المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ذلك أن للكلمات إيحاآت وظلالا، وإنه ليتوجّب على الباحث الجادّ - المستشرقون والسيرة النبوية

[عماد الدين خليل]

الفصل: ذلك أن للكلمات إيحاآت وظلالا، وإنه ليتوجّب على الباحث الجادّ

ذلك أن للكلمات إيحاآت وظلالا، وإنه ليتوجّب على الباحث الجادّ أن يعرف كيف ينتقي كلماته.. وإلّا كان من حقّنا- كطرف في الموضوع- أن نتهمه بالأغراض!! أو على الأقل بأنه يجهل الفارق الحاسم بين المرحلتين المكيّة والمدنيّة حيث لم يكن التوجه في الأولى ينصب أساسا على إقامة المؤسسات، وكان الهدف: العقيدة من أجل الأساس الصالح لإقامة المؤسسات.

‌5

والآن ماذا بصدد تقليد القرنين الأخيرين القائل بفاعلية العامل الاقتصادي في التاريخ، والذي أخذ يتضخّم ويتضخّم حتى غدا على يد ماركس وأنجلز الحاكم بأمره في حركة التاريخ، بل إنه أصبح القاعدة الأساسية لكل تغيّر أو تحوّل حتى ولو كان دينيا أو أخلاقيا أو جماليا صرفا؟

ولقد أسر هذا الاعتقاد بدرجة أو أخرى، حتى أولئك المؤرخين الذين لم يعتنقوا المادية التاريخية، ولكنهم أصرّوا على تفسير كل ظاهرة تاريخية بالدافع الاقتصادي.. فلمّا تبيّن بمرور الزمن، واتساع إمكانات مناهج البحث وتكشف المزيد من الحقائق المضادّة عجز هذا الدافع عن أن يكون وراء كل ظاهرة، أو أن يفسّر كلّ حدث، تراجعوا بدورهم وخفّفوا من تبنّيهم للدافع، مفسحين المجال لفاعلية العوامل الآخرى التي لا تقل أهمية بحال من الأحوال.. أما المستشرقون عموما فقد تأخّروا بعض الشيء في اعتماد هذا الدافع ربما لأنّ وقائع التاريخ الإسلامي تتأبّى، أكثر من الأحداث التاريخيّة الأوربية، على دافع كهذا.. ولقد مرّ بنا كيف كان (وات) واحدا من الذين رفضوا الأخذ بمنطق التفسير المادي للتاريخ..

ولكن ذلك لم يكن يعني بالنسبة إليه، تجاوز الأخذ بمنطق التأثيرات الاقتصادية في التاريخ.. فإن القول بفعالية العامل الاقتصادي في التاريخ

ص: 107

شيء آخر تماما غير ما تريد المادية التاريخية أن تقوله، فتجعل من هذا العامل الطاقة الحركيّة الأساسيّة للفعل التاريخي، وتتّخذه قاعدة تحتيّة لسائر المناشط الحضارية..

وإذا كان (وات) يرفض هذا التوجه أحادي الجانب؛ فإنه يتشبّث بدور العامل الماديّ عموما، والاقتصادي على وجه الخصوص، في الحركة التاريخية.. وهو يقول بهذا الصدد: «إن اهتمام المؤرخين ومناهجهم قد تغيّرت خلال نصف القرن الأخير، ولا سيّما أنهم أدركوا بصورة أفضل العوامل المادّية الكامنة في التاريخ. يعني ذلك: أنّ مؤرخي منتصف القرن العشرين يهتمون أكثر بتحديد أثر كثير من المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، دون أن يهملوا الجانب الديني أو يقلّلوا من شأنه، حتى إن الذين (من أمثالي) يرفضون القول بأن مثل هذه العوامل يمكنها أن تحدد بصورة مطلقة سير الأمور؛ يجب عليهم مع ذلك أن يعترفوا بأهميتها.

وليست ميّزة هذه السيرة لمحمد أن تستعرض المصادر المعروضة عليها بقدر اهتمامها بهذه العوامل المادية ومحاولتها أن تقدّم جوابا على العديد من الأسئلة التي قلّما أثيرت في الماضي» «1» .

ومع هذه التحفّظات التي يطرحها (وات) فإننا نجده ينساق بين الحين والآخر، وراء إغراء هذا التقليد المنهجي القائم على منح الأهمية، وربما الأولوية، للعامل الاقتصادي لكي يفسّر وقائع من السيرة تندّ بطبيعتها عن أن تكون تمخّضا عن العلاقات الاقتصادية، في إطار حركة دينية كسرت- كما رأينا في بدء البحث- كل (التنظيرات) المادية التي أريد إخضاعها لها!!

فهو- مثلا- يقتبس فكرة الصراع الطبقي في حديثه عن المنتمين للإسلام في العصر المكّي، فيرى أن الإسلام «لم يستمدّ قوته من رجال الدرجة

(1) المصدر السابق نفسه، المقدمة، ص 6- 7.

ص: 108

السفلى من السلّم الاجتماعي بل من أولئك الذين كانوا في الوسط وأدركوا الفرق بينهم وبين أصحاب الامتيازات في الذروة، فأخذوا يقنعون أنفسهم بأنهم أقلّ امتيازا منهم، فنشأ صراع ليس بين (الملّاكين) و (المعوزين) بل بين الملّاكين والذين هم أقلّ منهم» «1» .

لا ريب أنّ اعتماد (المقاييس المادية) لفحص الدوافع التي قادت المسلمين وغير المسلمين للانتماء إلى الدين أو إلى أيّة عقيدة أو دين، أمر يرفضه واقع (التجربة) في أبعادها الشاملة الرحبة، فلم يكن البحث عن (الحق) والتشبث في الانتماء إليه أمر معدة تبحث عن طعامها، وجسد يرنو إلى الإشباع، بقدر ما هو مسألة نفسيّة معقّدة يلعب فيها الظمأ الروحي واليقين الفكري والقناعة الذاتية دورها الحاسم؛ بحيث إن سائر الأمور الآخرى، الحسّية والجسدية تظلّ (ثانوية) بالنسبة لهذه الدوافع الأساسية.

هذا على المستوى الذاتي، أما على المستوى التاريخي، فإن هذا المقياس يتعرّض للتهافت- كذلك- بمجرد إلقاء نظرة متأنية على قوائم المسلمين الأول الذين كان أكثرهم- كما يقول صالح عليّ- من التجّار ورجال الطبقة الوسطى، وممن كانت لهم عشائر تحميهم وتدفع عنهم. بل حتى وجود الحلفاء والمستضعفين في الإسلام لا ينهض دليلا على صحّة هذا الرأي؛ إذ إن هؤلاء نالوا كثيرا من الاضطهاد بسبب عقائدهم، ومنوا بكثير من الآمال إذا تركوا الإسلام، فرفضوا وأصرّوا على التمسّك بالدين الجديد، مما يدل على أن دافع العقيدة هو الذي كان يدفعهم إلى اعتناق الإسلام.. والواقع أن الروايات أشارت صراحة إلى دوافع بعضهم، فعثمان بن مظعون كان من قبل ظهور الإسلام من الباحثين عن الدين، وسعيد بن زيد بن عمرو هو ابن الرجل الذي كان حنيفا يبحث عن دين إبراهيم، وخالد بن سعيد بن العاص دان بالإسلام؛ لأنه رأى نفسه في

(1) المصدر السابق نفسه، ص 160.

ص: 109

المنام على حافة هاوية من النار يدفعه إليها أبوه ويدفعه عنها رجل آخر لينقذه منها.. أما عمر بن الخطاب الذي أسلم بعد هذه الفترة؛ فقد أسلم لتأثره من سماعه آيات القرآن ومن رؤيته أخته تتأذّى «1» .

ترى كم من المسلمين قادتهم إلى الإسلام تلك (الهزّة الوجدانية) التي أحدثتها آيات القرآن الكريم الساحرة، المعجزة، وهي تتلى عليهم، فتغسل ضمائرهم وتزيل زيغ قلوبهم، وتعيد ألق الذكاء إلى عقولهم ونور اليقين إلى بصائرهم وأفئدتهم؟ وهل بعد هذه (الهزة) الشاملة التي تنقل الإنسان من حال إلى حال تفكير (منفعي) محدود في أمعاء تمتلئ طعاما، وجيوب تفيض فضة وذهبا؟ ما الذي دفع عثمان بن عفان وهو في قمة قريش غنى ومكانة وأمانا ومحبة وجاها، إلى أن يتمرّد على جاهليته ويقف في لحظات الدعوة الأولى، الصعبة الغامضة، الخطيرة، بمواجهة قومه وعشيرته، رافضا الغنى والمكانة والجاه والمحبة، مختارا بدلا منها الفقر والزراية والخوف والكراهية؟ حتى إنه ليستهين بسياط عمه وهي تنزل على ظهره من أجل أن تعيده إلى حظيرة الآباء والأجداد؟ وما الذي دفع أبا بكر- وعشرات غيره- إلى أن ينفقوا من أموالهم الخاصة التي كدحوا من أجلها ينفقونها إلى آخر درهم، حتى إن الرسول ليسأل الصدّيق: وما الذي أبقيت لعيالك يا أبابكر؟ فيكون جوابه: أبقيت لهم الله ورسوله!! وما الذي دفع سعد بن أبي وقاص، الغنيّ المدلّل، إلى أن يرفض توسّلات أمه وقد أوثقته وباطا من أجل أن يرتدّ عن دينه، فما يكون جوابه إلّا أن يقول: والله يا أمّ لو رأيتك تموتين مئة مرة ثم تعودين ثانية إلى الحياة ما ردّني ذلك عن ديني؟! (وغير عثمان وأبي بكر وسعد كثيرون) ..

إن (وات) نفسه يقول: «لقد انتمى إلى الإسلام شباب من أفضل العائلات، وخالد بن سعيد أفضل مثل لهذه الفئة، ولكن هنالك آخرون غيره وكانوا ينحدرون من أقوى العائلات وأشهر القبائل، تربطهم روابط متينة

(1) محاضرات في تاريخ العرب: 1/ 338.

ص: 110

بالرجال الذين يملكون السلطة في مكة وكانوا في مقدّمة أعداء محمد، ومن المهمّ أن نشير إلى أنه وجد في معركة بدر أمثلة على الإخوة والآباء والأبناء والعم وابن الأخ الذين كانوا يقاتلون في صفوف كلا الحزبين..» «1» .

وبذلك يناقض الرجل نفسه

ثم إلى أي دين كان ينتمي هؤلاء المترفون الأغنياء ومتوسطو الحال الذين ينتمون إلى أشهر القبائل المكيّة وأعلاها سلطة ومكانة؟ إلى الدين الذي كانت حملات كتابه تتنزّل منذ بداياتها الأولى (العلق، القلم

وغيرهما) «2» صواعق على رؤوس الأغنياء والزعماء، تلك الآيات التي «نددت بالأغنياء الذين يقبضون أيديهم الطاغية الباغية المعتزة والمتكبرة عن الحق» «3» .

وشبيهة بالنص السابق الذي أوردناه لوات قبل قليل، تلك العبارات التي يفسر فيها دافع إسلام عمر بن الخطاب.. وكأن انتماءه للدين الجديد كان بسبب رغبة (مصلحية) تملكته في تجاوز ما يمكن أن تنتهي إليه قبيلته من تدهور وانحطاط، «لا نجد- يقول وات- أية إشارة إلى العوامل الاقتصادية (في إسلام عمر) . ومع ذلك فإن عمر وإن كان واثقا من مكانته في القبيلة، أحسّ بالضيق بسبب مكانة قبيلته في مكة، ولا يستبعد أن يكون شعوره بالضيق قد ضاعف حقده على زملائه الذين كانوا يتولّون قيادة القبيلة خشية أن يؤدي اعتناقهم للإسلام إلى تدهور حالة القبيلة العامة» «4» .

(1) محمد في مكة، ص 158.

(2)

انظر سورة الزخرف: 22- 23، هود: 116، المزمل: 11- 12، الإسراء: 16، الواقعة: 41- 48، الحاقة: 25- 29، الهمزة: 1- 4، سبأ: 31- 37، غافر: 47- 48، إبراهيم: 21، الأحزاب: 66- 67، الأعراف: 36- 40، الفرقان: 21، الأنعام: 133، الجاثية: 31، الجن: 24، النازعات: 28- 29، النبأ: 21- 22، وانظر: صالح أحمد العلي: محاضرات: 1/ 357- 359.

(3)

دروزة: سيرة الرسول: 1/ 165.

(4)

محمد في مكة، ص 163- 164.

ص: 111

والموقف من مقاطعة المسلمين المعروفة في شعب أبي طالب، وفشل هذه المقاطعة يرجع بها (وات) - كذلك- إلى الاقتصاد والمصالح الاقتصادية، فيقول:«لا مغزى لغياب المشتركين الآخرين في حلف الفضول (عن التوقيع على وثيقة المقاطعة) ما عدا غياب عبد شمس، ولكن كل شيء يحمل على الاعتقاد بأنّ هذه القبيلة كانت تسعى لعقد صلات متينة مع مخزوم لخدمة مصالحها المشتركة، فكان لا بد من أن يوجه ذلك سياستها أكثر من المحالفات القديمة، وإذا جاز لنا تقديم ملاحظة حول الدوافع التي أدت إلى توقف المقاطعة؛ فإنّنا نقول: إنهم أدركوا بمرور الزمن أن التحالف الكبير والمقاطعة يقوّيان مركز القبائل القوية التي كانت تحاول القيام بمراقبة التجارة المكّية، وإخفاق مكانة سائر القبائل» «1» .

وتفاصيل الظروف التي انتهت إلى إلغاء المقاطعة معروفة «2» ، ونخوة الإنسان لمجابهة الظلم وإنقاذ المظلومين طبع مركوز في جبلّة الإنسان إلّا إذا جرّدناه عن قيمه كإنسان، وعددنا المجتمع البشري مجتمعا حشريا لا تحركه إلّا المصالح الصرفة.. أما على مستوى الأخلاق العربية القديمة ذات الوجود التاريخي الثقيل، فإنّ المسألة تبدو أكثر وضوحا، وعلى هذا الضوء يمكن أن نفهم ما جرى.

ومحمد صلى الله عليه وسلم نفسه يضرب على وتر الدوافع الاقتصادية المصاحبة لكسب الأنصار، فيما يقتبسه (وات) عن (لا مانس) الذي سبق وأن رفض التسليم باستنتاجاته، «كان الأشخاص الذين اتصل بهم محمد، وهم عبد ياليل وإخوته ينتمون إلى قبيلة عمر بن عمير المنتمية للأحلاف، فكانوا بذلك من

(1) المصدر السابق نفسه، ص 196.

(2)

انظر ابن هشام: تهذيب من 89- 91، الطبري: تاريخ 2/ 341- 343، البلاذري: أنساب: 1/ 335- 336، ابن سعد: طبقات: 1/ 1/ 141، ابن الأثير: الكامل: 2/ 87- 90.

ص: 112

أنصار قريش، وربما راود محمدا الأمل باستمالتهم إليه بالتلويح لهم بتحريرهم من سيطرة مخزوم المالية» «1» .

وفي مكان آخر يجعل (وات)«ظهور الإسلام ذا علاقة بالانتقال من اقتصاد بدوي إلى اقتصاد تجاري» ، وإذ كان الرجل قد أكّد في عبارة سابقة:

«إن قلاقل العصر كانت دينية مثل كلّ شيء» ؛ فإنه ينتهي إلى طرح هذا السؤال: «هل هناك تناقض أم أنّ النظريّتين يمكن أن تلتقيا؟» «2» . وهو في مكان آخر يرى إمكان ذلك «3» .

ولا داعي للتأكيد، للمرة العشرين، على أن الإسلام يفرد مكانا واسعا للعوامل المادية والدوافع الاقتصادية، وعلى أنّ بعض وقائع السيرة لا تفهم إلّا على ضوء دوافع كهذه، ولكن الإسلام كدين منزل من السماء، وكدعوة أخيرة للبشريّة، أريد لها أن تواكب الوجود الإنساني على اختلاف تقلّباته وأوضاعه.. إنما هو حركة أكثر شموليّة وأعمق أثرا من أي تأثير مادي أو اقتصادي، وأنه كدعوة انقلابية، ضربت الأعراف والتقاليد والمعادلات اليومية السائدة، أكثر استعصاء على التزمّن والتحجيم الاقتصاديين وأن القول بالعلاقة بين ظهوره وبين الانتقال من صيغة اقتصادية إلى صيغة أخرى، تقطعه بين لحظة وأخرى، معطيات الإسلام العقيدية والتاريخية على السواء.

في مقابل هذا كله يطرح (وات) وجهات نظر أقرب إلى الموضوعية في حديثه عن العامل الاقتصادي، فينفي أولوية هذا العامل حينا، ويلتقي حينا آخر مع الرؤية الإسلامية التي تجعل (الدين) هو الأساس الحقيقي للمتغيرات

(1) محمد في مكة، ص 221.

(2)

المصدر السابق نفسه، ص 134، وانظر كذلك، ص 135.

(3)

المصدر السابق نفسه، ص 162.

ص: 113

الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهو تحليل يختلف في اتجاهه تماما عن التحليل الماديّ للتاريخ، يقول (وات) : «نستطيع تحديد الموقف بقولنا:

إنه، ولو كان محمد على علم واسع بالأمراض الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية في عصره وفي بلاده، فإنه كان يعدّ الناحية الدينية أساسية، ولهذا حصر اهتمامه بهذه الناحية. وهذا ما حدد أخلاق الأمة الجديدة، فقد اهتم المسلمون الأوائل بعقائدهم وشعائرهم الدينية اهتماما شديدا، حتى لو أنّ رجلا يهتم خصوصا بالسياسة خلال الفترة المكّية لما ارتاح إلى العيش بينهم، ولا سيما حين اشتد النضال مع المعارضين وأصبحت نبوة محمد موضوع الخلاف الرئيس، فقد اتجهت أفكارهم أولا إلى الدين، ولهذا دعي الناس إلى الإسلام على أساس دينيّ، ولا يكاد يكون للأفكار الواعية الاقتصادية أو السياسية أي دور في اعتناق الإسلام، نقول هذا ونحن نعتقد بأن محمدا والمتنوّرين من أتباعه قد أدركوا الأهمية الاجتماعية والسياسية لرسالته، وإن مثل هذه الآراء كان لها أثر بالنسبة إليهم في إدارة شؤون المسلمين» «1» .

وفي مكان آخر يؤكّد (وات) هذه (الفكرة) التي تضع الأمور في نصابها بعد أن أطاحت بها ذات اليمين وذات الشمال نظرية التفسير المادي التي عضّت بنواجذها على صيغة الإنتاج كقاعدة تحتيّة لكل المتغيّرات على الإطلاق!: «كانت المشكلة التي جابهها محمد- يقول وات- لها جوانب اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية، غير أن رسالته كانت في الأساس دينية بحيث إنها حاولت علاج الأسباب الدينية الكامنة لهذه المشكلة، ولكنها انتهت لمعالجة الجوانب الآخرى، لهذا اتخذت المعارضة أشكالا مختلفة» «2» .

(1) المصدر السابق نفسه، ص 164- 165.

(2)

المصدر السابق نفسه، ص 216.

ص: 114

وثمّة تأكيد ثالث لهذا المنظور الذي لا يغافل الدافع المادي، ولكنه يضعه في مكانه تماما:«إن الأسباب المادية لا تنفي الأسباب الدينية، بل الاثنان متكاملان، والقول الحق هو أن الأفكار الدينية يجب أن تكون ضرورية لتجعل الناس يدركون الوضع العام الذي يعيشون فيه، والأهداف التي يسعون وراءها، وللدين في نظر التفكير الديني مظاهره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذا هو الحال في الشرق الأدنى، وهو مع ذلك ظاهرة غريبة في نظر الغربيّين، ولكن يجب ألّا يعمينا ذلك عن إدراك أن الجانب الدينيّ في الحركة التي تزعّمها محمد كان دائما صحيحا وثيق الصلة بالجوانب الآخرى» «1» .

وانطلاقا من هذه القدرة على (التحرّر) من شدّ التقليد الغربيّ بصدد الدوافع الاقتصادية، يطرح (وات) في مقدمة كتابه هذا السؤال:«هل يعني هذا أن ظهور ديانة جديدة في الحجاز وانتشار العرب في فارس وسورية وإفريقية الشمالية مرتبطان بتغيّر اقتصادي خطير؟» ، وما يلبث أن يجيب عليه بقوله «هناك من يجيب بالإشارة إلى قحط صحراء الجزيرة العربية، وأن الجوع هو الذي دفع العرب على طرق الفتح، لندع جانبا مؤقتا، المسألة العامة عن التغيّر الاقتصادي، ويكفي أن نشير إلى أنه ليس هناك برهان وثيق على سوء الأحوال المناخية في الصحراء «2» . فلقد كانت الحياة فيها مقبولة.

ونسمع عن صحابة محمد أنهم- أثناء الفتوحات خارج الجزيرة- كانوا يعودون أدراجهم إلى حياة الصحراء التي يحبّونها، ونشعر من خلال ذلك أنّ البدو لم يكونوا أسوأ حالا من الماضي، بل كانوا أفضل حالا بسبب ما يستفيدونه من ازدهار مكة المستمر.. ولقد وجدت صناعات صغيرة في

(1) المصدر السابق نفسه، ص 239- 240.

(2)

انظر: أرنولد توينبي، دراسة في التاريخ: 3/ 439، 445، 453، 454.

ص: 115

الحجاز، ولا سيما لتلبية حاجات البدو والحضر، وإن سمعنا عن سلع من الجلد فمصدرها الطائف، ولكن هذه الصناعات ليست مهمّة في كتابة سيرة محمد لنعدّها عاملا فعالا» «1» .

بينما نجد أتباع التفسير المادي للتاريخ يعضّون بالنواجذ على أية إشارة من هذا النوع: صناعات جلدية، تجمعات عمالية لعصر الكروم وتخميرها!! وما شابه ذلك؛ لكي يقيموا عليها تحليلاتهم التي تنطوي في تشنجها المدرسي الأعمى، حتى نبوة الأنبياء وشعر الشعراء وحكمة الحكماء.. وهم يصلون- من خلال ذلك- إلى استنتاجات تصل حد التمحّل الذي يثير الاستغراب.. و (وات) يرفض الانسياق وراء هذا التقليد مؤكدا نقائضه الحين تلو الحين، برغم أنه يمثل- بحد ذاته- تناقضا مع عدد من أطروحاته التي أشرنا إليها قبل قليل.. «إن المستضعفين انتموا للإسلام متأثرين بقلقهم الخارجي والداخلي أكثر من تأثرهم بأي نفع اقتصادي أو سياسي.. وليس غريبا أنّ بعض الأشخاص قد دفعهم إلى الإسلام النواحي السياسية والاقتصادية فيه، ولا يبدو- مع ذلك- أن عددهم كان كبيرا» «2» .

وعلى أيّة حال فإن (وات) الذي دعا في مقدمة كتابه إلى الاهتمام الواسع بالعامل المادي في تفسير الوقائع التاريخية، لم يسمح لنفسه بأن يذهب مع المقولة إلى نهاية المدى، متخطّيا كل حواجز المنطق والواقعة التاريخيّة وتعقيدات الدّور البشري في التاريخ.. وبذلك أثبت أنه أكثر موضوعيّة من جلّ الذين أغراهم الدافع المنظور فوقعوا أسرى حشد من الأخطاء.

(1) محمد في مكة، ص 19- 20.

(2)

المصدر السابق نفسه، ص 164.

ص: 116

لكنه بصدد عوامل الشدّ الآخرى في مكوّنات العقل الغربي، لم يستطع أن يحقق (التحرر) أو (التوازن) نفسه، فوقع أكثر من مرة في دائرة (سوء الفهم) إن لم نقل في مظنّة الأخطاء.

ص: 117

الخاتمة

المحصّلة النهائيّة التي يمكن أن نصل إليها من خلال التعامل مع دراسات المستشرقين، أيّا كان موقعهم، أنه لا يمكن لهذه الدراسات- على الإطلاق- (وبالتأكيد العقلي، غير الانفعالي، على هذه العبارة الأخيرة) أن ترقى إلى مستوى السيرة فتكون قديرة على التعامل معها والتوغل في نسيجها، وإدراك بنيتها بعمق، ورسم الصورة الموضوعية العادلة لها.

ذلك أن هناك أكثر من خلل في (منهج العمل) ، ولن يتمخّض هذا الخلل إلّا عن حشود من نقاط سوء الفهم والأخطاء على مستوى الموضوع.. الأخطاء التي تنتشر كالبثور على جسد السيرة المترع صحة وتماسكا وعافية، فتشوهه وتنثر على صفحاته البقع والشروخ.

نعم.. ثمّة فرق بين مستشرق وآخر.. ونحن إذا قارنّا (وات) ب (لامانس) مثلا، أو حتى بفلهاوزن، وجدنا هوّة واسعة تفصل بين الرجلين.. يقترب أوّلهما ويقترب حتى ليبدو أشدّ إخلاصا لمقولات السيرة من أبناء المسلمين أنفسهم.. ويبعد ثانيهما ويبعد حتى ليبدو شتّاما لعّانا وليس باحثا جادا يستحقّ الاحترام..

ومع ذلك فهو فرق في الدرجة وليس في النوع.. فها نحن نقف بعض الوقت عند كتاب (محمد في مكة) لأكثر المستشرقين حياديّة كما أكّد هو نفسه في مقدمته وكما قيل عنه، ولنتذكّر عبارات المستشرق البريطاني (جب)، ونشير كذلك إلى عبارات المستشرق الفرنسي (مكسيم رودنسن) :

«من النادر أن ترى عالما لا يهتم فقط بجمع مواد بحثه، بل يطرح الأسئلة

ص: 119

على نفسه ويجيب عليها بصورة علمية، يضاف إلى ذلك أمانة علميّة شديدة تصدر عن فكر لا حيلة له أمام الحقيقة. هذا الانفتاح الفكري، وتلك الأمانة العلمية، وهذه المهارة في الكشف عما هو أصيل وجوهريّ جعل من كتابه عن محمد حدثا تاريخيا في الدراسات عن نبيّ الإسلام» «1» .

نقف أمام هذا الكتاب فإذا بنا نقع على بعض جوانب الخلل في منهج العمل في حقل السيرة: نزعة نقدية مبالغ فيها تصل حد النفي الكيفي وإثارة الشكّ حتى في بعض المسلّمات، تقابلها نزعة افتراضية تثبت بصيغ الجزم والتأكيد ما هو مشكوك بوقوعه أساسا. وإسقاط للتأثيرات البيئيّة المعاصرة، وإعمال للمنطق الوضعيّ في واقعة تكاد تستعصي على مقولات البيئة وتعليلات العقل الخالص.

ونستطيع أن نخلص من هذا كله إلى أنه ليس بمقدور أيّ مستشرق على الإطلاق مهما كان من اتساع ثقافته، واعتدال دوافعه، وحياديّته، ونزوعه الموضوعي، إلّا أن يطرح تحليلا للسيرة لابدّ أن يرتطم، هنا أو هناك، بوقائعها وبداهاتها ومسلّماتها، ويخالف بعضا من حقائقها الأساسيّة، ويمارس- متعمدا أو غير متعمد- تزييفا لروحها وتمزيقا لنسيجها العام.

(1) من تعليق رودنسن الذي اعتمده الناشر على غلاف كتاب (محمد في المدينة) .

ص: 120

أهم المصادر والمراجع

القرآن الكريم ابن الأثير: عز الدين الجزري (ت 630 هـ) .

الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت- (1965- 1967 م) .

البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279 هـ) .

أنساب الأشراف، الجزء الأول، تحقيق محمد حميد الله، معهد المخطوطات لجامعة الدول العربية، دار المعارف، القاهرة- 1959 م.

ابن سعد: محمد (ت 230 هـ) .

كتاب الطبقات الكبير، تحقيق إدوار سخاو ورفاقه، طبع مصورا عن طبعة ليدن- أبريل- 1925 م.

الطبري: محمد بن جرير (ت 310 هـ) .

تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة- (1961- 1962 م) .

ابن المبارك: زين الدين أحمد الزبيدي (ت 735 هـ) .

التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح للبخاري، الطبعة الثانية، دار الإرشاد، بيروت- 1386 هـ.

ص: 121

ابن هشام: أبو محمد عبد الملك (ت 218 هـ) .

تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة- 1964 م.

الواقدي: محمد بن عمر بن واقد (ت 207 هـ) .

كتاب المغازي، تحقيق مارسدن جونس، مطبعة جامعة أكسفورد 1966 م.

أرنولد: سير توماس و.

الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن ورفاقه، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة- 1971 م.

بروكلمان: كارل.

تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة فارس والبعلبكي، الطبعة الخامسة، دار العلم للملايين، بيروت- 1968 م.

البهي: د. محمد.

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، الطبعة الخامسة، دار الفكر، بيروت.

خليل: عماد الدين.

التفسير الإسلامي للتاريخ، دار العلم للملايين، بيروت- 1974 م.

دراسة في السيرة، الطبعة الثالثة عشرة، مؤسسة الرسالة، بيروت- 1981 م.

في التاريخ الإسلامي: فصول في المنهج والتحليل، المكتب الإسلامي، بيروت- 1980 م.

ص: 122

درمنغم: إميل.

حياة محمد، ترجمة عادل زعيتر، الطبعة الثانية، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة- 1949 م.

دروزة: محمد عزة.

سيرة الرسول: صور مقتبسة من القرآن الكريم، الطبعة الثانية، مطبعة عيسى البابي، القاهرة- 1965 م.

الدوري: د. عبد العزيز ورفاقه.

تفسير التاريخ، مكتبة النهضة، بغداد.

دوزي: رينهارت.

تاريخ مسلمي إسبانية، الجزء الأول، ترجمة د. حسن حبشي، المؤسسة المصرية العامة، دار المعارف، القاهرة- 1963 م.

دينيه: آتيين (ناصر الدين الجزائري) وسليمان إبراهيم الجزائري.

محمد رسول الله، ترجمة عبد الحليم محمود ومحمد عبد الحليم، الطبعة الثالثة، الشركة العربية، القاهرة- 1959 م.

العقيقي: نجيب.

المستشرقون، دار المعارف، القاهرة- 1964 م.

علي: د. جواد.

تاريخ العرب في الإسلام (السيرة النبوية) ، الجزء الأول، بغداد مطبعة الزعيم- 1961 م.

ص: 123

العلي: د. صالح أحمد.

محاضرات في تاريخ العرب، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، بغداد مطبعة الإرشاد- 1964 م.

فايس: ليوبولد (محمد أسد) .

الإسلام على مفترق الطرق، الطبعة السادسة، دار العلم للملايين، بيروت- 1965 م.

فرّوخ: عمر، ومصطفى الخالدي.

التبشير والاستعمار في البلاد العربية، الطبعة الرابعة، المكتبة العصرية، بيروت- 1970 م.

فلهاوزن: يوليوس.

تاريخ الدولة العربية، ترجمة محمد عبد الهادي أبي ريدة، الطبعة الثانية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة- 1968 م.

وات: مونتغومري.

محمد في مكة، تعريب شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت.

محمد في المدينة (المترجم والناشر نفسه)

ولفنسون: إسرائيل.

تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، مطبعة الاعتماد، القاهرة- 1927 م.

ص: 124

:margolluth:

the early development of mohammedanism) london- 1914 (

.mohhammed and the ris of islam.) london 1905 (.

the relations between arabs and israelits prior the rise of islam) london 1924 (

:muir willam.

the caliphate its rise dicine and fall) london 1891 (

.Lthe incyclopeadia of islam) london and leyden 1913 (.

ص: 125

فهرس الموضوعات

ملاحظات أساسية 5

تطوّر الموقف (الغربيّ) 17

أولا: المبالغة في الشكّ، والافتراض، والنفي الكيفيّ، واعتماد الضعيف الشاذّ 24

ثانيا: إسقاط الرؤية الوضعية، العلمانيّة، والتأثيرات البيئيّة المعاصرة على الوقائع التاريخيّة 27

ثالثا: رد معطيات السيرة إلى أصول نصرانية أو يهودية 33

محمد في مكة (1) 47 1- النزعة الشكّيّة والافتراض والنّفي الكيفيّ 49

محمد في مكة (2) 85 2- إسقاط الرؤية العقليّة المعاصرة على السيرة 87

الخاتمة 119

أهم المصادر والمراجع 121

فهرس الموضوعات 127

ص: 127