كما خيل للأفغاني نفسه) أو خوفًا من تأثيره في الطبقات المثقفة.

صرف الأفغاني السنوات القليلة اللاحقة في الهند، حيث قيدت حريته بأمر من السلطات عندما احتل الإنكليز مصر. وفي 1884 آتى باريس حيث ألتحق به محمد عبده، فأسسا معًا جمعية سرية من المسلمين المصممين على العمل لأجل وحدة الإسلام وإصلاحه. لكن مدى انتشار هذه الجمعية ما يزال غامضًا، مع أنها كانت ذات فروع في تونس وفي أمكنة أخرى (11). وقد أصدر الاثنان باسمها

ص: 138

ثمانية عشر مجلدًا من مجلة عربية تدعى «العروة الوثقي» ، خصصت معظم صفحاتها لتحليل سياسة الدول الكبرى في العالم الإسلامي، وبنوع خاص سياسة إنكلترا في مصر والسودان، كما عالجت موضوع ضعف الإسلام الداخلي وحثت المسلمين على التنبه له ومداواته. كانت لغة المجلة لغة محمد عبده، أما التفكير فيها فكان تفكير الأفغاني (12). وهكذا أصبحت، بفضل لغتها وفكرها معًا، من أشد المجلات العربية تأثيرًا. وقد عم انتشارها بالرغم من حظر دخولها إلى البلدان العربية الواقعة تحت النفوذ البريطاني. ولأكثر من واحد من مفكري الجيل اللاحق شهادة على التأثير العميق الذي أحدثته فيه قراءة مجلد منها عثر عليه بعد عدد من السنين.

أثارت شخصية الأفغاني وآراؤه، في أثناء إقامته في باريس، كثيرًا من الاهتمام بين الأوروبيين المعنيين بشؤون العالم الإسلامي. وقد دخل في نقاش مع رينان حول موقف الإسلام من العلم، وقام، بين 1884 و 1885، بمفاوضات مع رجال دولة بريطانيين حول مستقبل مصر والسودان، مهد لها «ولفريد بلنط» . كان هذا شاعرًا ثانويًا لا بأس به، وأرستوقراطيًا ثوريًا على طريقته الخاصة، وذا طابع عاطفي حساس، ووطنيًا على الطراز القديم أغضبه عدم أناقة الاستعمار الجديد، ورومنطيقيًا كره تمدن القرن التاسع عشر الميكانيكي، ومولعًا بالأرجاء الغريبة والخيول العربية. وقد طاف مع زوجته الصحاري السورية والعربية بين 1877 - 1879، وتوغلا حتى نجد في 1879، حيث بدت لهما مملكة ابن الرشيد الصغيرة القائمة على أنقاض الدولة الوهابية الأولى تجسيدًا للمثال الأعلى للحرية الإنسانية بمساواتها المستندة إلى البساطة وعدلها القائم على النظام الأبوي القديم، وذلك بالرغم من قسوتها البدائية التي لم يلاحظاها أو ربما حبذاها. وفي 1880 استقر بلنط برهة في مصر لتقوية لغته العربية ودراسة الحركات والقضايا الحديثة في الإسلام. وهناك تعرف إلى محمد عبده، وسمع للمرة الأولى بالأفغاني،

ص: 139

ووقف على روح الإصلاح الجديد في العالم الإسلامي. وقد ضمن ملاحظاته وأفكاره سلسلة من المقالات نشرت في 1882 في كتاب سماه «مستقبل الإسلام» . لقد تتبع عن كثب الأحداث التي أدت إلى الاحتلال البريطاني لمصر، فساعدت خبرته هذه على خلق تيار من التعاطف بينه وبين الحركات القومية في إيرلندا والهند كما في مصر أيضًا. والواقع أنه لعب دورًا في أزمة 1881 - 1882 المصرية، إذ حاول أن يكون صلة الوصل بين حكومة عرابي وغلادستون. لكنه أخفق في التأثير على غلادستون، ولعله ضلل المصريين حول مقدار نفوذه الشخصي وحول ما كانت إنكلترا مزمعة على القيام به. أما الآن، فقد وجه اهتمامه إلى سياسة بريطانيا في مصر والسودان حيث كانت حركة المهدي آخذة في الانتشار، بينما كان غوردن لا يزال يدعم سلطة الحكومة المصرية في الخرطوم. وكان الأفغاني قد أجرى شيئًا من الاتصال بالمهدي بواسطة خريجين سودانيين من الأزهر، ربما أسفر عن حصوله منه على نوع من التفويض بتمثيله. ويبدو أنه كانت هناك فكرة تقضي بأن يذهب بلنط إلى المهدي باسم الحكومة البريطانية، مزودًا بكتاب من الأفغاني للمفاوضة من أجل إطلاق سراح غوردن والوصول إلى اتفاق أعم يتوقف بموجبه المهدي عن زحفه مقابل انسحاب البريطانيين من مصر (13). لكن هذه الخطة لم تسفر عن شيء، ناهيك بصعوبة القول بأنها اتصفت بالجدية في أي وقت من الأوقات. لكن بلنط كان على اتصال بالحلقة الصغيرة التي كانت تحكم إنكلترا، كما كان له أصدقاء أقوياء بين السياسيين الحريصين على انسحاب إنكلترا من مصر. وفي 1885 صرف الأفغاني بعض الوقت في لندن، حيث حل ضيفًا على بلنط، للبحث في مستقبل مصر مع اللورد رندولف شرشل الذي كان يومذاك في أوج نفوذه القصير الأمد. وفي ذلك الوقت كان الأفغاني يرى في روسيا التي كانت تتقدم في أواسط آسيا خطرًا على العالم الإسلامي أشد من خطر بريطانيا. فنوي تحقيق تقارب

ص: 140

إنكليزي إسلامي. غير أن القضية المصرية كانت حجر عثرة في هذا السبيل. لذلك اقتضى وضع خطة هذه المرة أيضًا. وكانت الحكومة البريطانية قد أوفدت السير هنري دروموند وولف إلى إسطنبول للبحث في مستقبل مصر مع السلطان، على أن يذهب الأفغاني لمساعدته في المفاوضات. غير أن هذه الخطة فشلت أيضًا. وقد اختتمت زيارة الأفغاني إلى لندن بمشهد من تلك المشاهد المحزنة التي تتخلل حياة اللاجئين السياسيين. وهو أن اثنين من أصدقاء بلنط الشرقيين تشاجرا في منزله وتضاربا بالمظلات. وهنا يقول بلنط:«فما كان مني إلا أن رجوتهما بمغادرة المنزل، فخرجا، وتبعهما السيد (الأفغاني)، فاقترحت عليه إذ ذاك أن يجد له محلًا للإقامة في غير هذا المكان» (14).

ويئس الأفغاني من إمكان تحقيق اتفاق إنكليزي إسلامي. فذهب إلى بلاد فارس ثم إلى روسيا، سعيًا وراء إمكانات أخرى، ثم عاد إلى بلاد فارس مجددًا ليعمل مستشارًا للشاه ناصر الدين. لكن لم ينقض عام واحد حتى اختلف مع الشاه حول امتياز للدخان كان الشاه مصممًا على منحه إلى شركة أجنبية. ولما راح يؤلب الناس ضد هذا المشروع، نفاه الشاه، في 1891، فبدأ بحملة صحفية لإثارة المعارضة ضد سياسة الشاه في فارس وفي أوروبا أيضًا. وفي العام التالي دعاه السلطان عبد الحميد إلى إسطنبول، فعاش في كنفه ووطد نفوذه في البلاط، لكن لمدة قصيرة فقط، إذ تكررت القصة ذاتها هنا أيضًا. ذلك أن الشيخ أبو الهدى ناصبه العداء واعتبره، بوجه عام، مسؤولًا عن مقتل الشاه ناصر الدين في 1896. وسواء صح هذا الاتهام أو لا، فمن المؤكد أنه هو الذي ساعد على خلق الجو الذي جعل الاغتيال ممكنًا. فقد كان القاتل يعرفه، قيل إنه هتف في اللحظة القاضية:«خذها من يد جمال الدين» (15). ومن المؤكد أيضًا أن اغتيال الشاه أثلج صدره. وإن دل هذا الحادث على شيء، فإنما يدل على أن الأفغاني أبى أن يكون الخادم المطيع لأي أوتوقراطي اعتبر مصالحه الخاصة ومصالح الإسلام شيئًا واحدًا.

ص: 141

ولم يغب هذا الدرس عن خاطر عبد الحميد. إذ أنهى الأفغاني حياته أشبه بسجين في بلاط السلطان وإن أحيط بالإكرام.

ترك الأفغاني في جميع من عرفوه انطباعًا قويًا، ولو لم يكن مبهجًا، عن رجل مخلص لعقيدته، عنيد، متقشف، سريع الغضب للشرف والدين، عنيف يستحيل ترويضه، أو على حد تعبير بلنط، «عبقري بري» (16).

وكان الأفغاني يعرف لغات عدة، ويحب التحدث إلى أصدقائه بلا انقطاع في مقاهي القاهرة أو في سجنه المذهب في إسطنبول، كما كان خطيبًا يثير الجماهير. غير أنه لم يكن يحب الكتابة، ولم يكتب بالفعل إلا القليل. وقد نشر آراءه العامة في مقالاته السياسية وعدد قليل من المؤلفات الصغيرة؛ ككتابه في «الرد على الدهريين» ، ورسالته في الرد على محاضرة لرينان عن «الإسلام والعلم» ، وافتتاحياته في «العروة الوثقى» . غير أنه بالإمكان، استنادًا إلى هذه المصادر، وإلى تلخيصات لأحاديث وضعها بعض تلاميذه، أن نكون لنا فكرة واضحة عن تعاليمه.

وقف الأفغاني الشطر الأكبر من حياته على الدفاع عن البلدان الإسلامية المهددة بخطر التوسع الأوروبي، إلا أن تفكيره لم يقتصر على السياسة. فالقضية الأساسية لديه، القضية التي قولبت تفكيره، لم تكن التساؤل عن كيفية جعل البلدان الإسلامية قوية وناجحة بقدر ما كانت التساؤل عن كيفية إقناع المسلمين بأن عليهم أن يفهموا دينهم الفهم الصحيح، وأن يعيشوا وفقًا لتعاليمه. فلو أنهم فعلوا، لغدت بلادهم قوية حتمًا. ولم يكن ليتغير جوهر هذه القضية، لو أن البلاد لم تجابه الخطر الخارجي؛ إلا أن ازدياد قوة أوروبا وضغطها جعلها، بالطبع، أشد إلحاحًا في نظره. لقد عاش الأفغاني في زمن فوجئ بسيادة القوة الأوروبية على أنحاء العالم، بحيث لم يكن هناك من بلد، مهما بدا بعيدًا وثابت الاستقلال، إلا شعر بضغط الدول الأوربية وتنافسها، وبحيث لم يعد بالإمكان حل أي قضية سياسية،

ص: 142

مهما بدت محدودة النطاق، بدون أخذ المصالح الأوروبية بعين الاعتبار. وقد لمس الأفغاني هذه الحقيقة في كل مرحلة من مراحل حياته: في تدخله في سياسة أفغانستان، وفي أثناء إقامته وتنقله في الهند، ولدي سعيه لإثارة المعارضة ضد شركة أصحاب الأسهم في مصر أو شركة التبغ في بلاد الفرس. وكان يشعر، بفضل هذه الخبرة عينها، أن خطر إنكلترا كان أشد من خطر أي دولة أخرى. فمجلة «العروة الوثقى» تكاد تخلو من ذكر الاستعمار الفرنسي والهولندي والروسي، وإن كنا نعثر فيها على إشارة عابرة إلى احتلال فرنسا للهند الصينية (17). وهو، وإن تلهى لفترة بفكرة الحلف الإنكليزي الإسلامي لمقاومة التوسع الروسي، فقد كان إجمالًا يعتبر الحكومة البريطانية عدوة المسلمين. ولم يكن يخيفه منها الهجوم العسكري المباشر فحسب، بل الوسائل الأخرى التي كانت لديها والتي كانت في نظره أشد وأدهى. من ذلك أن الإنكليز غزوا الهند بالخديعة، وتوغلوا في الإمبراطورية المغولية بحجة مساعدة المغول (19)، ناهيك ببذرهم بذور الشقاق في صفوف ضحاياهم وبإضعاف مقاومتهم بإضعاف معتقداتهم، كإيفاد المرسلين من مصر إلى السودان، في عهد الجنرال غوردن، لنشر المسيحية البروتستنتية فيه، وتشجيع تعاليم المادية الزائفة في الهند (20).

كان الأفغاني يعتقد أن الدول الأوروبية لم تكن بالفطرة أقوى من الدول الإسلامية، وأن الفكرة السائدة عن تفوق إنكلترا على غيرها لم تكن سوى وهم، ووهم خطر، من شأنه، ككل وهم، أن يجعل الناس جبناء، فيجر عليهم ما يخشون وقوعه. وقد دلت انتصارات المهدي في السودان على ما يمكن للمسلمين أن يقوموا به ضد البريطانيين فيما لو استفاقوا من غفلتهم. وإذا كانت انتصارات المسلمين قليلة وانهزاماتهم هي القاعدة، فذلك عائد إلى انقسام المسلمين وجهلهم وافتقارهم إلى الفضائل العامة. ولو كانت كل من مصر والهند يقظة ومتحدة حقًا، لما استطاعت بريطانيا قط إحراز

ص: 143

موطئ قدم لها فيهما (21). قد تبدو هذه النظرة ساذجة، لما في التعبير عنها من مبالغة في الجزم. لكن مجلة «العروة الوثقى» لم تكن عملًا فكريًا دقيقًا، بل نشرة دعائية تساير الزمن وتستهدف تقوية العزائم. وإذا كان الأفغاني لم يذكر شيئًا عن الثورة الصناعية والتقنية، فهذا لا يعني أنه لم يكن متنبهًا لها. فقد كان يعلم أن انتصارات أوروبا إنما تحققت بفضل المعرفة وتطبيقها الصحيح، وأن ضعف الدول الإسلامية راجع إلى الجهل (22). كما كان يعلم أيضًا أن على الشرق أن يتعلم فنون أوروبا المفيدة. إلا أن السؤال الملح في نظره كان: كيف يمكن تعلمها؟ وعليه أجاب: لا يمكن تحصيل تلك الفنون بمجرد التقليد، إذ أن وراءها نظرة فكرية شاملة لا بل نظامًا للخلقية الاجتماعية. فالبلدان الإسلامية ضعيفة، لأن المجتمع الإسلامي فاسد.

وهنا نلمس شيئًا جديدًا في تفكير الأفغاني، أو على الأقل، إلحاحًا جديدًا. فلم يعد الإسلام كدين ما عناه الآن، بل بالأحرى الإسلام كمدنية. فهو يعتبر أن الغاية من أعمال الإنسان ليست خدمة الله فحسب، بل خلق مدنية إنسانية مزدهرة في كل نواحيها. كانت بالحقيقة فكرة المدنية من بذور الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، وقد دخلت العالم الإسلامي خصوصًا بواسطة الأفغاني. وكان «غيزو» أول من عبر عنها تعبيرًا كلاسيكيًا في محاضراته عن تاريخ المدنية في أوروبا. وكان الأفغاني قد قرأ غيزو وتأثر به. وعندما ترجم هذا الأثر إلى العربية في 1877، أوحى الأفغاني إلى محمد عبده بأن يكتب مقالًا للترحيب بالترجمة وليشرح نظرية الكتاب. إن ما بدا له مهمًا في هذا الكتاب وأمثاله إنما كانت فكرة المدنية، التي رأي فيها أهم الأحداث التاريخية ومحك الحكم على الأحداث الأخرى. وكان للمعنى الخاص الذي أضفي على هذه الكلمة أهمية خاصة في نظره، وهو معنى التقدم الذي كان ينشده ويسعى إليه، معنى «الشعب الناشط لتغيير حاله» ، وبالتخصيص، معنى

ص: 144

التقدم المتجه نحو هدفين: التطوير الاجتماعي، أي زيادة القوة الاجتماعية والرفاهية الاجتماعية، والتطوير الفردي، أي تطوير مواهب الإنسان ومشاعره وأفكاره (23). وكان غيزو يعتقد أن هذين النوعين من التطور في متناول الإنسان؛ وأن الإنسان يحكم العالم بأفكاره وعواطفه وطاقاته الخلقية والعقلية، وأن على وضعه الخلقي يتوقف وضع المجتمع، وأن لهذه الحالة الخلقية ناحيتين هامتين: العقل واستعداد الناس لتسخير ميولهم وأفعالهم له من جهة. والوحدة أو التضامن، أي قبول أعضاء المجتمع عامة للأفكار وللمبادئ الخلقية الناجمة عن العقل من جهة أخرى (24).

هكذا كان غيزو يصف أوروبا. غير أن هذا الوصف بدا للأفغاني (باستثناء مسألة هامة) منطبقًا أيضًا على المدنية الإسلامية. فقد كان للأمة الإسلامية في أوج مجدها الخصائص الضرورية للمدنية المزدهرة: التطور الاجتماعي، والتطور الفردي، والإيمان بالعقل، والوحدة والتضامن، وإن فقدت ذلك فيما بعد. كان مزاج الأفغاني السياسي يريه العظمة والضعف معًا في النواحي السياسية والعسكرية، إلا أن الانتصارات العسكرية في صدر الإسلام لم تكن في نظره سوي رمز لازدهار المدنية الإسلامية. وقد رأى أن ما أمكن تحقيقه في الماضي يمكن أيضًا تحقيقه الآن، وذلك بقطف ثمار العقل، أي علوم أوروبا الحديثة، وبإعادة بناء وحدة الأمة.

كانت الدعوة إلى هذه الوحدة تكمن في جميع ما كتبه الأفغاني. فهو يهيب بالمسلمين، صدًا للخطر المشترك المهدد لهم، ودفاعًا عن القيم الخاصة بهم، أن يسموا على الفروق في العقيدة والخصومات التقليدية، وأن لا يسمحوا للاختلافات الطائفية أن تقيم حواجز سياسية فيما بينهم، وأن يعتبروا بألمانيا التي فقدت وحدها الوطنية من جراء اهتمامها الزائد بالخلافات الدينية (25). ورأى الأفغاني أن من الممكن إزالة أعمق الخلافات، أي حتى الخلاف بين السنة والشيعة. فدعا الفرس والأفغان إلى الاتحاد بالرغم من كون الفرس شيعة والأفغان سنة.

ص: 145

وقد راودته، في آخر أيامه. فكرة المصالحة العامة بين الطائفتين. ولعل إمكانية توسيع الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بحيث تشمل العالم الشيعي هو ما حمل عبد الحميد على استدعاء الأفغاني إلى إسطنبول. إذ يبدو أن الأفغاني كان، كعادته، يعد خطة من هذا النوع، تقضي بأن تعترف بلاد الفرس بالسلطان كخليفة، على أن يعترف السلطان بالشاه ويتنازل له عن المدن المقدسة في العراق، وبأن ينعقد مؤتمر في إسطنبول من الزعماء المسلمين لحل القضايا التي تهم الفريقين ولإعلان الجهاد ضد العدوان الغربي. ويبدو أن الأفغاني كان على صلة بعلماء الشيعة وغيرهم لهذا الغرض. ومع أن هذه الخطة لم تخرج إلى حيز الوجود، إلا أنها ربما تسببت بمقتل ناصر الدين الذي كان حكمه الشخصي يشكل عقبة في هذا السبيل (26).

وحذر الأفغاني من عدم السماح للانقسامات السياسية والمصالح المتعلقة بالعروش أن تحول دون الوحدة. إذ أن على الحكام المسلمين أن يتعاونوا في خدمة الإسلام. وهذا القول يفسر الكثير من موقف الأفغاني تجاه الحكام المسلمين ومن سيرة علاقاته العاصفة معهم. ثم إن الأفغاني لم ير إمكان أو ضرورة فرض سيطرة أحد الحكام المسلمين على الحكام الآخرين. وليس من دليل على أنه كان يفكر بإنشاء دولة إسلامية واحدة، أو ببعث خلافة العصور الأولى الوحدة. فهو عندما يتحدث عن الخلافة، يعني بها إما نوعًا من السلطة الروحية أو مجرد أولوية شرفية. إذ لو توافرت روح التعاون، فلا خوف على هذه السلطة الروحية من وجود دول متعددة، وإذا لم تتوافر، فالمسلمون غير ملزمين على كل حال بطاعة حاكمهم. وكان ينظر إلى حكام زمانه نظرة احتقار، وذلك لعدم جدارتهم بمناصبهم، ولانصرافهم إلى ملذاتهم وأهوائهم، بحيث وقعوا ضحايا أحابيل البريطانيين وألاعيبهم. لقد سمحوا لموظفين أجانب، لا تربطهم بالأمة رابطة الدين ولا رابطة العرق، أن يندسوا في مجالسهم ومشاوراتهم. ولا ينكر الأفغاني أن الحاكم المستبد يستطيع،

ص: 146

إذا حسنت نواياه، أن تحقق الكثير من الخير بسرعة؛ لكن خطر الحكم الاستبدادي في أن كل شيء فيه يتوقف على أخلاق الحاكم. لذلك كان من واجب زعماء الرأي الوطني التخلص من الحاكم الفاسد قبل فوات الأوان (27). وفي هذا التصريح ما يلقي الضوء على حياة الأفغاني المضطربة وتنقلاته التي لم تنته قط.

لم يكن الأفغاني دستوريًا على أساس مبدئي، إذ كان مثله الأعلى للحكم مثل العقائديين المسلمين: حكم ملك عادل يعترف بسيادة الشريعة (28)، بل كان بطبيعته أوتوقراطيًا ولجوجًا. وقد صرف حياته بكاملها يفتش عن حاكم مسلم يمكنه بواسطته العمل على إحياء الإسلام، على غرار تلك الشراكة بين الحاكم والفيلسوف التي تخيلها الفارابي كبديل للملك الفيلسوف المثالي الذي لم يكن ليظهر إلا نادرًا. لكن آماله كانت تخيب كل مرة، إذ كان يعثر دومًا، إما على حاكم لم يطبع على العدل. أو على حاكم لا يعترف بسيادة الشريعة. ولم يكن الأفغاني ينتمي إلى الأكثرية المسالمة من المفكرين المسلمين. الذين كانوا يقولون بأن عليهم أن يحتجوا على ظلم الحاكم وأن يرضخوا له في الوقت نفسه، بل تبنى بالأحرى رأي الأقلية المؤمنة بحق الثورة. لذلك كان ينقلب بعنف على كل حاكم يخيب أمله فيه. وهكذا ساعدت مقاومته هذه على تقوية الحركات الدستورية والقومية التي كانت آخذة في الظهور آنذاك. أما الحكام الذين أملوا منه أن يعمل على جمع الكلمة حول عروشهم، فسرعان ما اكتشفوا أن قصده الحقيقي إنما كان تسخير سلطتهم لخدمة الإسلام.

ولكن لم يكن بوسع أصلح الحكام، حتى لو قدروا على إنجاز الكثير، أن يحققوا ما رآه الأفغاني ضروريًا. فعندما كان يتكلم عن الوحدة الإسلامية، لم يكن يعني فقط التعاون بين الزعماء الدينيين والسياسيين، بل كان يعني أيضًا تضامن الأمة، والشعور بالمسؤولية لدى كل من أبنائها تجاه الآخرين وتجاه المجموع، والرغبة في العيش معًا في المجتمع الواحد، والعمل معًا لخيره.

ص: 147

فالتعصب، بمعنى التضامن، هو القوة التي تحافظ على وحدة المجتمع، وهذه الوحدة إنما تتفكك بدونه. والتعصب، ككل الفضائل البشرية الأخرى، قد يلحقه الفساد، لأنه ليس شريعة بحد ذاته، فهو يخضع لمبدأ الاعتدال أو العدل، هذا المبدأ المنظم للمجتمعات البشرية. وكل تعصب لا يخضع لهذا المبدأ ولا يتسربل بالعدل ينقلب تعصبًا أعمى (29).

والتعصب يقوم على أسس مختلفة. فقد ينبثق عن عقيدة دينية أو عن رابطة طبيعية كاللغة. وفي هذا يجد الأفغاني فرقًا أساسيًا بين المدنيتين الأوروبية والإسلامية. فالاعتقاد الشائع في أوروبا، كما يقول، هو أن التعصب القومي خير بحد ذاته ويؤدي إلى التقدم، وأن التعصب الديني أبدًا تعصب أعمى يحول دون التقدم. فهل كان يفكر بغيزو الذي كان، على رغم اعترافه بدور الكنيسة في تكوين المدنية الأوروبية وفي مدها بفكرة تفوق الشريعة الإلهية على الشريعة الإنسانية وبفكرة أن لا حقوق للقوة المادية على عقل الإنسان وضميره، يعتبرها، بالوقت نفسه، حائلًا دون التقدم، وذاك لنكرانها حق الفرد في التفكير وحؤولها دون استخدام العقل؟ (30). قد يصح هذا، حسب رأي الأفغاني، على المسيحية، لكنه لا يصح على الإسلام، حيث التعصب الديني الأعمى نادر والتعصب الديني الحق ضرورة جوهرية للتقدم.

لكن هذا لا يعني أنه كان ينكر أهمية الروابط القومية أو غيرها من الروابط الطبيعية. فهو يقر بأنه من الممكن قيام دولة فاضلة على أساس العقل البشري كما يمكن قيامها على أساس الشريعة الإلهية. وقد أعرب عن هذا، بتعابير تذكر بالفلاسفة، في تلك المحاضرة التي أدت إلى مغادرته إسطنبول. إذ قال أن الجسم الاجتماعي لا يحيا بدون روح، وأن روح هذا الجسم هي الملكة النبوية أو الملكة الفلسفية

أما الأولى فهي هبة من الله

بينما الثانية تنال بالتفكير والدرس (31). وهو يقر كذلك، بأن في مقدور الجماعة القائمة على الفضائل البشرية

ص: 148

والخاضعة لتدبير العقل البشري أن تستقر استقرار الدولة القائمة على الدين، لا بل في مقدورها أن تكون أكثر استقرارًا، فتبقى (كما هي حال الفرس! ) بعد أن يتبدل الدين مرتين أو ثلاث. ورأى أيضًا أن اللغة عنصر جوهري في خلق جماعة مستقرة، إذ أن المجتمعات البشرية التي لا تجمعها لغة مشتركة لا يمكن لوحدتها أن تكون ثابتة، كما أنه من السهل على الجماعة التي ليس لها لغة خاصة تعبر بها عن معرفتها ومهارتها أن تخسر ما هي عليه من المعرفة والمهارة (32)، لا بل إن الجماعة الدينية نفسها تكون أقوى فيما لو كانت لها لغة مشتركة. فلو تبنى العثمانيون اللغة العربية دون سواها وجعلوها لغة الإمبراطورية بأسرها، لارتبطت شعوبها برابطتين بدل رابطة واحدة، ولكانت متحدة وقوية (33). ورأى الأفغاني أيضًا أن الرابطة الدينية لا تتعارض مع الروابط القومية القائمة بين أقوام ينتمون إلى أديان مختلفة: من هنا نداؤه إلى المسلمين في مصر والهند قائلًا: «عليكم أن تتقوا الله في

حسن المعاملة وإحكام الألفة في المنافع الوطنية بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة» (34). بل من هنا دعوته إلى تضامن طبيعي يتعدى الأمة، هو ذلك التضامن الذي يربط بين جميع شعوب الشرق التي يتهددها التوسع الأوروبي. وقد أعلنت «العروة» في عددها الأول أنها موجهة «إلى الشرقيين عمومًا وإلى المسلمين خصوصًا» (35).

غير أنه يبقى صحيحًا، بالرغم من كل هذا، أن الأفغاني رأى أن ما من نوع من أنواع التضامن الطبيعي، ولا حتى حب الوطن، يمكنه أن يحل في قلوب المسلمين محل الرابطة التي خلقها الإسلام: إذ أن الوحدة الحقيقية في الأمة الإسلامية إنما تقوم على الاعتقاد الديني المشترك. فإذا انعدم هذا، انحل المجتمع. وهو ما اعتقد الأفغاني أنه حاصل في زمانه. وكان يخشى لا أن تضعف الأمة فحسب، بل أن تزول تمامًا، لأن ما وحد الأمة في الماضي إنما هو مؤسسة الخلافة السياسية وجماعة العلماء المحافظين على

ص: 149

العقيدة الصحيحة. لكن الخلافة انفصلت عن العلماء في عهد العباسيين، ثم زالت عمليًا من الوجود فيما بعد، وقام مقامها دول مستقلة، وبقي العلماء عنصر الوحدة الوحيد، وغدوا روح الأمة وقلب الشعب المحمدي (36). ولكنهم، مع مرور الزمن، انقسموا هم أيضًا على أنفسهم حول المعتقدات وانحرفوا جميعًا، ما عدا القليل منهم، عن الحقيقة إلى الضلال. فكانت النتيجة أن تفككت الجماعة نفسها. إذ أن الاعتقاد المجرد لا يكفي للإبقاء على وحدتها، وإنما يجب أن تدعمه حاجات وبواعث إنسانية حقيقية. يجب أن يكون هناك وحدة في القلوب والأعمال. فعندما لا توجد هذه الوحدة، تأخذ المعتقدات المشتركة في التعبير عن نفسها بالأحلام والتصورات دون سواها. وهذا ما كان حاصلًا بالفعل. فعندما يسمع الآن مسلم في بلد ما عن مصائب المسلمين في بلدان أخرى، لا يندفع لمساعدتهم فعليًا، بل إنما يخالجه ذلك النوع من التأسف الفكري الذي يراود الإنسان عندما يفكر بالميت (37).

لذلك، وهذا هو استنتاج الأفغاني، لن يأتي خلاص الأمة على يد الحكام الصالحين وحدهم، وليس هناك من طريق مختصرة لإحياء الإسلام، وما الصحف والمدارس وحدها بكافية لتحقيق هذا الهدف، مع أن بإمكانها أن تساعد على رفع مستوى الخلقية العامة ونشر فكرة الوحدة. إن الإصلاح الحقيقي للإسلام لا يمكن أن يتم ما لم يرجع العلماء إلى حقيقة الدين وما لم تقبلها الجماعة بكاملها وتعيش وفقًا لها. لكن ما هي حقيقة الإسلام؟

هذا هو السؤال الذي انصب عليه تفكير الأفغاني انصبابًا كاملًا. وإننا نجد في معالجته له عنصرًا جديدًا في التفكير الإسلامي: فالأفغاني لا يخاطب فقط إخوانه المسلمين لينقذهم من الأفكار الضالة التي غرقوا فيها منذ زمن طويل، بل يخاطب أيضًا، من وراء الأمة، عالم أوروبا المتعلم. إنه يريد، في آن واحد، هدم الآراء الخاطئة عن الإسلام التي تبناها المسلمون ودحض الانتقادات التي

ص: 150

يوجهها إليه الأوروبيون. وعندها يقول بأنه لا يمكن للمسلمين استعادة قوتهم ومدنيتهم إلا بالرجوع إلى الإسلام، فإنما يقول ذلك بإلحاح أشد، لأنه كان قد أصبح من المسلم به لدى الفكر الأوروبي أن الدين على العموم والإسلام على الخصوص يقتل الإرادة ويقيد العقل، وأن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلي عنه أو على الأقل، بفصل الدين عن الدنيا فصلًا حادًا.

عندها كان الأفغاني في باريس في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، دخل في نقاش مع رينان. فرينان كان قد ادعى، في محاضرة له عن «الإسلام والعلم» ألقاها في السوربون في 1883، أن الإسلام والعلم لا يتفقان مما يستوجب القول: استنتاجًا، أن الإسلام والمدنية لا يتفقان. يقول رينان:«كل من كان مطلعًا بعض الاطلاع على أحوال زماننا يشاهد بوضوح انحطاط البلدان الإسلامية الحالي، وتقهقر الدول الخاضعة لحكم الإسلام، وانعدام معالم الفكر لدى الشعوب التي اقتبست من هذا الدين وحده ثقافتها وتربيتها. فجميع من يأمون الشرق أو أفريقيا يدهشهم ضيق التفكير المحدود بصورة حتمية لدى المؤمن الحقيقي، وذلك الطوق الحديدي الذي يطوق رأسه. فيجوله مغلقًا بإحكام في وجه العلم وعاجزًا عن تلقن أي شيء أو الانفتاح على أي فكرة جديدة» (38).

نعم، يعترف رينان بما يدعى بالفلسفة العربية وبالعلم العربي، ولكنه يذهب إلى أنهما إنما كانا عربيين باللغة فقط، بينما كانا يونانيين ساسانيين بالمحتوى (39). لقد كانا بكاملهما، على حد رأيه، من عمل مفكرين غير مسلمين عانوا ثورة نفسية داخلية على دينهم. وإذ قاومهم اللاهوتيون والحكام معًا، لم يتمكنوا من التأثير في المؤسسات الإسلامية. وقد بقيت هذه المقاومة محدودة طالما كانت السلطة في أيدي العرب والفرس، لكنها انتصرت انتصارًا تامًا عندما تسلم البرابرة، أي الأتراك في الشرق والبربر في الغرب، قيادة الأمة. «فقد كانت الروح الفلسفية والعلمية

ص: 151

معدومة لدى الأتراك» فاختنق العقل البشري وقضي على التقدم على يد عدوة الرقي، الدولة القائمة على الوحي (40). والإسلام لا بد زائل بحكم انتشار العلم الأوروبي. وقد تنبأ رينان، في مكان آخر، بأن هذا سيتم قريبًا. وهو يستشهد، للبرهان على تأثير الاحتكاك بأوروبا في تفتح العقل الإسلامي، بوصف الطهطاوي لباريس الذي كان قد اطلع عليه، فيقول:«إن الشباب الشرقي الذي يأتي المدارس لينهل منها العلوم الأوروبية، يعود حاملًا، مع هذه العلوم، ما هو ملازم لها وغير منفصل عنها: الطريقة العلمية، والروح التجريبية، وحس الواقع، واستحالة الإيمان بالتقاليد الدينية المكونة، بصورة واضحة، بمعزل عن كل نقد» (41).

كان رينان يفكر، ولا شك، بالكثلكة وبالدين إجمالًا، عندما كان يكتب عن الإسلام. فالإسلام، في نظره، كالمسيحية، يقدم لنا، وأن على طريقته، مثالًا على النتيجة المفجعة التي يؤدي إليها المزج بين حقلين مختلفين: حقل العقل الذي يجب أن يسيطر على العمل الإنساني، مبتغيًا في النهاية الكمال الإنساني وانتصار المدنية، والذي يتجلى في العلم، في العصر الحديث؛ وحقل الدين الضروري أيضًا، لكن للتعبير عن مثل خلقي أعلى وحسب، أي عن «الجمال على الصعيد الروحي» (42)، وهو المثل الأعلى لنكران الذات الذي كان يسوع أكمل تجسيد له. ولا يرى رينان تناقضًا بين هذين الحقلين إذا ما فهما على حقيقتهما. فالاثنان عدوهما واحد:«المادية المبتذلة، أي دناءة الإنسان الأناني» (43). لكن التناقض بينهما ينشأ عندما يتعدى الواحد حدود الآخر، كما حصل مثلًا عندما ادعى العقل حكم العالم بدون الالتفات إلى حاجات القلب خلال عهد الثورة الفرنسية (44)، أو عندما تسلحت الديانات بالوحي الفائق للطبيعة لتكبيل العقل البشري بالقيود، كما فعلت المسيحية والإسلام على السواء. وقد رد الأفغاني على أقوال رينان هذه ردًا لا يشكو من العمق، فوافقه على أن الأديان، وإن كانت ضرورية

ص: 152

لتحرير الإنسان من بربريته، قد تجنح به إلى عدم التساهل. ففي عهد طفولة الجنس البشري، لم يكن بإمكان الإنسان أن يميز بعقله بين الخير والشر ولا بإمكان ضميره المعذب أن يجد الراحة في ذاته. فجاء الدين يفتح له آفاق الأمل، فارتمى في أحضانه. لكنه اضطر، لجهله أسباب الأحداث المحيطة به وأسرار الموجودات، أن يأخذ بإرشادات رؤساء الدين ويأتمر بأوامرهم المفروضة عليه باسم العلي، دون أن يتمكن من تمحيص نفعها أو ضررها (45). إلا أن هذا لم يكن سوى مرحلة عابرة مرت بها الديانات. أما في المرحلة التالية، فقد تحرر الناس من القيود المفروضة على عقولهم، وأعادوا الدين إلى نصابه الصحيح، كما جرى في المسيحية على عهد الإصلاح. ولما كان الإسلام أفتى من المسيحية بعدة قرون، فهو لا يزل ينتظر «إصلاحه» (46)، ويترقب قيام لوثر جديد فيه. (كثيرًا ما كانت هذه الفكرة تراود الأفغاني، ولعله كان يأمل القيام بنفسه بهذا الدور). وإذا ما تم هذا الإصلاح، فالإسلام لا يقل عن أي دين آخر أهلية للقيام بمهمته الجوهرية في الإرشاد الخلقي، كما أثبت في ماضيه. ومن الخطأ تلخيص هذا الماضي في أنه كان انتصارًا أعمى للسنة على العقل، كما يفعل رينان، بل الحقيقة هي أن العلوم العقلية قد ازدهرت فيه، وكانت إسلامية وعربية معًا. فاللغة هي ما يكون الأمم ويميزها الواحدة عن الأخرى. لذلك اقتضى أن تعتبر العلوم المعبر عنها باللغة العربية علومًا عربية. وعلى هذا يمكن للعرب أن يدعوا أن ابن سينا منهم تمامًا مثلما يدعي الفرنسيون بأن مازران ونابوليون منهم. نعم، إن الصراع بين الدين والفلسفة سيبقى أبدًا قائمًا في الإسلام، إلا أن ذلك عائد إلى أن هذا الصراع قائم أبدًا في العقل البشري نفسه.

ثم استطرد الأفغاني إلى القول بأن جميع الأديان، مهما اختلفت أسماؤها، تبقى متشابهة، ولا يمكن أن يقوم بينها وبين الفلسفة أي تفاهم أو تصالح. فالدين يفرض على الإنسان إيمانه، بينما الفلسفة

ص: 153

تحرره منه كليًا أو جزئيًا. وكلما انتصر الدين قضي على الفلسفة، والعكس بالعكس. لذلك سيستمر الصراع بينهما إلى الأبد، ويكون صراعًا مستميتًا لن ينتهي بتغلب الفكر الحر، لأن العقل غير مستحب لدى الجماهير، ولأن تعاليمه لا تفقهها سوى النخبة، ولأن العلم، مهما كان جميلًا، لا يسعه إرواء عطش البشرية إلى المثل العليا القائمة في حقول بعيدة غامضة يعجز الفلاسفة والعلماء عن مشاهدتها أو اكتشافها.

كان الأفغاني، بقوله هذا، يفرط في عرض قضيته. فالإسلام لم يكن، في اعتقاده، مساويًا لسائر الأديان في الصواب أو الخطأ، بل كان الدين الصحيح التام الكامل الوحيد الذي بوسعه تلبية جميع رغبات الروح البشرية. وكان، كغيره من مفكري عصره من المسلمين، مستعدًا لقبول حكم الفكر الأوروبي الحر على المسيحية بأنها غير معقولة وعدوة العلم والتقدم، إلا أنه رأى أن هذا الانتقاد لا ينطبق على الإسلام، لأن الإسلام، على عكس ذلك، يتفق مع المبادئ التي اكتشفها العقل العلمي، لا بل إنه الدين الذي يقتضيه هذا العقل. لقد أخفقت المسيحية بشهادة رينان نفسه. أما الإسلام، فمن شأنه، وهو منسجم مع العقل ومتساهل، أن يخلص العالم العلماني من تلك الفوضى الثورية التي كانت ذكراها لا تزال تلاحق مفكري زمانه من الفرنسيين. إن أحد أسرار انجذاب المسلمين بالأفغاني كامن في أنه حاول أن يقدم لهم إسلامًا يحمل في طياته مرة أخرى رسالة عالمية.

لكن نجاح الأفغاني في تلك المحاولة أوجب عليه أن يثبت أن جوهر الإسلام إنما هو جوهر العقلانية الحديثة ذاتها. على أن مثل هذا الإثبات كان أمرًا محفوفًا بالمخاطر. وقد شعر بعض معاصري الأفغاني بهذا الواقع، فاتهموه بأنه كان مستعدًا لتضحية حقيقة الإسلام في سبيل رفاهية المسلمين الوهمية. بل لقد وجد بين معارفه من شك في إيمانه بحقيقة الإسلام وفي قيامه بواجباته الشرعية. كما

ص: 154

وجد فيما بعد بعض من أبدى مثل هذه الشكوك بحق تلميذه محمد عبده. وللحكم على هذه الاتهامات حكمًا صحيحًا، لا بد لنا من أن نتذكر أن نظرة الأفغاني إلى الإسلام كانت نظرة الفلاسفة لا نظرة اللاهوتيين السنيين. وبتعبير آخر، لقد قبل الأفغاني بالتوحيد النهائي بين الفلسفة والنبوة، إيمانًا منه بأن ما يتلقاه النبي بالوحي إنما هو عين ما يستطيع الفيلسوف بلوغه بالعقل، مع فارق واحد، هو أن هناك طريقتين مختلفتين للتعبير عن الحقيقة: طريقة المفاهيم الواضحة للخاصة، وطريقة الرموز الدينية للعامة. وليس من شك في أن بين هذه النظرة إلى الإسلام وبين التفكير الحر في أوروبا القرن التاسع عشر هوة، ربما لم يكن من المستحيل إقامة جسر فوقه.

ما دامت هذه هي نظرة الأفغاني إلى الإسلام، فلا مجال للشك في صدق إيمانه به. فمحمد عبده، الذي ربما عرفه أكثر من أي شخص آخر، يصفه بالتقوى والورع، مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية، وبالمثابرة الشديدة على أداء الفرائض، وبالحرص على أن لا يأتي من الأعمال إلا ما يحلله المذهب الحنفي، فيقول:«فهو أشد من رأيت في المحافظة على أصول مذهبه وفروعه» (50). والواقع أنه يستحيل علينا فهم تعاليم الأفغاني أو نشاطه السياسي ما لم نكن مقتنعين بأنه آمن من كل قلبه بتعاليم الإسلام الأساسية: كوجود الله والنبوة، والقول بأن محمدًا، خاتم الأنبياء وأعظمهم، قد أرسل للناس أجمعين، وبأن القرآن يحوي كلام الله بلا تحريف. نعم، ربما كان يتساهل مع الفكر الحديث في كثير من الأمور، إلا أنه لم يكن ليقرها شخصيًا. وهو ما كان ليصر على ضرورة تفسير الإسلام تفسيرًا صحيحًا لو لم يكن مؤمنًا بحقيقته. وجوهر حقيقته هذه، في نظر الأفغاني، هو قبل كل شيء، الإيمان بالله تعالى خالق الكون، ورفض جميع المعتقدات القائلة بأن العالم غير مخلوق وبأن الكون أو الإنسان جدير بالعبادة. وعلى الرغم من تساهله في وجوه الخلاف حول العقيدة أو الشريعة، فهو لم يتساهل قط مع أي تهجم على

ص: 155

الجوهر. وهذا ما يفسر عداءه لبعض الحركات الحديثة في الإسلام، كالبهائية وحركة المفكر الهندي السيد أحمد خان (1817 - 1898). كان على معرفة واسعة بعقائد البهائية، وكان له بين البهائيين معارف وأتباع سياسيون. لكنه رأى في البهائية خطرًا على الأمة، لأنها، على غرار فروع الشيعة الأخرى، تستعيض عن عقيدة النبوة بعقيدة الانبثاق، فتزيل بذلك التمييز بين الخالق والمخلوق، ولأن إيمانها باستمرار الأنبياء وبأن محمدًا لم يكن آخرهم ولا أعظمهم يهدد وجود الأمة بالذات. كذلك هاجم الحركة العصرية التي أطلقها أحمد خان. فقد دعا السيد أحمد هذا، بعد زيارة قام بها إلى إنكلترا في السبعينيات، إلى إسلام جديد أطلق الناس عليه اسم «النيشرية» وهو مأخوذ عن كلمة «نيتشر» الإنكليزية ومعناها الطبيعة. وكان فحوى هذه الدعوة أن القرآن، لا الشريعة، هو من جوهر الإسلام، وأن تأويل القرآن يجب أن يتم وفقًا لمبادئ العقل والطبيعة، وأن النظام الخلقي والحقوقي يجب أن يكون قائمًا على الطبيعة. وقد اطلع الأفغاني على هذه العقيدة عندما كان منفيًا في الهند بعد 1879. وعلى رغم الظواهر، فقد كان هناك فرق شاسع جدًا بين اعتقاده هو أن حقائق الإسلام المنزلة تتلاءم مع النتائج التي يبلغها العقل البشري المستعمل استعمالًا صحيحًا، وبين اعتقاد أحمد خان أن نواميس الطبيعة المستنبطة بالعقل هي القاعدة التي على أساسها يجب تأويل الإسلام والحكم على الأفعال البشرية. فما كان السيد أحمد يعنيه هو أن ليس من شيء فائق لعالم الطبيعة وأن الإنسان هو الحكم في كل الأمور. أو هكذا على الأقل بدت عقيدته للأفغاني الذي نسب، وهذا ما ينم عن طبعه أيضًا، انتشار هذه العقيدة إلى دسيسة بريطانية لإضعاف الإيمان وهدم وحدة المسلمين. لكنه رأى فيها أيضًا تعبيرًا جديدًا عن نزعة في التفكير كانت دومًا تهدد الدين الحقيقي، فوضع لمحاربتها أوسع مؤلفاته:«الرد على الدهريين» ، الذي هاجم فيه، تحت هذا الاسم، جميع الذين

ص: 156

أتوا بتفسير للكون لا يفترض وجود الإله تعالى، من ديموقريطوس إلى داروين مرورًا بنظرائهما في الإسلام. وقد هاجمهم، لا لأنهم يهددون الحقيقة فحسب، بل لأنهم يشكلون، بحكم ذلك، خطرًا على رفاهية المجتمع وسعادة البشر. فهو يقول: إن الأديان الحقيقية تنطوي على ثلاث حقائق: أولًا: أن الإنسان ملك الأرض وأنبل خلق الله؛ ثانيًا: أن المجتمع الديني هو أفضل المجتمعات إطلاقًا، وثالثًا: أن الإنسان أرسل إلى هذه الدنيا ليحقق كماله استعدادًا للحياة الأخرى. وعن التسليم بهذه الحقائق الثلاث تنجم الفضائل الثلاث التي هي أساس المجتمع: الحياء والأمانة والصدق. فالدهريون الذين ينكرون تلك الحقائق إنما يهدمون أسس المجتمع الإنساني وينزلون الناس من على عرش المدنية الإنسانية إلى حضيض الحيوانية (51). إنهم يحتقرون الحياء على أنه ضعف لا فضيلة، وبإنكارهم يوم الحساب يستأصلون جذور الأمانة والصدق. وما هذا إلا سمًا خفيًا يتفشى في أطوار انهيار المدنيات جميعًا. فقد ظهر في العالم القديم بمظهر الفلسفة الأبيقورية، وفي فارس القديمة في شخص مزدك، كما وجد تعبيرًا له في التاريخ الإسلامي في الحركات الباطنية التي أولت الإسلام على غير حقيقته، فأضعفت الأمة الإسلامية ومهدت السبيل لحلول مصيبة الصليبيين بها. نعم، لقد احتفظ بعض المسلمين بفضائلهم الأصلية، فتمكنوا في آخر الأمر من طرد الصليبيين، إلا أنه لم يكن بإمكانهم استئصال الشر من الأمة فبقيت ضعيفة. وها هي الآن فريسة السموم الدهرية الجديدة التي ركبها في فرنسا مفكرو القرن الثامن عشر «الأحرار» ، وجاء اليوم ينفثها في الإسلام السيد أحمد وأمثاله.

الإسلام إذن هو، أولًا وقبل كل شيء، إيمان بالتعالي، ثم إنه إيمان بالعقل. فهو يشجع الناس على استعمال قواهم العقلية بحرية لثقته بأن ما لا بد أن يكتشفوه بها لن يتعارض والحقائق المنزلة بواسطة النبوة. إن الإسلام وحده من بين الأديان الكبرى الذي

ص: 157

يحرر العقل البشري من الأوهام والخرافات ويسمح له بإنماء جميع مواهبه. فالتوحيد الذي هو الركن الأول من أركان الإسلام يطهر الذهن من جميع الأوهام. فهو بقيامه على أساس أن الله هو وحده خالق الكون لا يترك مجالًا للاعتقاد بقدرة أي كائن من الكائنات المخلوقة على التأثير في الخليقة، كما لا يسمح بالقول إن الله ظهر في صورة الإنسان أو الحيوان أو أنه قاسي الآلام في وقت من الأوقات في سبيل المخلوقات (52). وما من دين آخر يعلم بهذا الشكل أن العقل قادر على معرفة كل شيء وامتحان كل شيء، وأن عقل كل إنسان قادر على ذلك. فما من دين سواه إذن يوحي للناس باحترام الذات وبالشعور بالمساواة، هذا الاحترام وهذا الشعور اللذين يختلج بهما فؤاد المسلمين أو يجب أن يختلج بهما فيما لو عرفوا حقيقة دينهم. أن اليهودية والهندوكية، كل بطريقتها الخاصة، تنكر المساواة بين البشر، كما تنكر المسيحية على الجميع ما عدا الإكليروس إمكانية معرفة الحقيقة الإلهية وهي تعلم فضلًا عن ذلك بعض العقائد التي لا يقبل بها العقل (53). لذلك لا يمكن للعقل البشري أن يحقق نفسه إلا بالإسلام، لأن الشريعة التي تسلمها النبي من الله هي شريعة الطبيعة نفسها التي يمكن للعقل البشري أن يتبينها من دراسة الكون.

غير أن هناك صعوبة تلحق بهذه النظرة. فإذا كان بإمكان العقل البشري بلوغ جميع الحقائق الضرورية للحياة، فما الحاجة إذن إلى النبوة؟ على هذا السؤال يجيب الأفغاني بأنه بينما يمكن للعقل مبدئيًا بلوغ الحقيقة، فالطبيعة البشرية لا يمكنها بقواها الخاصة إتباع القواعد التي يضعها العقل. فالإنسان مليء بالشهوات والرغبات الأنانية التي لا يمكن إلا لمبدأ العدل ضبطها كما ينبغي. وهو أمر يتم بأربع طرق: إما بأن يدافع كل عن حقه بالقوة، وهذا ما يؤدي إلى الفوضى والاضطهاد؛ وإما أن يتقيد كل بما يمليه عليه شرفه، ومفهوم الشرف يتغير من مجتمع إلى آخر بل من طبقة

ص: 158

إلى أخرى؛ وإما بأن يذعن كل أمرئ لسلطة الحكومة، وهذا لا يمنع إلا نوعًا من أنواع الظلم ولا يمكنه أن يقيم العدل الحقيقي؛ وإما بأن يؤمن الناس بوجود الله وبالحياة الأبدية وبيوم الحساب، وهو إيمان يضع وحده الأساس الثابت للتقيد بالمبادئ الخلقية. لذلك كان للنبوة وظيفة عملية: فقد بعث النبي لإنشاء مجتمع فاضل والمحافظة عليه. وهناك نخبتان لقيادة المجتمع البشري: المعلمون الذين ينورون الذهن، والمرشدون الذين يضبطون الشهوات ويدلون على طريق الفضيلة. وينتمي الأنبياء إلى الفئة الثانية، وبدونهم لا ثبات في العمل الصالح (54).

إن هذه النظرة تنطوي على متضمنات بعيدة الأثر. فهي تعني أنه يجب استعمال العقل استعمالًا تامًا في تفسير القرآن. فإذا بدا لنا أن القرآن يناقض ما هو معروف الآن، فعلينا أن نفسره رمزيًا. إذ أن القرآن يلمح إلى أشياء لم يكن بوسعه شرحها الشرح الوافي، لأن العقول لم تكن مستعدة لذلك. أما الآن، وقد بلغ العقل كماله، فعليه أن يحاول الكشف عن حقيقة تلك التلميحات. فالقرآن يحتوي مثلًا على إشارات خفية إلى العلم الحديث واكتشافاته، كالخطوط الحديدية والكهرباء والمؤسسات السياسية الحديثة (55). لكن لم يكن من الممكن قبل الآن فهم هذه الأشياء. ثم إنه لما كان العقل البشري قادرًا على تفسير مثل هذه الأمور، فباستطاعة أي كان أن يفسرها، شرط أن يكون عالمًا باللسان العربي، وذا عقل سليم، وعارفًا بسيرة السلف الصالح الذين كانوا حراس دعوة النبي الأمناء (56). إن باب الاجتهاد لم يغلق، وإنه لمن حق الناس، لا بل من واجبهم، أن يطبقوا مبادئ القرآن مجددًا على قضايا زمانهم. وإذا امتنعوا عن القيام بهذا، وقعوا في الجمود والتقليد اللذين لا يقلان عداوة للإسلام عن الدهرية. فمحاكاة أقوال الآخرين وأفعالهم تفسد الدين والعقل معًا. وإذا قلد المسلمون الأوروبيين فلن يصيروا مثلهم، إذ أن أقوال الأوروبيين وأفعالهم لا معنى لها إلا من حيث هي صادرة

ص: 159

عن بعض المبادئ المفهومة والمقبولة لديهم. وعلى غرار ذلك، لن يقتبس المسلم روح الإسلام الحقيقية إذا اكتفى بترديد أقوال السلف.

والإسلام، أخيرًا، يعني السعي. ولعل هذا هو الأهم في ذهن الأفغاني. فهو يكرر دومًا أن موقف المسلم الحقيقي ليس الرضوخ السلبي لما قد يحدث باعتباره آتيًا مباشرة من الله، بل هو السعي المسؤول لتحقيق إرادة الله. إن القول بأن الإنسان مسؤول أمام الله عن كل أعماله، وبأنه مسؤول عن خير المجتمع، وبأن أخطاءه صادرة إذن عنه وبوسعه تجنبها، كل هذا، في نظره، مما يعلمه القرآن. وكان يردد دائمًا، كما ردد تلاميذه من بعده، هذه الآية التي توجز كل شيء:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (57). فالإسلام الحق لا يعلم بأن الله هو الفاعل المباشر لكل ما يحدث. ومن الضروري التمييز بين الإيمان بالجبر وبين عقيدة الإسلام الصحيحة في القضاء والقدر. فالأول قد شاع في وقت من الأوقات في تاريخ الإسلام. إلا أنه لم يكن الاعتقاد الصائب، وقد توقف عن الانتشار. أما الثاني، وهو النظرة الأصيلة، فإنه يعني أن كل ما يحدث في العالم إنما يحدث بتسلسل العلة والمعلول وأن الله إنما هو العلة الأولى التي بها بدأت السلسلة. وما قرارات الإرادة البشرية إلا حلقات ضرورية من هذا التسلسل، وهي قرارات حرة. غير أن الله علمنا بالعقل وبواسطة الأنبياء كيف يجب أن نتخذها. إن الاعتقاد بالقضاء والقدر يعني أن الله مع من يعمل العمل الصالح. وهذا الاعتقاد لا يحمل على التقاعس بل على العمل. فلم يقم بأعظم الأعمال إلا أولئك الذين اعتقدوا بأن الله معهم (58).

إن هذا القول لا يصح على السعي المبذول في سبيل كمال الإنسان وسعادته في الآخرة وحسب، بل على السعي المبذول في سبيل السعادة والفلاح في هذه الدنيا. وشرائع الإسلام هي شرائع الطبيعة البشرية أيضًا. فإذا اتبع الإنسان تعاليم الإسلام فهو إنما يطبق قوانين طبيعته نفسها. وما يصح على الفرد يصح على المجتمع أيضًا. فعندما تطيع

ص: 160

المجتمعات شرائع الإسلام تقوى، وعندما تخالفها تضعف، لأن الإسلام يأمر بالتضامن والمسؤولية المشتركة، وهما سر قوة الأمم.

إن الفضيلة والمدنية والقوة مرتبطة جوهريًا، بعضها ببعض. وهذا، في اعتقاد الأفغاني، ما يثبته تاريخ الإسلام. وتنم تآليفه عن تحسس مرهف لعظمة التاريخ الإسلامي وصغارته معًا. فهو يراه تاريخًا يبدأ بما أسبغه الله على المسلمين من نعم، وينتهي بانحطاط طويل محزن. فعندما سار المسلمون على هدى تعاليم النبي، كانت الأمة عظيمة بالمعنى الدنيوي، ولم تتوار الأمجاد فيما بعد إلا لأنهم انحرفوا عن ذلك الصراط، وباتوا لا يبالون بالله ولا يبالون ببعضهم بعضًا، فضعف التضامن فيما بينهم وخارت قواهم. ورب معترض يقول: إذا كانت تعاليم الإسلام تنسجم مع مقتضيات الرفاهية والتقدم في هذا العالم، فكيف نفسر كون البلدان اللاإسلامية اليوم هي التي تتمتع بالقوة وترتع في خيرات هذه الدنيا؟ على هذا يجيب الأفغاني بقوله: ليس ما أنجزته البلدان المسيحية ولا ما قصرت عنه البلدان الإسلامية عائدًا إلى دينها. فالشعوب المسيحية ازدادت قوة، لأن الكنيسة نشأت بين جدران الإمبراطورية الرومانية وتبنت معتقداتها وفضائلها. أما الشعوب الإسلامية فقد ازدادت ضعفًا، لأن موجات متتابعة من الضلال قد أفسدت حقيقة الإسلام. فالمسيحيون أقوياء، لأنهم ليسوا حقيقة بمسيحيين، والمسلمون ضعفاء لأنهم ليسوا حقيقة بمسلمين.

ص: 161