الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
الأسلوب القرآني:
55-
قد تكلمنا في سابق قولنا في ألفاظ القرآن المفردة، أنّ اللفظ المفرد له بلاغة خاصة في ضمن الأسلوب، وأن كل كلمة في جملة من الكلام تدل بمفردها على معانٍ تتساوق مع المعنى الجملي للكلام، وأن كل كلمة تكون بمفردها صورة بيانية تكون جزءًا من الصورة العامَّة للقول، وقلنا: إن ذلك ليس معناه أن الكلمة لو جردت من الكلام تعطي وحدها ذلك الإشراق، ولكن ينبثق نورها بالتضام مع غيرها من غير أن يفنى ضوءها في ضوئه، ولا تنمحي صورتها البيانية التي أشرقت بهذا التضامّ.
وقلنا: إنَّ ذلك لم ينكره أحد حتى الجرجاني1 الذي تشدَّد في اعتبار الأسلوب وحده هو سر الإعجاز، من غير التفات إلى معاني المفردات.
وإذا أردنا أن نحرِّر القول الذي رآه الأكثرون، وخالف فيه الجرجاني ومن لفّ لفه، فإننا نقول: إنَّ كلمات القرآن لها في تناسق حروفها وتلاقي مخارجها إشراق بلاغي، ولكن لا ينكشف ذلك الإشراق إلَّا بالتضام، أي: إنَّ الإشراق ذاتي، وهو الأصل، ولكن شرط ظهوره تضام الكلمة مع غيرها.
وفي هذا المقام نتكلَّم على الأسلوب والصور البيانية التي تتكون منه، والتآخي بين ألفاظه في النغم وفي تناسق القول؛ بحيث تكون كل كلمة في موضعها الذي وضعت لا تنفر من أختها، ولا يمكن تغييرها، وكأن الكلمات في الأسلوب نجوم السماء وأبراجها، لا تزايل أماكنها، ولا تخرج من مواطنها، ويقول في ذلك القاضي عياض في "الشفاء":
"الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر"2.
وإن الأسلوب هو الصورة البيانية التي تظهر في معنى رائع، وكلام مشرق، يثير في النفس أخيلة الحقيقة يصورها ويبينها، ويحس الإنسان فيها بأطياف المعاني، كما يحس بأطايف الصورة على حسب تثقيف المصور، وحسن الاختيار في ألوان الصور، فللأساليب ألوان تحسن وتنسق، وتصريف في أوضاعها كما قال تعالى:{انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 65] .
ولقد قال في هذا المعنى الخطابي3 في رسالة إعجاز القرآن: "وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر؛ لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني، وبه تنتظم
1 هو عبد القاهر الجرجاني، توفِّي سنة 471.
2 الشفاء ج1 ص176.
3 أديب لغوي محدث، توفِّي سنة 388هـ.
أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعضه فتقوم له صورة في النفس فيتكلم بها البيان" وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفناه، فقد علم أنه ليس المغرد بذرب اللسان وطلاقته كافيًا في هذا الشأن، ولا كل من أوتي حظًّا من بديهة حاضرة وعارضة كان ناهضًا بحمله ومضطلعًا بعبئه، ما لم يجمع إليها سائر الشروط التي ذكرناها على الوجه الذي حدَّدناه، وأنَّى لهم ذلك، ومن لهم به1:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .
وإنَّ الشروط التي ذكرها في آنف قوله هو اختيار الألفاظ من ناحية معانيها، وقوة تماسكها بعضها ببعض، وأشار إلى أنَّ الألفاظ قد تكون مترادفة في الظاهر، ولكن عند التحقق في مرماها يكون الاختلاف، وإن كان المعنى الجملي واحدًا.
وإنَّ الناظر إلى أسلوب القرآن الكريم في الخطاب والبيان يجده مختلفًا، فمثلًا أحيانًا يكون بالاستفهام، والاستفهام أحيانًا للتوبيخ، وأحيانًا للتقرير، وأحيانًا يكون للتنبيه، والكلام يكون بإطناب لا حشو فيه قط، ومعاذ الله أن يكون في كلامه تعالى ما يشبهه، وفي الإطناب يكون تكرار القول، وأحيانًا يكون الكلام إيجازًا ليس فيه إخلال، وأحيانًا يكون الكلام تهديدًا تضطرب له القلوب وتفزع، وأحيانًا يكون توجيهًا يدعو إلى التأمل والفكر، وأحيانًا ببيان أحكام الحلال والحرام وتوجيه أنظار المكلفين إلى حكمها، وكل ذلك في أسلوب متناسب مؤتلفة ألفاظه، ومؤتلفة معانيه، بحيث يتكّون من الجميع صورة بيانية متناسقة في معانيها مؤتلفة في ألفاظها لا ينبو واحد منها في لفظ أو معنى، بل يتآخى الجميع.
1 رسالة الخطابي ص37.