الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في الهزل
(وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له).
وقال الشيخ الإمام أبو منصور- رحمه الله الهزل ما لا يراد به معني، وبهذا ظهر الفرق بين الهزل والمجاز، فإن المجاز ما أريد به معنى مصطلح عليه ولم يرد به ما وضع له، بل أريد به غيره لمناسبة بينهما.
وأما الهزل فهو أن يراد به ما لم يوضع له، وهو ليس بمعني مصطلح عليه ل عدم مناسبة بين ما وضع ل هـ لغة وبين ما أريد به من المعني.
اعلم أن الجد أعم من الحقيقة، فإن الحقيقة تكون جدًا إذا لم تكن هزلا.
وأما ما يكون جدًا فلا يلزم أن يكون حقيقة كالمجاز، فإن المجاز يوجد كثيرًا في كلام الله تعالى، وتعالى كلامه عن الهزل على ما نص الله تعالى بقوله:(إنه لقول فصل * وما هو بالهزل).
(ولا يعدم الرضا والاختيار) فرق بين الرضا والاختيار، لأنهما غيران، لأنه يحتمل أن يكون لإنسان رضا بالشيء ولا يقع اختياره به.
(وشرطه أن يكون صريحًا مشروطًا باللسان) أي شرط أن يكون الهزل في البيع هو أن يشترط باللسان قبل البيع في الخلوة صريحًا لا أن يثبت ذلك بطريق دلالة الحال.
(إلا أنه لا يشترط ذكره في نفس العقد)، لأنه لو شرط ذلك في نفس العقد لا يحصل مقصودهما ويفوت غرضهما، لأن الغرض من البيع هازلًا
هو أن يعتقد الناس بيعًا لازمًا نافذًا وليس ذلك ببيع في الحقيقة.
(والتلجئة: هي الهزل) من حيث إنهما لا يراد بهما معنى ما يلفظ به المتعاقدان إلا أن الهزل أم من التلجئة، لأن التلجئة أن يصير المرء مضطرًا إليه، يقال: لجأه إذا اضطره، وهذا يقتضي أن يكون ما قصد إليه المتبايعان من الغرض سابقًا على البيع لا محالة بخلاف الهزل، فإنه جاز أن يكون ما قصداه من الغرض سابقًا وجاز أن يكون مقارنًا للعقد بأن قال: بعت هذا هازلًا، (وإذا كان كذلك) أي وإذا كان معني الهزل ما ذكرنا بأنه ينافي اختيار الحكم والرضا ولا ينافي الرضا بالمباشرة.
(فيما لا يحتمل النقض) كالطلاق (أو فيما يحتمله كالبيع).
إما أن يهزلا بأصله أي بأصل بأن يذاكرا لفظ البيع وليس من
غرضهما البيع، أو يعقدا هازلين على أن لا بيع بينهما (أو بقدر العوض) بأن عقدا بالعين بشرط أن يكون الثمن ألفا، (أو بجنسه) بأن عقدا بالدنانير على أن يكون الثمن الدراهم أو على العكس.
(ثم يتفقا على الأعراض) أي بعد العقد.
(فانعقد فاسدًا غير موجب للملك) أي أبدًا بخلاف ما إذا كان الفساد بوجه آخر، فإنه يوجب الملك إذا اتصل القبض به فكان هذا نظير خيار الشرط أبدًا فإنه لا يوجب الملك.
وإن اتصل القبض به (كخيار المتبايعين معًا) في أنه غير موجب للملك، وفي كل واحد منهما يتفرد بالنقض. أما لا تنفرد بالإجازة، لأن للآخر ولاية النقض. وقال في "المبسوط": وإذا كان الخيار للبائع والمشتري جميعًا
لم يتم البيع بإجازة أحدهما حتى يجتمعا عليها.
(وعند أبي حنيفة- رضي الله عنه يجب أن يكون مقدرًا بالثلاث) أي رفع الفساد والإجازة يتقدم بثلاثة أيام عنده كخيار الشرط أبدًا حتى إنه إذا رفع المفسد بعد الثلاث لا يجوز هناك فكذا هنا.
وقوله: (ولهذا) إيضاح لحكم قوله: كخيار المتبايعين معًا، (ودلالة هذه الجملة) وهي أن الهزل لم يكن منافيًا للأهلية وأن الهازل مختار راض بمباشرة السبب ولا يمنع الانعقاد، لأنه لو كان منافيا للأهلية أو كان مانعًا للانعقاد لما صح النكاح، لأن الشيء لا يثبت بدون ركنه وأهلية فاعله. ألا ترى أن النكاح لا يثبت بالتعاطي لعدم ركنه ولا ينعقد بعبارة المجنون لعدم أهلية الفاعل، علم بهذا أن عبارة الهازل صحيحة في حق انعقاد السبب.
(لا يؤثر في النكاح بالسنة) وهي قوله عليه السلام: "ثلاث جدهن جد
وهزلهن جد"، (وإنما دخل على الحكم) لما بينا أنه ينافي الرضا بالحكم كبيع المكره والبيع بخيار الشرط.
(في الحالين) يعني إذا لم يحضرهما شيء أو اختلفنا. (فإن العقد باطل) أي فاسد بدليل صحة الانعقاد ولكن فيه فساد، لأنه بناء على المواضعة عندهما.
(فالقول قول ما يدعي البناءِ) أي عندهما (إلا أن يوجد النص على ما ينقضها) أي إلا أن يوجد صريح قول بنقض المواضعة وهو أن يتفقا على الإعراض عن المواضعة.
(لكنه قال: وقال أبو حنيفة- رحمه الله) أي لكن أبا يوسف قال: وقال أبو حنيفة- رحمه الله (فيما أعلم) هذا (ليس بشك في الرواية) ولا تردد فيثبت الاختلاف. يعني أن عند أبي حنيفة- رحمه الله جازمًا في الرواية عن أبي حنيفة- رحمه الله أن البيع عنده صحيح فيثبت الاختلاف، (لأن من مذهب أبي يوسف- على قوله- لازم)، ولا يكون قوله: (فيما أعلم" للشك، لأنه لو كان للشك لما وجب شيء، كما إذا قال بعد الإقرار إن شاء الله، لأن الأصل براءة الذمم فلا يثبت بالشك شيء.
(ومنهم من اعتبر هذا ب قول الشاهد عند القاضي فلم يثبت الاختلاف)، لأن الشهادة لما بطلت بقول الشاهد فيما أعلم بطلت روايته عن أبي حنيفة
رضي الله عنه- هاهنا أيضا اعتبارًا بمسالة الشاهد فلم يثبت روايته عن أبي حنيفة- رحمه الله في أن البيع صحيح عند أبي حنيفة- رحمه الله لكن الصحيح هو الأول يعني أن الخلاف بينهم ثابت، فالبيع صحيح عند أبي حنيفة- رحمه الله خلافًا لهما.
وقوله: وكذلك يحكي محمد عن أبي حنيفة- رحمهم الله قوله في كتاب الإقرار في باب الإقرار بالبراءة وغيرها من إقرار "المبسوط" وذكر فيه هذه المسألة بهذه العبارة، ولو قال: إني أريد أن ألجيء إليك داري هذه وأشهد لك بالبيع وقد حضر الشهود تلك المقالة فإن أبا حنيفة- رحمه الله قال ف يما أعلي: يقع البيع والمقالة التي كانت قبله باطلة.
وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- البيع باطل على الكلام الأول، ثم قال: ومعنى قوله: "ألجيء" أي أجعلك ظهرًا لي لا تمكن بجاهك من صيانة ملكي. يقال التجأ فلان إلى فلان وألجأ ظهره إلى كذا والمراد هذا المعني.
وقيل معناه: أنا ملجأ مضطر إلى ما أباشره من البيع معك ولست بقاصد حقيقة البيع، ثم صحح أبو يوسف روايته عن أبي حنيفة- رحمه الله بقوله: فيما أعلم، لأن الرواية عن الغير كالشهادة، وهذا اللفظ شك في الشهادة عند أبي يوسف- رحمه الله-
ولكن روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهم الله مطلقًا أن البيع جائز.
وروى محمد- رحمه الله في الإملاء عن أبي حنيفة- رضي الله عنه أن البيع باطل وهو قولهما.
وقوله: "فيما أعلم" ملحق برواية أبي يوسف، فحينئذ يكون الشك في رواية أبي يوسف في أنه هل سمع من أبي حنيفة- رضي الله عنه أم لا؟ أما فتوى أبي حنيفة- رحمه الله فمشهورة بأن الصحة أولي عنده.
(العقد المشروع لإيجاب حكمه في الظاهر جد) معناه البيع مشروع وهو في الظاهر جد لإثبات حكمه وهو الملك، لأن الهزل لم يتصل بهذا البيع نصًا فكان العمل بالجد أولى، وإنه سبقه الهزل فرجحنا كونه جدًا باعتبار
الصحة، وقالا: السبق من أسباب الترجيح وترجح جهة الهزل بالسبق، وذلك لأن حالة الهزل لم يعارضها شيء فتثبت هي نصًا بلا معارض، والسكوت في حالة العقد أو الاختلاف في البناء والإعراض لا يصلح معارضًا لما سبق، لأنه لم يتعرض لا ل لهزل ولا للجد فوجب العمل بالسابق.
وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه العقد لخالي عن الهزل نصًا يصلح معارضًا وناسخًا للأول باعتبار حمل أمر المسلمين على الصحة والسداد، وهو معنى قوله:(الآخر ناسخ) أي البيع الخالي عن الهزل نصًا ناسخ للهزل السابق.
(وأما إذا اتفقا على الجد في العقد) هذا هو الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة، وهو قوله: أو ب قدر العوض (كان الثمن ألفين) لبطلان الهزل بإعراضهما باتفاقهما.
(لما ذكرنا من الأصل) أي أصل أبي حنيفة- رحمه الله وأصلهما فإن من أصل أبي حنيفة- رحمه الله أن العقد المشروع كان ظاهرة في الجد، فكان
العمل بالصحة أولي حملًا لأمر المسلمين على ال صلاح، ومن أصلهما أن العمل بالهزل أولي لما أن الهزل سابق والسبق من أسباب الترجيح.
(لأنهما جدًا في العقد)، لأن هزلهما ومواضعتها في البدل لا في نفس العقد، لأنهما عقدا العقد جدًا (والعمل بالمواضعة يجعله شرطًا فاسدًا)، أي العمل بالمواضعة في البدل يجعل ق بول ال بيع بألفين شرطًا فاسدًا، لأنه شرط قبول ما هو غير داخل في ال بيع (فيفسد البيع) كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما.
(فكان العمل بالأصل عند التعارض أولي من العمل بالوصف) يعني أن الجد في العقد مع الهزل في ثمن يتعارضان، لأن كون العقد جدًا يوجب صحة البيع ب الألفين والعمل بالهزل في قدر ال ثمن يوجب فساد البيع فكان الأصل أولي، لأن التبع لا يعارض الأصل فصار بمنزلة خلوة عن المعارضة في الوصف لعدم اعتبار الوصف بمقابلة الأصل (أعني تعارض المواضعة في البدل والمواضعة في أصل العقد) فإنهما تواضعا على شيئين.
أحدهما: أن يكون الثمن ألفًا وإن كان البيع واقعًا بألفين، وهو يوجب فساد العقد.
والثاني- أن يكون العقد صحيحًا، لأنهما لم يتواضعها على عدم العقد
والعمل بهما أي بالفساد والصحة غير ممكن والقول بصحة العقد مع أن يكون الثمن ألفًا ممكن والعقد أصل والثمن فيه تابع فكان الثمن للبيع بمنزلة الوصف فالفساد الطارئ منه كان فسادًا في ال وصف فيكون الأصل أولي بالاعتبار وفيه صحة العقد.
(بخلاف تلك المواضعة) أي المواضعة في اصل العقد فإنها مخالفة للمواضعة في البدل، لأن تلك المواضعة تقتضي جوازه بالاتفاق على كل حال سواء اتفقا على البناء أو الإعراض أو اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء أو اختلفا، وغنما ذكر هذا للفرق بين ما إذا اتفقا على البناء في الهزل بأصل العقد، فإن ذلك فاسد على قول أبي حنيفة- رحمه الله أيضًا.
وأما مسألتنا وهي ما إذا جدًا في اصل العقد وهزلا في قدر البدل ففي قولهم جميعًا يصح في الصور الأربع على ما ذكرنا في ظاهر الرواية.
وإنما قلت: إن القول بالجواز قولهم جميعًا في ظاهرة الرواية لأنه ذكر في "المبسوط" في باب التلجئه من الإكراه، ولو أن رجلًا قال لولي امرأة: إني أريد أن أتزوج فلانة على ألف درهم ويسمع بألفين والمهر ألف، فقال
الولي: نعم أفعل، فتزوجها على ألفين علانية كان النكاح جائزًا والصدق ألف درهم إذا تصادقا على ما قالا في السر- إلى أن قال- وكذلك البيع، ثم قال: وهذا الجواب في البيع قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- وهو أدى الروايتين عن أبي حنيفة- رضي الله عنه.
وأما في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمها الله- فالبيع فاسد إذا تصادقا عل أيهما شاء على تلك المواضعة.
ووجه الفرق أن شيئًا من الجد لم يعارض الهزل هناك فكان حكم الهزل ثابتًا في صورة البناء ففسد العقد لذلك.
وأما هاهنا فقد عارض ل صور الهزل الجد في اصل العقد، فلذلك رجحنا جانب الصحة في الصور الأربع ترجيحًا لجانب الأصل على جانب الوصف وحملًا لأمر المسلمين على الصلاح لما أنهما لم يذكرا الهزل في البدل حال ال عقد واتفاقهما على البناء إنما كان بعد العقد والاتفاق الطارئ لا يؤثر في العقد الماضي.
(فإن البيع جائز على كل حال) أي الصور الأربع من الاتفاق على الأعراض والبناء والاختلاف وما لم يحضرهما شيء من الأعراض والبناء، وهذا لأن الدنانير إذا كانت تلجئه أي هزلًا تعذر العمل بالهزل وبالجد، لأن العمل بالهزل أن لا يكون الدنانير ثمنًا، على هذا لا يمكن العمل بالجد في
أصل العقد وهو صحة البيع، لأن البيع بدون الثمن باطل، فلذلك رجحنا جهة الجد وهو الفرق لهما بخلاف الهزل في القدر، لأن أحد الألفين شرطا لا طالب له لاتفاقهما على عدم التسمية فلا يفسد البيع، كمن اشترى حمارًا على أنه لا يعلفه لا يفسد البيع، لأن هذا شرط لا طالب له من جهة الخلق، والبيع لا يصح بغير الثمن والثمن ما يذكر في العقد فلو لم يجب ما هو المذكور في العقد يبقى البيع بلا ثمن، والبيع بلا ثمن فاسد فكان جعل الثمن ما هو المذكور في العقد وهو الدنانير أولي ليصح العقد.
وهو معنى قوله: (فصار العمل بالمواضعة أولي) أي العمل بالمواضعة المذكورة في العقد وهي الدنانير أولي، فحصل من هذا كله أن البيع بالهزل في قدر العوض مع الحد في اصل البيع والبيع بالهزل في جنس العوض مع الجد في اصل البيع جائز بالاتفاق في الصور الأربع وفي كل واحد منهما.
غير أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه- رحمهم الله فيما إذا كان الهزل في قدر البدل كان الثمن هو المذكور في العقد عند أبي حنيفة- رضي الله عنه وهو الألفان من الدراهم وعندهما الثمن هو المذكور في السر وهو ألف درهم.
وأما إذا كان الهزل في جنس البدل كان الثمن هو المذكور في العقد بالاتفاق، والفرق لهما هو أنه إذا اتحد الجنس مع الهزل في القدر ممكن أي يجعل بعض المذكور ثمنًا فصار بعض الثمن ب منزلة الإسقاط بعد الوجوب بسبب أنه لا طالب له ولا يمكن مثل ذلك التقدير فيما إذا اختلف جنس العوض فلذلك كان الثمن هو المذكور في العقد ليصح العقد.
(وأما فيما لا يحتمل النقض فثلاثة) أنواع وعدم احتمال النقض فيه هو أن لا يجري ف يه الفسخ والإقالة كالطلاق والعتاق والهزل فيه أن يواضع الرجل امرأته أنه يطلقها علانية ولا يكون بينهما طلاق، وكذلك العتاق والعفو عن القصاص.
والمواضعة في اليمين في: أن يواضع مع امرأته مثلًا إني أقول إن دخلت الدار فأنت طالق لكني أقول ذلك بطريقة الهزل لا بطريق الجد، وكذلك النذر بأن قال: نذرت هازلًا، أو تواضع مع فقير أنه يوجب على نفسه التصدق عليه على ملأ من الناس ولكن يكون في ذلك هازلًا، أو نوي في هذه الصور كلها في نفسه أنه هازل فيما صدر منه من الطلاق والعتاق والنذر واليمين والعفو عن القصاص.
(ما لا مال فيه أصلا) أي لا يجب لا مال فيه بدون الشرط.
وأما إذا شرط المال فيجب، (وحكم هذه الأسباب لا يحتمل الرد والتراخي) أي لا يحتمل الرد بالإقالة ولا يحتمل التراخي بشرط الخيار كما يحتمل هنا البيع.
(والعقد لازم)، لأن الهزل ملحق بخيار الشرط فكل ما يؤثر فيه خيار الشرط يؤثر فيه الهزل والنكاح عقد لا يؤثر فيه خيار الشرط فلا يؤثر فيه الهزل وأيده قوله عليه السلام:"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد".
(بخلاف مسألة البيع عند أبي حنيفة- رحمه الله) حيث يجعل هناك الثمن ألفين وإن اتفقا على البناء، لأنه أي لأن البيع (بالشرط الفاسد يفسد) والعمل بمواضعة السر يفسده فلا يعمل بها بل يعمل بالأصل وهو الجد في العقد دون الوصف وهو الثمن.
وأما النكاح فلا يفسد بالشرط الفاسد فيعمل بالمواضعتين وهما جواز العقد وأن يكون المهر ألفًا.
(بخلاف البيع)، لأن المهر تابع في هذا، لأنه يصح النكاح بدون ذكره ولا كذلك الثمن.
فإن قيل: قد ذكر قبل هذا: "فكان العمل بالأصل- أي بنفس العقد- عند التعارض أولي من العمل بالوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفًا والوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفًا والوصف تبع للموصوف ثم ذكر هاهنا في مقام الفرق بين البيع والنكاح، لأن المهر تابع، فكان فيه إشارة إلى أن الثمن ليس بتابع في البيع فما وجهه؟
قلنا: وجهه إن في الثمن معني الأصالة ومعنى التبعية بدليل شهادة الأحكام على ذينك المعنيين فمعني الأصالة هو أن لا يصح البيع بدون ذكره والجهالة فيه مانعة لصحة البيع، ومعنى التبعية فيه هو أنه يحتاج في الشراء إلى أن يكون الثمن موجودًا في ملك المشتري ولا يتوقف صحة الإقالة إلى بقائه فكان هو في البيع بمنزلة الركن الزائد كالقراءة في الصلاة والإقرار في الإيمان.
وأما المهر في النكاح فتابع من كل وجه وليس فيه شيء من دلالة الأصالة في النكاح فلذلك سماه تبعًا على الإطلاق في مقام الفرق بينه وبين الأصل من كل وجه جانب الوصفية التي هي تدخل على التبعية، وذكر هاهنا في مقام الفرق بينه وبين التبع
من كل وجه جانب الأصالة الذي يدل على المتبوعية ليتبين تفاوت الأحكام والفروق بالالتئام.
(فلا يجعل مقصودًا في الصحة) أي فلا يجعل المهر مقصودًا في صحته تابع من كل وجه، فلو اعتبرنا تصحيح التسمية وأوجبنا ألفين كما في البيع يصير المهر مقصودًا في الصحة وهو في نفسه تابع من كل وجه، فلا يجوز أن تكون مقصودًا صحته بوجه من الوجوه لما أن النكاح بدونه صيح من أن في تصحيح تسمية المهر على ما ذكر في العلانية ترك العمل بالمواضعة في حق المهر.
وأما لو اعتبرنا في باب البيع صحة التسمية لا يكون الثمن مقصودًا منه، بل المقصود منه جواز البيع، لأنه لا يصح بدونه فاعتبرنا صحة التسمية عملًا بإحدى المواضعتين تصحيحًا لمواضعه جواز البيع، وإن كان فيه ترك المواضعة الأخرى وهي وجوب الأقل من الثمن.
وأما هاهنا لو اعتبرنا ترك العمل بمواصفة الأقل كان فيه إبطال العمل بمواضعة الأقل وليس في إبطاله تصحيح المواضعة الأخرى وهي جواز النكاح لما أن النكاح بدونه جائز.
(وأن التسمية في الصحة مثل ابتداء البيع) أي تسمية المهر في صحتها واعتبارها مثل صحة تسمية الثمن واعتبارها في ابتداء البيع وهو ما إذا تواضعها على البيع بألف وعقدا على ألفين فإن عند أبي حنيفة- رحمه الله اعتبار صحة تسمية الثمن في العقد أولي حتى يجعل الثمن ألفين فكذا هاهنا، وهذا لأن موجب البيع الصحة والفساد بالعارض، فلما وجب العمل هناك بصحة البيع مع وجود الهزل والهزل يؤثر في البيع حتى وجب الألفان من الثمن وجب أن تصح التسمية هاهنا ويجب الألفان من المهر بالطريق الأولي، لما أن الهزل لا يؤثر هاهنا في الأصل وهو النكاح، فيجب أن لا يؤثر أيضا في تبعه وهو المهر، لأن التبع فيما يثبت إنما يثبت على وفاق الأصل لا على خلافه، فلذلك قيل: إن هذه الرواية وهي رواية أبي يوسف أصح من رواية محمد- رحمهما الله-.
(وجب مهر المثل بلا خلاف) لما ذكرنا أن المهر تابع ولا يجعل مقصودًا
بالصحة فيكون النكاح بلا مهر فيجب مهر المثل، (وعلى رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- أنه يجب المسمي) للدليل الذي ذكرنا في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فيما إذا كان الهزل في قدر المهر على ما ذكرنا آنفًا، وهو أن المهر تبع للشيء الذي لا يؤثر فيه الهزل وهو النكاح فلا يؤثر في تبعه فكان المهر هو المذكور في العلانية ضرورة.
(فإن ذلك على هذه الأوجه أيضًا) وهي اثنا عشر وجهًا وهي: أن الهزل إما أن دخل في الأصل، أو في قدر المال، أو في جنس المال، ثم تدور هذه الثلاثة في الأربعة التي ذكرناها من البناء والإعراض ولم يحضرهما شيء واختلفا فكان اثني عشر وجهًا.
(لكنه غير مقدر بالثلاث في هذا بخلاف البيع) أي مشيئة المرأة الطلاق
غير مقدرة عند أبي حنيفة رحمه الله بخلاف الخيار فى البيع فإنه مقدّر بالثلاث عنده؛ لأن البيع يفسُد بالشروط الفاسدة فيفسُد البيع بالهزل؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط مؤّبدًا وعنده أن المفسد إذا ارتفع قبل مُضي ثلاثة أيام يعود إلى الجواز.
أما إذا ارتفع بعد ثلاثة أيام فلا يعود إلى الجواز.
وأما الخلع فلا يفسد بالشرط الفاسد فيصح اختيار الخلع من المرأة وإن كان بعد الثلاث وهذا لأن الشرط فى باب الخلع ملائم للقياسِ لما أن تعليق الطلاق بالشرط جائز لكون الطلاق من الإسقاطات بخلاف البيع، فإن تعليق البيع بالشرط باطل؛ لأنه من الإثباتات وثبت خيار الشرط فى البيع بالنص بخلاف القياس، وقد ورد مقدّرًا بالثلاث فيبطل فيما وراء المنصوص عملًا بالقياس.
أما هذا فملائم للقياس فصح غير مقدّر فلا ضرورة فى التوقيت بالثلاث.
وإن هزلا بالكل أي بأصل الخلع والبدل والجنس وهذا لزيادة التأكيد فإن الهزل لما كان فى أصل الخلع كان أيضًا فى البدل والجنس.
(ووجب المال بالإجماع) أما عندهما فلأن الهزل لا يمنع من وقوع الطلاق ووجوب المال بطريق التبعية لوقوع الطلاق.
وأما عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-فلأن المواضعة بطلت فى صورة الإعراض بأعراضهما وكذلك إن اختلفا. أما عندهما فلما أن الهزل لا
يؤثر في الخلع وفى بدله فيقع الطلاق ويجب المال.
وأما عنده (فلأنه جعل القول قولَ من يدّعى الإعراض) فى جميع الصور وكذلك فى صورة السكوت؛ لأنه جعل الإيجاب أولى، (لأنه يجعل ذلك مؤثرًا في أصل الطلاق) أي يجعل الهزل مؤثرًا فى الطلاق من حيث إنه لا يقع كما فى البيع (وعندهما هو جائز) أي الخلع واقع ثابت، (ولا يفيد الاختلافُ) أي اختلاف الزوجين فى البناء والإعراض؛ لأن عندهما الهزل غير مؤثر فى باب الخلع أصلًا؛ لأنه غير مؤثر فى أصل الطلاق ولا فى البدل أيضًا ويجب المسمى إذا اتفقا على البناء.
فكذلك إذا اختلفا بل بالطريق الأولى فلا يفيد اختلاف الزوجين؛ لآن لحكم فى حال اتفاق الزوجين على البناء أو على الإعراض أو عند اختلافهما سواء يعنى أن الخلع واقع والمالَ لازم فلا يفيد الاختلاف فكان الجواب فى هذا لفصل عند الكل واحدًا، لكن على اختلاف التخريج، فعند أبى حنيفة-رضى الله عنه-باعتبار المعنى الذى ذكرنا، وهو أنهما إذا اختلفا فى البناء والإعراض كان القول من يدّعى الإعراض، وعندهما باعتبار عدم تأثير الهزل فى الخلع أصلًا (لأنهما جعلا المال لازمًا بطريق التبعية) يعني أن
الخلع واقع بالهزل؛ لآن الهزل لا يؤثر فيه عندما فيجب المال كله آيضا وإن كان الهزل يؤثر فى إيجاب المال كما فى البيع؛ لأنه ثبت المال هنا فى ضمن الخلع والعبرة للمتضمًن لا للمتضمًن كالوكالة الثابتة فى ضمن الرهن فلم يؤثر الهزل فى المال أيضًا لذلك فيجب جميع المسمى وإن كان إيجاب المال في بعضه بطريق الهزل.
(يجب أن يتعلق الطلاق باختيارها) أي باختيار المرأة جميع المسمى فى الخلع جدّا، وهذا لأن الهزل لما كان مؤثرا فى الخلع عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-لمَ يقع الطلاق فيما إذا اتفقا على البناء، فوجب ان يتعلق الطلاق باختيارها كلَ البدًل جدًا؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط وفى خيار الشرط يتعلق باختيارها فكان الطلاق معلًقا بقبول كل البدل أو البدل ألفان فكان الخلع واقعًا على الأبفين.
ما فى أحد الألفين فلا شك؛ لأنه جدّ فيتعلق به لا محالة وكذلك يتعلق بالألف الأخرى؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط والمعلَّق بالشرط لا يوجد قبل وجود الشرط؛ (لأن الطلاق يتعلق بكل البدل)؛ لأن الطلاق يتعلق بما علّق به الزوج والزوج علق الطلاق بألفين وإن كان هازلين بأحدهما والمرأة ما قبلت بعضها جدًا لكونهما هازلين فى الألف فكون القبول واقعًا ببعض البدلَ لا بكله فلا يقع الطلاق كام إذا قال: أنت طالق بألفين فقبلت أحد الألفين.
(وقد تعلق بعضه بالشرط) أي بعض البدل بالشرط وهو اختيارها فلا بد
من وجوده لوقوع الطلاق؛ لأن الهزل من جانبها بمنزلة خيار الشرط ولا يقال بأن الألف فى هذا جدّ، وقد وُجد القبول فصار كأن الخلعَ واقع على الألف فيقع الطلاق؛ لأنا نقول: نعم كذلك.
لكن الألف الأخرى معلق وجوبها والطلاق بالألفين حالة الخلع فتعلّق بهما جميعًا. غاية ما فى الباب أن النظر إلى الألف الجد يوجب وقوع الطلاق والنظر إلى الألف الأخرى لا يوجب فلا يجب بالشكَ، والفقه فيه ما ذكرنا قبل هذا وهو انه بمنزلة خيار الشرط والمعلَّق بالشرط عَدَمُ قًبْل وجود الشرط.
(وعندهما كذلك لما قلنا) آى يقع الطلاق ويجب المال كله لما قلنا من أصلهما أن الهزل لا يؤثر فى الخلع فكذا فى بدله.
(وأما إذا هزلا بأصل المال) أي بجنس المال بأن ذكرا فى العلانية أن بدل الخلع الدنانير (وغرضهما الدراهم فإن المسمى هو الواجب عندهما) أي عند أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله- (في هذا بكل حال) أي سواء اتفقا على الإعراض أو البناء أو اختلفا أو اتفقا على أنه لم يحضُرهما شيء لما بينا
أن الهزل لا يؤثر عندهما فى الخلع وفى بدله، فيقع الخلع ويجب المال بطريق التبعية للخلع، (وصار) أي وصار وجوب المال (كالذى لا يحتمل الفسخ بطريق التبعية) للخلع، وإن كان وجوب المال فى نفه مما يحتمل الفسخ.
(وكذلك هذا فى نظائره) أي الحكم الذى بينا فى الخلع هو الحكم فى نظائره وهو الصلح عن دم العمد والعتق على المال. أطلق لفظ الجمع على الاثنين حيث لم يقل فى نَظيرَيه لقرب الاثنين من الجمع أو أراد بقوله: ((في نظائره)) إلحاق ما هو فى معناهما كالطلاق على مال وإن لم يذكره؛ لأن الطلاق على مال بمنزلة العتق على مال فجاز أن يُلحق بهما، فكانت هذه الثلاثة حينئذ نظائر الخلع.
والدليل على صحة ما ذكرنا من أن الطلاق على مال ملحق بالعتاق على مال ما ذكره فى باب التلجئة من إكراه ((المبسوط)) فقال: ولو طلق امرأته على مال على وجه الهزل أو أعتق عبده على مال على وجه الهزل وقد تواضعنا قبل ذلك أنه هزل وقع الطلاق والعتاق ووجب المال، ثم قال: وهذا عندنا قول أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله-.
وأما عند أبي حنيفة-رضى الله عنه-يتوقف وقوع الطلاق والعتاق على وجود الإجازة بين المرأة والعبد إلى آخره.
(فإن ذلك كالسكوت مختار) لما أنه لّما اشتغل بتسليم الشفعة هازلا صار ساكتًا عن طلب الشفعةَ والشفعةَ تبطل بالسكوت عن طلبها بعد العلم بالبيع فكان التسليم تسليمًا.
وأما إذا كان تسليم الشفعة هازلًا بعد طلب المواثبة والإشهاد فبطل التسليم والشفعة باقية لما ذكرنا أن الهزل بمنزلة خيار الشرط أبدًا والتسليم من جنس ما يبطل بخيار الشرط، حتى إنه إذا قال سلّمت شفعتي على أني بالخيار ثلاثة أيام فإن التسليم باطل والشفعة باقية فكذا فى صورة الهزل، ولأن الشفعة لا تبطل بعد طلب المواثبة والإشهاد بصريح السكوت فكذا لا تبطل بدلالة السكوت ولا كذلك قبل طلب المواثبة.
(وكذلك إبراء الغريم) أي أن ربٌ الدين إذا أبرأ غريمته هازلاٌ يبطل إبراؤه، وبقى الدين كما كان كما فر إبراء الغريم بشرط الخيار حيث لا يبرأ هناك فكذلك فى الهزل؛ لان الهزل بمنزلة خيار الشرط.
(وأما القسم الثاني وهو الإقرار فإن الهزل يبطله) أي يبطل الإقرارَ (سواء كان إقرارًا بما يحتمل الفسخ) نحو الإقرار بالبيع والإجازة بأن تواضعا على أن يُقرّ عند الناس بالبيع ولكن لا يكون كذلك، (أو بما لا يحتمله) كالطلاق والعتاق بأن تواضعا على أن يقر عند الناس بالطلاق والعتاق وهو ليس كذلك فلا يثبت واحد منهما، فحصل من هذا أن الفرق ثابت بين الطلاق هازلًا وبين الإقرار بالطلاق هازلًا حيث وقع الطلاف فى الأول دون الثانى.
فإن قلت: ما الفرق الموضح بين هذين الهزلين أي بين الهزل بالطلاق وبين الهزل بالإقرار بالطلاق حيث وقع الأول دون الثانى مع انهما يتحدان فى الحكم فى الحد فإن الطلاق كما يقع بالإنشاء كذلك يقع بالإقرار به فى الحد، ولأن الهزل إنما يؤثر فيما فيه خيار الشرط وخيار الشرط لا يؤثر فى الإقرار بالطلاق فيجب أن لا يؤثر الهزل فيه أيضًا لما أن الهزل إنما يؤثر فيما هو قابل للفسخ بعد الثبوت كما فى البيع والإجارةَ والطلاق الذي وقع بالإقرار بالجِد غير قابل للرفع والفسخ كالطلاق الذي وقع بالإنشاء.
قلت: الفرق بينهما هو أن الواقع بالإنشاء كالشاء الذى ثبت بالآلة المحسوسة وبعد ما ثبت الشاء بالآلة لا يمكن أن لا يُجعل ثابتًا كالقطع الثابت
بالسكين والإحراق الثابت بالنار لا يمكن أن يجعل غير مقطوع وغير مُحرَق وإن كان قطعه وإحراقه بطريق الإكراه والهزل، لِما أنه ثابت حسًا فلا يمكن ردٌّه ودفعه.
وإما الطلاق الواقع بالإقرار فباعتبار أنه أقر طائعًا وهو إخبار، فكان خبره محمولًا على الصدق وهو الأصل فى خبر العاقل البالغ لا باعتبار أن إقراره بالطلاق موضوع لإيقاع الطلاق، فلذلك كان عند قران الشيء الدال على كذبه فى إقراره من الإكراه والهزل حُمل خبره على الكذب فلم يقع به الطلاق
فكان وقوع الطلاق من إقراره بالطلاق لضرورة حمل إقراره على الصدق لا باعتبار أنه موضوع لإيقاع الطلاق بطريق الأصالة بخلاف إنشاء الطلاق بلفظ موضوع لعه فإنه لا يحتمل غير الإيقاع، فلذلك لم يتغّير حكمه بالإكراه والهزل.
والدليل لى أن الإقرار غير موضوع لإيقاع الطلاق وإن كان إقراره بطريق الطوع ما ذَكر فى باب الإكراه ((المبسوط)) فى موضوعين فقال: لو أقر بالطلاق طائعًا وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك فإنه يسعه إمساكُها فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن القاضى لا يصدقه على ذلك؛ لانه مأمور بإتباع الظاهر والظاهر أن الإنسان لا يكذب فيما يلحق به الضرر، فإذا كان مكرَهًا وجب تصديقه فى ذلك لوجود الإكراه، فلهذا لا يقع به
شيء من الطلاق والعتاق، وبهذا خرج الجواب عن خيار الشرط فإنه لا يؤثر فى الإقرار بالطلاق؛ لأن خيار الشرط إنما يؤثر فيما يُستقبَل من الأفعال التي وضَعت للإنشاء لا في الماضى والإقرار بالطلاق إخبار عن وقوع الطلاق فيما مضى من الزمان وخيار الشرط لا يعمل فى الماضى فبقى الإقرار طائعًا فيقع الطلا لما ذكرنا من حمل أمره على الصدق.
وأما قوله: والطلاق الذى وقع بالإقرار فى الحد غير قابل للفسخ فلا يؤثر فيه الهزل.
فقلنا: إنما لا يؤثر الهزل فيما إذا وقع الطلاق
وأما قبل وقوع الطلاق بالإقرار بالطلاق فيمنع الهزلُ الإقرارَ بالطلاق عن وقوع الطلاق به فلا يرد قولك: ((إن الهزل ايؤثر فيما لا يقبل الفسخ والرد)).
وقال فى ((المبسوط)) فى تعليل بطلان إقرار المكرَه بالطلاق والعتاق: لأن الإقرار خبر متميلّ بي الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يَقرّ به قاصد إلى دفع شره عن نفسه والمخَبر عنه إذا كان كذبا فبالإخبار لا يصير صدقًا.
ألا ترى أن فريةَ المفترين وكفر الكافرين لا يصير حقًا بأخبارهم،
وقوله: فلذلك يبطل بالهزل بطلانًا لا يحتمل الإجازة؛ لأن الإجازة تعتمد وجود شيء موقوف سابق عليه وهاهنا الإقرار ما انعقد موجبًا شيئًا، وصار كبيع حر وهو لاينقلب إلى الصحة بالإجازة لأنه لم ينعقد موقوفّا حتى يحتمل الإجازة بخلاف إنشاء البيع والإجارة هازلًا أو مكرَهًا فإنه يبطل في الحال ولكن يحتمل الإجازة؛ لأن الانعقاد مبنى على الصحة التكلم بوجود أهلية المتكلم ومحل البيع والإجازة وهما موجودان فينعقد.
(وأما القسم الثالث) وهو أن يدخل الهزل فيما يبتنى على الاعتقاد، (فإن الهزل بالردة كفر لا بما هزل به لكن بعين الهزل) أي الهزل بالردة كفر لا باعتبار حكم ما هزل به بل باعتبار عين الهزل، وهذا لأن الهازل بالشيء غير راض بحكم ذلك الشيء ولكنه راض بمباشرة ذلك الشيء نحو أن يقول هازلاً: الصنم إله مثلاً - نعوذ بالله من ذلك - فإنه يصير كافراً بهذا القول وإن كان هازلاً فيه لا بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الألوهية للصنم، لأنه غير معتقد لذلك ولكنه راض بالتلفظ به فيكفر لا ستخفافه بالدين الحق وأنه كفر قال الله تعالى:"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" فعلم أن
استخفاف الدين الحق كفر.
(فصار مرتدّا بعينه) أي بعين ما تلفظ من لفظ الكفر، (إلا أن أثرهما سواء) أي الكفر الحاصل بعين الهزل والكفر الحاصل بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الصنم إلهًا مًثًلًا سواء؛ لأن كلًا منهما ردة؛ وإنما قال هذا لجواب شبهة ترد على قوله:((لكن بعين الهزل)) وهى أن يقال: إن الهازل غير راض بموجب هذا الكلام فينبغى أن لا يكفر كما فى المكَره حيث لا يكفَر بتلفّظ ما أُكره عليه من كلمة الكفر.
فقال فى جوابها: إنما يكفر بعين الهزل لا بما هزل به؛ لان أثرهما سواء بخلاف المكَره على الردة؛ لأن الإكراه إنما يتحقق على إجراء كلمة الكفر على اللسان وهو غير راض بإجراء كلمة الكفر فلم يكفر لعدم الرضى لا للفظ ولا لموجبه بخلاف الهازل؛ لأنه راض بإجراء هذه الكلمة وإجراء هذه الكلمة بالرضا استخفاف بالدن الحق واسخفافه كفر لما ذكرنا من قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} الآية.
ولا يقال إن الهازل لا يعتقد الكفر والكفر والإيمان من باب الاعتقاد فكيف يكفر من غير تبدل الاعتقاد من الإيمان إلى الكفر؛ لأنا نقول: قد تبدل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر؛ لأن من الاعتقاد الواجب عليه أن لا يعتقد الاستخفاف بالله ولا يرضى به، ولما كان راضيًا بالتكلم بالكلام الذى يوجب
الكفر قد بدّل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر فيكفر.
(بخلاف مسألتنا هذه) أي مسألتنا التى هى مسألة الهازل مخالفة لمسألة المكرَه حيث لا يكفر المكرَه بإجراء كلمة الكفر على لسانه ويكفُر الهازل به لما أن المكره غير راض لا بعين إجراء كلمة الكفر ولا بمعناه بخلاف الهازل فإنه راض بعين إجراء كلمة الكفر فيكفر.
فأما الكافر إذا هزل بكلمة الإسلام وتبرأ عن دينه هازلًا يجب أن يُحكم بإيمانه؛ فإن المسلم لما كفر بإجراء كلمة الكفر هازلًا وجب أن يُحكم بإسلام الكافر بإجراء كلمة الإسلام على لسانه هازلًا بالطريق الأولى؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى.
ألا ترى أن صورة الإكراه المكرَه غير محكوم بكفره إذا أجرى على لسانه كلمة الكفر مكرَهّا ويُحكم بإسلام الكافر إذا أجرى كلمة الإسلاك على لسانه مكرَها باعتبار ما قلنا بان الإسلام يعلو ولايعلى ترجيحًا لجانب الإسلام مهما أمكن لوجود أحد ركنى الإسلام، وهاهنا أولى أن يكون مسلمًا؛ لأن المسلم في ضذّه يكون كافرًا.