الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب أهلية الأداء
(أما القاصر فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ) أي إذا كانت القدرة موجودة مع وصف القصور فإن من الصبيان من لا قدرة له أصلا لا على وجه الكمال ولا على وجه القصور كمان في الرضيع وكما في الصبي الذي لم يعقل شيئًا فإنه لا قدرة لهما أصلًا وإذا لم تكن القدرة لكل واحد منهما أصلًا لا يأتي كلا منا هذا فيه فلذلك احترز عنه بقوله: "إذا كانت قاصرة".
والدليل عليه ما ذكره شمس الأئمة رحمه الله بقوله: فالقاصرة باعتبار قوة البدن وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ ثم المعنى من قدرة البدن هو التمكن من الأداء بعقل مميز.
(وأصل العقل يعرف بدلالة العيان) أي الأثر (وذلك أن يختار المرء ما يصلح له بدرك العواقب المستورة فيما يأتيه ويذره) يعني أن الرجل إذا عاين غيره أنه يختار ما يصلح له في ثاني الحال بطريق التجربة والإمتحان فيما هو مستور أمره في الحال بأنه مما يصلح له في ثاني الحال أم لا؟ وكذلك يختار ترك ما لا يصلح له في ثاني الحال فيما هو مستور أمره في الحال يحكم بأنه عاقل كمن فصد مثلا لدفع الحرارة أو شرب الدواء لدفع المرض.
وقد علم دفع الحرارة بالفصد ودفع المرض بشرب ذلك الدواء بالتجربة مرارًا ولكن إندفاع الحرارة والمرض مستور بأمره حال الفصد وشرب الدواء وكذا إذا ترك شرب الدواء الذي لا يدفع مرضه وترك الفصد فيما لا منفعه فيه بطريق التجربة بحكم من عاينه أنه يباشر مثل هذه الأفعلا النافعة ويترك ما يضره بأنه عاقل وكذا من رأي غيره يهيئ في الصيف ما كان ينفعه في الشتاء من جمع الحطب ورم ما وهي من الحيطان وسد
ثلم السقوف وإصلاح خروق السطوح وتهيئة أسباب المطاعم والملابس التي لا يمكن تحصيلها غالبًا في الشتاء أو لو أمكن ما يمكن مثل تحصيلها في الصيف يحكم بكمال عقله في أمر المعيشة وإن إحتمل خلاف ذلك بأن يكون تحصيل هذه الأشياء أرخص وأيسر حصولًا في الشتاء من الذي في الصيف ولكن ما يقع غاليًا بطريق التجربة والإمتحان عد أنه من جملة العقلاء ومن زمرة الحكماء.
وكذلك في أمر الآخرة إذا إشتغل بما ينفعه في الآخرة وإجتنب عما يضره فيها عد من العقلاء المهتدين والعباد المتقين.
(فأما الإعتدال فأمر يتفاوت فيه البشر) على وجه يتعذر الوقوف عليه فأقام الشرع إعتدال الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام الخطاب عليه تيسيرًا على العباد، ثم صار صفة الكمال الذي يتوهم
وجوده قبل هذه الحال ساقط الاعتبار وتوهم النقصان بعد هذا الحد غير معتبر لما أن السبب الظاهر لما قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم معه وجودًا وعدمًا.
وقوله: (فأما حقوق الله تعالى فمنه) ذكر ضمير الحقوق على تأويل المذكور.
(ولا عهدة فيه بوجه) أي لا حرج فيه ولا ضرر.
(إلا بحجر من الشرع وذلك) أي الحجر (في الإيمان باطل لما قلنا) إشارة إلى ما ذكر قبيل هذا حسن لا يحتمل غيره والحجر من أمارات أن لا يكون حسناَ كما في قراءة المقتدى القرآن حتى إذا وجدت القراءة منه تجعل قراءته كلا قراءة لأنه محجور عنها شرعًا ولا يليق مثل ذلك في الإيمان ولأن الناس عن آخرهم دعوا إلى الإيمان والحجر عن الإيمان كفر ثم الحجر بسبب الصغر شرعًا لأجل النظر وذلك لا يليق بما يتمحض منفعة لا يشوبه ضرر فكان النظر في الحكم بصحة الأداء منه لأن المطلوب به الفوز والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة (وذلك يحتمل الوضع) أي لزوم أدائه يحتمل أن يوضع عنه (فوضع عنه) أي فأسقط لزوم أداء الإيمان عن الصبي.
(فأما الأداء فخال عن العهدة) أي فأما مجرد صحة الأداء من غير لزوم الأداء فخال عن الضرر ثم لزم على هذا التعليل حرمان الإرث عن أقاربه الكفار فإن حرمان الإرث ضرر عليه وإنما جاء ذلك عن صحة أدائه الإيمان.
فأجاب عنه بقوله: (لأن حرمان الإرث يضاف إلى الكفر الباقي) لا إلى صحة أداء الإيمان يعني إذا مات أبوه الكافر الباقي بعد إسلام ابنه فلا يرث منه ابنه المسلم لأن الإيمان شرع عاصمًا للأملاك لا قاطعًا وإصرار الآخر على كفره يصلح قاطعًا فأضيف إليه.
(ولأن ما يلزمه بعد الإيمان) من الضرر الدنيوي مثل حرمان الإرث وقوع الفرقه بينه وبين امرأته الكافرة.
(فمن ثمرات الإيمان) لا المقصود الأصلي من الإيمان فإن المقصود الأصلي منه السعادة الأبدية وهي حاصلة بإيمانه فكان المنظور إليه في الباب المقصود الأصلي لا الثمرات ولأن هذا أمر معارض بمثله فلا يصلح أن يكون شبهة لأنه قد يصير مستحقًا للإرث بسبب إيمانه ولو لم يكن مؤمنًا لما إستحق الإرث، فإنه لو مات أقاربه المسلمون إنما يستحق إرثهم إذا كان مؤمنًا
وإذا كان كافرًا لا يستحق وكذلك يقرر ملك نكاحه إذا كانت زوجته أسلمت قبله.
(إذا ثبت له حكم الإيمان تبعًا لغيره) أطلق لفظ التبعية بقوله لغيره لأن التبعية للغير على أنواع فأقواها تبعية الأبوين أو أحدهما ثم الدار يعني إذا لم يكن معه أحد أبويه يكون مسلمًا تبعًا لدار الإسلام ثم بعد الدار يعتبر اليد ويجعل مسلمًا تبعًا لصاحب اليد وتمام هذا مذكور في فصل التكفين من باب الجنائز من "النهاية".
(ولم يعد عهدة) أي لم يجعل ذلك الضرر الدنيوي ضرر فعل الإيمان لأنه لم يوجد منه فعل يصلح للعهدة ومع ذلك ثبت الإيمان في حقه بالإجماع ولم يبال بما لزمه بعد الأداء من حرمان الإرث وغيره.
(ألا ترى أنه لا يرد علمه بوالديه) ومعنى عدم رد علمه بوالديه أن الرجل إذا أقر بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه وصدقه
الغلام ثبت نسبه منه وشرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام يعبر عن نفسه كذا في إقرار "الهداية"أراد بالذي يعبر عن نفسه الصبي العاقل.
علم بهذا أن علم الصبي العاقل بوالدية وتصديقه لهما معتبر في الشرع حتى يرتب عليه حكم شرعي وهو ثبوت نسبه منهما عند تصديقه بهما فلما لم يرد علمه بوالديه لم يرد علمه بالله تعالى أيضًا ولما كان علمه بالله تعالى علمًا كان جهله به أيضًا جهلًا وهو الردة فكانت منه متحققة وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-.
وقال أبو يوسف رحمه الله لا يحكم بصحة الردة في أحكام الدنيا من الصبي لأن ذلك يتمحض ضررًا لا يشوبه منفعة وإنما حكمنا بصحة إيمانه لأنه يتمحض منفعه ولكن أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- قالا: كما يوجد منه حقيقة الإسلام من الوج الذي قلنا يوجد منه حقيقة الردة لأنه كما يتحقق منه العلم بسائر الأشياء يتحقق منه الجهل بها والردة جهل بالله تعالى فعرفنا أنه توجد حقيقتها منه ثم لا يمتنع ثبوتها بعد الوجود حقيقة للحجر شرعًا فالبالغ محجور عن الردة شرعًا كالصبي ومع ذلك تتحقق منه الردة فكذا تتحقق من الصبي العاقل.
(ومن ذلك ما هو بين هذين القسمين) أي ومن المذكور الذي هو حقوق الله تعالى حقوق له بين كونه حسن لعينه وبين كونه قبيحًا لعينه أي ليس بحسن لعينه وليس بقبح لعينه وهو عامة العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج فإنها تحتمل النسخ والتبديل.
ألا ترى أنه ورد النهي في بعض الأوقات والأحوال في الحديث: "ثلاث أوقات نهانا رسول الله عليه أن نصلي فيها"وقال عليه السلام: "ألا لا تصوموا في هذه الأيام" وما كان حسنًا لعينه لا يرد فيه النسخ والتبديل
والنهي في وقت من الأوقات.
(حتى قلنا بسقوط الوجوب) أي قلنا بعدم ثبوت نفس الوجوب من الأصل على ما عليه اختيار المصنف رحمه الله (لأن اللزوم لا يخلو عن العهدة) أي لأن القول بلزوم هذه الأشياء في حق الصبي لا يخلو من إثبات الضرر في حقه وهو منجى عن الضرر الدنيوي شرعًا.
ألا ترى أنه لا يجب عليه الدود والقصاص عند مباشرة أسبابها فكذلك لم يثبت لزوم العبادات في حقه.
(وقد شرعت) أي صحه أداء هذه العبادات (بدون ذلك الوصف) أي بدون لزوم العهدة في حق الصبي (بلا لزوم مضي) أي بلا لزوم إمضاء ما شرع فيه من الصلاة والصوم بخلاف البالغ (لأنها قد شرعت كذلك) أي بلا لزوم مضى ولا وجوب قضاء أي في الجملة.
(وكذلك إذا شرع في اإحرام على هذا الوجه ثم أحصر) أي البالغ إذا شرع في إحرام الحج ظانًا أن عليه الحج ولم يكن عليه ثم أحصر فلا قضاء عليه.
علم بهذا أن هذه العبادات قد توجد في حق البالغ أيضًا بلا وصف لزوم المضي والقضاء في صورة من الصور فيجب أن يثبت في حق الصبي أيضًا بلا وصف لزوم المضي والقضاء في جميع الصور وإنما قيد بالإحصار لأن الخروج من إحرام الحج بعد الشروع فيه لا يجوز إلا بالإحصار أو بالأداء.
(وقلنا في الصبي إذا إرتد أنه لا يقتل).
وذكر في "المبسوط"وإذا حكم بصحة ردته بانت منه امرأته لكنه لا يقتل استحسانًا لأن القتل عقوبة وهو ليس من أهل العقوبة في الدنيا بمباشرة سببه كسائر العقوبات ولكنه لو قتله إنسان لا يغرم شيئًا لأن من ضرورة صحة ردته إهدار دمه، وليس من ضرورته استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل
ولو قتلها قاتل لا يلزمه شيء.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقلنا بصحتها تطوعًا -إلى قوله- لأنها قد شرعت كذلك".
(وفي ذلك جاءت السنة) أي في صحة النوافل منه وإنما هذا ضرب تأديب لتخلق بأخلاق الرجال الصالحين.
وقال الشاعر:
أدب بنيك إذا ما استوجبوا أدبًا
…
فالضرب أنفع أحيانًا من الضرب
أي العسل: وقال أيضًا:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
…
ولا تلين إذا قومتها الخشب
وقوله: (وإنما هذا ضرب تأديب وتعزيز لا عقوبة) جواب لما يرد شبه على قوله عليه السلام: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا وإضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا" بما ذكر في الباب الذي قبل هذا بقوله: وما كان عقوبة أو جزاء لم يجب عليه.
(ووجب للعبد بشرط السلامة) حتى لو هلك العبد المحجر في ذلك العمل تجب القيمة على المستأجر، ولا يجب الأجر.
(ولا تشترط السلامة في الصبي الحر) فإنه إذا هلك في العمل يجب الأجر أيضًا، لأنه هو النفع المحض بخلاف هلاك العبد في العمل، فإنه لا
يجب الأجر؛ لأن العبد مال ويصير المستأجر غاضبًا باستعمال العبد المحجور، فتجب قيمته ويملك العبد من وقت الغضب فلا يجب أجر منافعه.
(فإنه لم يذكر إلا في "السير الكبير") وما لم يصرح فيه بقول غيره فعامة إطلاقه مخصوصة بقوله، وها هنا أيضًا يحتمل أن يكون هذا قوله بناء على أن أمانه صحيح عنده.
(فإن الآدمي مكرم بصحة العبارة وعلم البيان) لما أن الإنسان إنما باءن سائر الحيوان بالبيان ومن الله تعالى على الإنسان به. وقال تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) ، فعرفنا أن معرفة البيان وصحة العبارة (من أعظم وجوه الانتفاع) به ولهذا صححنا منه التوكل عن الغير بالبيع والشراء
له، فإن ذلك محض منفعة له؛ لأنه يصير به مهتديًا إلى التصرفات الشرعية عارفًا بمواضيع الغبن والخسران ليتحرز منه عند حاجته إليه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله:(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) ولا تلزمه العهدة بهذا التصرف إذا لم يكن مأذونًا؛ لأن في إلزام العهدة معنى الضرر وبالأهلية القاصرة إنما يثبت في حقه ما يتمحض منفعة.
فإن قيل: أليس أنه لا يصح منه أداء الشهادة وفى تصحيح عبارته في أداء الشهادة محض المنفعة في حقه؟
قلنا: صحة أداء الشهادة تبنى على الأهلية للشهادة وذلك تبتنى على الأهلية الكاملة؛ لأنها إثبات الولاية على الغير في الإلزام بغير رضاه وبدون الأهلية الكاملة لا تثبت هذه الولاية.
(فبطلت مباشرته وذلك مثل الطلاق والعتاق) ، وليس معنى هذا أن امرأة الصبى لا تكون محلًا للطلاق بل هي محل للطلاق وعبده محل للعتاق،
فإن الطلاق يملك بملك النكاح- وملك النكاح للصبى- إذ لا ضرر في إثبات أصل الملك وإنما الضرر في الإيقاع حتى إذا تحققت الحاجة إلى صحة إيقاع الطلاق من جهته لدفع الضرر كان صحيحًا، فإن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة، حتى إذا أسلمت امرأة الصبى العاقل وعرض عليه الإسلام فأبى- فرق بينهما، وكان ذلك طلاقًا في قول أبى حنيفة ومحمد- رحمهما الله-وإذا ارتدت وقعت الفرقة بينه وبين امرأته، كانت هي طلاقًا عند محمد رحمه الله وكذلك في العتاق فإنه إذا كاتب الأب أو الوصى نصيب الصغير من عبد مشترك بينه وبين غيره واستوفى بدل الكتابة.، صار الصبى معتقًا لنصيبه حتى يضمن قيمة نصيب شريكه إن كان موسرًا، وهذا الضمان لا يجب إلا بالإعتاق، فيكتفى بالأهلية القاصرة في جعله معتقًا للحاجة إلى دفع الضرر عن الشريك، فعرفنا أن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة.
وأما بدون الحاجة فلا يجعل ثابتًا؛ لأن الاكتفاء بالأهلية القاصرة لتوفير المنفعة على الصبى، وهذا المعنى لا يتحقق قيما هو ضرر محض. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسى وكذلك الصدقة.
قال الإمام شمس الأئمة- رحمه الله: فإنه محض ضرر في العاجل لا يشوبه منفعة، ولهذا تبنى صحته شرعًا على الأهلية الكاملة، فلا تثبت
بالأهلية القاصرة.
(إلا من قبل التوى) وهو الجحود.
(فصار ملحقًا بهذا الشرط) أي صار القرض بهذا الشرط وهو أن يكون المقرض قادرًا على استيفائه ملحقًا بما كان نفعًا خالصًا فيملكه عليه القاضى؛ لأن القاضى يتمكن من استرداده بمجرد علمه، بخلاف الأب فإنه لا يتمكن من استرداده إلا بشهود حضور ومجلس قضاء وقاض عادل يقضى بالشهود العدول، وقد لا يتمكن الأب من جميع هذه الأشياء.
(وأما ما يتردد بين النفع والضرر) - إلى قوله- (والنكاح).
فإن قيل: لما كان الطلاق ضررًا محضًا وجب أن يكون النكاح نفعًا محضًا؛ لأنه ضده، وبالضد تتبين أحكام الأشياء.
قلنا: إنما كان هكذا لأمر خاص لكل واحد منهما؛ لأن الأثر الخاص في الطلاق زوال ملك النكاح وهو ضرر محض.
وأما النكاح فحكمه حل الاستمتاع مع لزوم المهر، فكان النكاح من حيث
حل الاستمتاع نفعًا.
ومن حيث لزوم المهر ضررًا فتردد بينهما لذلك، وهذا لأن المرأة تحتمل أن تهب المهر قبل الطلاق فيبقى الطلاق ضررًا محضًا ولا يحتمل أن تهب المرأة المهر قبل النكاح، فيبقى النكاح لذلك مترددًا بين النفع والضرر.
وأما النفقة فبماقبلة احتباس المرأة للزوج فكان النفع من الضرر متعارضين فيتقاصان.
(وقد صار أهلًا يتصور منه المباشرة)؛ لأن الكلام في الصبى العاقل؛ لأن هذه الأحكام كلها مبنية على قوله:"أما القاصرة"فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ، ثم وجه تصور المباشرة منه هو أنه إذا تصرف بطريق الوكالة للغير أنه جائز وإن لم يأذن له وليه فيه؛ لأن فيه اعتبار النيابة هو نفع محض على ما بين.
ولما كان أهلًا للتصرف للغير كان أهلًا للتصرف لنفسه بالطريق الأولى. (فإذا صار أهلًا لحكمه) وهو الملك (كان أهلًا لسببه) وهو الشراء.
(مع فضل نفع البيان) حيث اعتبر بيانه، (وتوسع طريق الإصابة) لحصول الملك له تارة بمباشرة وليه وتارة بمباشرته بنفسه، فكان هذا أنفع له مما إذا كان طريق إصابة الملك واحدًا، (حتى يجعل الصبى كالبالغ)؛ لأن نقصان رأيه اتجبر برأى الولى، وما كان عدم صحة تصرفه إلا باعتبار نقصان رأيه، فلما انجبر ذلك النقصان برأى الولي كان كالبالغ في حق التصرف لا محالة.
(بطريق أن رأى الولي شرط للجواز) أي أن شرط جواز تصرف الصبى رأى الولى، وبدون رأيه لا يجوز تصرف الصبى، فكان جواز تصرف الصبى برأى الولي بمنزلة رأى آخر للولى، فكان للولى رأيان:
أحدهما: تصرف الولي بنفسه برأيه.
والثانى: إذنه للصبى في التصرف وهو أيضًا برأيه، ثم تصرف الصبى برأى وليه وهو عموم رأى الولى؛ لأن رأى الولي فيه قائم أيضًا، فكان رأيه شاملا للموضعين فكان عامًا وتصرف الولي بنفسه برأيه خصوص رأيه؛ لأنه اختص برأى نفسه ولم يتعد إلى موضع آخر فكان خاصًا، ثم الولي إذا تصرف
في مال الصغير برأيه الخاص لم يملك التصرف بالغبن الفاحش، فكذا إذا تصرف في مال الصغير برأيه العام وهو تصرف الصغير بنفسه برأى الولي ينبغى أن لا يملك التصرف بالغبن الفاحش.
وقال الإمام شمس الأئمة رحمه الله وما قاله أبو حنيفة رضى الله عنه أوجه، فإن إقرار الصبى بعد إذن الولي له صحيح وإن كان الولي لا يملك الإقرار عليه بنفسه؛ يعنى لا يلزم من عدم الجواز في تصرف الولي لأجله عدم الجواز في تصرف الصبى بعد إذن الولى، فإن إقرار الولي الولي بنفسه على الصبى لا يجوز، ثم لو أذن الولي للصبى في التجارة وأقر الصبى على نفسه بالمال يجوز، فعلم بهذا أن بينهما فرقًا.
(وفي رواية أبطله لشبهة النيابة) أي صار الصبى بمنزلة نائب الولي في التصرف.
وقوله: (دون وصفه) وهو وصف الكمال.
وقال الإمام شمس الأئمة رحمه الله ولأنه وجد أصل الرأى له بنفسه ولم توجد صفة الكمال فكان هو باعتبار الأصل متصرفًا لنفسه كالبالغ، وباعتبار الصفة هو كالنائب.
علم بهذا أن الصبى هو بمنزلة النائب عن الولى، ولما ثبتت للصبى شبهة النيابة نظرًا إلى وصف الرأى (اعتبرت الشبهة في موضع التهمة) وهو
التصرف مع الأقارب بغبن فاحش، (ولم يعتبر في غير موضع التهمة) وهو في التصرف معهم بمثل القيمة لثبوت النيابة له من وجه دون وجه؛ لأنه لو ثبتت النيابة من كل وجه لما جاز تصرفه معه في الصور كلها كالوكيل مع الموكل، فلما ثبتت من وجه دون وجه اعتبرت أيضًا من وجه دون وجه.
(وعلى هذا) الأصل أن ما كان نفعًا محضًا يتملكه الصبى بدون إذن الولى، وما كان مترددًا بين النفع والضرر لا يتملكه الصبى بدون إذن الولى، (إذا توكل) أي قبل الوكالة (لم تلزمه العهدة) أي ضرر التسليم والتسلم وبإذن المولى تلزمه وكذلك الصبى.
(وفي الانتقال إلى الإيصاء ترك الأفضل)؛ لأن في ترك الانتقال إلى الإبصاء ماله إلى قريبه وفي الإيصاء إيصال ماله إلى الأجنبى، ولا شك أن إيصال النفع إلى القريب أولى من إيصال النفع إلأجنبى، وإليه أشار النبي
عليه السلام: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون".
(والولي في موضع النزاع ليس بولي) أي كون الصبى مع الأب أو مع الأم مما يتردد حاله بين النفع والضرر في حالة الفرقة، وكان ينبغى أن يعتبر اختيار الولي في هذا كما يعتبر رأيه في سائر التصرفات التى تتردد بين النفع والضرر كالبيع لكن لا يعتبر اختياره؛ لأن الأب ليس بولى في هذا لأن الولي هو الذي يتصرف لغيره نظرًا له بطريق الولاية وفى هذا يحتمل أن يكون نظر الأب لنفسه فلا يبقى وليًا للصغير.
وقال الإمام شمس الأئمة رحمه الله وعلى هذا قلنا: إذا وقعت الفرقة
بين الزوجين وبينهما صبى مميز، فإنه لا يخير فيما بين الأبوين -إلى أن قال- وكما لا يعتبر اختياره في هذا لا يعتبر اختيار وليه؛ لأن وليه في هذه الحالة أبوه، وأبوه في هذا الاختيار يعمل لنفسه، فلا يصلح أن يكون ناظرًا فيه لوالده، ويجوز أن لا يعتبر قوله في ذلك ولا قول أبيه؛ لنقصان رأى الصبى وعدم كون الأب وليًا.
(وكفى به) أي بالتناقض، (وقال بلزوم الإحرام من غير نفع) حيث لا يسقط عنه حجة الإسلام حين بلغ إذا حج بذلك الإحرام في حال الصبا.
وأما إذا أهل الصبى بالحج ثم احتلم قبل أن يطوف بالبيت أو قبل أن يقف بعرفة لم يجزه من حجة الإسلام عندنا، وعلى قول الشافعى يجزيه - فصار اختلافًا هنا نظير الاختلاف في الصلاة- فإنه إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره عنده يجزيه عن الفرض ويجعل كأنه بلغ قبل أداء الصلاة، فهنا أيضًا يجعل كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فيجزيه ذلك عن حجة الإسلام،
ولكنا نقول: حين أحرم وهو لم يكن من أهل أداء الفرض فانعقد إحرامه لأداء النفل فلا يصح أداء الفرض به وهو نظير الصرورة إذا أحرم بنية النقل عندنا لا يجزيه أداء الفرض به، وعنده ينعقد إحرامه للفرض والإحرام وإن كان من الشرائط عندنا ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان.
ومع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين، فلهذا لا يجزيه عن حجة الإسلام بذلك الأحرام إلا أن يجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة حينئذ يجزيه عن حجة الإسلام؛ لأن ذلك الإحرام الذي باشره في حالة الصغر كان تخلقًا ولم يكن لازمه عليه، فيتمكن من فسخه بتجديد الإحرام، وهذا بخلاف العبد إلى آخر ما ذكره في مناسك "المبسوط".
(الأشياء موضوعًا) أي وضع ذلك الشيء بنفسه.
(ولا يصح اختيار الولي عليه) أي لا يصح أن يختار الولي أحدهما لأجل الصبى، وكذلك قبول الهبة في قول صحيح منه دون الولى، وفى قول عكسة أي قبول الهبة للصبى يصح من الولي دون الصبى.
وذكر في هبة "المبسوط"وكل يتيم في حجر أخ أو ابن أخ أو عم يعوله،
فوهب له رجل هبة، فإنما يقبضها الذي يعوله إذا كان هو صغيرًا لا يحسن القبض، وكذلك إذا كان عاقلًا ولا يحسن القبض فقبض له من يعوله جاز؛ لأنه فيما تتمحض منفعة لليتيم كان لمن يعوله أن يباشر فيه، وإن قبض الصغير بنفسه ففى القياس لا يجوز قبضه وهو قول الشافعى؛ لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ خصوصًا فيما يمكن تحصيله له بغيره.
وجه الاستحسان أنه إنما لا يعتبر عقله لدفع الضرر عنه، وهذا فيما يتردد بين المنفعة والمضرة، فأما فيما يتمحض منفعته فلا يتحقق هذا المعنى.
وقوله: (ومتى جعلناه وليًا لم نجعل فيه موليًا) كما في الإيمان وقبول الهبة. وإذا جعلناه موليًا عليه لم نجعله وليًا كما في الإذن في التجارة، وهذا جواب عما ذكره الشافعى بقوله:"وهو أن من كان موليًا عليه لم يصلح أن يمون وليًا" إلى آخره.
(وإنما هذا عبارة عن الاحتمال) أي في كل موضع جعلنا الصبى وليًا أو موليًا عليه هو عمل بالدليل عند قيام الليل عليه، واحتمال ذلك التصرف
ذلك الحكم، فكان هذا منا بيان احتمال ذلك التصرف ذلك الحكم؛ لأن لما جعلنا الصبى في كل تصرف وليًا ثم نجعله موليًا عليه في ذلك التصرف، وفى كل تصرف جعلناه موليًا عليه لم نجعله وليًا في ذلك التصرف ولم يكن ذلك تناقضًا، وإنما التناقض في جعله وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد، وما يتصور من اجتماع من صورة اجتماع كونه وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد كما في الإيمان وقبول الهبة فذاك (راجع إلى توسع طريق النيل) إلى المنفعة المحضة والمقصود هو النيل والوصول إلى المنفعة.
وقوله: (وذلك هو المقصود) أي المقصود هو حصول المنفعة له من كونه وليًا أو موليًا عليه، وإذا كان هو المقصود من ذلك التردد في السبب وجب اعتبار هذا التردد في السبب من كونه وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد عند حصول الحكم له، وهو الوصول إلى المنفعة بأي طريق كان.
(وإنما الأمور بعواقبها) أي في الأمور إنما تعتبر عواقبها لا ابتدائها، وعاقبة ما قلنا غير مترددة وهى حصول المنفعة له وإن كان حصول المنفعة في الابتداء مترددًا في السبب، ولا اعتبار لتردد السبب؛ لأن المقصود من الأسباب أحكامها. والله أعلم.