الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(لأن الامتداد في الصوم نادر) فلا يعتبر، لأن النادر لا حكم له، لأن الأحكام تبتنى على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر، وفي الصلاة غير نادر والحرج فيها بالتكرار فلذلك سقطت عند التكرار.
(جاءت السنة) أي في الصلاة جاءت السنة على نحو ماقلنا وهي: أن عمار بن ياسر-رضس الله عنه -أغمي عليه يومًا وليلة فقضاهن، وعبدالله بن عمر -رضى الله عنهما-أغمى عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات، كذا في ((المبسوط)).
(فلم يوجب حرجًا) أي فيما إذا لم يزد الإغماء على يوم وليلة.
[((الرق))]
(وأما الرق) فإن قلت: فلم أورد الرق من العوارض السماوية مع أن
سببه هو الكفر مع وصف فكان في يده إزالته وكان من المكتسبة كالجهل؟
قلت: قال شيخي-رحمه الله-في جوال هذا: ليس هذا كالجهل، فإن العبد بعد ما صار مرقوقًا ليس في يده إزالته، وهنالك بعد ما كان جاهلًا هو في يده إزالته.
ألا ترى أنه عد المرض من العوارض السماوية مع أن إزالة المرض في يده بالمعالجة في بعض الصور وهاهنا ليس في يد العبد إزالة الرق في جميع الصور فأولى أن يعد هو من السماوية.
(عجز حكمي) أي لا حسي فكم من عبد يكون أقدر حسًا من الحر لكن هو عاجز عما يقدر عليه الحر حكمًا مثل الشهادة والولاية والملك والتزوج بالأربع ونحوها.
(شرع جزاء في الأصل): لأن الكافر لما ألحق نفسه بالبهائم في حق عدم التكليف جازاه الله تعالى بالملك للعباد عليه كالبهائم، أم لما استنكف أن يكون
عبدًا لله جازاه الله تعالى بأن صبره عبد عبده.
(لكنه في البقاء صار من الأمور الحكيمة) هذا إستدراك عما وردت الشبهة على الكلام الأول، وهو قوله:((شرع جزاء)) بأن يقال: لما كان جزاء لاستنكافه وجب أن لا يبقى عند زوال الإستكناف أو لا يثبت في أولاده أيضًا وإن لم يوجد الإستنكاف منهم أصلًا لكون بقاء الرق من الأمور الحكمية لا الجزائية كبقاء الحرية بعد الإسلام.
(العرضة): هى المعرض للأمور قال الشاعر:
فلا تجعلوني عرضة للوائم
(والابتذال): شب وروز داشتن جامه وآنجه بدان ماند. فكذلك العبد
صار محلًا للتعرض والغمتهان على حسب ماشرع للمولى من قضاء حاجته به من إستعماله في خدمته وتمليكه كما في سائر أمواله.
(وكذلك العتق الذي هو ضده) أي ضد الرق، يعني لما كان الرق غير متجز لم يكن العتق الذي هو ضده متجزيًا، لانه لو كان متجزيًا يلزم أن يكون الرق متجزيًا أيضًا، لأنه لو ثبت في بعض المحل العتق فالبعض الآخر لا يخلو إما أن يكون رقيقًا أو حرًا فإن كان رقيقًا ثبت تجزيهما وهو ممتنع لا اتفاق وإن كان حرًا ثبت عدم تجزي العتق.
(حتى إن معتق البعض لا يكون حرًا أصلًا عند أبى حنيفة رضي الله عنه-في شهاداته وسائر أحكامه). وإنما هو مكاتب غير أنه لا ينفصخ بالفسخ أو بالتعجيز.
وقال في ((المبسوط)): فإن العتق عنده يتجزى 0 أي الإعتاق عند أبي حنيفة رضي الله عنه يتجزى - حتى إن من أعتق نصف عبده فهو الخيار في النصف الباقي إن شاء أعتقه وإن شاء إستعساه في النصف الباقي في نصف قيمته، وما لم يؤد السعاية فهو كالمكاتب.
وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله يعتق كله ولا سعاية عليه لقوله عليه السلام: (من أعتق شقصا من عبد فهو حر كله ليس لله تعالى فيه شريك)) ، ولأن إتصال أحد النصفين بالآخر أقوى من إتصال الجنين بالأم: لان ذلك يعرض الفصل، ثم إعتاق الام يوجب عتق الجنين لا محالة، فإعتاق أحد النصفين أن يوجب عتق النصف الآخر أولى.
واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه-بحديث سالم عن ابن عمر رضي الله عنهم -أن النبي عليه السلام قال: ((من أعتق شخصًا له من عبد فإن كان موسرًا فعليه خلاصة، وإلا فقد عتق ما عتق ورق ما رق)) ، والمعنى فيه أن هذا
إزالة ملك اليمين بالقول فيتجزى في المحل كالبيع، وتأثيره أن نفوذ تصرف المالك باعتبار نلكه وهو مالك للمالية دون الرق.
فالرق إسم لضعف ثابت في حق أهل الحرب مجازاة وعقوبة على كفرهم، وهو لا يحتمل التملك كالحياة، إلا أن بقاء ملكه لا يكون إلا ببقاء صفة الرق في المحل كما لا يكون إلا باعتبار صفة الحياة في المحل، وذلك لا يدل على أن الحياة مملوكة له، فإذا ثبت أنه يملك المالية وملك المالية محتمل للتجزي فإنما يزول بقدر ما يزيله، ولهذا لا يعتق شيء منه بإعتاق البعض عند أبي حنيفة-رحمه الله-وإنما سمى فعله إعتاقًا مجازًا على معنى أنه إذا تم إزالة الملك بطريق الإسقاط يعقبه العتق الذي هو عبارة عن القوة لا أن يكون الفعل المزيل ملاقيًا للعتق كالقاتل فعله لا يحل الروح وإنما يحل البنية ثم ببعض البنية تزهق الروح فيكون فعله قتلًا من هذا الوجه.
أما إعتاق الجنين عند إعتاق الام فليس لأجل الإتصال.
ألا ترى أن إعتاق الجنين لا يوجب إعتاق الأم والإتصال موجود، ولكن الجنين في حكم جزء من أجزائها كيدها ورجلها وثبوت الحكم في التبع بثبوته في المتبوع وأحد النصفين ليس بتبع للنصف الآخر، فلذلك لم يكن إعتاق أحد
النصفين موجبًا للعتق في النصف الباقي، وتأويل قوله عليه السلام:((فهو حر)) سيصير حرًا كله بإخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية -إلى هذا أشار في ((المبسوط)).
(وقال أبو يوسف ومحمد-رحمهما الله- الإعتاق إنفعاله العتق) أي لازمه ومطاوعه، يقال: أعتقه فعتق كما يقال كسرته فانكسر، ولا وجود للمتعدي بدون لازمه، لأن التعدية إثبات اللازم وإثباته مع كونه معدومًا لا يتحقق فكذلك الإعتاق مع التق، فإذا كان كذلك لا يكون الإعتقا متجزيًا ولو كان متجزيًا مع أن العتق غير متجز يلزم أحد أمرين: إما وجود المتعدي بدون اللازم وهو ممتنع وإما عدم تجزي الإعتاق على تقدير ثبوت اللازموهو العتق فيثبت هو ضرورة.
(كالتطليق) وهو فعل غير متجز، لأن التطليق لا يتنصف لكا أن إنفعاله وهو الطلاق غير متجز بأن بطلق نصف المرأة دون نصفها الباقي، فكذلك الإعتاق مع العتق لما لم يتجز الإنفعال وهو العتق بالإتفاق يجب أن لا يتجزى فعله وهو الإعتاق.
(وقال أبو حنيفة رضي الله عنه الإعتاق إزالة لملك تعلق به حكم لا يتجزى وهو العتق) ولا يصح أن يقال: إن الإعتاق إثبات القوة، لأن العتق عبارة عن الوقة، يقال: عتق الطير إذا قوى وطار عن وكره وإثبات القوة ليس في وسع البشر، والإعتاق الذي هو عبارة عن إزالة الملك في وسعه، لكن إذ زال ملكه عن العبد بالإعتاق ثتبت له الوقة فلذلك سمي إعتاقًا، وهذا لأن إزالة الملك حق العبد وإثبات العتق ليس بحقه.
فصرف اللفظ الدال على فعله إلى ماهو حقه أولى من الصرف إلى ماهو ليس بحقه، (لأنه عبارة عن سقوط الرق) أي العتق عبارة عن سقوط الرق وهذا توسع في الكلام، لأن العتق عبارة عن القوة على ما قلنا، غير أن العتق لا يتثور بدون سقوط الرق فكان سقوط الرق لازمه ثبوت العتق فعبر به عنه، كما أن الحركة ليست عبارة عن زوال السكون بل هي عرض يلزم من وجوده زوال السكون فجاز أن نعبر بزوال السكون عن الحركة، فكذلك ها هنا جاز أن تعبر عن ثبوت العتق بسقوط الرق.
(وسقوط الرق حكم لسقوط كل الملك) يعني أينما ثبت سقوط كل
الملك يثبت سقوط الرق، لأنه لا يتصور سقوط الرق الذي هو العتق مع بقاء الملك.
(وكذلك إعداد الطلاق للتحريم) أي للحرمة الغليظة.
فصار حاصل إختلافهم راجعًا إلى تفسير الإعتاق، فعندهما الإعتاق إثبات العتق والعتق لا يتجزى بالاتفاق، وهو إنفعال الإعتاق فلا يتجزى الإعتاق أيضًا.
وعند أبى حنيفة-رحمه الله الإعتاق إزالة لملك متجز فكان الإعتقا أيضًا متجزيًا، فكان إختلافهم ها هنا بمنزلة إختلافهم في مسألة الصابيات.
وقوله: (لقيام المملوكية مالًا) أي قيام المملوكية من حيث المالية يمنع كونه مالكًا للمال، يعني هو مملوك من حيث هو مال فلا يتصور أن يكون مالكًا
للمال لما بين المالكية والمملوكية من المنافاة، لأن المالكية عبارة عن قدرة شرعية على المال والمملوكية عبارة عن عجز شرعي عنه.
وكذلك المال مبتذل ومالكه مبتذل وبينهما منافاة بخلاف مالكية غير المال فإنه ليس بمملوك من ذلك الوجه، فلا يمنع مالكيته كالنكاح والإقرار بالدم والحدود على ما يجيء، وهذا لأن استحالة الاجتماع من جهتين مختلفتين كالنكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها.
وحصل من هذا أنه لما كان مالًا مملوكًا لم يكن أهلًا لملك المال ولا لما هو مختص بملك المال (حتى لا يملك العبد والمكاتب التسري) وإن كانا يملكان التصرف، لان التسري مختص بالملك في الرقبة ورقبتهما مال فلا يملكان التسري.
(وهي البدنية) أي القدرة البدنية، (لأنها للمولى) أي لأن قدرة العبد
ملك المولى تبعًا لملك الرقبة، لان ملك الذات علة لملك الصفات (إلا ما استثنى عليه في سائر القرب البدنية) أي إلا ما استخرج على المولى في باقي العبادة البدنية مثل الإيمان والصلاة والصوم فإنه ليس للمولى منع عبده عن الإتيان بتلك العبادة البدنية، لأن تلك العبادات مستثناة عن تصرف المولى في حقها بالمنع إجماعًا.
وكان شيخي رحمه الله يقول: كان ورد الإستفتاء من نسف إلى بخارى بالسؤال عن هذا الاستثناء بأن لفظ هذا الاستثناء في أي موضع من الكتب؟
قيل في جوابه: إن الاستثناء هاهنا معنوي لا لفظي بإجماع المسلمين يعني إن المسلمين أجمعوا من لدن رسول الله عليه السلام على أنه ليس للمولى منع عبده عن هذه العبادات البدنية فكان بمنزلة الاستثناء.
لأن ملك الذات لما أوجب ملك الصفات والذات ملك المولى اقتضى
القياس أن يملك المولى جميع صفات عبده بالتصرف فيه بأن يمنعه عن الصلاة والصوم أيضًا إجراء لإطلاق هذا الأصل، فلما تخلف حكم هذه العبادات عن هذا الأصل كان ذلك بمنزلة الاستثناء عن ذلك الأصل.
فإن الإستطاعة التي يحصل بها الإيمان والصلاة والصوم ليست للمولى وهو في حقها مبقى على الحرية بخلاف إستطاعة الحج فإنها للمولى، والمعنى فيه أن حق المولى في الحج يفوت في مدة طويلة، فقدم حق العبد على حق الله تعالى لحاجته، فلهذا إذا حج ثم اعتق لا يسقط عنه حجة الإسلام، وأيد هذا قوله عليه السلام:((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام) فصار هذا كالحر الذي يحج عن الغير، لأن العبد حج بقدرة هي للمولى.
(بخلاف الفقير) ، لأن القدرة الأصلية وهي قدرة البدن ثابتة له، وإنما شرطت غستطاعته الزاد والراحلة ليتمكن بها من أداء الحج، فإذا تمكن بدونها كان المستطيع بالزاد والراحلة فكان كالمسافر والمريض والعبد يصلون الجمعة حيث تصح منهم الجمعة ويسقط عنهم فرض الظهر، لأن عدم وجوب الجمعة كان لنفي الحرج، فإذا تحملوا الحرج وأدوا الجميعة يسقط عنهم فرض الوقت الذي كان عليهم وهو الظهر.
وقوله: (فأما الزاد والراحلة فلليسر) وذكر اليسر هاهنا لبيان نفي الحرج لا لإثبات القدرة الميسرة، لأن الحج إنما وجب بالقدرة الممكنة لا بالميسرة، بدليل بقاء وجوبه على من افتقر بعد أن ملك الزاد والراحلة.
(والرق لا ينافي مالكية غير مال وهو النكاح) ، لأن العبد آدمي مكلف كان ينبغي أن يملك كل ما بملكه الحر من هذا الوجه، إلا أنه لما كان مملوكًا مالًا استحال أن يكون مالكًا للمال، إذ الاجتماع بين الضدين في حق شخص واحد من جهة واحدة محال، وعن هذا قلنا إنه لا ينافي مالكية غير المال، لأن المالكية والمملوكية هناك من جهتين مختلفتين فصح أن يجتمعا فيه، فلذلك كان العبد مالكًا للنكاح، لأن النكاح من خواص الآدمية ولا منافاة في كونه مالكًا للنكاح فيملك النكاح وإن كان هو مملوكًا مالًا.
فإن قيل: كيف يكون مالكًا للنكاح فإنه لو نكح بغير إذن المولى لا ينفد بل يتوقف إلى إجازة المولى؟
قلنا: إنما يتوقف نفاذه إلى إجازة المولى لتعلق حق المولى به، وهو شغل ماليته بالمهر والنفقة وماليته ملك المولى فلا يملك شغل ذلك بتصرفه بغير إذن المولى.
والدليل على أنه مالك للنكاح أن إشتراط الشهود إنما يكون عند النكاح لا عند الإجازة، وكذلك لو تزوج بغير إذن المولى ثم اعتقه مولاه قبل الإجازة نفذ ذلك النكاح.
فإن قلت: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)) يقتضي أن لا يملك العبد النكاح، لأن الله تعالى نفى قدرته على شيء منكر في موضع النفي فيتناول كل الأشياء والنكاح شيء فلا يملكه بقضية هذه الآية؟
قلت: بالنظر إلى ظاهرة هذه الآية قلنا إنه لا يستبد بالنكاح بنفسه بغير إذن المولى.
وأما أصل ملك النكاح فيحصل له بالدليل الذي قلنا، ولهذا كان الحكم المقصود بالنكاح وهو حل الإستمتاع حاصلًا له لا للمولى، وكذلك ملك الطلاق الذي يرفع النكاح حاصل له لا للمولى وكل من يملك الرفع من العقود هو الذي يملك إثباته.
علم بهذا أن النكاح مملوك له والتوقف إلى إجازة المولى باعتبار ماقلنا من شغل ماليته بالمهر والنفقة وهي مولاه.
فإن قلت: لما ملك العبد النكاح وجب أن لا بيملك المولى إجبار عبده على
النكاح، لأنه عاقل بالغ مالك للنكاح فلا يملك إجباره على النكاح كما لا يملك إجبار إبنه العاقل البالغ على النكاح، وهذا لأن ما يتناوله النكاح من العبد غير مملوك للمولى عليه فهو فى تويجه متصرف فيما لا يملكه فلا يستبد به كما هو مذهب الشافعي رحمه الله.
قلت: إستدل علماؤنا رحمهم الله-في صحة إجبار المولى عبده على النكاح بظاهر قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75). وإباء عقد المولى شيء فلا يقدر العبد عليه، لأنه مملوكه على الإطلاق فيملك إنكاحه بغير رضاه كالأمة، وهذا لأن في الأمة إنما ينفذ عقد المولى عليها بملكه رقبتها لا بملكه مايملك بالنكاح، فإن ولاية التزويج لا تستدعي ملك ما يملك بالنكاح.
ألا ترى أن الولي يزوج الصغيرة ولا يملك عليها ما يملك بالنكاح، والزورج لا يزوج إمرأته وهو مالك عليها ما يملك بالنكاح فثبت أن بينهما مفارقة طردًا وعكسًا. هذا كله مما أشار إليه في نكاح ((المبسوط)).
(والدم والحياة) أما الدم فإن العبد يملك إتلاف دمه بالإقرار على نفسه بالقصاص فكان فيه كالحر ولا يشترط فيه حضور مولاه، حتى أنه لو أقر به حال غيبة مولاه يقتل به حال غيبته.
وأما الحياة فإن مولاه لا يملك إتلاف حياته فكان في عدم ملك مولاه لحياته كالحر.
فإن قلت: ففى صحة إقراره للقصاص إتلاف لماليته وهي للمولى فيجب أن لا يصح إقراره بذلك بدون إذن والمولى كما في النكاح بل أولى، لأن في نفوذ النكاح بدون إذن مولاه شغل ماليته بالمهر والنفقة لا إتلاف ماليته من كل وجه، فلما توقف نفوذ النكاح إلى إذن المولى باعتبار شغل ماليته بدون الإتلاف وجب أن تتوقفه صحة إقراره بالقصاص إلى إذن المولى وفيه إتلاف ماليته من كل وجه بالطريق الأولى، مع أن كليهما في حق الإختصاص بالآدمي متساويان.
قلت: هذا الاستدلال منك عكس موجب الدليل، لان إتلاف ماليته في صحة الإقرار بالقصاص إنما ثبت بطريق الضمن لصحة الإقرار بالقصاص فكان الاعتبار للمتضمن الأصلي لا للمتضمن الفرعي كما في سائر الأحكام الثابتة بطريق الضمن، كما في ثبوت المضار الدنيوية في حق الصبي بطريق التبيعة من حرمان الإرث، ووقوع الفرقة بينه وبين إمرأته، وتعجل وجوب المهر لصحة ردته التي لا يمكن ردها.
وهذا لما أن الضرر الواقع على نفس العبد بالقصاص أكثر من ضرر المولى، لأن ذلك الضرر واقع على المال وهذا واقع على النفس والنفس أعظم خطرًا من المال فلما صح فيما هو أعظم خطرًا صح أيضًا فيما هو أقل
خطرًا بطريق التبعية كما هو مرتبة الأحكام الثابتة بطريق الضمن.
وأما شغل ماليته بالمهر والنفقة ونفوذ النكاح بغير إذن المولى فلا مفاضلة بينهما فلم يكن أحدهما تبعا للآخر، ولأن النكاح عقد قابل للتوقف في الجملة كما في نكاح الصغار والصغائر بدون إذن الأولياء ونكاح الفضولي.
وأما إقرار العاقل البالغ فنافذ على المقر من كل وجه وبعد النفوذ لا يتوقف على إذن أحد.
فإن قلت: ما وجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله-في وجوب القصاص على العبد بين البينة والإقرار؟ حيث يؤاخذ إقراره في الحدود والقصاص وإن كان مولاه غائبًا بخلاف ما إذا ثبت الحد والقصاص عليه بالبينة، فإن استيفاءهما يتوقف إلى حضور مولاه عندهما خلافًا لأبي يوسف رحمه الله؟
قلت: هما يقولان: إن للمولى حق الطعن في البينة دون الإقرار، ولأن الإقرار موجب للحق بنفسه والبينة لا توجب إلا بالقضاء وفي استيفاء موجب القضاء إتلاف المالية وهى للمولى، فإذا كان تمام قضائه متناولًا حق المولى يشترط حضور المولى في ذلك، إلى هذا أشار في إباق ((المبسوط)).
(وينافي كمال الحل إلى قوله: مثل الذمة) ، فإن الذدمة وهي كون الآدمي محلًا لتوجه الخطاب وأهلًا للإيجاب والإستيجاب من كرامات البشر بخلاف سائر الحيوانات.
(والحل) أي حل الإستمتاع بالنكاح والولاية وهي الشهادة والإرث وغيرهما، ثم ابتدأ بتفصيل كل متهما بالبيان فقال:(حتى إن ذمته ضعفت) فيه بيان ضعف حاله في الذمة.
وفي قوله: ((وكذلك الحل انتقض بالرق)) بيان ضعف حاله في الحل وفي قوله: ((وانقطعت الولايات كلها بالرق)) بيان ضعف حاله في حق الولاية، لكن ضعف العبد في حق الولاية من كل وجه، فلذلك قال وانقطعت الولايات كلها بالرق، ويمكن أن يقال فيها ضعف أيضا لا بطلان بالكلية.
ألا ترى أنه يلي على نفسه بالإقرار بالقصاص والحدود وهو من باب الولاية من وجه فإن فيه تلف المالية وهي حق المولى، فكان قوله نافذًا على الغير شاء الغير أو أبى وهو معنى الولاية،
وأما قوله: ((وانقطعت الولايات كلها)) أي بطريق القصد لا بطرق الضمن.
(فلم يحتمل الدين بنفسها) أي بنفس الذمة وهي رقبة العبد القابلة
للإيجاب والاستجاب بخلاف سائر الحيوانات، وضمنت إليها مالية الرقبة وهو أنه يباع في الدين، (والكسب) وهو بالرفع أي وضم مكسوب العبد إلى ذمته بخلاف الحر، فأن الحر إذا كان مديونًا ليس لرب الدين الدين أن يأخذ ما في يد المديون من ماله جبرًا إذا لم يكن من جنس دينه، وفي العبد المديون يأخذه ويبيعه حتى يأخذ حقه من ثمنه كما يبيع رقبته ويأخذ دينه من ثمنه.
وذكر في باب إقرار العبد بالدي من مأذون ((المبسوط)) وإذا كان على المأذون دين فأقر بشيء في يده أنه وديعة لمولاه أو لمكاتبه أو لعبد له تاجر عليه دين أو لا دين عليه فإقراره باطل، لأن حق غرماته تعلق بكسبه والمولى يخلقه في كسبه خلافة الوارث المورث، فكما أن إقرار المريض لوارثه أو لعبده أو لعبد الوارث أو لمكاتبه لا يصح لكونه متهمًا في ذلك وكذلك إقرار العبد لمولاه، لان سبب التهمة بينهما قائم فكذلك لعبد مولاه أو لأم ولده فإن كسبهما لمولاهما.
فأما إقراره لابن مولاه أو لابنه جائز، لأنه ليس للمولى في كسبهما ملك ولا حق ملك.
ألا ترى أن إقرار المريض لأب وارثه أو لابن وارثه جاز إقراره لهذا المعنى، وإذا صح الإقرار صار المقر به ملكًا للمقر له فلا يتعلق به حق غرمائه، كما لو أقر به لأجنبي، ولو لم يكن على العبد دين كان إقراره جائزًا في ذلك كله،
لأنه لا تهمة في إقراره ولا حق لأحد في كسبه.
(ولذلك قلنا): إن الدين متى ثبت بسبب لا تهمة فيه أنه يباع فيه رقبته) أي ولأجل أن رقبته وكسبه تضمان إلى ذمة العبد لعدم إحتمال ذمته الدين بنفسها لضعفها تباع رقبته في الدين الذي ثبت بسبب لا تهمة فيه وهو دين الاستهلاك ودين التجارة.
فأما لا تهمة في دين التجارة فظاهر، لأنه وقع في الدين بسبب إذن المولى في التجارة، لأن إقراره بدين التجارة لو لم يقبل منه لا متنع الناس عن المعاملة
به في التجارة فلا يفيد إذن المولى فائدته، وكذلك إقراره بدين الغضب والاستهلاك يقبل، لأن ضمان الغضب والاستهلاك من ضمان التجارة، لأن الغضب يوجب الملك في المضمون عند أداء الضمان.
فالضمان الواجب به من جنس التجارة وإقرار المأذون بمثله صحيح، ولهذا لو أقر أحد المتفاوضين به كان شريكه مطالبًا به وكذلك دين الاستهلاك، لأن الاستهلاك يوجب الملك في المستهلك عند أداء الضمان فكان من دين التجارة.
وقوله: ((بسبب لا تهمة فيه)) أحتزاز عن إقرار بدين يثبت بسبب فيه تهمة وهو كما ذكرنا من ((المبسوط)) فيما إذا أقر بدين لمولاه فإن ذلك لا يقبل في حق الغرماء، لأنه متهم عند الغرماء، وكذلك لو أقر أنه وطئ جارية هذا الرجل بنكاح بغير إذن مولاها فافتضها لم يصدق، لأنه ليس من التجارة فإن وجوب العقر هنا باعتبار النكاح لولاه لكان عليه الحد والنكاح ليس بتجارة ولهذا لو أقر به أحد المتفاوضين لم يلزم شريكه، فإن صدقه مولاه بذلك بدء بدين الغرماء، لأن تصديق المولى في حق الغرماء ليس بحجة، فوجوده كعدمه،
فإن بقي شيء أخذ مولى الجارية من عقرها. كذا ذكره في مأذون ((المبسوط)).
وحاصل ذلك أن الدين الذي وجب بسبب التهمة وليس في ذلك السبب من أسباب التجارة ففي إقراره بذلك هو متهم فيه، لأنه ليس في ذلك الإقرار دليل يدل على أنه في إقراره صادق، بخلاف دين التجارة فإن إذن المولى في التجارة دليل على وجوب الدين عليه، كذلك في الإقرار بالدين لمولاه متهم في حق الغرماء على ما ذكرنا وكذلك العبد المحجور متهم في الإقرار بالدين فلا يظهر في حق المولى إذا لم يصدقه.
(فيتسع الحرية) ، لأنها سبب لاستجلاب الكرامات.
(والعدة تنتصف) أي تنتصف حقيقة فيما إذا كانت العدة بالأشهر.
وأما إذا كانت بالحيض فتنتصف أيضًا لكن الحيضة غير متجزية فتتكامل ضرورة، لأن جانب الوجود راجح على جانب العدم ولأن فيه القول بالاحتياط.
(لكن عدد الطلاق لما كان عبارة عن إتساع المملوكية اعتبر فيه النساء) لأن عدد الطلاق يدل على أن ما يملكه من الطلقات على حسب ملكه فيتعرف ذلك عن محله، لأن تصرف المتصرف يزداد بزيادة المحل وينتقص بانتقاصه.
فإن من ملك عبدًا واحدًا ملك إعتاقًا واحدًا، ومن ملك عبدين يملك اعتاقين وكذا وكذا، ومحلية الحرة تزادا بالحل فيزداد الطلاق، لأن حكم الطلاق بارتفاع القيد عنها، وكل إمرأة كان حلها أكثر كان الطلاق أكثر.
وحل الحرة أكثر من حل الأمة، لأن نكاح الحرة جائز متقدمًا على الامة ومتأخرًا عنها ومقارنًا معها بخلاف نكاح الأمة، فإنه إنما يجوز متقدمًا على
الحرة لا غير، فلما كان حلها أكثر كان طلاقها أكثر فيعتبر بالنساء.
وأما النكاح فعبارة عن المالكية، لان الملك يثبت للرجل بالنكاح، فلذلك كان عدد الانكحة عبارة عن اتساع المالكية فاعتبر بالرجال، وهذا لأن الحل لما اتسع بفضيلة المتزوج الذي هو الرجل كما اتسع لرسولنا عليه السلام بالزيادة على الأربع وجب أن يتسع الحل للحر أكثر مما يتسع للعبد، لأن الرح له فضل على العبد شرعًا، حتى أظهر الشارع فضله في عامة الأحكام من الشهادة والولاية والإرث وغيرها فكذلك في حق حل النساء. يوضحه أن الرق ينصف الحل.
ألا ترى أن الحل يتنصف في جانب الأمة بالرق، حتى إن ما يبتنى على الحل وهو القسم يكون حالها فيه على النصف من حال الحرة فكذا الحدود تنتصف بالرق، ولما كان كذلك كان حال العبد فيه على النصف من حال الحر والعبد يتزوج من النساء والحر يتزوج من أربعًا.
وأما في الطلاق فإنما اعتبر جانب النساء بسبب أن النبي عليه السلام قابل
الطلاق بالعدة بقوله: ((طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان)) تقتضي التسوبة وبالإتفاق في العدة تعتبر حالها فكذلك في الطلاق، ومن ملك على امرأته عددًا من الطلاق يملك إيقاعها أوقات السنة، وبهذا أفحم عيسى بن أبان الشافعي -رحمهما الله أيها الفقيه إذا ملك الحر على إمرأته الأمة ثلالث تطليقات كيف يطلقها في أوقات السنة؟ فقال: يوقع عليها واحدة، فإذا حاضت وطهرت أوقع أخرى، فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت قال: حسبك فإن عدتها قد انقضت، فلما تحير رجع، وقال: ليس في الجمع بدعة ولا ي التفريق سنة. كذا ذكر في الباب الأول من طلاق ((المبسوط)) هذه الحكاية.
(فلذلك تنتصف الحدود في حق العبد) وهذا يتعلق بقوله: ((ويقصر بالرق إلى النصف)) أي فلأجل أن الرق منصف لما هو الحكم الثابت للحر كرامة وملامة تتنصف الحدود في حق العبد، والمعنى فيه أن الحل في حق العبد أنقص فكان جنايته أقل بالنسبة إلى جناية الحر، لان الحل في حق الحر أكمل، فإذا زنى الحر مع كمال الحل كانت حنايته أعظك، فكان الجزاء في حقه أوفر.
ألا ترى ان المحصن إنما يرجم لهذا المعنى وهو تكامل جنايته عند توفر النعمة عليه بمقابلة جناية من ليس بمحصن.
(ولذلك انتقصت قيمة نفسه) أي ولأجل أن الرقية موجبة للنقصان انتقصت قيمة نفس العبد وهذا يتعلق بقوله: ((وكذلك الحل انتقص بالرق، لانه من كرامات البشر)) وقوله: لما قلنا من انتقاص المالكية أي من انتقاص مالكية العبد في حق المال، حيث لا يملك رقبة المال ولكن يملك التصرف في المال بإذن المولى، فيملك المال حينئذ يدًا لا رقبة فكان له نقصان المالكية في حق المال فكان قوله:((لما قلنا)) إشارة إلى قوله: ((وهذا الرق مبطل مالكية المال)).
(كما انتقص بالأنوثة) أي كما انتقص المالكية بالأنوثة على تأويل كونها مالكة أي للنكاح، ثم بين ذلك النقصانين بكلمة الإستدراك بقوله:(لكن نقصان الأنوثة في أحد ضربي المالكية بالعدم فوجب التنصيف وهذا نقصان في أحدهما لا بالعدم).
بيان هذا أن بدل الشيء يتقدر بقدر كمال ذلك الشيء، وكمال اآدمي بكمال الماكية، فلما كان كذلك كان كما الدية من غير نقصان للرجل الحر، لانه أقوى في المالكية من الحرة ومن العبد، لأنه يملك المال وغير المال على الكمال فوجب بدل دمه وهو الدية على الكمال عند الإتلاف، لأنه إتلاف من هو مالك للنوعين جميعًا، والحرة ليست بمالكة لأحد النوعين أصلًا وهو
النكاح والطلاق وتمالك المال على الكمال فكان حالها نصف حال الرجل الحر، فوجب نصف دية الرجب الحر عند إتلافها، والعبد مالك لأحد النوعين على الكمال وهو النكاح والطلاق، ومالك للنوع الآخر وهو المال ماهو الاقوى منه وهو التصرف يدًا، فلذلك انتقصت حاله من حال الحر فانتقص عن بدله ماله الاعتبار في الشرع وهو عشرة دراهم بأثر عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما-وهذا جواب عما قيل فيه: ينبغي أن يتنقص من بدل دمه ربع بدل الحر على هذا التقدير، لانه مالك لأحد النوعين وهو النكاح والطلاق على الكمال ومالك للمال من حيث التصرف باليد لا من حيث الرقبة فكان مالكًا لثلاثة أرباع النوعين فوجب النقصان بربع بدل الحر، لأنا نقول: لما ملك أحد النوعيم على الكمال وما هو الأقوى في النوع الآخر ترقى حاله من حال الحرة وانحطت من حال الحر فوجب النقصان من بدل دمه من دية الرح ماله اعتبار في الشرع وهو عشرة دراهم، ولا يقال بأن العبد مالك لنكاح بطريق النقصان، لأنه لا يملك النكاح بدون إذن المولى، لأنا نقول: لو كان التوقف إلى إذن المولى يوجب النقصان لزم أن يكون الصبي ناقص المالكية في النكاح وليس كذلك.
وقال في ((المبسوط)) ،وأما النقصان -أي نقصان دم العبد عن دية الحر- فيقول: بدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار معنى موجب للنقصان في المحل.
ألا ترى أنه من ينقص بالأنوثة وبالكفر على أهل أصل الخصم وبالاجتنان في البطن بالاتفاق، فإن بدل الجنين دون بدل المنفصِل وإن كان الموجوب باعتبار النفسية هناك، إذ لا مالية في الجنين سواء كان حرًا أو مملوكًا فكذلك يجوز ان ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية، وهذا لن تكميل الدية باعتبار كمال صفة المالكية.
ألا ترى أن بدل الأنثى على النصف من بدل الذكر، لأن الذَكر أهل لمالكية المال والنكاح، والأنثى أهل لمالكية المال دون مالكية النكاح فإنها مملوكة نكاحًا فيتصنف بدلها لذلك، والجنين ليس بأهل للمالكيتين في الحال، ولكن فيه عرضية الأهلية لذلك إذا انفصل حيًا فباعتباره ينتقص له بدله غاية النقصان.
إذا عرفنا هذا فنقول: بسبب الرق تنتقص صفة المالكية، لأنه صار مملوكًا مآلًا ولم يبقى مالكًا للنكاح بنفسه، إلا أن هذا النقصان بعارض على شرف الزوال بأن يعتق فيجوز أن يُزاد بدل الرق على بدل الأنثى لهذا إلى آخره.
(لكنه أهل للتصرف في هذا المال) هذا بالإتفاق.
ألا ترى أن العبد المأذون يتصرف في مال المولى، غير أن الإذن عند
الشافعي عبارة عن التوكيل والإنابة فيختصص بالتخصيص ويتوقت بالتوقيت، وعندنا هو عبارة عن فك الحجر وإسقاط الحق فلا يقبل التخصيص والتوقيت، (وأهل لاستحقاق اليد على المال).
قال الصدر الشهيد رحمه الله في آخر مضاربة "الجامع الصغير" أن للعبد يدًا معتبرة.
ألا ترى أنه إذا أودع مالًا عند آخر لا يملك المولى استردادَه.
(وهذا عندنا) أي وهذا المذكور وهو أهلية التصرف على العموم وأهلية استحقاق اليد على المال.
(أنه يتصرف لنفسه) يعنى أن تصرفه بعد الإذن بطريق الأصالة لا بطريق النيابة؛ لأن للعبد صحةَ العبارة، لأنه داخل تحت قوله تعالى:(خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَان) والبيان في حقه ثابت فكان متصرفًا لنفسه، حتى لو أذن له المولى في التجارة وفي يده شيء فقال له المولى: لا تتصرف فيه لا يثبت به الحجر.
(ويجب له اليد بالإذن غيرَ لازمة) أي التصرف يدًا لا يقع لازمًا للمأذون؛ لأنه غير عوض ويقع بالكتابة يد لازمة؛ لأنه بعوض، ومعنى غير اللزوم هو أن يتفرد المولى بالحجر، ففي الإذن كذلك، ومعنى اللزوم ألا يتفرد بالفسخ وفي الكتابة لا يتفرد بالفسخ فصارا نظيري العارية والإجارة.
(وقال الشافعي: لما لم يكن أهلًا للملك لم يكن أهلًا لسببه؛ لأن السبب شرع لحكمة) وقد ذكرنا أن إذن المولى لعبده في التجارة عند الشافعي أمر للتجارة فيما ليس للعبد في ذلك ولاية أصلًا، كما لو أمر الموكل لوكيله في تصرف شيء من الأشياء فيتقدر بقدر ما أثبت له، وعندنا العبد أهل للولاية الكاملة على العموم من استحقاق اليد وعموم التصرف فلا يتخصص تصرفه عند التخصيص بل يتعمم.
وعن هذا قال مشايخنا-رحمهم الله، فإن أذن المولى له في نوع منها دون غيره فهو مأذون في جميعها سواء نهى عن عن ذلك النوع صريحًا أو سكت عنه، فإنه يكون مأذونًا في جميع أنواع التجارات.
وقال زفر والشافعي-رحمهم الله: إن صرح بالنهي عن التصرف في
سائر الأنواع فليس له أن يتصرف إلا في النوع الذي أذن له فيه خاصة.
(قلنا: إن أهلية التكلم غير ساقطة بالإجماع) فإنه أهل للوكالة ورواية الحديث وشهادته برؤية هلال رمضان، ويقبل قوله في بعث الهدايا وغيره.
(وكذلك الذمة مملوكة للعبد) حتى لو أقر بالدين وكان مأذونًا يصح مطلقًا، ولو كان محجورًا يصح في حقه، حتى صحت الكفالة بهذا الدين ووجب على الكفيل في الحال، وإن كان وجوبه على العبد محجورًا مؤجلًا إلى وقت العتق وكانت ذمته مملوكة للمولى لَما صح إقراره، وكذا لو اشترى المولى شيئًا بثمن يجب على ذمة عبده لا يصح كما لو شرط على ذمة أجنبي، ولو كانت ذمته مملوكة للمولى لصح كما أوجب الثمن على نفسه.
(وإذا صار أهلًا للحاجة) أي وإذا صار العبد أهلًا لحاجة إثبات الدين في ذمته بسبب أنه محتاج إلى تنفيذ عباراته في معاملاته فيقع في شغل ذمته بالدين ضرورة، وهو لما ذكرنا أن مَنْ يعامله لو علم أن الدين لا يجب في ذمة العبد لاحترز من معاملته ولخلا صحة عبارته في بياعاته وأشريته عن الفائدة، ولما حصل مقصود المولى من الإذن في التجارة، ولَّما كان أهلًا لشغل ذمته بالدين لهذه الحاجة كان أيضًا أهلًا لقضاء هذه الحاجة وهي قضاء الدين
ليحصل به تفريغ ذمته من الدين.
(وأدنى طرقه اليد) أي وأدنى طرق قضاء الدين، وإنما قال: وأدنى طرق قضاء الدين اليد؛ لأن أعلى الطرق فيه إجتماع ملك اليد مع ملك الرقبة، فكان ملك اليد المجردة أدنى الطرق لا محالة وهو الحكم الأصلى أي ملك اليد هو الحكم الأصلي؛ لأن ما هو المقصود يحصل بملك اليد وهو التصرف لقضاء حاجته. لما أن ملك الرقبة وإن كان ثابتًا ربما لا يمكنه التصرف في ملكه لعجزه إما لبُعده أو لمعنى آخر، ولما تمكن من التصرف باليد بدون ملك الرقبة كان اليد الأصلية.
أو نقول: إن تصرف اليد يجري مجرى الأصل، وملك الرقبة يجري مجرى الوسيلة، بدليل أن من كان له ملك الرقبة كان ذلك مجوّزًا لتصرف اليد ولا ينعكس أينما كان ملك اليد لا يلزم منه ملك الرقبة كما في المستعير والمستأجر.
وأما إذا كان في شيء ملك الرقبة فيلزم منه ملك اليد وهو الأصل إلا بعارض؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجز بخلاف ما إذا لم يُسلَّم المشتري ثمن ما إشتراه ليس له التصرف فيما إشتراه بيده بدون غذن البائع؛ لأن تأخير الثمن منه وذلك عارض، ولَما كان كذلك كان ملك الرقبة وسيلة إلى ملك اليد، والوسائل غير المقصودة كالوضوء للصلاة، فكان ملك اليد هو الحكم الأصليَّ من هذا الوجه.
(لأن الملك) أي ملك الرقبة (ضربُ قدرة شُرع للضرورة) وهي قطع طمع الطامعين ليكون المخصوص بالحكم هو الذي أُختُصَّ بالسبب حتى لا يؤدي إلى التقاتل والتفاني، ولما حصل جواز التصرف بدون ملك الرقبة كما في المستعير والمستأجر والوكيل كان ملك الرقبة لضرورة قطع طمع الأغيار، فكان ملك الرقبة أمرًا ضروريًا لا أمرًا أصليًا؛ إذ الأمر الأصلي هو المكنة من الصرف إلى قضاء حاجته وهي باليد.
(وكذلك ملك اليد بنفسه غيرُ مال) إنما ذكر ليكون جوابًا لإشكال يرد على ما تقدم من قوله: وهذا الرق مبطِل لمالكية المال لقيام المملوكية مالًا بأن يقال بين كون العبد مالكًا للمال من حيث التصرف باليد وبين كونه مملوكًا في نفسه تناف فكما لا يثبت له ملك رقبة المال لذلك التنافي على ما تقدم وجب ألا يثبت له ملك اليد أيضًا، بل أولى لما ذكرت هو أن ملك اليد هو الأصل.
فأجاب عنه بهذا وقال: إن ملك اليد ليس بمال، والتنافي إنما يكون في حق العبد بأن كان مالكًا لرقبة المال لأنه مملوك رقبة، وقد ذكرنا أن الرق لا ينافي مالكية غير المال من النكاح والدم والحياة، وكذلك ملك اليد فإنه ليس
بمال فيملكه، ثم استدل على أن ملك اليد ليس بمال بالمسألة وهي قوله:(ألا ترى أن الحيوان يثبت دينًا في الذمة في الكتابة) فوجه الإستدلال أن الحيوان لا يثبت دينًا في الذمة بدلًا عما هو مال أو له حكم المال كما في البيع والإجارة، ويثبت دينًا في الذمة بدلًا عما هو ليس بمال كالمهر والخلع.
والمعنى فيها أن مبنى المبادلات المالية على المضايقة فيبقى في الحيوان الدين جهة الجهالة وإن بُلغ في وصفه فيُضايَقُ فيها بخلاف الواجب بمقابلة ما ليس بمال فإن مبناه على المساهلة فكان ما يبقى من الجهالة في الحيوان الدين محتملًا لتساهل في أمره، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان ملك اليد الثابتُ للمكاتب مالًا لَما صح الحيوان دينًا في ذمة المكاتب بمقابلة ملك اليد الثابت له، وحيث صح ثبوته في الذمة. عُلم ان ملك اليد ليس بمال وإذا لم يكن ملك اليد مالًا يملكه العبد لِما بينا أن العبد يملك ما هو ليس بمال كالنكاح والطلاق كالحر.
فعلم بهذا أن ما يتصرف فيه العبد المأذون من التجارات كان هو له بطريق الأصالة، والولى يخلُفه فيما هو من الزوائد.
(في حكم العقد الذي هو محكم) أراد بالمحكم الأصالة، يعني ان ملك اليد هو الأصل وشُرع ملك الرقبة للضرورة فكان ملك اليد من حكم العقد أصلًا والعبد أولى له والمولى يخلُف العبدفي ثبوت ملك الرقبة له.
وتحقيقه أن للعقد حكمين: ملك اليد وهو الأصل، وملك الرقبة وهو من
الزوائد فيخلُف المولى في حق الحكم الذي هو من الزوائد.
(ولذلك جعلنا العبد في حكم الملك) أي ولأجل أن العبد أهل لتصرف المال والمولى يخلُفه في ملك الرقبة جعلنا العبد كالوكيل، فإن من وكّل آخر بشراء شيء فاشتراه الوكيل يثبت الملك للموكل ابتداء، وبه قال أبو طاهر الدباس-رحمه الله-وهو اختيار الإمام المحقق شمس الدين السرخسي-رحمه الله وهو الأصح، فإن القول ما قالت حذام، ولهذا لو كان المشتري منكوحةَ الوكيل أو قريبته لا يفسد النكاح ولا يعتق عليه. كذا في وكالة "التتمّة".
(وفي حكم بقاء الإذن كالوكيل في مسائل مرض المولى وعامة مسائل المأذون) وفي هذا اللفظ إشارة إلى أنه في أكثر المسائل كالوكيل وفي بعضها ليس هو كالوكيل.
أما المسائل التي هو فيها كالوكيل فهي: أنه إذا أذِن المولى لعبده في التجارة وهو صحيح ثم مرض ثم باع العبد شيئًا مما في يده أو غشترى وحابى فيه بغبن فاحش أو يسير ثم مات المولى ولا مال له غير العبد وما في يده، فجميع ما فعَل العبد من ذلك بما يتغابن الناس فيه أو ما لا يتغابن الناس فيه فهو جائز في قول أبي حنيفة-رحمه الله من ثلث مال المولى؛ لأن العبد بإنفكاك الحجر عنه بالإذن صار مالكًا للمحاباة مطلقًا في قول أبي حنيفة-رحمه الله-حتى لو باشره في صحة المولى كان ذلك صحيحًا منه والمولى حين إستدام الإذن بعد مرضه جُعل تصرف العبد بإذنه كتصرفه بنفسه ولو باع المولى بنفسه وحابى يُعتبر ذلك من ثلث ماله المحاباةُ اليسيرة.
والفاحشة في ذلك سواء فكذلك إذا باشره العبد، وفي قول أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله-محاباته بما يتغابن فيه الناس كذلك.
فأما محاباته بما يتغابن الناس فيه فباطل وإن كان يخرج من ثلث مال المولى؛ لأن العبد عندهما لا يملك هذه المحاباةَ بالإذن له في التجارة. كذا في "المبسوط"فكان في هذا كالوكيل غيرَ مسألة ما إذا اشترى وحابى على ما
نبين.
وكذلك إذا أخرج المولى المأذون من ملكه ليس للعبد أن يقبض شيئًا مما كان على غريمه وقت الإذن ولا يكون خصيمًا فيه؛ لأن منافعه صارت للمشتري وإن قبض لم يبرأ الغريم بقبضه لأنه خرج من أن يكون خصمًا فيه فكان قبضه كقبض أجنبي آخر فصار في هذا المعنى كالوكيل بعد العزل.
وكذلك إذا أذِن الرجل لعبده في التجارة ثم جُنّ المولى فإذا كان جنونه مطبقًا دائمًا فهو حجر على العبد؛ لأن المولى صار موليًا عليه في التصرف وانقطع رأيه فكان حجرًا عليه كما في الوكيل.
وكذلك إذا ارتد المولى وقتل فيه أو لحق بدار الحرب هو صار محجورًا كما في الوكيل. وأما المسائل التي ليس فيها كالوكيل فهي. ان العبد المأذون إذا باع متاعًا من رجل بألف درهم وتقابضا ثم حجر عليه المولى فوجد المشتري بالمتاع عيبًا فالخصم فيه العبد؛ لأن ملك المولى في منافعه باق بعد الحجر، وقد لزمه العهدة بمباشرة سببه بإذن المولى.
وكذلك إذا كان للعبد المأذون دين من ثمن بيع أو إجارة أو قرض أو
استهلاك ثم حجر عليه مولاه فالخصم فيه العبد؛ لأنه باشر سبب إلزام العهدة في حال انفكاك الحجر وتأثير الحجر عليه بعد ذلك في منع لزوم العهدة إياه بمباشرة السبب ابتداء لا في إسقاط ما كان لزمه. وهذا أيضًا في "المبسوط"، وليس للوكيل بالبيع ولاية قبض الثمن بعد العزل. كذا في "التتمة".
ومن المسائل التي ليس العبد المأذون فيها كالوكيل مسألة شراء العبد المأذون شيئًا بغبن فاحش، فإن تصرف العبد المأذون بما لا يتغابن الناس فيه جائز في قول أبي حنيفة- رحمه الله بيعًا كان أو شراء، سواء كان دين أو لم يكن.
فإن أبا حنيفة- رضي الله عنه فرق في تصرف الوكيل بين البيع والشراء في الغبن الفاحش، حيث جوز بيعه بالغبن الفاحش دون شرائه وفي تصرف المأذون سوى بينهما فقال: لأن الوكيل يرجع على الآمر بما يلحقه من العهدة فكان الوكيل بالشراء متهمًا في أنه كان اشتراه لنفسه، فلما ظهر له الغبن أراد أن يلزمه الآمر وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه يتصرف لنفسه ولا يرجع بما يلحقه من العهدة على أحد فكان البيع والشراء في حقه سواء. كذا في "المبسوط".
(والرق لا يؤثر في عصمة الدم) يعني لا يؤثر الرق في حفظ دم العبد من حيث الإعدام أو النقصان، فلذلك يثتص الحر بقتل العبد فكان العبد في استحقاق عصمة الدم كالحر من كل وجه؛ (لأن العصمة) إنما تكون (بالإيمان ودار الإيمان والعبد فيه مثل الحر) إلا أن العصمة الحاصلة بالإيمان عصمة مؤثمة، والعصمة الحاصلة بالدار عصمة مقومة، ويظهر الفرق بين العصمتين فيمن أسلم في دار الحرب فقتله مسلم عمدًا أو خطأ وله ورثة مسلمون الموثمة، وعدم القصاص والدية لانعدام العصمة المقومة.
وأما إذا قتله في دار الأسلام ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية والكفارة لوجود العصمتين. وإنما يؤثر في قيمته، أي وإنما يؤثر الرق في حق بدل دم العبد. يعني إذا قتل العبد خطأ وقيمته مثلل دية الحر أو أكثر. قلنا: إنه ينقص عن قيمته عشرة دراهم عن دية الحر بأثر عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه على ما ذكرنا.
(ولذلك قتل الحر بالعبد قصاصًا) أي ولأجل أن الرق لا يؤثر في
عصمة الدم قلنا: إن الحر يقتل إذا كان هو قتل العبد عمدًا قصاصًا
(وأوجب الرق نقصًا في الجهاد) حتى لو كان للمولى أن يمنع عبده عن الجهاد ولا يعطى له السهم الكامل، ولكن يرضخ له إذا قاتل، لما أن العبد تبع للحر فلا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق، ولأن لمولاه أن يمنعه فلا يستح مثل ما يستحقه المستبد في الجهاد، ولا فرق بين المأذون والمحجور لأن ملك اليد الذي للمأذون غير مؤثر في استحقاق السهم.
ألا ترى أن ملك اليد للمكاتب أقوى من المأذون ومع ذلك لا يعطى له السهم الكامل بل يرضخ له لبقاء الرق فيه وتوهم عجزه فيمنعه المولى عن الخروج إلى القتال، فكذلك في الماذون يتوهم منع المولى إياه عن الجهاد فلا يكمل سهمه لذلك.
(وانقطعت الولايات كلها) أي الولايات المتعدية (ولذلك بطل أمانه
عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-) أي أمان العبد المحجور عن القتال.
وأما أمان العبد المأذون له في القتال فيصح بالاتفاق، لأن أمان العبد مطلقًا يصح عند محمد- رحمه الله سواء كان محجورًا أو مأذونًا وعندهما يصح إذا كان مأذونًا، وهذا الذي ذكره في الكتاب قول الطحاوى.
وأما الكرخي فقد ذكر قول أبي يوسف مع محمد- رحمهم الله (لأنه ينصرف على الناس ابتداء) وإنما قال: "ابتداء" احترازًا عن حكم فيه مشقة يثبت في حقه ثم يتعدى منه إلى غيره، مثل شهادته بهلال رمضان، وروايته الأخبار، وإنما قلنا ذلك لأن العبد المحجور بالأمان يلزم على الناس الامتناع من الاسترقاق والاغتنام من غير أن يلزم عليه الامتناع من ذلك أولًا، لأنه لا حق له في الجهاد ولا في مال أهل الحرب ولا في أنفسهم، لنه لما كان محجورًا عن القتال لم يملك أنفسهم بالقتل حتى يلزم عليه الامتناع عن
قتلهم واسترقاقهم بسبب أمانة ثم يتعدى منه إلى غيره.
وليس كذلك، بل لو قلنا بصحة أمانة يلزم على الناس الامتناع عن اغتنامهم ابتداء، وليس للعبد المحجور ذلك بخلاف العبد المأذون في القتال، فإن صحة أمانة إنما نشأت من قتل السراية لا من قبل الولاية، لأنه لما كان مأذونًا في القتال وقاتل يرضخ له، فعند الأمان يبطل حقه أولًا من الذي آمنة في حق الرضخ ثم يسري منه إلى غيره، فكان هو مثل شهادته بهلال رمضان فيجب عليه الصوم أولًا ثم يتعدى منه إلى غيره فلم يكن هو من باب الولاية.
وقال في "المبسوط": فإن كان العبد المحجور عليه لا يملك القتال لا يعرف الخيرية في الأمان فلا يكون أمانة جهادًا بالقول، بخلاف المأذون له في القتال، فإنه لا تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرية في الأمان فلا يكون أمانة جهادًا ب القول، بخلاف المأذون له في القتال فإنه لا تمكن من مباشرة القتال عرف الخيرية في الأمان فحكمنا بصحة أمانه.
وفي قوله: (من قبل أنه صار شريكًا في الغنيمة) أي في أن العبد المأذون له في الجهاد صار شريكًا ل لغزاة في حق الرضخ، إشارة إلى أن العبد المحجور لا يرضخ له وإن قاتل، وكذلك في لفظ "المبسوط" إشارة أيضًا إليه حيث قال في باب معاملة الجيش مع الكفار: وإذا كان العبد مع مولاه يقاتل بإذنه يرضخ له، ففي ترتيب حكم الرضخ على العبد المقاتل بالإذن دليل على أن ال عبد المقاتل بغير الإذن لا يستحق الرضخ لما أن مقاتلته حينئذ كانت معصية منه لا طاعة وجهادًا، لأن لمولاه المنع عن الجهاد فلا يستحق الرضخ بالمعصية.
(وعلى هذا الأصل) وهذا يحتمل وجوهًا من الإشارة والأولى أن تكون إشارة إلى ما يقرب منه وهو قوله: "فيلزمه ثم يتعدى" يعني أن صحة الإقرار بالحدود والقصاص مبنية على أن لزوم الضرر يثبت على نفس العبد أولًا بالنقصان في الحدود وبالهلاك في القصاص، ثم يتعدى منه إلى مال المولي ومثله غير ممنوع عن العبد بأن ثبت المشقة بخبره على نفسه أولًا: ثم يتعدى منه إلى غيره كما في شهادته بهلال رمضان ويحتمل أن يكون هو إشارة إلى قوله: "والرق لا يؤثر في عصمة الدم" ويحتمل أن يكون هو إشارة إلى قوله:
"والرق لا ينافي مالكية غير المال".
(وصح بالسرقة المستهلكة) أي وضح إقرار العبد سواء كان العبد مأذونًا أو محجورًا بالسرقة المستهلكة، وهذا عندنا خلافًا لزفر، فإن إقرار العبد لا يصح عنده بالسرقة المستهلكة في القطع سواء كان العبد مأذونًا أو محجورًا، غير أنه إذا كان مأذونًا يضمن المال.
(وبالقائمة صح من المأذون) أي يصح إقرار العبد المأذون بالسرقة القائمة عندنا حتى يؤخذ ب موجب إقراره، حيث لو قطع تقطع يده ويرد المال على المسروق منه.
وجه قولنا: أن وجوب الحد باعتبار أنه آدمي مخاطب لا باعتبار أنه مال مملوك والعبد في هذا كالحر، لنه لا تهمة في إقراره، لأن ما يلحقه من الضرر باستيفاء العقوبة منه فوق ما يلحق المولى والإقرار حجة عند انتفاء التهمة.
(وفي المحجور اختلاف معروف) أي وفي إقرار المحجور بالسرقة القائمة اختلاف معروف، وذلك الاختلاف مشتمل للأقسام الأربعة العقلية غير صورة صحة إقراره بالمال دون الحد. (عند أبي حنيفة- رضي الله عنه يصح بهما) أي بالحد والمال حيث تقطع يده ويرد المال إلى المسروق منه، لنه لابد من قبول إقراره في حق القطع لما بينا أنه في ذلك مبقي على اصل الحرية، ولأن القطع هو الأصل.
ألا ترى أن القاضي يقضي بالقطع إذا ثبتت السرقة عنده بالبينة، ثم من ضرورة وجوب القطع عليه كون المال مملوكًا لغير مولاه لاستحالة أن يقطع العبد في مال هو مملك لمولاه، وبثبوت الشيء يثبت ما كان من ضرورته، كما لو باع أحد التوأمين فأعتقه المشتري ثم أدعي البائع نسب الذي عنده يثبت نسب الآخر منه ويبطل عتق المشتري فيه للضرورة (وعند محمد- رحمه الله لا يصح بهما) وهو قول زفر حتى لا يقطع يده والمال للمولى، لأن إقرار المحجور عليه بالمال باطل، لأن كسبه ملك مولاه وما في يده كأنه في يد المولى.
ألا ترى أنه لو أقر فيه بالغصب لا يصح فكذلك بالسرقة، وإذا لم يصح إقراره في حق المال بقي المال على ملك مولاه ولا يمكن أن يقطع في هذا المال، لأنه ملك لمولاه ولا في مال آخر، لأنه لم يقر بالسرقة فيه والمال اصل، فإذا لم يثبت في حق الأصل لم يثبت في حق التبع.
(وعند أبي يوسف- رحمه الله يصح بالحد دون المال)، لأنه أقر بشيئين: بالقطع والمال الذي هو للمسروق منه، وإقراره حجة ف ي حق القطع دون المال فيثبت ما كان إقراره فيه حجة، لأن أحد الحكمين ينفصل عن الآخر.
ألا ترى أنه قد يثبت المال دون القطع وهو فيما إذا شهد به ر جل وامرأتان، فكذلك يجوز أن يثبت القطع دون المال، كما إذا أقر بسرقة مستهلكة، وكالحر إذا قال الثوب الذي ف ي يد زيد أنا سرقته من عمرو، فقال زيد: بل هو ثوبي فإنه يقطع يد المقر وإن لم يقبل إقراره في ملك تلك العين للمسروق منه. كذا في "المبسوط".
(وذلك إذا كذبه المولى) وقال: المال مالي وهو لم يسرقه، فأما إذا صدقه فإنه يقطع ويرد المال إلى المقر له بالإجماع.
(وعلى هذا الأصل قلنا في جنايات العبد خطأ) إلى آخره. أي على ما ذكرنا من الأصل وهو أن الرق ينافي مالكية المال لقيام المملوكية مالًا، فوجه البناء هو أن موجب القتل الخطأ المال لقوله تعالى:(ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ)، ولا يمكن إيجاب ذلك على العبد، لأنه صلة، فإن معنى الصلة هو وجوب المال بمقابلة ما ليس بما كنفقة المحارم وهو بهذه الصفة والعبد ليس من أهل أن يجب عليه الصلة، لأنه لا يملك المال، ولهذا لا يجب عليه نفقة المحارم، وإذا لم يكن هاهنا إيجاب المال على الجاني الذي هو عبد، والحال أن لجاني هو المال تعين هو للجزاء والأصل أن يتعين الجاني لجزاء الجناية خصوصًا إذا كان الجاني مالًا كان
نفسه جزاء لذلك.
وذكر في باب جناية العبد من ديات "المبسوط"، وإذا جنى العبد جناية خطأ فمولاه بالخيار عن شاء دفعه بها وإن شاء فداه بالأرض وأمسك عبده عندنا.
وقال الشافعي جنايته يكون دينا في رقبته يباع فيه إلا أن يقضي المولى دينه، وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن.
ألا ترى أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصًا حرًا كان أو عبدًا فكذلك في الخطأ إلا أن استحقاق النفس نوعان: أحدهما- بطريق الإتلاف عقوبة، والآخر- بطريق التملك على وجه الجبران، والحر من أهل أن يستحق نفسه بطريقة العقوبة لا بطريق التملك، والعبد أهل من أن يستحق نفسه بالطريقين جميعًا ف يكون العبد مساويًا للحر في حالة العمد ومفارقًا له في حالة الخطأ، لن عذر الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تملكًا والسبب يوجب الحكم في محله، وفي حق الحر لم يصادف محله، وفي حق العبد السبب قد صادف محله فيكون مفيدًا حكمه وهو أن نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تملكًا ليتحقق معنى الصيانة عن الهدر، إلا أن يختار المولى الفداء فيكون له ذلك، لأن مقصود المجني عليه يحصل به وبدل المتلف عليه يصل إلى بكماله بخلاف إتلاف لمال ف المستحق به بدل المتلف دينًا في ذمة المتلف ولا يستحق به
نفس المتلف بالحال.
(إن رقبته يصير جزاء) حتى لو مات العبد الجاني لا يجب على المولى شيء؛ لأن الأصل أن يكون موجب الجناية في ذات الجبمالاني، وامتنع الدية هاهنا؛ لأن العبد ليس من أهلها فجعلت رقبته جزاء كما يقتضيه الأصل؛ (لأن العبد ليس من أهل ضمان ما ليس بمال، ولكنه صلة) معناه أن ضمان ما ليس بمال صلة والعبد ليس بأهل للصلة فلابد من تقدير محذوف قبل قوله: (لأن العبد ليس من أهل ضمان ما ليس بمال) حتى يصح الاستدراك منه، فكان تقديره: أن رقبته تصير جززاء لجنايته؛ لأن بدل الدم ليس بضمان مال فلا يجب هو على العبد؛ لأن العبد ليس من أ÷ل ضمان ما ليس بمال ولكنه صلة، فكان قوله:(ولكنه صلة) استداركًا عن قوله: (لأن بل الدم ليس بضمان مال).
(وقوله: إلا أن يشاء المولى الفداء) استثناء عن قوله: إن رقبته تصير جزاء (فيصير عائدًا إلى الأصل) يعني إلا أن يشاء المولى الفداء فحينئذ يلزمه أرش الجناية وهو الأصل في موجب جناية الخطأ، قال الله تعالى:(ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ)[النساء:92]، والمصير إلى الرقبة كان للضرورة فإذا ارتفعت الضرورة باختيار المولى الفداء لا يعود إلى إيجاب الرقبة ثانيًا بعارض
يعترض المولى، وعندهما وجوب الأرش على المولى بطريق الحوالة، كأن العبد أحال الأرش على المولى فعند التوى يعود إلى الرقبة بخلاف ما هو مال.
ألا ترى أن ضمان ما هو مال يملك قبل القبض وتصح الكفالة به وتجب الزكاة بحولان الحول قبل القبض، وضمان ما ليس بمال كالدية وغيرها لا يملك قبل القبض ولا تصح الكفالة به ولا تجب الزكاة بحولان الحول لكونها صلة، والعبد ليس بأهل للصلات فيصير عائدًا إلى الأصل.
(عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو وجوب الفداء على ذمة المولى.
(حتى لا يبطل بالإفلاس) يعني لو أفلس المولى ولم يتمكن من أداء الفداء لا يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد. (وعندههما يصير بمعنى الحوالة) يعني يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد فصار كأن العبد أحال على المولى وإذا توى مال الحوالة على المحتال عليه بإفلاسه يعود الدين إلى المحيل وهو العبد هاهنا.
وشرح هذا ما ذكره الإمام شمس الأئمة رحمه الله في باب جناية العبد من ديات «المبسوط» وقال:
إذا جنى العبد جناية فاختار المولى إمساك عبده وليس عنده ما يؤدي وكان ذلك عند قاض أو عند غير قاض فالعبد عبده والأرش دين عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله.
وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: إن أدى الدية مكانه كان العبد له وإلا دفع العبد إلا أن يرضى الأولياء أن يبيعوه بالدية، فبعد ذلك لم يكن لهم أن يرجعوا إلى العبد.
فوجه قولهما أن نفس العبد صار مستحقًا لولي الجناية إلا أن المولى يتمكن من تحويل حقهم من محل إلى محل فيه وفاء بحقهم فيكون صحيحًا منه، وإذا كان مفلسًا كان هذا منه إبطالًا لحقهم لا تحويلًا من محل إلى محل يعدله فيكون ذلك باطلًا من المولى.
وهذا لأن ثبوت الخيا للمولى كان على وجه النظر من الشرع وإنما يثبت ذلك النظر على وجه لا يتضرر به صاحب الحق فإذا آل الأمر إلى الضرر كان باطلًا بمنزلة المحتال عليه إذا مات مفلسًا فإن الدين يعود إلى ذممة المحيل؛ لأنه حول حقه من ذمته إلى ذمة المحتال عليه بشرط أن يسلم له، فإذا لم يسلم عاد كما كان.
وكذلك في بيع المقايضة إذا هلك أحد العوضين قبل القبض بطل العقد في الآخر؛ لأن صاحبه حول حقه إلى العرض الآخر بشرط أن يسلم له فإذا لم يسلم له عاد كما كان، وكذلك في البيع والأخذ بالشفعة إن سلم الثمن كان له أن يأخذ الدار، وإن عجز عن ذلك لم يكن له أن يأخذها -فهاهنا أيضًا إن رضي المولى الفداء كان مسقطًا حق المولى في العبد- وإن أبي أن يرضى كان له أن يأخذ العبد، وأبو حنيفة رضي الله عنه يقنول بجناية العبد يخير المولى بين
الدفع والفداء، والمخير بين شيئين إذا اختار أحدههما تعين ذلك وجبًا من الأصل، كالمكفر إذا اختار أحد الأنواع الثلاثة، فهنا باختياره تبين أن الواجب هو الدية في ذمة المولى من الأصل، وأن العبد فارغ من الجناية فلا يكون لأولياء الجناية عليه سبيل، يوضحه أن من ثبت له الخيار شرعًا يستبد بالخيار من غير أن يحتاج إلى رضا صاحبه، ولو رضي الأولياء أن يتبعوه بالدية لم يبق لهم حق في العبد، فكذلك إذا اختار المولى ذلك في حال ما ثبت له الخيار شرعًا.
وقيل: إن هذه المسألة في الحقيقة تبنى على اختلافهم في التفليس فعند أبي حنيفة رضي الله عنه التفليس ليس بشيء والمال غاد ورايح وهذا التصرف من المولى يكون تحويلصا لحق الأولياء إلى ذمته لا إبطالًا، وعندهما التفليس معتبر والمال في ذمة المفلس يكون، فكان هذا الاختيار من المولى إبطالًا لحق الولي.
(وهذا أصل لا تحصى فروعه) أي أصل مسائل الرق أصل لا تحصى فروعه، ومن تلك الفروع التي تناسب لما ذكر هنا أن العبد المأذون إذا جنى
على حر أو عبد جناية خطأ وعليه دين قيل لمولاه ادفعه بالجناية أو افده؛ لأنه على ملك مولاه بعد ما لحقه الدين، وفي البداية بالدفع بالجناية مراعاة الحقين، فإن اختار الفداء فقد ظهر العبد من الجناية فيبقى حق الغرماء فيه فيباع في دينهم، وإن دفعه بالجناية اتبعه الغرماء في أيدي أصحاب الجناية فباعوه في دينهم إلا أن يفديه أولياء الجناية؛ لأن أولياء الجناية إنما يستحقون ملك المولى فيه بطريق الجزاء لا أن يثبت لهم فيه سبب متجدد، فهم بمنزلة الورثة يخلفون مورثهم في ملكه، والعبد المديون إذا مات مولاه اتبعه الغرماء في ملك الوارث فباعوه في دينهم إلا أن يقضى الوارث دينهم، فكذلك يتبعونه في يد صاحب الجناية فيبيعونه في دينهم إلاأن يقضي صاحب الجناية ديونهم.
ومنها أنه إذا كان للمأذون جارية من تجارته فقتلت قتيلًا خطأ فإن شاء المأذون دفعها وإن شاء فداها إن كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن التدبير في كسبه إليه وهو في التصرف في كسبه كالحر في التصرف في ملكه فيخاطب بالدفع أو بالفداء بخلاف جنايته بنفسه، فإن التدبير في رقبته ليس إليه.
ألا ترى أنه لا يملك بيع رقبته ويملك بيع كسبه.
ومنها أنه لو كان على المأذون دين فجنى جناية فباعه المولى من أصحاب الدين بدينهم وهو لا يعلم بالجناية فعليه قيمته لأصحاب الجناية؛ لأن حق أولياء الجناية لا يمنع المولى من بيع الجاني فإذا نفذ بيعه كان مفوتًا على أولياء
الجناية محل حقهم، فإن كان عالمًا بالجناية فعليه الأرش، وإن لم يكن عالمًا بها فعليه قيمته، كما لو أعتقه ولو لم يبعه من الغرماء ولم يحضروا ولكن حضر أصحاب الجناية فدفعه إليهم بغير قضاء قاض فالقياس فيه أن يضمن قيمته للغرماء؛ لأنه صار متلفًا على الغرماء محل حقهم بإخراجه عن ملكه باختياهر، فيكون بمنزلة ما لو أعتقه، وفي الاستحسان لا ضمان عليه، لأن حق أولياء الجناية ثابت في عينه، والمولى فعل بدونن أمر القاضي عين ما يأمر به القاضي أن لو رفع الأمر إليه، فيستوى فيه القضاء وغير القضاء بمنزلة الرجوع في الهبة، ثم هو ما فوت على الغرماء محل حقهم فإن العبد محل للبيع في الدين في ملك أولياء الجناية، كما لو كان الدفع إليهم بقضاء قاض، وإنما يضمن القيمة باعتبار تفويت محل حقهم، فإن جعلنا هذا تسليمًا لما هو المستحق بالجناية لا يفوت به محل حقهم، وإن جعلناه تمليكًا مبتدأ لا يفوت به محل حقهم أيضًا؛ لأنهم يتمكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد القبض يتممكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد القبض دفعه واجب إليهم بالجناية ثم بيعه في الدين، فلذلك لا يضمن المولى شيئًا بخلاف ما سبق من بيعه إياه في الدين ففيه تفويت محل حق أولياء الجناية على معنى أن البيع تمليك مبدأ ولا سبيل لأولياء الجناية على نقض ذلك.
هذا كله من باب جناية المأذون من كتاب المأذون من «المبسوط» .