المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مهما يكن من أمر فإن (وات) إذا كان قد قدر - المستشرقون والسيرة النبوية

[عماد الدين خليل]

الفصل: مهما يكن من أمر فإن (وات) إذا كان قد قدر

مهما يكن من أمر فإن (وات) إذا كان قد قدر على اتخاذ موقف حيادي من مسألة الصراع بين المسيحية والإسلام (على الرغم من أن هذا الاستنتاج ليس صائبا بشكل نهائي كما سنرى) ؛ فإنّه لم يستطع الفكاك من نقاط الشد الآخرى التي تمسك بتلابيب العقل الغربي: النزوع العلماني والمسلمات المادية والرؤية الوضعية، والانحسار على المنظور واعتقاد القدرة على إخضاع كل ظاهرة تاريخيّة أو بشريّة لمقولات التحليل العقلي الخالص، حتى ولو كانت (غيبية) تند عن التعليل والتحليل.

إن (وات) هو ابن الحضارة الغربية ولن يستطيع الرجل بسهولة أن ينشق على مواضعات البيئة التي شكلت عقله.. ولكنه- مرة أخرى- يعد أكثر قدرة على (التحرر) من معظم زملائه المستشرقين الذين عاصروه أو سبقوه على الطريق.

‌2

والآن يجب أن نختبر بحثه (محمد في مكة) لوضع اليد على عناصر الخلل المنهجي فيما يتعلق بهذه النقطة بالذات: إسقاط الرؤية العقلية المعاصرة على التاريخ.. منذ البداية، ولما يمض سوى أسطر معدودات على إعلانه الحياد في مقدّمته يتّخذ من القرآن- كمصدر لدراسة العصر المكي- موقفا يفهم منه اثنتان، أولاهما: عدم اطمئنانه إلى موضوعية روايات القرآن التاريخية، وثانيتهما: أن الشك يحوم حول كثير من النتائج بهذا الصدد!!

فهو يقول، ولمّا يزل بعد في المقدمة: «جرت العادة بعض الوقت بأنّ القرآن هو المصدر الرئيسي لفهم الفترة المكّية، ولا شك أن القرآن معاصر لتلك الفترة، ولكنه متحيّز ناهيك بصعوبة تحديد التسلسل الزمني لمختلف أجزائه، وما يحوم حول كثير من النتائج من شكّ، فهو لا يمدّنا بأي شيء يمكن أن يكون لوحة كاملة لحياة محمد والمسلمين خلال الفترة المكية.

ص: 90

وكل ما فعله كتّاب السيرة الغربيّون هو أنهم أقرّوا اللوحة التي تقدمها السيرة عن الفترة المكية في خطوطها الكبرى، واستعملوها إطارا لا يحتاج إلا لتوشيته بأكبر كمية ممكنة من مواد القرآن (!!) وأفضل طريقة هي اعتبار القرآن والأحاديث الأولى كمصادر يتمّ بعض منها بعضها الآخر في مساهمته لفهم تاريخ الفترة المشار إليها. ويطلعنا القرآن على الجانب الفكري لمجموعة من التغيّرات التي حدثت في مكة وفي ضواحيها، ولكن يجب الاهتمام أيضا بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إذا أردنا تكوين لوحة متناسقة وإدراك الجانب الفكري نفسه» «1» .

أمّا القول بتحيز القرآن وعدم موضوعيته، والشك في صدق النتائج التاريخية التي يطرحها.. فقد لا يستطيع أحد أن يلزم الرجل بالاعتقاد بأن القرآن- ككتاب منزل من الله سبحانه- إنما هو العلم الموضوعي اليقينيّ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكننا كمسلمين؛ فإننا غير ملزمين البتة بقبول بل حتى بمناقشة أطروحات كهذه طالما أكد عليها المستشرقون.

ولكن حتى لو نظرنا إلى القرآن كوثيقة تاريخية؛ فإن القول بعدم موضوعيته وبالشك في معطياته التاريخية أمر يحتاج إلى دليل.. و (وات) يطرح مقولته على عواهنها.. ولا نجد بعدها في طول كتابه وعرضه مقطعا قرآنيا واحدا يخرج عن الموضوعية.. ولا نجد أيّ دليل!!

وعلى أي حال؛ فإن كتاب الله ما جاء ليكون كتابا تاريخيا يتابع التفاصيل والجزئيات لحظة بلحظة ويوما بيوم، كما نجد في العهدين القديم والجديد اللذين دونا في فترات لا حقة على نبوتي موسى وعيسى عليهما السلام. وبرغم ذلك فقد استطاع عدد من الباحثين أن يستخلصوا من القرآن

(1) المصدر السابق نفسه، ص 12- 13.

ص: 91

حقائق تاريخية قيمة عن العصرين المكي والمدني، وأن يصنعوا من نسيج الآيات ذات الصيغة التاريخية صورة عن السيرة هي في الحقيقة من أدق ما كتب عنها إلى الآن، ويكفي أن ننظر- على سبيل المثال- في كتاب دروزة (سيرة الرسول: صور مقتبسة من القرآن الكريم) ، وصالح أحمد العلي (محاضرات في تاريخ العرب) إلى حد ما، وسيد قطب في تفسيره لسور (الأنفال) و (آل عمران) و (الأحزاب) و (التوبة) و (محمد) و (الفتح) وغيرها في كتابه (في ظلال القرآن) لتبين ما يمكن أن يقدمه كتاب الله عن سيرة رسوله الكريم من معلومات ذات قيمة أكيدة.

إن القرآن الكريم كتاب عقيدة ومنهج حركة، وإذا حدث وأن طرح جانبا من الوقائع التاريخية؛ فإنّ هدفه ليس تكوين لوحة متناسقة شاملة لمجريات الأحداث في عصر بكامله. وإنما ملامسة بعض هذه الأحداث والتعقيب عليها لكي يركب منها موقفا يا بني به الإنسان المسلم والجماعة المسلمة..

أي: أنه يعتمد أسلوب التعليم والتربية بالحدث، وهو واحد من أشد الأساليب حيويّة وعطاء؛ لأنه يحقق ما يسمى بمبدأ (الاقتران الشرطي) ويجعل النمو الحركي للجماعة الإسلامية يستمد مقوماته من الواقع المعيش لا من النظريات المعلقة في الفراغ والجدل اللاهوتي العقيم.

ثم إن (وات) ما يلبث أن يقع في تناقضين آخرين، فهو من جهة يعترف بأن القرآن يطلعنا على الجانب الفكري لمجموعة من التغيّرات التي حدثت في مكة وفي ضواحيها، وهي تغيرات تاريخيّة، بل إنها قمة التغيّرات التاريخية، لأنها بمثابة الحصيلة النهائية للحركة التاريخية التي ترفدها الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبما أن القرآن الكريم، كما أشرنا قبل قليل، ليس بحثا في التاريخ، فهو يكتفي بطرح التغيّرات الأعمق والأشمل، ويترك جزئيّاتها المتشكّلة في تيّارات العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مكتفيا بالإشارة إليها بين الحين والحين.

ص: 92