المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الأمور المعترضة على الأهلية - الكافي شرح أصول البزدوي - جـ ٥

[الحسام السغناقي]

الفصل: ‌باب الأمور المعترضة على الأهلية

‌باب الأمور المعترضة على الأهلية

أي الأمور التي تعترض على أصل الأهلية التي بينا أنها بناء على قيام الذمة وتمنع الأحكام التي تتعلق بالأهلية.

(العوارض نوعان): أي الموانع. يقال: عرض لي أمر أمر أي استقبلني فمنعني عما أريده.

(سماوي): أي من قبل صاحب الشرع بدون اختبار العبد على وجه ليس في يد العبد دفعه وإزالته وإنما نسب هذا النوع من العوارض إلى السماء لكون الحوادث موعدًا تقديرها في السماء قال الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)

(ومكتسب) أي ما حصل من كسب العبد واختياره منه أي من الذي

ص: 2195

اعترض عليه.

عد (الجهل) من العوارض مع أنه أمر أصلي. قال الله تعالى: (واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) باعتبار أنه كان في يده إزالته بسبب مباشرته لأسباب العلم حتى يحصل له العلم ويزول الجهل ولما ترك ذلك مع قدرته عليه جعل ذلك بمنزلة حصوله مع كبسه وباقي التقرير مذكور في "الوافي".

(وإذا زال قبل الامتداد فجعلوه عفوًا) أي فجعلوا الجنون غير مؤثر في الإسقاط وجعلوه كأن لم يكن وألحقوه بالنوم والإغماء.

ص: 2196

وقوله: "لكنهم استحسنوا فيه" ذكر في حق وجوب القضاء لفظ الاستحسان لأن القياس أن لا يجب القضاء لكون الجنون منافيًا لأهلية الأداء على ما ذكر قبل هذا بقوله: "أما الجنون فإنه في القياس مسقط للعبادات

ص: 2197

كلها "وكذلك ذكر بعده (كان القياس لفظ فيه ما قلنا) وهو كون الجنون مسقطًا للعبادات.

وذكر في صوم "المبسوط"فإن أفاق المجنون في بعض الشهر فعليه بالصوم ما بقي من الشهر وليس عليه قضاء ما مضى في القياس وهو قول زفر والشافعي -رحمهما الله- لأنه لو استوعب الشهر كله منع القضاء في اكل فإذا وجد في بعضه يمنع القضاء بقدره اعتبارًا للبعض بالكل وقياسًا على الصبي وهذا الصبي أحسن حالًا من المجنون فإنه ناقص العقل في بعض أحواله عديم العقل في بعض أحواله -إلى الإصابة عادة- والمجنون عديم العقل لا إلى الإصابة عادة ولهذا جاز إعتاق الصغير عن الكفارة دون المجنون فإذا كان الصغر في بعض الشهر يمنع وجوب القضاء فالجنون أولى.

واستحسن علماؤنا رحمهم الله بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والمراد منه شهود بعض الشهور لأنه لو كان السبب شهود كل الشهر لوقع الصوم في شوال فصار بهذا النص شهود جزء من الشهر سببًا

ص: 2198

لوجوب صوم جميع الأشهر إلا في موضع قام الدليل وقد قام الدليل في حق الصبي أن لا يوجب القضاء دفعًا للحرج وهذا لأن الوجوب في الذمة ولا ينعدم ذلك بسبب الصبا ولا بسبب الإغماء إلا أن الصبا يطول عادة فيكون مسقطًا للقضاء دفعًا للحرج والإغماء لا يطول عادة فلا يكون مسقطًا للقضاء والجنون قد يطول وقد يقصر فإذا طار إلتحق بما يطول عادة وإذا قصر التحق بما يقصر عادة.

وقوله: (ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام إيضاح لقوله: "وذلك أنه لما كان منافيًا لأهلية الأداء"يعني أن الدليل على أن الجنون مناف لأهلية الأداء عصمة النبي عليه السلام إنما عصم عنه لأن الجنون ينافي أداء بخلاف النوم والإغماء لأن النوم معهود في الإنسان ويتوقع الإنتباه من النوم ساعة فساعة فلا يكون منافيًا للأداء تقديرًا فوجب القول بالوجوب وكذلك الإغماء.

ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لم يعصموا عنه فصح عنه القول بالوجوب

ص: 2199

إذا لم يوجب حرجًا ولأن الإنسان بالجنون لما لم يبق أهلًا للعبادات كان ملحقًا بالبهائم ولو لم يعصم الأنبياء عليهم السلام عنه كان تنفيرًا للناس عن دعوتهم إلى الإسلام ولذلك قال الله تعالى في حق نبيه (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ).

(لم يكن موجبًا حرجًا على ما قلنا) وهو إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: وكذلك قلنا في الجنون -إلى أن قال- وإذا لم يمتد في شهر رمضان لزمه أصله لإحتمال حكمه وهذا لأن أصل الوجوب انما يراد لحكمه فمهما كان وجوب الأداء مفضيًا إلى الحرج قلنا بسقوط الوجوب من الأصل لأن الوجوب ثابتًا في حقه.

(وقد اختلفوا فيه) أي في الجنون الذي بينا حكمه من جواب القياس والاستحسان.

(فأما إذا بلغ الصبي مجنونًا فإذا زال صار في معنى الصبي إذا بلغ).

ص: 2200

وكان هذا نظير الحيض في قوله تعالى: (واللَاّئِي لَمْ يَحِضْنَ) أي حكمهن.

لذلك يعتدن بالأشهر كالصغائر إذا بلغن بالسن كما أن عدم رؤية الدم هناك على وجه الأصالة ألحق بعدم رؤية الدم في حالة الصغر، ولم يُلحق عدم الرؤية به على وجه العارض كما في الممتد طهرها، فكذلك هاهنا ينبغي أن يُلحق الأصلي بالصغير دون العارضي.

(وقال محمد رحمه الله هما سواء) أي الجنون الأصلي والعارضي في أنه إذا لم يمتد وجب القول بالوجوب وإذا امتد لا يصح القول بالوجوب. (واعتبر حاله) أي حال المجنون (ويلحق بأصله) أي يلحق محمد رحمه الله الجنون الأصلي إذا زال بأصل الجنون وهو أن يكون عارضًا؛ لأن الأصل في الجبلة السلامة وفوات السلامة عارض، فكان الأصل في الجنون أن يكون من العوارض والحكم في الجنون العارضي أنه إذا امتد يمنع الوجوب وإلا فلا.

(وهو في أصل الخلقة متفاوت بين مديد وقصير فيلحق هذا الأصل في الحكم الذي لم يستوعبه بالعارض) أي إلحاق الجنون الأصلي بالعارضي في الحكم الذي لم يستوعبه لما أن الجنون في نفسه متفاوت، ولما ثبت أنه متفاوت بين مديد وقصير، فالمديد يفضي إلى الحرج دون القصير، فلذلك

ص: 2201

أثبتنا الحكم فيه على حسب ذلك.

وحاصل الكلام أن محمدًا رحمه الله ألحق الجنون الأصلي بالعارضي، والحكم في العارضي مجمع عليه وهو أنه إذا كان مستوعبًا لمدة وظيفة العبادة كان مسقطًا لها وإلا فلا، فكذلك في الأصلي.

(وحد الامتداد يختلف باختلاف الطاعات)؛ لأن امتداد وقت بعضها الشهر، وامتداد وقت بعضها السنة، وامتداد وقت بعضها اليوم، فإن الجنون إذا لم يستوعب مدة وظيفة العبادة ألحق بالجنون العارضي حتى إذا بلغ الصبي مجنونًا قبل دخول شهر رمضان ثم أفاق قبل انسلاخ شهر رمضان كان الحكم فيه كالحكم في الجنون العارضي، أي يجب قضاء صوم شهر رمضان عليه،

ص: 2202

وكذلك هذا في الصلوات أنه إذا بلغ مجنونًا ثم زال الجنون قبل مُضي يوم وليلة يجب عليه قضاء صلوات هذا اليوم كالجنون العارضي، وإن زال بعد مضي يوم وليلة لا قضاء عليه على حسب الاختلاف.

(فاعتبر الزيادة بالساعات) أي بساعات الصلوات وهي أوقاتها، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن أغمى عليه بعد طلوع الشمس ثم أفاق من الغد بعد الزوال يسقط القضاء عندهما خلافًا لمحمد رحمه الله والقياس ما قاله محمد رحمه الله ليدخل الواجب في حد التكرار، وأبو حنيفة،

ص: 2203

وأبو يوسف -رحمهما الله- أقاما الوقت مقام الواجب كما قالوا جميعًا في المستحاضة. كذا في "مبسوط" شيخ الإسلام.

وذكر في "المحيط" أن ما قاله محمد رحمه الله هو الأصح. ثم قال: وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمي عليه عند الضحوة ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه وعلى قول محمد رحمه الله يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على الخمس.

(لأن ذلك لا يثبت إلا بحول) أي لأن التكرار لا يثبت إلا بحول، وفي اعتبار الحول حرج؛ لأنه ربما يُجن في كل سنة ويفيق شهرًا منها أو يومًا فلا يسقط عنه الواجب أبدًا ولا يقدر على أدائه، ولأنا لو اعتبرناه بالحول يصير التبع زائدًا على الأصل؛ لأن الأصل شهر واحد والزيادة عليه أحد عشر شهرًا والتبع لا يزيد على الأصل.

فإن قيل: إن غسل العضو مرة واحدة أصل والمرتان بعدها زائدتان عليها والزائد أكثر عددًا من الأصل هناك.

ص: 2204

قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الزائد على المرة الواحدة هناك ليس بشرط والمدعي أن لا يكون الزائد مِثْلًا للأصل فيما هو شرط، والسنن والنوافل وإن كثُرن لا يكنّ مثلًا للفرض فلا يتوجه نقضًا.

(فيما يمتد) أي فيما يمتد من الجنون.

(فإذا زال قبل هذا الحد وهو أصلي كان على هذا الاختلاف) يعني إذا بلغ الصبي مجنونًا وهو مالك للنصاب فمضى بعد البلوغ ستة أشهر مثلًا فزال الجنون لتمام ستة أشهر، ثم تم الحول على إفاقته فعليه الزكاة عند محمد رحمه الله، بل يُستأنف الحول عقيب الزوال؛ لأن هذا عند أبي يوسف رحمه الله بمنزلة الصبي، وفي الجنون العراضي في هذه الصورة تجب الزكاة بالإجماع؛ لأنه قبل حد الامتداد عند الكل، فأما إذا زال الجنون بعد مضي أحد عشر شهرًا فكذلك الجواب عند محمد رحمه الله فيهما جميعًا للزوال قبل حد الامتداد، وعند أبي يوسف رحمه الله لا يجب لوجود الزوال بعد حد الامتداد، وفي "المبسوط" ثم في الجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئًا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف العبرة لأكثر الحول، فإن

ص: 2205

كان مفيقًا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا، وجعل هذا نظير الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة فإن كان صحيحًا في أكثر السنة تلزمه الجزية وإن كان مريضًا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية.

وقال محمد رحمه الله: إذا كان مفيقًا في جزء من السنة قل أو كثر من أولها أو آخرها تلزمه الزكاة.

هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمهما الله- وجعل هذا نظير الصوم، والسنة للزكاة كالشهر للصوم. والإفاقة في جزء من الشهر كالإفاقة في جميعه في وجوب صوم الشهر فهذا كذلك.

(وهو الثواب في الآخرة)؛ لأنه مسلم تبعًا لأبويه (إذا احتمل الأداء) أي إذا وجد الأداء عند الاحتمال وهو فيما إذا لم يوجب الأداء الحرج.

(وذلك ولاية) أي الوراثة ولاية بدليل قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ

ص: 2206

ولِيًا (5) يَرِثُنِي)، حيث جعل الوراثة تفسيرًا للولاية، والوصف المفسر عين المفسّر وإلا لا يكون مفسرًا له، والمفسر ولاية فكان المفسر ولاية فكانت الوراثة ولاية بهذا التقرير، وثبوت الإرث والملك لا يكون بدون الذمة والولاية، فعلم بهذا أن للمجنون ذمة.

(فيصير الوجوب عدمًا بناء عليه) أي على عدم الأداء أي على عدم وجوب الأداء وذلك فيما إذا كان الأداء مفضيًا إلى الحرج.

(لأنه أهل لحكمه) لأن حكمه أداء المال في حقوق العباد وذلك يتحقق بالولي لما أن فعل من وجب عليه المال غير مقصود في حقوق العباد بل المقصود وصول المال إلى من يستحقه.

وقوله: (على ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: فما كان منها غرمًا وعوضًا فالصبي من أهل وجوبه؛ لأن حكمه وهو أداء العين يحتمل النيابة؛ لأن المال مقصود لا الأداء، وهذا كله بناء على قيام الذمة.

(والحجر عن الأقوال صحيح) ألا ترى أن الحجر عن الأقوال في حق بعض العقلاء صحيح كالمقتدي محجور عن القراءة، والمريض محجور عن

ص: 2207

الإقرار في بعض الأحوال بخلاف الأفعال، فأولى أن يصح الحجر عن الأقوال في حق المجنون نظرًا له، ففسدت عبارته؛ لأن العبارة إنما تكون بالكلام وصحة الكلام بالعقل والتمييز وبدونهما لا يكون كلامًا.

(لعدم ركنه وهو العقد أي الاعتقاد فلم يكن حجرًا) يعني ما قلنا إن إيمانه لم يصح لم يكن ذلك منا حجرا له عن الإيمان، بل بناء على أن ركنه لم يوجد لا أن يكون مجورًا عنه، هذا جواب شبهة بأن يقال: قولكم إن إيمان المجنون لا يصح حجر منكم للمجنون عن الإيمان كما قلتم للشافعي في قوله: إن إيمان الصبي العاقل لا يصح أن هذا حجر منه عن الإيمان وهو لا يصح.

قلنا: إن الصبي لما عقل يتحقق منه ركن الإيمان وهو التصديق ثم بعد وجود الإيمان بحقيقته من قال: لا يصح إيمانه كان ذلك حجرًا له عن الإيمان لا محالة.

وأما في حق المجنون فكان عدم صحة الإيمان لعدم ركنه لا للحجر عنه.

(دفعًا للظلم بقدر الإمكان)؛ لأن السبيل إلى إسلامه ممكن بهذا الطريق فوجب المصير إليه دفعًا للضرر عن المسلمة وهو كونها مقهورة تحت كافر ولا

ص: 2208

يجوز ذلك؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

(وما كان ضررًا يحتمل السقوط فغير مشروع في حقه) نحو الحدود والقصاص والكفارات؛ لأنها تحتمل السقوط عن البالغ بالشبهات، وكذلك العبادات فإنها تحتمل السقوط بالأعذار.

(حتى يصير مرتدًا تبعًا لأبويه)، وهذا لأن الإسلام لا يمكن في حقه أن يثبت بطريق الأصالة لعدم تصور ركن الإيمان وهو التصديق بالقلب عن المجنون، ولو ثبت الإسلام في حقه إنما يثبت بطريق التبعية، وإذا ارتد أبواه -والعياذ بالله- زالت التبعية في الإسلام، والمجنون بسبب عدم عقله تبع لأبويه لا محالة، ثم لو لم تثبت الردة في حقه مع كونه تبعًا لهما يلزم أن تكون الردة عفوًا في حقه، وهو محال في الذي هو قبيح لعينه فوجب القول بثبوت الردة في حقه؛ لأن الإسلام مع وجود الردة محال للتضاد بينهما فوجدت الردة في المتبوع حقيقة فتثبت في التبع ضرورة.

["الصغر"]

(وأما الصغر) إلى آخره، فإن قيل: الصبا كيف يكون من العوارض وهو لازم الإنسان من زمان الولادة؟

ص: 2209

قلنا: يعتبر العارض في ذات الإنسان وقد يوجد الإنسان بدون الصغر وهو في الحال كالبالغ، ووجد أيضًا في جنس أصل الإنسان في أول وجوده من لا صغر له كآدم عليه السلام، ولأنا بينا أن الوجوب بناء على قيام الذمة والسبب وهما موجودان في حق الصغير والوجوب ساقط، فعلم بهذا أن السقوط باعتبار العارض وليس ذلك في حق الصغير سوى الصغر فجعلنا الصغر من العوارض لذلك.

(لكنا الصبا عذر مع ذلك) لكونه ناقص العقل (فقد سقط بعذر الصبا ما يحتمل السقوط عن البالغ)، فالصلاة مما يحتمل السقوط عن البالغ بالإغماء وغير ذلك فسقط عن الصبي، وكذلك الزكاة تحتمل السقوط عن البالغ بسبب الدين وبهلاك النصاب بعد الوجوب، وكذلك الصوم يسقط وجوب أدائه في الحال كما في حق الحائض والمريض والمسافر، وكذلك وجوب أداء الإيمان بالإقرار يحتمل السقوط عن البالغ.

ألا ترى أن من لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من الإقرار فصدق بقلبه وآمن صح إيمانه بالإجماع، وكذلك المكره على الكفر بالقتل فإنه يرخص له الإقدام على إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان فكان وجوب أداء الإيمان في ذلك الزمان ساقطًا، فصح القول لذلك بسقوط وجوب أداء الإيمان عن الصبي لكن مع ذلك إذا آمن صح إيمانه.

ص: 2210

(فقلنا لا يسقط عنه فرضية الإيمان) أي لا يسقط عنه شرعية فرضية أداء الإيمان لا لزوم أدائه، وإنما أوّلنا بهذا التأويل لئلا يتناقض هذا الظاهر بما ذكر قبله في آخر باب بيان الأهلية بقوله: وإذا عقل الصبي واحتمل الأداء قلنا بوجوب أصل الإيمان دون أدائه وبما ذكر بعده في باب أهلية الأداء بقوله: ولا عهدة فيه إلا في لزوم أدائه وذلك يحتمل الوضع.

"فوضع عنه" أي عن الصبي.

(حتى إذا أداه كان فرضًا لا نفلًا) ولو كان أداء الفرضية ساقطًا عنه لكان ما أداه نفلًا لا فرضًا، كالصلوات والزكوات والصيامات، ولأن الإيمان إذا وجد بحقيقته أينما وجد يقع نفلًا بل فرضًا.

(الا ترى أنه إذا آمن في صغره لزمه أحكام ثبتت بناء على صحته الإيمان) كحرمانه الإرث عن أقاربه الكفار، واستحقاقه الإرث من أقاربه المسلمين والفرقة بينه وبين امرأته الكافرة وجواز صلاة الجنازة عليه.

(وهي جعلت تبعًا للإيمان الفرض)، وقوله:"الفرض" خرج بيانًا لكون الإيمان أينما وجد وجد فرضًا لا أن يكون بيانًا لنوع الإيمان، لما قلنا:

ص: 2211

الإيمان لا يتنوع إلى فرض ونفل.

(ولم يعد كلمة الشهادة لم يجعل مرتدًا) فلو لم يكن ذلك الأداء فرضًا لوجب عليه الإعادة كما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره تجب عليه الإعادة.

فإن قيل: كيف يكون ذلك الأداء فرضًا وهو ليس بفرض عليه في الحال؟

قلنا: وقوع الأداء فرضًا لا يفتقر إلى فرضية في الحال كالمسافر والمريض والعبد في حق صلاة الجمعة، والمريض والمسافر في حق الصوم في شهر رمضان.

(ولو كان الأول نفلًا لما أجزي عن الفرض)؛ لأن النفل يخالف الفرض وهو أدنى حالًا من الفرض، فكيف يجزئ النفل عنه وصفة الفرضية في النفل معدومة؟

فإن قيل: يُشكل على هذا الوضوء قبل الوقت فإن ذلك نفل ينوب عن الفرض الذي يفترض عليه بعد دخول الوقت.

قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الوضوء تبع للصلاة وشرط لها، ففي الشروط يعتبر وجودها بأي وصف كان لا وجودها بطريق الفرضية.

ص: 2212

ألا ترى أن سائر الشروط من لبس الثياب وتطهير المكان واستقبال القبلة وغيرها لو وجد على وجه الإباحة أو لنفع نفسه من لبس الثياب لدفع الحر والبرد ينوب عن وجود الشرط بطريق الفرضية، فأولى أن ينوب الشرط النفل عن الشرط الفرض، بخلاف الإيمان فإنه رأس العبادات المقصودة فلا يصح فيه أن ينوب النفل عن الفرض كما في سائر العبادات المقصودة من الصلاة والزكاة والصيام، (ووضع عنه التكليف وإلزام الأداء) أي وضع عنه تكليف الإيمان وإلزام أدائه.

وقوله: (عن كل عهدة يحتمل العفو) قيّدها باحتمال العفو لتخرج الردة ولذلك أي ولأجل أن الصبا من أسباب المرحمة (لا يُحرم الميراث بالقتل)، يعني إذا قتل الصبي مورثه يرث منه؛ لأن الحرمان عن الإرث بسبب القتل ثبت جزاء جناية القاتل والصبي ليس من أهل الجزاء بطريق العقوبة في الدنيا، بخلاف الرق والكفر حيث يحرم بهما الإرث؛ لأن ذلك لعدم الأهلية لا لاعتبار الجزاء. يوضحه أن الرق أثر الكفر والكفر موت كما أن الإسلام حياة. قال الله تعالى:(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) أي كافرًا

ص: 2213

فهديناه، والميت لا يرث الحي، ولأن الرقيق مال والمال ليس بأهل للميراث، ولأن القول بوراثة الرقيق قول بوراثة الأجنبي من الأجنبي؛ لأن ما للرقيق لمولاه فكان الميراث لمولاه في الحقيقة وهو أجنبي وذلك باطل، ولأن الإرث نوع ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم، وكذلك لا ولاية للرقيق على نفسه فأولى أن لا يكون له ولاية على غيره.

(خالصة لا تلزم الصبي بحال) نحو الحدود والقصاص.

(ومشوبة يتوقف لزومها على رأي الولي) نحو لزوم العهدة في البيع والإجارة والوكالة.

(صار من أسباب ولاية النظر) أي تثبت الولاية، أي تثبت للغير عليه ولا تثبت له على الغير.

["العته"]

(والعته) ما يوجب خللًا في العقل؛ لأن المعتوه من هو مختلط الكلام يشبه كلامه مرة بكلام العقلاء ومرة بالمجانين، والعته نظير آخر أحوال

ص: 2214

الصبي، والجنون بمنزلة أول أحوال الصبي.

(لا يمنع صحة القول والفعل) حتى لو أسلم يصح ولو أتلف مال الغير يضمن.

(ولكن شرع جبرًا) أي جبرًا للنقصان لا الجبر الذي هو ضد الاختيار.

(والصبا محدود فوجب تأخيره) أي تأخير العرض؛ لأن فيه عهدة على

ص: 2215

الصبي وهي فرقة المرأة عنه على تقدير إباء أبيه وأمه الإسلام ومطالبة المهر عنه في الحال وهو ليس من أهل العهدة.

قيد المعتوه بالعاقل، احترازًا عن المعتوه غير العاقل فإنه والمجنون سواء.

(وأما الصبي العاقل والمعتوه العاقل فلا يفترقان) أي يعرض عليهما الإيمان في الحال.

["النسيان"]

(وأما النسيان) فهو عبارة عن الجهل الطارئ (فلا ينافي الوجوب) لأنه لا يُعدم العقل.

(ولكنه يحتمل أن يُجعل عذرًا)، ذكر بلفظ الاحتمال؛ لأنه جعل عذرًا في موضع ولم يُجعل في موضع آخر، وإنما احتمل أن يُجعل عذرًا؛ لأن النسيان وصف جبل عليه الآدمي فكان مضافًا إلى من له الحق على ما أشار إليه

ص: 2216

النبي عليه السلام بقوله: "إنما أطعمك الله وسقاك".

(لأن حقوق العباد محترمة لحقهم وحاجتهم) إلى آخره. يعني أن الله تعالى غني عن العالمين وله أن يبتلي عباده بما شاء، والأمر والنهي ابتلاء من الله تعالى لعباده مع غناه عن أفعالهم وأقوالهم.

وأما في حق العبد فليس فيه ابتلاء، بل حقه معصوم شرعًا لحاجته وافتقاره إليه، وإذا أتلف غيره حقه بأي وصف كان وجب عليه جبرانه لحاجته إلى ما يجبر حقه.

(لكن النسيان إذا كان غالبًا يلازم الطاعة) يعني أن النسيان لا ينافي الطاعة، ولا تخلو الطاعة عنه كالنسيان في الصوم، فإن الصوم يبقى مع وجود الأكل إذا كان ناسيًا مع أن الأكل مناف ركن الصوم وغلبه النسيان فيه لدعوة الطبع إلى الأكل والشرب، وكذلك النسيان يغلب على البشر حال الذبح لخوف يعتريه أو اضطراب يلحقه، فلذلك جعل نسيان التسمية عفوًا فحلت الذبيحة.

ص: 2217

(والنسيان ضربان: ضرب أصلي) وهو أن يكون مركبًا فيه على وجه ليس في وسعه حفظه كالنسيان في الصوم والذبيحة؛ لأنه ليس له فيهما حالة مذكرة تذكر حفظه فكان النسيان فيه عفوًا.

(وضرب يقع فيه المرء بالتقصير) وهو فيما له حالة مذكرة كالأكل والكلام ناسيًا في الصلاة، وكذلك نسيان ما حفظه من العلوم الشرعية. إنما يقع فيه لتقصيره بسبب ترك التكرار، ولهذا استحق الوعيد من نسي القرآن بعد الحفظ.

(لأنه ليس مثل المنصوص عليه في غلبة الوجود)؛ لأن القياس فيما ذكرنا لا يُجعل عفوًا أيضًا؛ لأن الحكم بعدم الشيء مع وجوده حقيقة مما يأباه القياس كالأكل في الصوم، وكذلك الحكم بوجود الشيء مع عدمه حقيقة

ص: 2218

حكمًا كما في ترك التسمية على الذبيحة ناسيًا، فجعل النسيان عفوًا فيهما بخلاف القياس فلا يعدى هذا الحكم إلى غير المنصوص إلا إذا كان هو مثل المنصوص عليه من كل وجه فحينئذ يعدى إليه.

(حتى إن سلام الناسي لما كان غالبًا) في الصلاة ألحقناه بالصوم في جعله عذرًا، وذلك إذا سلم في القعدة الأولى على ظن أنها القعدة الأخيرة، ثم علم أنها القعدة الأولى لا تفسد صلاته، والتسليم في غير ذلك الموضع لما لم يكن غالبًا لم يجعل عذرًا بل تفسد الصلاة.

["النوم"]

(فعجز عن استعمال الأحوال) يعني به الإدراكات الحسية من السمع والبصر وغيرهما، والأفعال الحسية من القيام والركوع والسجود وغيرها أي لا يقدر على استعمال قدرة مدركة للأحوال، فلما كان هو عجزًا عن تحصيل القدرة التي تحصل بها الأفعال عند استعمال الآلات السليمة لعدم الاختيار للنائم لم يُعتد أفعاله من القيام والركوع والسجود؛ لأن هذه الأفعال اختيارية لا تتحقق بدون الاختيار.

وأما القعدة الأخيرة فلا نص عن محمد رحمه الله فيها أنه تعتد من الفرض أو لا تعتد إلا أنه ذكر مسألة يستدل بها على اعتدادها من الفرض فيما

ص: 2219

إذا وجدت في حالة النوم، وهي أنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأخيرة وقعد ثم نام قدر التشهد ثم انتبه بعد قعوده قدر التشهد في النوم ثم قهقه قال: لا تفسد صلاته وتنتقض طهارته. دلت المسألة على اعتداد القعود المأتي به في حالة النوم من الفرض، لأنه لو لم يعتد من الفرض لوجدت القهقهة قبل القعود قدر التشهد فتفسد صلاته، وحيث لم تفسد علم أنه معتد به، ولعل الفرق بين القعدة وغيرها من الأركان أن القعدة فرض وليست بركن؛ لأن القعدة للاستراحة، والعبادة تنبئ عن المشقة، وغير القعدة من الأفعال كالقيام والركوع والسجود ركن فكان أقوى حالًا من

ص: 2220

القعدة، فما هو المراد من شرعية الصلاة وهو التعظيم والتلل والتعبد لا يوجد في النوم بخلاف القعدة فإنها للإستراحة والنوم كذلك فيتوافقان فجاز أن تختسب القعدة بالنوم.

وقوله: (والصحيح أنه لا يكون حدثاُ) ولا تفسد صلاته وقع على خلاف ما اختاره في ((الفتاوى)).

وقال في ((الخلاصة)) وغيرها: ولوضحك في النوم في الصلاة قهقهة لا تنتقض طهارته ولكن تفسد صلاته، وهو المختار.

ص: 2221