الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التعليل مستقيم على أصلهما؛ لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين والعتق في المرض نافذ عندهما كسائر التصرفات، وكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله إن كانت تخرج من ثلثه.
وإن كان الثلث أقل من قيمتها فعليها السعاية فيما زاد على الثلث، ويكون بمنزلة المكاتب ما دامت تسعى وحق الغرماء والورثة لا يثبت في ولد المكاتبة، لأن الثلث والثلثين لا يعتبر من رقبتها وإنما يعتبر من بدل الكتابة، فلا يثبت حق المولى في ولدها حتى يعتبر خروج الولد من الثلث، فإن ماتت قبل أن تؤدي ما عليها من السعاية كان على ولدها أن يسعى فيما كان على أمه على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة ولد المكاتبة وعندهما لا شيء على الولد؛ لأنه حر فلا تلزمه السعاية في دين أمه بعد موتها.
(الحيض والنفاس)
(فإنهما لا يعدمان أهلية بوجه)؛ لأن الحيض مصحة للبدن بدليل أن انقطاعه في حينه داء ترد به الجارية، ومن البعيد أن يكون المصحح منافيًا
للأهلية، وكذا النفاس فإنه درور ما كان مجتمعًا أوان الحبل، فإذا دروره كان مصحة غير أن كلًا منهما ربما يفضي إلى الحر لو قلنا بوجوب العبادات به وذلك في الصلاة دون الصوم؛ لأن الطهارة شرط أداء الصلاة فلا يتحقق أداؤها مع الحيض والنفاس فلا يمكن القول بوجوب الأداء.
وفي القضاء حرج بين فيسقط عنهما بصفة اليسر، والواجب بصفة اليسر إنما يبقى كما وجب ولو بقي في حق القضاء لا على الوصف الذي كان به وجوب الأداء كان حرجًا.
وقوله: (وقد شرعت) أي الصلاة، وتحرير الكلام هو أنا لو نظرنا إلى وجوب السبب وبقاء الأهلية للحائض والنفساء، كان ينبغي أن نقول بوجوب الصلاة والصوم على الحائض والنفساء غير أن وجب الصلاة ثابت بالقدرة الميسرة بالنظر إلى اشتراط الطهارة، فإن اشتراط الطهارة في وجوبها كاشتراط النماء في حق وجوب الزكاة، فكما لا تجب الزكاة هناك بدون النماء كذلك لا تجب الصلاة بدون الطهارة عن الحيض والنفاس، ولما لم تتحقق
الطهارة للحائض والنفسا منهما لم يتحقق وجوب الصلاة عليهما فلا يجب قضاء الصلاة عليهما؛ إذ وجوب القضاء يتلو وجوب الأداء؛ لأن القضاء خلف الأدء، ولما لم يجب الأصل لم يجب الخلف عند فوت الأصل.
وقوله: (وفي وضع الحيض والنفاس) أي وفي إهدارهما وإبطالهما يعني وفي جعلهما كأن لم يكونا (ما يوجب) الحرج في القضاء؛ لأن الحيض مما يتكرر والنفاس مما يمتد (فلذلك وضع عنهما)، أي فلأجل إيجاب الحرج رفع وجوب أداء الصلاة عنهما، فلما لم يثبت وجوب أداء الصلاة عليهما وهو الًال لم يجب قضاؤها عليهما أيضًا وهو الخلف.
(وقد جعلت الطهارة عنهما شرطًا لصحة الصوم نصًا أيضًا) وهو قوله عليه السلام: «الحائض تدع الصوم ونالصلاة أيام أقرائها» ، وحديث عائشة رضي الله عنها «كنا نترك الصلاة والصوم على عهد رسول الله عليه السلام في أيام الحيض» ، والمعنى في الفرق بينهما أن ورود النص في اشتراط الطهارة للصلاة لما كان موافقًا للقياس أثر عدم الطهارة من الحيض والنفاس في أن لا يوجب القضاء أيضًا كما لا يوجب الأداء؛ لكون الحيض والنفاس بدون اختيار الحائض والنفساء.
وفي الصوم لما لم تشترط الطهارة في أصله بدليل تحققه بالجنابة والحدث كان اشتراط الطهارة في الصوم عن الحيض والنفاس بخلاف القياس، فلذلك لم يؤثر في إسقاط القضاء وجعل كأن أصل وجوب الصوم أدرك الحائض والنفساء في وقته فوجب القضاء بناء على وجوب الأداء تقديرًا، ولأن الحرج في قضائه لم يلحقهما بخلاف قضاء الصلاة فإنه يلزم على الحائض خمسون صلاة في كل عشرة أيام من كل شهر ويلزمها قضاءة عشرة أيام في أحد عشر شهرًا.
(وأحكام الحيض والنفس كثيرة لا يحصى عددها) وقد ذكرناها في بأبي الحيض والنفاس من «النهاية» .
[«الموت»]
(فإنه عجز كله) أي عجز خالص ليس فيه شائبة القدرة بوجه من الوجوه بخلاف الرق وغيره بدليل ما ذكر في «المختصر» بهذا اللفظ.
(إن كان حقًا متعلقًا بالعين) كتعلق حق المودع بالوديعة وحق المعير بالعاررية (يبقى) بعد الموت (ببقاء العين لأن الفعل) في حقوق العباد (غير مقصود) وإنما المقصود هو وصول الحق إلى المستحق بأي وجه كان بخلاف حقوق الله تعالى، فإن الفعل هو المقصود هناك تحقيقًا للابتلاء لا المال كما في الزكاة، ألا ترى أن من له الدين إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذه
لحصول مقصوده به، والفققير إذا ظفر بمال الزكاة ليس له أن يأخذ لأن الحق لله تعالى فكان الفعل فيه هو المقصود للابتلاء.
(وهذا لا يرجى زواله غالبًا) أي زوال الموت عن الميت قيد بقوله: «غالبًا» لرن زوال الموت عن الميت في الدنيا كان موجودًا في الجملة، كما في حق عزير عليه السلام، وكما في حق المار على قرية على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) إلى قوله: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، وكما في حق الخارجين عن ديارهم حذر الموت، فمنه ما أخبر الله تعالى بقوله: إلى
قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ) إلى قوله: (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وكما كان يحيي الموتى بدعاء عيسى عليه السلام، ÷ولكن الغالب عدم زوال الموت كما هو سنة الله تعالى في عامة الموتى في الدنيا فلذلك قال: لا يرجى زواله غالبًا.
(لأن ثبوته بالمطالبة) أي ثبوت الدين؛ لأن الدين وصف شرعي يظهر أثره في المطالبة، والشيء إذا لم يستعقب أثرًا كان وجوده كعدمه، فلما سقطت المطالبة والذمة قد ضعفت لم يمكن القول بثبوت الدين في الذمة بخلاف الحي، فإن ذمته تحتمل الدين لقوتها فلما ضعفت الذمة بالموت لم يكن بد من انضمام المال إلى الذمة الضعيفة، وانضمام ذمة الكفيل إليها
لتتقوى الذمة الضعيفة به لظهور أثر الدين، وهو المطالبة عند ذلك.
(فيكفل رجل عنه صح) حتى يؤخذ الكفيل به في الحال، وإن كان الأصل وهو العبد غير مطال به في الحال بل هو مؤخر عنه إلى أن يعتق؛ لأن ذمته قابلة للدين في الحال، غير أنه لا يطالب به في الحال لعسرته فكان الدين صحيحًا فصحت الكفالة به لذلك ويؤخذ به في الحال.
(لأن ذمته في حقه كاملة) لأنه حي عاقل بالغ مكلف، وقوله:(وإنما ضمت المالية إليها في حق المولى) جواب شبهة ترد على قوله: «لأن ذمته في حقه كاملة» بأن يقال: لو كانت ذمته كاملة في حقه لتحملت ذمته الدين بنفسها لكمالها كما في الحر، ولما ضمت مالية الرقبة إلى ذمته بأن لا يباع العبد المأذون بسبب دينه الذي لحقه بسبب التجارة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله فأجاب عنه بهذا وقال: وإنما ضمت إليه مالية الرقبة إلى ذمته لظهور هذا الدين في حق المولى، فإنه لما أذن له في التجارة لتزم ما كان هو من لوازمها، ومن تلك اللوازم بيع رقبته في دينه كما في دين الاستهلاك بخلاف ما إذا لحق الدين بالعبد المحجور عليه بسبب التجارة حيث لا يباع هو فيه لعدم ظهوره في حق المولى؛ لأن مولاه لم يأذن له في التجارة فلم يظهر هو في حقه لذلك.
(لكن عجزنا عنها) أي عن المطالبة، ولهذا لو خلف ما لا يطالب به،
فعلم أن الدين باق.
(لأن ذلك العدم) أي عدم المطالبة (لمعنى في محل الدين) وهو ضعف ذمة الميت فوق ضعف ذمة الرقيق فكان انعدام المطالبة لعدم الدين كمن ليس عليه دين لا يمكن المطالبة لعدم الدين لا لعجز في المطالبة فلذلك لم تصح الكفالة به.
وقوله: (فلهذا لزمته الديون) يتصل بقوله: «وإن كان دينًا لم يبق بمجرد الذمة حتى يضم إليه مال أو ما يؤكد به الذمم» فكان هذا لإيضاح أن ذمة الميت لم تبطل من كل وجه حتى تلحق بالجماد وسائر الحيوانات، بل بقيت مع الضعف القوي، والضمير البارز في لزمته راجع إلى الميت المفهوم من قوله:«لأن ضعف الذمة بالموت» بدليل رجوع الضمير الذي هو مضاف إليه إلى الميت فيما بعده، وهو قوله (صح في حياته)، أي يضاف الدين إلى سبب صح في حياته بأن وجد منه ذلك السبب في حياته، كما إذا حفر بئرًا على قارعة الطريق فوقع فيها حيوان مملوك بعد موته وهلك يلزم قيمته على الذي حفرها وهو ميت وأثر لزومه أنه يؤخذ من تركته وتصح الكفالة به.
(ولهذا صح الضمان عنه إذا خلف مالًا أو كفيلًا) يعني إذا مات وله مال أو ليس له مال ولكن له كفيل كفل عنه في حياته عن دينه ثم مات هذا
المكفول صح أن يكفل عنه إنسان آخر لبقاء الدين بأثره وهو المطالبة ولتأكد الذمة الضعيفة بما يتقوى به وهو المال أو ذمة الكفيل، (وإن كان شرع عليه بطريق الصلة) كوجوب النفات عليه والزكاة وصدقة الفطر ونحوها.
(وأما الذي شرع له) كجهاز الميت من التكفين وغيره وقضاء دينه (فبناء على حاجته) أي فبناء على حسب ترتيب حاجته، وما كانت حاجته إليه أشد فهو مقدم على غيره، ثم وثم إلى أن تنقضي حاجاته كلها.
(لأن العبودية لازمة للبشر)؛ لأنه لا يتصور انفكاك العبودية عن البشر أبد الأبدين؛ لأن هذه صفة للآدمى وغيره من المخلقوات لكونهم مخلوقين لله تعلى وكونهم مخلوقين له لا يتصور زواله، فكذلك لا يتصور زوال العبودية عن العباد لذلك، فلذلك صارت صفة العبودية بعد الموت باقية، فالعبودية مستلزمة للحاجة فتبقى الحاجة بعد الموت لبقاء العبودية، فلما بقيت حاجة الميت بعد الموت قدم ما هو أشد احتياجًا هو إليه.
(ولذلك بقيت التركة على حكم ملك الميت) أي ولكون حاجة الميت باقية بعد الموت كانت التركة باقية على ملكه ليقضى بها حاجته، (فلذلك قدم جهازه) على الدين لشدة حاجته إلى الكفن بالنسبة إلى الدين، وهذا لأن
الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه وقت حياته، ÷ولباسه وقت حياته مقدم على دينه حتى لا يباع على المديونن ما عليه من ثيابه فكذلك لباسه بعد موته، ومن مات ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه، فيكفن من مال بيت المال، وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال، وبهذا يتبين أن الكفن أقوى من الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ويجب تكفينه منه إذا لم يكن له مال. كذا في «المبسوط» .
قيل: هذا زي تأخر الدين عن الكفن في دين لم يتعلق بالعين.
فأما الذي تعلق بالعين في حال حياة المديون كتعلق دين المرتهن بالرهن فإن ذلك الدين مقدم على التجهيز لتعلق حق المرتهن به فيقدم حاجته على حاجة الميت كما في حال حياته.
(ولذلك صحت واياه كلها واقعة) أي منفذة في الحال بأن قال المريض: اعتقدت عبدي هذا، أو قال: أوصيت لفلان بكذا، (ومفوضة) أي بأن قال: اعتقوا هذا العبد بعد موتى، أو قال: أعطوا لفلان كذا بعد موتى، (ولذلك بقيت الكتابة) بعد موت المولى؛ لن المولى مالك فيبقى ملكه بعد موته لحاجته وهي إحراز ثواب الاعتقا، هو ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من
النار».
(وهي من أقوى الحوائج) أي حاجة المكاتب إلى حريته أقوى حوائجه، وهذه الحاجة له فوق حاجة المولى إلى عتقه؛ لأن الرق أثر الكفر لما عرف ودفع أثر الكفر من أقوى الحوائج، فإذا بقيت مالكية الملوى بعد موته ليصير معتقًا فأولى أن يبقى مالكية المكاتب.
(ألا ترى أنه ندب فيه حط بعض البدل) لإبقاء ذلك الأمر المندوب، قال الله تعالى:(وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)[النور:33]، وعند بعض العلماء حط ربع البدل واجب ليصل إلى الحرية سريعًا فكان قوله:«ألا ترى» لإيضاح إثبات حاجة المكاتب إلى إبقاء عقد الكتابة ليحصل له العتق ويزول عنه وعن أولاده أثر الكفر الذي هو الرق.
(فلأن تبقى هذه المالكية) وهي مالكية المكاتب (أولى)؛ لأن الحاجة له
أقوى ليصل بها إلى الحرية وهو معنى قوله: ليصير معتقًا -بفتح التاء- على صيغة بناء اسم المفعول.
(وأما المملوكية فهي تابعة) جواب إشكال وهو أن يقال: في إبقاء الكتابة إبقاء المملوكية في المكاتب والمملوكية بعد ما مات المكاتب لا يمكن إبقاؤها وليس في إبقائها نظر له أيضًا بل في إبقائها ضرر عليه لكون الرق من أثر الكفر ولظهور أثره في أولاده بوصف الرقبة.
فأجاب عنه بقوله: وأما المملوكية فهي تابعة في باب الكتابة، فإن الأصل فيها مالكية المكاتب يدًا.
والدليل على أن المالكية فيه أصل هو أنه يثبت له ملك اليد في الحال والمقصود من عقد الكتابة الوصول إلى الحرية وزوال المملوكية، فالبنظر إلى المقصود إلى ثبوت مالكية اليد في الحال يستدل على أن المالكية هي الأصل فيه، فلما كانت المملوكية تبعًا أمكن أن يبقى التبع لأجل الًال، ووجه ثبوت المملوكية بطريق التبعية هو أن المقصود من عقد الكتابة لما كان هو الوصول إلى الحرية لم يكن بد من المملوكية حال بقاء عقد الكتاب، فكانت هي شرطًا لمقصود الوصول إلى الحرية، وذلك إنما يكون لمالكية اليد في الحال فالعبرة للمقصود المتبوع لا للتبع.
وقوله: (ولهذا وجبت المواريث بطريق الخلافة عن الميت نظرًا له)
يتصل بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هو لإيضاح بقاء حاجته بعد الموت في ماله، فلذل وجبت المواريث لمن يتصل بالميت من أهل دينه من حيث النسب كالولاء وغيره.
أو من حيث السبب والدين كالزواج من الزوج والزوجة، أو من حيث الدين لا غير بلا نسب وسبب وهو بيت المال، وفيه يوضع لحقوق المسلمين، يعني أن في انتقال مال الميت إلى من يصلح خليفة له نسبًا أو غير ذلك نظرًا له؛ لن فيه ثواب صلة الرحم له وإيصال النفع إلى المسلمين، واشترط من يصلح خليفة له فيمن ينتقل إليه ماله؛ لأن الموت من أسباب الخلافة.
(ولهذا صار التعليق بالموت يخالف سائر وجوه التعليق) حتى أن الرجل إذا قال لعبده: إن مت فأنت حر؛ فهذا التعليق يخالف سائر التعليقات؛ لأن التعليق بالشرط عندنا يمنع انعقاد السبب والتعليق بالموت لا يمنع انعقاد السبب، بل ينعقد سببًا في الحال فلذلك لم يجز بيع المدبر.
بخلاف ما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر؛ فإنه يصح بيعه قبل وجود الشرط؛ وغنما كان هكذا؛ (لأن الموت من أسباب الخلافة) فباعتبار أنه علقه بسبب الخلافة الذي هو كائن لا محالة كان له حكم الثبوت في الحال.
وحاصل الكلام: إن الموت لما كان من أسباب الخلافة ظهر أثره في
موضعين: في حق العبد إذا دبره، وفي حق الوارث إذا مرض مرض الموت، فيجعل المدبر خلفًا عنه في حق العتق بعد موته، ففي الحال تعلق عتقه بالموت على وجه لا يصح إبطاله، فصار هذا كوجود المرض إذا اتصل به الموت في حق الوارث لما أن الموت من أسباب الخلافة فكان المدبر والوارث خلفين عنه.
وهذا لأن المرض يثبت تعلق حق الوارث بالمال، يعني إذا مات في مرضه ذلك.
وكذلك قوله: أنت حر بعد موتى يثبت تعلق حق العبد في الحرية بموته، فصار المولى محجورًا عن بيعه كما صار محجورًا عن إبطال حق الوارث عند تعلق حقه بالمال، وهو معنى قوله:(فكذلك إذا ثبت بالنص) أي إذا ثبت الخلافة بتأويل كون الخلافة بصريح قوله: أنت مدبر بعد موتي. يعني إذا وجد سبب الخلافة وهو المرض يثبت للوارث حق لا يجوز للمورث إبطاله.
فكذلك إذا ثبت نصًا بقوله: أنت مدبر بعد موتى، (وصار المال من ثمراته) أي من ثمرات سبب الخلافة فيثبت المال ضمنًا، وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن التدبير وصية، وقال قبل هذا:«فيصير التعليق به إيجاب حق للحال بطريق الخلافة عنه» أي قوله: «أنت حر بعد موتي» إثبات حق الحرية في الحال بطرييق الخلافة عنه وفيه إخراج مالية العبد عن ملكه فصار
كإخراج ماله عن ملكه بالإيصار للموصى له بالمال.
ثم هناك يملك إبطال ما أوجبه في الحال فينبغي أن يملك إبطال ما أوجبه في الحال من تدبير العبد أيضًا بجامع أن كلًا منهما إيجاب حق متعلق بالموت في المال، فقال نعم كذلك. إلا أن المال هاهنا صار من ثمرات الخلافة وسبب الخلافة لما ثبت بيت المال في ضمنه وهو مالية العبد فلذلك لم يملك إبطاله بخلاف الموصي له.
فإن المال ثمة أصل وعند ثبوت الخلافة المال موجود ولم يتعلق حق الموصى له بالمال قبل الموت فيملك الموصي إبطاله بخلاف ما نحن فيه؛ لأن إثبات الخلافة في الحرية على وجه التعليق بأمر كائن لا محالة، وهو مما لا يحتمل الإبطال، فلذلك لم يملك إبطال التدبير بعد إثباته نصًا، فلذلك وقع التدبير لازمًا دون الإيصاء بالمال للموصى له، (فينظر من بعد) أي بعد ثبوت سبب الخلافة.
(منع الاعتراض عليه من المولى) أي منع ذلك الحق اللازم الاعتراض الصادر من المولى من التصرفات المبطلة لذلك الحق اللازم كالبيع والهبة وغيرهما عليه أي على ذلك الحق اللازم، (للزومه في نفسه) وهو الإعتاق فإنه لا يقبل الفسخ، و (للزومه) في سببه وهو تعليقه بأمر كائن لا محالة، ونفس التعليق أمر لازم فكيف إذا كان معلقًا بأمر كائن لا محالة، وإنما قيد بقوله:(وهو معنى التعليق)؛ لأن بهذا أعني التدبير، وهو قوله: أنت مدبر
أو قد دبرتك ليس بتعليق حقيقة لعدم كلمة التعليق، وكذلك قوله: إذا مت فأنت حر؛ لأن التعليق الحقيقي إنما يكون بالتعليق بأمر له خطر الوجود أي التردد في الوجود لا أن يكون أمرًا كائنًا لا محالة، فلم يكن هو حقيقة التعليق، لكن فيه معنى التعليق لتعلق عتقه بالموت فلذلك وقع لازمًا.
ثم ترك هاهنا الشق الآخر أي لكونه معروفًا، وهو أن يقول: وإن كان الحق غير لازم بأصله مثل الوصية للموصي له بثلث ماله فهو لا يمنع الاعتراض عليه من المولى حتى صح بيع ما أوصى به وهبته والرجوع عنه.
(وصار ذلك كأم الولد) أي وصار المدبر كأم الولد.
(حق العتق لما بينا) من أن عتقها تعلق بالموت وهو كائن لا محالة، فصار الاستيلاء سبب تعلق حق العتق في الحال كما في المدبر؛ لأن التقوم بالإحراز يكون؛ لأن التقوم لا يكون بدون العصمة المقومة والعصمة المقومة بالإحراز تكون.
ألا ترى أن الصيد والحشيش لا قيمة لهما قبل الإحراز.
(والمتعة) منها (تابعة) ولهذا صح شراء أخته من الرضاع والأمة
المجوسية وشراء الأختين، (والمالية تابعة) لأن الفراش صار أصلًا فيها كالمنكوحة فصارت المالية تابعة، وإنما جعلت إحداهما تابعة للأخرى عند اجتماعهما؛ لأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الإحراز لهما مقصودًا فكان الإحراز للمالية معارضًا للإحراز للفراش، وقد ثبت الإحراز للفراش هاهنا فينتفي الإحراز للمالية ضرورة فجعلناه تبعا؛ لأن الإحراز لو كان ثابتًا للمالية لتعلقه به الحق المؤكد وهو حق الغريم، والوارث كالمدبر ولم يتعلق بها حق قط، فعلم أن المالية فيها تبع لا أصل.
(فصار الإحراز عدمًا في حق المالية) أي بمقابلة الإحراز للمتعة.
(فتعدى الحكم الأول) وهو حق العتق أي على وجه اللزوم لوجود معناه وهو تعلقه بما هو كائن لا محالة.
(دون الثاني) وهو سقوط التقوم أي لم يسقط تقوم المدبر لعدم معناه وهو ذهاب الإحراز للمالية.
وقوله: (ولهذا قلنا) يتعلق بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هذا معطوفًا على قوله: «ولهذا وجبت المواريث» أي ولأجل ما قلنا إن الذي شرع للميت يبقى بعد موته لحاجته: قلنا إن المرأة تغسل زوجها.
(وقد بطلت أهلية المملوكية) لأن الشيء المملوك لا يبقى مملوكًا بعد هلاكه، ولأن ما يبقى للإنسان بعد موته هو شيء يقضي به حاجته وبقاء المملوكية ليس مما تقضي به حاجة الميت فأجرى على حقيقته من البطلان.
(ألا ترى أنه لا عدة عليه بعدها) حتى يحل للزوج تزوج أختها وأربع
سواها بعد موتها من غير تراخ.
فعلم أنه لم تبق الوصلة بينهما أصلًا.
(ألا ترى أنه مؤكد بالحجة) وهي الشهود (والمال) وهو المهر (والمحرمية) وهي إثبات حرمة المصاهرة.
(الدرك): والدرك -بفتحتين وسكون الراء- اسم للإدراك، (وقد وجب عند انقضاء الحياة) أي حياة المقتول، وعند انقضاء الحياة لا يجب للميت شيء سوى ما يضطر إليه لحاجة تكون له بعد الموت؛ لأن الأصل أن لا يجب له شيء لبطلان الأهلية والمالكية.
فالشيء إنما يثبت له بعد الموت بخلاف القياس باعتبار الضرورة ولا ضرورة في إبقاء القصاص له؛ لأنه شرع لدرك الثأر ولا ثأر له بعد الموت؛ لأن الثأر إنما ينشأ من النفس الحيوانية الداعية إلى الانتقام وإلى إطفاء نار الحمية الملتتهبة بالاضطرام، فلذلك قيل: يجب القصاص للأولياء من وجه؛
لأنهم كانوا ينتفعون بحياته ويجب للمقتول من وجه؛ لأن انتفاعه بحياته أكثر من انتفاع أوليائه به، فلذلك صح العفو منه ومن أوليائه.
وقوله: (ولهذا صح عفو الوارث عن القصاص) استدلال من المصنف رحمه الله على أن ثبوت ولاية استيفاء القصاص للورثة لم يكن بطريق الوراثة لهم من المورث بل بطريق الأصالة ابتداء؛ لأنه لو لم يكن القصاص حقهم ابتداء لما صح منهم العفو عنه حال حياة مورثهم، كما لا يصح إبراؤهم غريم المورث عن الدين حال حياة مورثهم.
(لكن القصاص واحد) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كانت شرعيته لدراك الثأر وأن يسلم حياة الأولياء وذلك يحصل للجميع، فينبغي أن لا يصح استيفاؤه إلا بحضور الكل، فقال في جوابه:(أنه جزاء قتل واحد وكل واحد من الأولياء كأنه يملكه وحده) كثبوت ولاية الإنكاح للإخوة.
(إذا كان سائرهم صغارًا)؛ لأن احتمال العفو منهم في الحال معدوم.
(ورجحان جهة وجوده) أي وجود العفو، وإنما قال هذا؛ لأن مجرد الاحتمال غير معتبر.
(ثم حضر الغائب كلف إعادة البينة) فلو كان بطريق الإرث لما كلف إعادة البينة؛ لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين فيما كان لهم بطريق الإرث كما في المال.
(وإذا انقلب القصاص مالًا) لشبهة وقعت أو كان القاتل أبًا أو عفا أحد الأولياء صار موروثًا فحينئذ يقدم فيه ما كان الميت إليه أشد احتياجًاا من قضاء ديونه وتنفيذ وصايا وارثه.
فإن قيل: الأصل هو القصاص وهو ليس بموروث فكيف يكون خلفه وهو المال موروثًا، والأصل إن السبب الموجب للأصل هو السبب الموجب
للخلف، فلما لم ينعقد القتل العمد وهو السبب الموجب للقصا موجبًا للإرث فيكف ينعقد موجبًا لإرث في خلفه وهو المال؟
قلنا: الموت سبب الخلافة في الإرث، والإرث إنما لم يثبت في القصاص لضرورة أن شرعيته لدرك الثأر وهو مما لا يحتاج إليه الميت، فإذا انقلب القصصا مالًا ارتفعت الضرورة، وسبب الخلافة في المال بطريق الإرث وهو الموت ثابت فيثبت الإرث.
فإن قلت: لما لم يوجب القتل العمد الإرث في المال في ابتداء وجوده لم يوجب بعد ذلك؛ لأن ذلك حالة البقاء كالزنا الموجود في دار الحرب واستحداث الملك في الجارية المنكوحة، حيث لم يوجبا حكمهما الذي هو الحد ووجوب الاستبراء بعد زوال ما يمنعهما من ثبوت حكمهما وهو الخروج إلى دار الإسلام في الزنا وفرقة الزوج في الجارية المنكوحة؛ لأنهما لما لو يوجبا ذينك الحكمين في ابتداء وجود السبب لم يوجبا بعد ذلك؛ لأن السبب لم ينعقد موجبًا لذلك الحكم حال ابتداء وجوده فلا ينقلب موجبًا بعد ذلك.
قلت: ليست هاتان الصورتان زوان ما نحن فيه؛ لأن الزنا الموجود في دار الحرب واستحداث ملك الجارية المنكوحة لم يوجبا حكمًا من الأحكام في ابتداء وجودهما لانعدام شرطهما حتى ينقلب ذلك الحكم إلى حكم آخر عند
وجود شرطه فلغا السبب عن إثبات حكمه لعدم شرطه ابتداء وبقاء لذلك بخلاف ما نحن فيه.
فإن القتل العمد أوجب حكمه الأصلي وهو القصاص وحق القصاص شيء يصلح أن يكون سببًا لوجوب المال بدليل صحة صلح القصاص على المال، ولما انقلب القصاص مالًا صار كأنه هو الواجب الأصلي فيه فيتعلق حق الميت به، كما لو كان الموت موجبًا لإرث المال ابتداء؛ لأن الخلف إنما يثبت بالسبب الذي يجب به الأصل والسبب وجد في ذلك الوقت فيستند وجوب الخلف إلى ذلك الوقت أيضًا فكان موروثًا.
(ألا ترى أن حق الموصى له لا يتعلق بالقود) هذا لإيضاح أن الدية تجب من الأصل ويصير موروثًا من الأصل؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لما تعلق بها حق الموصى له كما في القصاص.
(فاعتبر بسهام الورثة في الخلف) يعني يأخذ كل واحد منهم بقدر حقه؛ لأنه متجز بخلاف القصاص؛ لأن لكل واحد منهم أن يستوفى كله لاختلاف حالهما وهو أن القصاص غير منتجز وسهام الورثة متجزية.
(وفارق الخلف الأصل لاختلاف حالهما) يعني أن حال الأصل وهو القصاص لا يصلح لحاجة الميت؛ لأن الغرض منه درك الثأر وهو قد عدم في حقه، وحال الخلف وهو الدية يصلح لحاجة الميت فكان الخلف مفارقًا لأصله
في الحكم المتعلق بكل واحد منهما كما في التيمم مع الوضوء، حيث اشترطت النية في التيمم دون الوضوء؛ لأن الماء مطهر للشيء طبعًا وشرعًا فلا يحتاج إلى النية التي تجعله مطهرًا بخلاف التراب فإنه غير مطهر في أصله فاحتاج إلى النية التي تجعله مطهرَا شرعًا.
(ولهذا وجب القصاص للزوج والزوجة) أي ولأجل أن القصاص وجب للورثة ابتداء وجب للزوج والزوجة؛ لأنهما من الورثة، (ولهذا وجب بالزوجية نصيب في الدية) أي ولأجل أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة فكان هو استدلالًا على أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة.
(ألا ترى أن للزوجية مزية تصرف في الملك) أي أن لكل واحد من الزوجين زيادة تصرف في مال الآخر وزيادة بسوطة وانتفاع بمال الآخر
بالنسبة إلى تصرف الأقرباء في مال القريب الآ×ر، وعن هذا لم تصح شهادة أحدهما للآخر بخلاف شهادة الأخ لأخيه، فلما كان كذلك كان للقريب نصيب في الدية فأولى أن يكون لأحد الزوجية في دية الآخر نصيب، وعن هذا قال فصار كالنسب.
وقوله: (وما يجب له وما يجب عليه مما اكتسبه) هذا في حق (السبب وما يلقاه من ثواب وكرامة أو عقاب وملامة) هذان في حق الحكم أي بقاء ما يجب له من المظالم بأن ظلم عليه غيره أو ما يثبت له من الملك بعد موته بسبب باشره في حياته، كما إذا رمى صيدًا فأصاب السهم الصيد بعد ما مات الرامي فإن الصيد يكون له ويصرف في حوائجه كما في سائر أمواله، وكذلك لو نصب شبكة فتعلق به صيد يكون له أيضًا، وكذلك قوله:«وما يجب عليه» أي بقاء ما يجب عليه، كما إذا حفر بئرًا في قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو حيوان بعد موت الحافر هو عليه يؤخذ بضمانه من تركته.
(كالرحم للماء) من حيث إنه وضع فيه إلى زمان ثم يخرج منه.
(في هذا المنزل) وهو القبر (الابتلاء في الابتداء) أي بعد ما صار بالغًا
في الدنيا حال حياته، فعلى هذا كان قوله:«الابتلاء» فاعل يمضي، وفي بعض النسخ للابتلاء في الابتداء، وهو سؤال المنكر والنكير في القبر وهو ابتلاء، وهو آخر ابتلاء في حق الميت في الدنيا، ثم السؤال في حق البالغ ظاهر لورود الآثار المتتابعة فيه.
وأما إذا مات الصبي فإنه يسأل ولكن يلقنه الملك، وقال بعضهم: لا يلقنه الملك ولكن يلهمه الله تعالى بفضله حتى يجيب كما ألهم عيسى عليه السلام بالجواب في المهد حتى قال: الآية (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ)[مريم:30]، وبهذا نأخذ. كذا ذكره الإمام الزوندويستى في «الروضة» .
باب العوارض المكتسبة
(أما التي من جهته فالجهل)؛ لأن الله تعالى أعطاه أسبابًا بها يزيل الجهل عن نفسه، فلما لم يشتغل بتلك الأسببا واشتغل بضدها جعل كأن الجهل حصل منه بخلاف الرق؛ لأنه جزاء استنكافه، وجزاء فعله لا يكون منه؛ لأن الإنسان لا يجازي نفسه، وهذه المجازاة من الله تعالى في حق الكافر فكان سماويًا، ولأنه لا يلزم من الكفر الرق كأهل الذمة بل الرق يثبت بالاستيلاء عليه وهو ليس باختياره، ولأنه بعد ما ثبت لا يتمكن من إزالته بخلاف الجهل.